السبت، 25 أبريل 2026

اثنى عشر عاما من العبودية: الحياة ليست سوى كابوس مُخيف!

في مشهد هو من أهم المشاهد السينمائية المُعبرة والدالة في الفيلم مُنذ بدايته نشاهد العبد الزنجي سولومون النائم بجوار العديد من الزنوج الآخرين، وحينما ينتابه القلق الذي يجعله يتقلب في فراشه يواجه عينيّ امرأة مُستلقية إلى جانبه تنظران إليه برغبة جنسية عارمة؛ لتجذب يده على ثدييها، ثم لا تلبث أن تجذب يده لأسفل مُستخدمة إياها في الوصول إلى ذروتها الجنسية العارمة، وما أن تنتهي منها تنهار باكية مُعطية ظهرها له.

إن هذا المشهد السينمائي الفاتن والحيوي في سياق الأحداث يؤكد على الشعور العميق والمُؤلم والحاد بالوحدة القاتلة، والرغبة العارمة في التواصل الإنساني البحت؛ فرغبة المرأة هنا لم تكن محض رغبة جنسية لاهبة بقدر ما كانت رغبة فعلية في التواصل الإنساني والشعور بأنها ما زالت إنسانة تحيا من المُمكن لها التواصل مع الآخرين، يأتي هذا الشعور الحاد بسبب تعامل أسيادهم ومالكيهم البيض معهم باعتبارهم مُجرد ماشية، أو محض أشياء يمتلكونها؛ ومن ثم فهم لديهم الحق في تخريبها والعبث بها وقتما شاءوا، وهو الأمر الذي يترك هؤلاء الزنوج طيلة الوقت وحيدين لا يتواصل معهم بشري؛ لأنهم مُجرد أشياء للاستخدام فقط!

إنه المشهد الأكثر تأثيرا وتعبيرية للمُخرج البريطاني Steve McQueen ستيف ماكوين في فيلمه الأمريكي 12 Years A Slave اثنى عشر عاما من العبودية، وهو الفيلم الذي اعتمد فيه المُخرج على مُذكرات المواطن الأمريكي الأسود المولود في نيويورك Solomon Northup سولومون نورثوب، الذي تم اختطافه من مدينة ساراتوجا في نيويورك عام 1841م إلى واشنطن ومنها إلى مزارع الجنوب؛ حيث تم بيعه باعتباره عبدا من العبيد ليقضي اثنى عشر عاما في العبودية حتى تم إبلاغ ذويه بأمره، وتم تحريره مرة أخرى؛ ومن ثم كتب كتابه Twelve Years A Slave عام 1853م ليحكي فيه مُعاناته القاسية، ورحلته مع العبودية حتى التحرر منها.

يبرع المُخرج في تقديم أحداث فيلمه لنا من خلال الفلاش باك Flash Back المُتقطع؛ حيث يتذكر سولومون/ العبد- قام بدوره المُمثل البريطاني Chiwetel Ejiofor شيويتل إيجيوفور- حياته السابقة بالتوازي مع رحلته مع العبودية؛ لنعرف أنه كان كأي مواطن أمريكي حُر يعيش مع زوجته وابنه وابنته، بينما يعمل كعازف كمان ماهر وشهير بين أبناء الطبقة الراقية في نيويورك، ويلاقي الكثير من المكانة والحظوة والاحترام في مُجتمعه من الجميع- البيض والسود- لكن في أحد الأيام يأتي إلى نيويورك رجلان يدعيان أنهما يعملان كساحرين في السيرك في واشنطن وأنهما يبحثان عن عازف ماهر من المُمكن له أن يقبل العمل معهما، وحينما يقابلان سولومون يبديان له الكثير من الاحترام ويغريانه بالمال الوفير من أجل قبول العمل معهما.


بالفعل، يقبل سولومون العمل، ويسافر إلى واشنطن، وهناك يمنحانه الكثير من المال بعد أحد العروض ويسهران معه سهرة راقية في أحد المطاعم، لكنهما كانا حريصان على أن يضعا أمامه الكثير من النبيذ الذي جعله في نهاية الليلة لا يدري بنفسه؛ ومن ثم قاما باختطافه وبيعه إلى أحد النخاسين. يفيق سولومون ليجد نفسه في مكان ضيق ومُظلم محبوس فيه بينما الأصفاد تُكبل يديه وقدميه، وحينما يدخل عليه تاجر العبيد يحاول سولومون أن يشرح له الأمر، وأنه مُجرد رجل حر، وليس بعبد، لكن الرجل يتعامل معه بقسوة بالغة ويصرخ في وجهه بأنه مُجرد عبد هارب، بل ويجلده بشدة بالغة على ظهره ليعترف أمامه بأنه عبد وليس مُجرد رجل حر.

يتم نقل سولومون وغيره من العبيد الآخرين المخطوفين على متن قارب، ولعل المُخرج كان حريصا على بيان شكل حياة العبيد حينما يقول له زميله الأسود: إن أردت البقاء على قيد الحياة؛ افعل وتكلم بأقل ما تستطيع، لا تخبر أحدا من تكون، ولا تخبرهم أنك بمقدورك القراءة والكتابة اللهم إلا لو أردت أن تكون زنجيا في عداد الأموات. أي أن سولومون لا بد له مُنذ هذه اللحظة التخلي عن هويته والرضوخ للعبودية فقط من دون أي وجه من وجوه الاعتراض على ما يحدث له!

يهبط أحد البحارة في قلب القارب في الليل ويحاول اغتصاب إحدى النساء السوداء اللون، لكن أحد الرجال الزنوج يهب لمُساعدتها وإنقاذها من يده، إلا أن البحار لا يعطيه الفرصه لفعل أي شيء، فيقوم بقتله بسكينه مُباشرة.


ربما كان هذا المشهد من أكثر المشاهد ضعفا ولا منطقية في فيلم المُخرج ستيف ماكوين؛ لأنه، بالضرورة، لا بد له أن يجعلنا نتساءل: هل من المُمكن قبول مثل هذا المشهد رغم تنافيه مع الواقع في مثل هذه الفترة؟ إن هذا الزنجي المقتول في عداد الملكية الخاصة والشخصية لشخص آخر؛ ومن ثم لا يمكن للبحار مهما كانت الظروف الإقدام على قتله إلا بعد الرجوع لسيده- الوحيد الذي يمتلك أمر التصرف فيه- ليرى طريقة التصرف معه؛ فإذا ما كان الأمر كذلك تبعا لقوانين العبودية في مثل هذه الفترة؛ فإن مشهد مقتل الزنجي على يد البحار هو من المشاهد التي لا يمكن تقبلها؛ وبالتالي تكون من نقاط الضعف الخطيرة في البناء الفيلمي للمُخرج الإنجليزي.

يصل القارب إلى الجنوب، حيث مزارع القطن والقصب التي تستخدم العبيد في زراعتها، وهناك يتم بيع سولومون ومن معه إلى أحد النخاسين الذي يُطلق عليه اسم بلات، وحينما يخبره سولومون: اسمي ليس بلات؛ يقوم النخاس بصفعه بقوة قائلا: اسمك هو بلات.

يستعرض النخاس الزنوج الذين اشتراهم في منزله الذي كان بمثابة معرضا مفتوحا لبيع العبيد يذهب إليه السادة من البيض من أجل شراء من يقع عليه اختيارهم، ولعلنا نلاحظ أن النخاس كان يعرض العبيد عرايا تماما أمام المُشترين من البيض؛ لذلك نرى السيد فورد- قام بدوره المُمثل البريطاني Benedict Cumberbatch بنديكت كومبرباتش- يقف أمام سولومون راغبا في شرائه هو وإحدى النساء التي تُدعى إليزا، ولكن لأن إليزا معها طفلين؛ فهي ترجو السيد فورد ألا يفرق بينها وبين أبنائها طالبة منه أن يشتريهما معها؛ فيرق قلب الرجل لبكاء الأم على فراق الطفلين ويطلب من النخاس أن يشتري الفتاة الصغيرة مع أمها، لكن النخاس يُصرّ على رفض بيعها باعتبارها من المُمكن أن تجلب له الكثير من المال!


ثمة مُلاحظة مُهمة لا بد من الالتفات إليها في فيلم المُخرج الإنجليزي ستيف ماكوين، إنه حريص تمام الحرص على الاستغراق في وصف حياة العبودية ودمويتها ووحشيتها وتعالي الرجل الأبيض على السود بشكل لا يمكن تخيله، ولعله في ذلك يرغب رغبة صادقة في نقل الشكل الحقيقي لاستعباد الرجل الأمريكي الأبيض لغيره من الزنوج الأفارقة، والجريمة البشعة التي لا يمكن التسامح فيها مهما مر عليها من السنوات الطويلة؛ حيث كانت جرائم الرجل الأبيض من الجرائم التي لا تنتفي مع مرور الزمن.

نشاهد هذا التعالي والطبقية العرقية غير المُحتملة مثلا في قول النخاس لفورد حينما يرغب في شراء الفتاة الصغيرة مع أمها إليزا: إنها جميلة وتبدو للناظر أنها من دماء عادية، فهي لا تشبه أي من الزنوج سميكي الشفاه، جامعي القطن الأغبياء الذين يعملون عندك!

إنهم هنا لا يتعاملون مع السود باعتبارهم من البشر، بل يتعاملون معهم وكأنهم مُجرد حيوانات فقط؛ لذلك حينما يرفض النخاس بيع الطفلة مع أمها؛ يعود السيد فورد إلى مزرعته ومعه سولومون وإليزا التي لا تتوقف عن البكاء، وحينما تتساءل زوجته عن سبب بكائها ويخبرها بفراقها لطفليها؛ تقول لها الزوجة: ستحظين بالطعام والراحة، وقريبا ستنسين أطفالك! أي أنها لا ترى في إليزا إلا مُجرد حيوان من المُمكن له بعد يوم أو يومين أن ينسى فراقه لأطفاله ولا يفكر فيهم مرة أخرى.


هذه العنصرية القميئة والتعالي اللاعقلاني نراهما أيضا غير مرة في جعلهم جميع العبيد- رجالا ونساء- يستحمون معا في مكان واحد ومعزول من أجل تنظيف أجسادهم وكأنهم محض ماشية، كما سنراه مرة أخرى في قول تيبتس- قام بدوره المُمثل الأمريكي Paul Dano بول دانو- الذي كان مُديرا للعمال من العبيد في مزرعة فورد حينما يستقبل العمال الجُدد في الصباح ليجعلهم يصطفون أمامه قائلا: الآن أيها الزنوج المُتعفنين، أنتم لا تعرفون اسمي، أدعى جون تيبتس، أنا مُدير عمل النجارة للسيد فورد، سوف تنادونني بالسيد!

لعلنا كلما انتقلنا إلى مشهد جديد داخل فيلم المُخرج ستيف ماكوين؛ كلما تصاعدت دهشتنا من شكل العبودية الحقيرة التي كان يعاني منها الزنوج تحت سيطرة الرجل الأمريكي الأبيض الذي يتميز بالكثير من الصلف والصفاقة والحيوانية في التعامل معهم.

يقدم لنا المُخرج السيد فورد باعتباره من الرجال الذين يحملون قلبا رحيما؛ ومن ثم نراه يتعامل مع عبيده بشكل يكاد أن يحمل الكثير من الاحترام وعدم الاستهانة بهم، أو التحقير من شأنهم- رغم كونه السيد- وهو ما يجعله يقدر بلات كثيرا، وحينما يبدي بلات الكثير من الهمة والنشاط والذكاء، ويخبر السيد فورد أنه يمكن نقل الأخشاب من خلال القناة المائية بدلا من نقلها عن طريق البر؛ الأمر الذي لا بد له من أن يوفر الكثير من المال؛ يكافئه السيد فورد بأن يهديه كمانا من أجل العزف عليه وقتما شاء، لكن هذه الفكرة والذكاء اللذين يبديهما بلات يثيران الكثير من حنق رئيسه تيبتس الذي يعمد دائما إلى اضطهاده، ورغم أن بلات يؤدي عمله كما ينبغي إلا أن تيبتس يصر على أن العمل ليس كما يرغبه هو؛ ومن ثم يطلب من بلات إعادته مرة أخرى بعد تخريبه له، وفي إحدى المرات حينما يطلب من بلات إعادة العمل ويطيعه يدعي تيبتس أنه لم يفعل ما أمره به؛ وبالتالي يطلب منه خلع قميصه من أجل جلده على ظهره، لكن بلات يرفض فعل ذلك؛ الأمر الذي يدفع تيبتس إلى الهجوم عليه من أجل جلده، لكن بلات يختطف منه السوط ويقوم هو بجلده والدفاع عن نفسه.


إن الموقف البطولي الذي يتميز بالكثير من الكرامة الذي أقدم عليه بلات لا يمكن له أن يمر بسهولة؛ فكيف لعبد أسود أن يعتدي بالضرب على رجل أبيض؟ لذلك يعود تيبتس مرة أخرى إلى بلات ومعه رجلين ليقوموا بتقييد قدميه ويديه ويدخلان رأسه داخل حبل ضخم من أجل شنقه على إحدى الأشجار، وفي اللحظة التي يجذبوا فيها الحبل فوق الشجرة ليعلو بلات في الهواء يصل رئيس تبتيس ويخبرهم أن بلات ملكية للسيد فورد، ومعنى الاعتداء عليه بالقتل سيعرض حيواتهم جميعا للخطر؛ الأمر الذي يجعل الرجلين اللذين مع تيبتس يهربان، وحينما يصر تيبتس على شنق بلات يهدده رئيسه بمُسدسه؛ مما يجعله يفر هاربا، لكن الرئيس لا يحاول تخليص بلات من حبل المشنقة الذي كان ما زال مُلتفا حول عنقه بينما يحاول الحفاظ على حياته من خلال أصابع قدميه التي تلامس الأرض من تحته، بل يتركه كما هو ليذهب من أجل استدعاء السيد فورد!

إن مشهد سولومون/ بلات المُعلق إلى حبل المشنقة في المزرعة بينما يحاول الحفاظ على حياته والتمسك بها بأطراف أصابعه التي تلامس الأرض لحفظه من الموت من المشاهد المُهمة والمُؤثرة في السياق الفيلمي لأقصى درجة؛ حيث نرى جميع العمال من الزنوج الآخرين يتحركون من حوله محاولين عدم الالتفات إليه برتابة وطبيعية ليقوموا بأعمالهم وواجباتهم وكأنه غير موجود أمامهم بينما يحاول أن يشهق أنفاسه بصعوبة، وتأتي أهمية هذا المشهد في التدليل على الحياة القاسية والصعبة التي عانى منها الزنوج أثناء فترة الاستعباد؛ فهم لا يمكن لهم تخليصه أو الاقتراب منه لأن مالكه السيد فورد هو الوحيد الذي لديه الحق الآن في تقرير مصيره بعد اعتدائه على رجل أبيض، وهو الوحيد الذي يحق له إنقاذه من الموت، وبالتالي فلن ينقذه غيره أو يؤكد عليه حُكم الإعدام.

يصل السيد فورد ليقوم بإنقاذ سولومون وحمايته داخل قصره من تيبتس الذي يصر على قتله بكافة الطرق، وهنا يحاول سولومون إخبار السيد فورد بأنه ليس بعبد، لكنه يرفض الاستماع إليه ويخبره أنه يريد حمايته من الموت؛ لذلك فقد بادل ديونه مع السيد إبس- قام بدوره المُمثل الأيرلندي الأصل الألماني الجنسية Michael Fassbender مايكل فاسبندر- ومن ثم فقد بات سولومون الآن في ملكية السيد إبس الذي يُلقب باسم مُحطم الزنوج، ويعتذر له لأنه لم يجد أي مالك آخر يرغب في ملكيته بعدما فعله وباتت له سُمعة سيئة بين الملاك!


يبدو لنا السيد إبس وكأنه رجل غير مُتزن نفسيا؛ لذلك يتعامل بقسوة مُبالغ فيها مع عبيده ويستمتع كثيرا بجلدهم وتعذيبهم وإهانتهم طوال الوقت، بل هو لا يترك لهم أي فرصة للراحة بعد إنجاز أعمالهم في مزارع القطن التي يمتلكها، ووصل به الأمر إلى أنه يجلد يوميا من يجمع أقل كمية من القطن مُقارنا إياهم جميعا بباتسي- قامت بدورها المُمثلة الكينية الأصل المكسيكية الجنسية lupita nyong'o لوبيتا نيونجو- التي تقوم بجمع 500 رطلا من القطن يوميا.

نلاحظ أن إبس يميل عاطفيا إلى عبدته السوداء باتسي؛ وهو الأمر الذي يجعله أحيانا شديد القسوة عليها لدرجة جلدها وتقطيع ظهرها بالسوط! إن المشاعر المُضطربة التي يشعر بها إبس تجاه باتسي وعشقه الشديد لها، وميله الجسدي، ورغبته العارمة فيها يشعرونه بالكثير من الضعف أمامها، إلا أن هذا الضعف الذي يدركه جيدا السيد الأبيض أمام عبدته السوداء يخلق داخله ثورة عارمة، ومعركة قاسية بين ما يؤمن به كرجل أبيض لا بد له من التميز بالقوة والحزم والقسوة مع السود الذين هم مُجرد أشياء يمتلكها ويحتقرها في ذات الوقت، وبين الضعف الشديد أمام رغبته فيها وميله إليها؛ الأمر الذي يجعله شديد القسوة معها في جلدها حتى تكاد أن تقارب الموت، كما أن زوجة إبس لا تترك باتسي في حالها؛ لمعرفتها بعلاقة زوجها الجسدية بها وميله العاطفي إليها؛ لذلك تقوم طوال الوقت باضطهادها والاعتداء الجسدي القاسي عليها، وحرمانها من النظافة والطعام أيضا.


هذه القسوة المُتبادلة- سواء من ناحية إبس المُضطرب، أو من الزوجة الشاعرة بالكثير من الغيرة والحقد- يدفع باتسي إلى محاولة التخلص من حياتها لتنجو من هذا الجحيم الذي تعيش فيه؛ ومن ثم تتجه إلى سولومون لتقول له: أطلب منك أن تنهي حياتي، وتأخذ جسدي إلى ضفاف المُستنقع وتمسكني من عنقي، وتقترب بي لتغرقني في الماء حتى تزهق روحي، وتدفنني في مكان بمُفردي حيث أموت.

لعل هذا الطلب الذي تتوسل فيه باتسي إلى سولومون من أجل أن يخلصها من حياتها خير دليل على الجحيم الحقيقي الذي تحياه ولا يمكن لها الخلاص منه إلا بالموت، لكن سولومون يرفض طلبها، ويؤكد لها على أنها لا بد لها من الخروج من هذه الكآبة التي تشعر بها.


ثمة مُلاحظة مُهمة هنا في هذا المشهد الذي تطلب فيه باتسي من سولومون أن يقوم بقتلها؛ فإذا ما كان المُخرج الإنجليزي ستيف ماكوين قد حرص في فيلمه على أن يكون هذا الطلب من باتسي نفسها؛ فلقد فعل ذلك لأنه يمتلك من الرؤية السينمائية التي تجعله يلجأ إلى هذه الفكرة، وهي الرؤية التي تؤكد جحيمية حياة الاستعباد لدى هؤلاء الزنوج، لكن المُذاكرات الحقيقية التي كتبها سولومون تؤكد على أن زوجة إبس هي من ذهبت إليه طالبة منه أن يقوم بقتل باتسي ليخلصها منها ومن مُشاركتها لها في زوجها، أي أن المُخرج قد غير في المُذكرات التي اعتمد عليها من أجل المزيد من الإمعان في تصوير الحياة الصعبة التي يحياها الزنوج، وللمزيد من تعاطف المُشاهد مع ما يراه أمامه على الشاشة، ونحن لا يمكننا هنا لوم المُخرج على رؤيته السينمائية فيما فعله؛ فالسينما وسيط مُختلف تماما عن الوسيط الكتابي، ولها آلياتها ورؤيتها التي تخصها والتي قد تختلف أو تتفق مع الأصل الكتابي المأخوذ منه، كما أن المُخرج هنا غير مُطالب بالالتزام بالأصل المكتوب، بل له كامل الحرية في التغيير والحذف والإضافة حسبما يرى هو.


تُصاب مزرعة إبس بدودوة القطن؛ وهو ما يدفعه إلى تأجير عبيده إلى القاضي المُجاور له كي يعملون لديه في مزارع القصب، لكن المُخرج هنا يعمل على الإمعان في تأكيد اضطراب إبس الفكري والعقائدي والسيكولوجي في المونولوج الذي دار بينه وبين نفسه بينما يتأمل العبيد الذين يعملون في مزارعه وقد أصابتها دودة القطن: إنه الطاعون، إنها دودة القطن، والطاعون لعنة الكتاب المُقدس، موسمان يرسل فيهما الرب هذا الطاعون ليعاقبني، ما الذي فعلته حتى يبغضني الرب هكذا؟! إنه ذلك الكم من الإلحاد، لقد جرّوا عليّ ذلك، إني أحمل كلمة الرب، لكنهم مُلحدين وقد جلبوا عليّ غضب الرب!

ربما كان هذا المونولوج الداخلي الذي دار بين إبس ونفسه من المشاهد المُهمة ذات الدلالة في الفيلم والتي برع المُخرج في تقديمها؛ فالرجل يصل به اختلاله النفسي وعدم وعيه ودرايته بما يفعله في حياته مع الجميع إلى درجة أنه يظن نفسه من المُؤمنين الصالحين بينما يرى عبيده مجموعة من المُلحدين؛ لذلك فقد بعث الله له وباء دودة القطن بسبب إلحادهم رغم إيمانه وتقواه!

هذا الاختلال نراه أيضا حينما يقوم بجلد باتسي حتى تكاد أن تفارق حياتها؛ فيصرخ فيه سولومون: أنت الشيطان، عاجلا أو آجلا في مكان ما في مسلك العدالة الأبدية ستحاسب على هذا الإثم، لكن إبس يرد عليه بجنون: إثم؟! ليس هناك إثم، رجل يفعل ما يشاء في مُمتلكاته!


يصل إلى مزرعة إبس أحد الرجال البيض للعمل فيها مع العبيد من الزنوج، ورغم أنه رجل أبيض إلا أن إدمانه الشديد للخمر وتعلقه بها قد جعلاه يفقد كل ما يمتلكه؛ الأمر الذي دفعه للعمل لدى إبس كعامل، وليس كعبد بطبيعة الأمر، يتقرب آرمسبي- قام بدوره المُمثل الأمريكي Garret Dillahunt جاريت ديلاهونت- من سولومون/ بلات الذي يطمئن إليه ويطلب منه أن يرسل خطابا إلى نيويورك ويعطيه كل ما يدخره من المال، لكن آرمسبي يوشي بسولومون إلى إبس في نفس الليلة حتى أن إبس كاد أن يقتله لولا أن سولومون أكد له أن آرمسبي كاذب؛ فكيف له أن يكتب خطابا وهو ليس لديه قلم ولا أوراق، كما أنه لا يعرف القراءة أو الكتابة، وأكد له أن آرمسبي يفعل ذلك من أجل التقرب إليه وتعيينه كمُلاحظ على الزنوج بعد إيهامه أن جميع العبيد راغبين في الهروب؛ ومن ثم يقوم إبس بتعيينه كمُلاحظ عليهم من أجل منع هروبهم.

يحتاج إبس إلى أحد الرجال من أجل أحد البناءات داخل مزرعته، ويستأجر باس- قام بدوره المُمثل الأمريكي Brad Pitt براد بيت- الرجل الأبيض الكندي من أجل إنهاء ما يريده، وأثناء عمل باس تحت أشعة الشمس اللاهبة مع غيره من الزنوج يعرض عليه إبس أن يستريح ويتناول معه الشراب، لكن باس يضحك ساخرا، وحينما يسأله إبس عن سبب ضحكه يقول له: ما يضحكني هو قلقك عليّ في هذا الطقس الحار، في حين أنه بلا ريب أحوال عمالك قاسية، إنها أحوال يكتنفها الإجحاف برمتها سيد إبس، لكن إبس يرد عليه: إنهم ليسوا مُستأجرين للمُساعدة، بل هم من مُمتلكاتي، فيقول باس: تقول ذلك بفخر، ليقول إبس: بل أقوله كحقيقة واقعة، هنا يقول باس: هذه المُحادثة معنية بما هو واقع، وما هو ليس بواقع إذا كان لا بد أن يُقال، إنه لا توجد عدالة أو مُبرر أخلاقي في هذه العبودية، لكنك تفتح سؤالا مُثيرا للاهتمام، أي حق لديك أيضا في زنوجك؟ فيقول إبس: لقد اشترتيهم، دفعت نظير ثمنهم، ليرد باس: بالطبع دفعت ثمنهم، والقانون يقول: إن لديك الحق في امتلاك زنجي، لكن استجداء عفو القوانين مُجرد أكاذيب، افترض أنهم قد عدلوا القانون؛ سيسلبونك حريتك في عتقهم جاعلين منك عبدا، افترض، لكن إبس يقول: تلك ليست مسألة افتراض؛ فيرد باس: القوانين تتبدل إبس، الحقائق المُطلقة متواصلة، إنها حقيقة، حقيقة محضة وبسيطة أن الحق والصواب هو حق وصواب للجميع، البيض والسود سواسية، فيرد إبس غاضبا: هل تقارنني بزنجي باس؟! ليرد عليه: أنا أسأل فحسب، في أعين الرب ما الفارق؟

هذا الحديث بين باس وإبس الذي دار عن حقوق الزنوج في أن يُعاملوا كبشر مثلهم مثل البيض، والرافض لقوانين العبودية يجعل سولومون يطمئن كثيرا لباس؛ لذلك يخبره بقصته كلها، ويطلب منه أن يتواصل مع أهله في نيويورك من أجل إيجاد الوثيقة التي تُثبت حريته، وبالفعل يعده باس بالسعي في ذلك رغم خوفه.


ينجو سولومون من العبودية حينما تصل بالفعل شهادة حريته، ويعود إلى نيويورك مرة أخرى من أجل لقاء أسرته، لكنه يُفاجأ بأن طفليه قد كبرا وأنجبت ابنته، كما أن زوجته قد تزوجت من رجل آخر غيره.

ينهي المُخرج البريطاني ستيف ماكوين فيلمه على هذا المشهد ليكتب على الشاشة: سولومون نورثوب كان أحد ضحايا الاختطاف القلائل الذين استردوا حريتهم من العبودية، وقد قدم سولومون الرجال المسؤولين عن اختطافه للمثول أمام المحكمة، وعجز عن الشهادة ضد البيض في العاصمة، وقد خسر القضية ضد مالك حظيرة العبيد جيمس بورش، وبعد دعاوى قضائية مطولة في نيويورك أفلتا خاطفاه هاميلتون وبراون من المُلاحقة القضائية، وفي عام 1853م نشر سولومون كتابه اثنا عشر عاما من العبودية وأصبح ناشطا في حركة "مُؤيدون لإبطال الاسترقاق"، وبدأ يحاضر عن العبودية في أرجاء الولايات المُتحدة الشمالية والشرقية، وآزر العبيد الهاربين في السكة الحديد سرا، لكن التاريخ والمكان وظروف موت سولومون كانت مجهولة!


يكاد يكون الفيلم الأمريكي اثنا عشر عاما من العبودية للمُخرج البريطاني ستيف ماكوين من أهم الأفلام السينمائية- التي تم تقديمها حتى الآن- متناولة تاريخ العبودية في أمريكا، بل هو من الأفلام التي تُدين أمريكا بشكل صارخ على هذا التاريخ المُخزي والمُهين من الإذلال والقتل وتملك البشر بمثل هذا الشكل القاسي، ولعلنا نلاحظ أن المُخرج كان حريصا على تصوير حياة سولومون أثناء فترة استرقاقه بتمهل شديد وكأنه يستمتع بما يصوره أمامه على الشاشة، وإن كان في الحقيقة يرغب في الإمعان في تأمل هذه القسوة العارمة التي يتعامل بها الرجل الأمريكي الأبيض مع الرجل الأسود لمُجرد اختلافه عنه في اللون، والتعامل معه باعتباره مُجرد حيوان أو ملكية خاصة لا قيمة لها إذا ما أراد السيد الأبيض ذلك وقتما يشاء؛ وهو الأمر الذي جعل الفيلم يفوز بثلاث جوائز في مُسابقة الأوسكار كأفضل فيلم، وأفضل سيناريو مُقتبس، وأفضل مُمثلة مُساعدة للمُمثلة الكينية الأصل المكسيكية الجنسية lupita nyong'o.

 


محمود الغيطاني

 مجلة "نقد 21".

عدد إبريل 2026م.

 

 

 

 

 

 

الأحد، 22 مارس 2026

2046: هونج كونج مدينة الذكريات البائسة

هل يحتمل العمل الفني، على اتساع مفهومه، أو العمل السينمائي، بوجه خاص، مفهوم الكمال؟ بمعنى هل من المُمكن أن نُطلق على أحد الأعمال الفنية توصيف الاكتمال؛ ومن ثم يكون هذا العمل- المقصود بالتوصيف- غير خالٍ من أي عوامل النقص؟

بالتأكيد لا يوجد عمل فني كامل؛ لأن الوصول للكمال- إذا ما تحقق- يحمل في داخله معنى الموت، وتلك حقيقة لا يمكن الخلاف عليها؛ فإذا ما وصل الفنان إلى اكتمال عمله فهو لن يصنع أي عمل تالٍ لهذا العمل المُكتمل؛ حيث وصل إلى أقصى ما يستطيع في مجاله الفني، وبالتالي لم يعد أمامه ما يفعله أو ينشده من أجل الاستمرار في العمل الفني مرة أخرى، أي أن الشعور الدائم بالنقص أو عدم الاكتمال هو ما يعطي الفنان المزيد من الطاقة من أجل الإقبال على المزيد من الأعمال الفنية، عله يحقق فيما هو قادم من أعمال المزيد من الاكتمال الذي ينشده.

كذلك فإن النقد في حد ذاته لا يمكن له احتمال قبول أي توصيف بالاكتمال؛ لأن توصيف الاكتمال يحمل في أحد أوجهه اليقين الكامل، وهو ما يتعارض مع المُهمة النقدية التي تقوم دائما على الاحتمالية والشك، والترجيح، وعدم اليقين المُطلق.

إذن، فاكتمال أي عمل فني من الصعوبة بمكان ما يجعلنا نتشكك في وصف أي عمل فني بمثل هذا التوصيف، لكن المُشاهد للفيلم الصيني 2046 للمُخرج الهونج كونجي Wong Kar- Wai وونج كار واي بالتأكيد لن يجد من مُفردات اللغة التي من المُمكن لها أن تتناسب مع ما رآه أمامه على الشاشة من جماليات فنية سوى مُفردة الكمال، أو الاكتمال التي سيرفضها النقد بالضرورة، أو يحاول تقبلها على مضض رغم ميل هذا النقد إلى صدق ما ذهب إليه المُشاهد في هذا التوصيف الذي قد لا يفتقر إلى الدقة!


في فيلم أشبه ما يكون بالفسيفساء التي حاول المُخرج تجميعها إلى بعضها البعض من أجل صناعة لوحة سينمائية ذات مشهد كلي عن الذكريات التي لا يمكن للإنسان أن يتخلص منها؛ حيث تُشكل تاريخه بالكامل؛ ومن ثم هويته، يدور فيلم كار واي- 2046- مُستغرقا في ذكرياته والتلاعب بالمُشاهد غير القادر على إمساك الحقيقة من خلال الأحداث أو الوصول إلى يقين ثابت، أي أن المُخرج هنا كان يمارس لعبة فنية شديدة المُتعة؛ وبالتالي لم يكن يعنيه سوى مُتعته في اللعب في المقام الأول بعيدا عن تقديم فيلم له سيناريو مُتنامٍ، أو مُتصاعد الأحداث، وربما كانت هذه المُتعة التي يمارسها المُخرج هي ما جعلته يترك مصائر شخصياته جميعها مُعلقة في الفراغ من دون إيجاد أي حل أو نهاية لها، بل وجعل العديد من الشخصيات في الفيلم غامضة، مُثيرة للكثير من الالتباس لدى المُشاهد؛ حيث لم يكن يعنيه سوى جماليات وجود هذه الشخصيات في حد ذاتها، والأثر التي تتركه على أحداث فيلمه، بدلا من تفسير منطقية وجودها، أو تاريخها السابق.


يعمل وونج مُنذ بداية فيلمه على إيهام المُشاهد بوجود عالم خيالي- سواء على مستوى الزمان أو المكان- أشبه بعالم الخيال العلمي- رغم أن الفيلم في حقيقته لا يحقق فكرة الخيال العلمي بشكلها المألوف بقدر واقعيته المُنغلقة على ذاتها- فيدعي أن شبكة السكك الحديدية قد انتشرت حول العالم في 2046، وثمة قطار غامض يغادر إلى هذا العام من فترة لأخرى ناقلا الركاب الراغبين في استرداد ذكرياتهم الضائعة؛ حيث كل شيء هناك باقٍ على حاله لم يتغير، كما يؤكد أن فكرة بقاء الذكريات على حالها هناك ليست أمرا يقينيا، أي لا يمكن لأحد تأكيد مدى صحة هذه المعلومة من كذبها؛ حيث لم يسبق لأحد ممن ذهب إلى هناك أن عاد مرة أخرى ليخبرنا بالحقيقة- لعل المُخرج من خلال هذه الزاوية يكاد أن يقترب بشكل فلسفي من فكرة الموت وما بعده التي تؤكد على أن ثمة عالما آخرا بعد الموت، لكن لا يمكن لأحد ممن يؤمنون به، أو ممن ينكرونه الإقرار بيقينية الفكرة؛ نظرا لأنه لم يعد إلينا أي شخص ممن عبر إلى العالم الآخر، المزعوم، وأخبرنا بحقيقة ما بعد الموت.


هل يُعد ذهابنا بالفيلم إلى مثل هذا المذهب- مُقاربة ما بعد الموت- من قبيل المُبالغة، أو محاولة تحميل الفيلم أكثر مما يحتمل، أو أكثر مما يقصده المُخرج نفسه؟

أظن أن هذه المُقاربة ليست من قبيل المُبالغة؛ لا سيما أن من يعرف سينما وونج كار واي جيدا سيكون مُدركا للفلسفة التي يعمل على تحميلها لأعماله السينمائية، والتي تحتمل الكثير من التأويلات المُختلفة في تفسيراتها.

ألا تذكرنا فكرة ومشاهد القطارات السريعة جدا في المُستقبل أثناء ذهابها وإيابها إلى 2046، والتصوير الذي تمت من خلاله هذه المشاهد بألوانها المُختلفة بسينما المُخرج الأمريكي ستانلي كوبريك؟ ربما يكون وونج مُتأثرا بالأسلوب الكوبريكي في حديثه عن 2046، لكنه لا ينقل منه أو يحاول اتباعه، بل يكتفي بروح كوبريك فقط، مُستخدما أسلوبيته السينمائية التي تخصه وحده، وهي الأسلوبية التي قد يجوز لنا تسميتها بالأسلوبية الوونجية- إذا ما جاز لنا التعبير.


صحيح أن المُخرج يؤكد للمُشاهد مُنذ اللقطات الأولى على أن كل من ذهب إلى 2046 لم يستطع العودة منها مرة أخرى، إلا أنه يستثني بطل الفيلم الذي يروي الأحداث، هذا الراوي الذي يؤكد على أنه الوحيد الذي استطاع العودة من 2046، وكلما كان يسأله أحدهم عن سبب عودته كان يرد عليه بكلام غامض فحواه: إن الناس قديما حينما كانوا يرغبون أن يخفوا أسرارهم التي لا يريدون للآخرين أن يعرفونها، كانوا يصعدون إلى قمة الجبل حيث الأشجار، ويحفرون حفرة في الشجرة يهمسون إليها بأسرارهم وكأنهم يتخففون منها أو يدفنونها، ثم يغطون هذه الحفرة بالطين، وبهذه الطريقة يكونون قد دفنوا أسراراهم التي لن يعرفها غيرهم.

صحيح أن المُخرج ذكر ذلك على لسان الراوي، وكأنها حقيقة قد حدثت بالفعل، لكن مع الاستمرار في أحداث فيلمه سيتأكد لنا أن الراوي لم يترك 2046 سواء على المستوى الزماني أو المكاني، بل ظل حبيسا لها بشكل أبدي، وكأنه بات أسيرا فيها بشكل لانهائي!

2046 هنا هو اسم الفيلم الذي قدمه المُخرج الصيني وونج كار واي، وهو رقم غرفة في فندق سبق أن رأيناها في فيلمه السابق In the Mood for Love في مزاج للحب 2000م، وهو رقم غرفة أيضا في فندق داخل هذا الفيلم أقام فيه بطل الفيلم؛ ومن ثم تذكر ما كان في الفيلم السابق، وهو العام الذي حددته الصين لانتهاء شبه استقلالية هونج كونج عن البر الرئيسي للصين حينما استلمتها من الاحتلال الإنجليزي 1997م، أي بعد خمسين عاما.

لكن هل معنى ذلك أن وونج كان يرغب في تحميل فيلمه- المُزدحم بالذكريات والعواطف وحالات الحب- بالإسقاطات السياسية، والمصير الذي ستؤول إليه هونج كونج في المُستقبل؟

بالتأكيد لم يكن هذا الأمر هو الشغل الشاغل أو الجوهري لكار واي في صناعة فيلمه المُهم، لكنه قد يحتمل مُجرد الإشارة إلى ما ستؤول إليه هونج كونج، لا سيما أن الفيلم يدور في المدينة، ويشير إلى بعض الاضطرابات السياسية التي حدثت فيها، كما يصف برودة المدينة وقسوتها على أبنائها، وشراسة رأس المال على الجميع فيها، فضلا عن أن تيترات النهاية صحبت معها صور البنايات الشاهقة لهونج كونج، وهو ما ركز عليه المُخرج في خلفية التيترات؛ حيث يعمل على التأكيد على مدى قسوة هذه المدينة على كل من يقيم فيها حتى لو كانوا من أبنائها، والتهامها لهم!


يهتم المُخرج مُنذ بداية فيلمه بتقديمه في إطار يشبه السينما التسجيلية من خلال اعتماده مُنذ اللقطة الأولى على صوت الراوي العليم في الخلفية السمعية، وهو الراوي الذي يسرد أحداث الفيلم ويعمل على التعليق عليها دائما، هذا الراوي/ المُعلِق هو بطل الفيلم نفسه "تشاو" الذي قام بدوره المُمثل الصيني Tony Leung توني ليونج، حيث نراه في مشاهد الخيال مسافرا إلى 2046، كما نراه في المشاهد الواقعية/ الآنية- الزمن الحقيقي للسرد- في دور الصحفي الواقع أسير مشاعره وذكرياته، لكن الإتقان الفني للمُخرج وامتلاكه لأدواته، ورغبته في الإيغال من أجل المزيد من الإيهام للمُشاهد يجعلونه يحرص على التداخل بين العالمين- الواقعي، أي زمن السرد، والافتراضي، أي زمن التخيل- وهذا الأخير هو في حقيقة أمره القصة التي يكتبها تشاو بنفس العنوان؛ وبالتالي نرى مُعظم شخصيات العالم الواقعي التي قابلها تشاو في حياته تتداخل وتعيش معه في العالم الافتراضي؛ الأمر الذي يؤدي إلى المزيد من الالتباس بالنسبة للمُشاهد غير المُدقق لما يدور أمامه من أحداث مُتداخلة.

سنعرف فيما بعد أن تشاو كان يعمل ويعيش في سنغافورة حيث وقع في عشق امرأة متزوجة- سو لي تشن- وحينما وجد أنه لا سبيل للحياة في سنغافورة يقرر العودة إلى هونج كونج مرة أخرى، ويلتقيها للمرة الأخيرة، طالبا منها السفر معه، لكنها ترفض الذهاب معه بطريقة غير مُباشرة، وتخبره بأنه لا يعرف شيئا عن ماضيها؛ فيؤكد لها بأنه لا يرغب في معرفته إذا ما كان هذا ما تريده، إلا أنها تفرد أمامه ورق اللعب مُخبرة إياه بأنها ستلعب معه لعبة إذا ما فاز عليها فيها ستسافر معه، لكنها تفوز عليه وتتركه وحده. يعود تشاو إلى هونج كونج في عام 1966م، كما حدد المُخرج، وهو العام الذي حدثت فيه الكثير من أعمال الشغب؛ بسبب ارتفاع الأسعار، وحينما ازداد الشغب؛ تم فرض حظر التجوال على المدينة، وربما نلاحظ أن المُخرج يهتم في سرده السينمائي على تحديد زمن الفيلم الذي بدأ في 1966م وانتهى في 1969م.


حينما يعود تشاو إلى هونج كونج يعمل صحفيا، ويكتب القصص، كما يسكن في فندق رخيص في المدينة، لكن الرجل المأزوم عاطفيا بسبب حبيبته التي تركها في سنغافورة سيحاول التغلب على أزمته العاطفية ونسيانها بالانغماس وسط المزيد من النساء اللاتي سيمررن في حياته كمُتتالية عددية، حريصا في هذه العلاقات على عدم الالتفات إلى العاطفة بقدر الالتفات إلى العلاقة الحسية فقط، ورغم أن بعض النساء سيقعن في عشقه إلا أنه سيكون حريصا على عدم الانسياق من خلف عاطفته، وكأنه لا يرغب في المرور بنفس التجربة الأليمة مرة أخرى.

إذا ما كنا قد سبق لنا أن أطلقنا على أفلام وونج كار واي توصيف أفلام "المأزق العاطفي"، وهو ما يمكن مُقاربته بالمأزق الوجودي فلسفيا، فهو هنا يمعن بقسوة في وضع جميع شخصياته في هذا المأزق حتى أنها لا يمكن لها التخلص منه إلا بموتها؛ حيث يحيلها هذا المأزق إلى مجموعة من الشخصيات المُفرغة من روحها ومقدرتها على إكمال الحياة؛ فالعلاقات جميعها غير مُكتملة، ولا سبيل لاكتمالها، والأشخاص غير قادرين على الاستمرار في الحياة من دون هذه العلاقات التي يؤدي بترها المُفاجئ إلى موت أرواحهم داخلهم؛ ومن ثم يصبحون مُجرد أجساد خاوية من الروح تتحرك من دون جدوى، أو أي أمل فيما سيحدث مُستقبلا، وكأنما المُخرج يمارس هنا شكلا من أشكال السادية على شخصياته بدفعهم إلى مجموعة من العلاقات العاطفية غير المُكتملة، والتي تتركهم مُعذبين يقتاتون ذكرياتهم مع من يحبونهم بينما يذرفون الكثير من الدموع.


يلتقي تشاو مع راقصة كان يعرفها قديما- ميمي لولو، المُمثلة الكندية الجنسية الصينية الأصل Carina Lau كارينا لاو- ويحاول أن يذكرها بما كان بينهما قديما، لكنها لا تتذكره، وحينما تفرط في تناول الخمور يصطحبها إلى الفندق الذي تقيم فيه في الغرفة رقم 2046، ويتركها حينما يوصلها إلى فراشها، لكنه يعود بعد يومين من أجل إعادة مفتاح غرفتها إليها، إلا أن مالك الفندق "السيد وانج"- المُمثل الصيني Wang Sum وانج سوم- ينكر وجودها في الفندق، ويخبره بأنها قد غادرت- سنعرف فيما بعد أنها قد قُتلت في نفس الليلة التي أوصلها فيها تشاو إلى الفندق على يد عشيقها الغيور، وهي الجريمة التي ستظل غامضة حتى بعد انتهاء الفيلم.

يعود تشاو إلى الفندق ويطلب الإقامة في الغرفة 2046، لكن لأنها لم تكن قد تم تجهيزها بعد جريمة القتل التي حدثت فيها؛ يدعي السيد وانج أنها مشغولة ويعطيه الغرفة المجاورة رقم 2047 واعدا إياه بأنه سوف يلحقه بالغرفة التي يريدها حينما تخلو ممن يسكنها، لكن تشاو يعتاد الغرفة التي يقيم فيها ولا ينتقل إلى الغرفة المجاورة التي ستتتالى عليها فيما بعد العديد من الشخصيات النسائية اللاتي سيدخلن معه في الكثير من العلاقات.

تسكن في الغرفة 2046 امرأة جميلة تدعى "باي"- المُمثلة الصينية Zhang Ziyi جان زي- التي يحاول تشاو التقرب منها إلى أن يقنعها بقضاء ليلة رأس السنة معه في أحد المطاعم لتناول الشراب، وتنشأ بينهما علاقة لاهبة يتبادلان فيها غرفتيهما ذهابا وإيابا غير مرة. ربما يظن المُشاهد، هنا، حينما يرى العلاقة الجميلة التي تربط كل من تشاو وباي أنه قد استطاع نسيان علاقته القديمة/ الأليمة مع حبيبته السنغافورية سو لي تشن، وهي العلاقة التي تجعله حزينا أغلب الوقت لعدم قدرته على التغلب عليها أو نسيانها، لكننا سنلاحظ أن تشاو كان حريصا مُنذ الليلة الأولى مع باي على أن يكون فظا معها، محاولا وضع جدار نفسي بينهما- ربما خشية من وقوعها في عشقه- حيث يعمل على منحها المال في نهاية الليلة وكأنها عاهرة، وهو ما جعلها تستاء، مُخبرة إياه بأنها ليست داعرة، لكنه يتعلل لها بأن هذا المال مُقابل فستانها الذي مزقه نتيجة عنفه معها في بداية الليلة. تشعر باي بالكثير من الإهانة والألم، لكنها تأخذ منه عشرة يوانات فقط قائلة له بسخرية مُمتزجة بالألم: سأكتفي بعشرة يوانات فقط، وعليك أن تدفع مثلها كلما رغبت في العودة إليّ.


إن قبول باي لليوانات العشرة كان محاولة منها لعقد اتفاق ضمني بينها وبين تشاو يفيد بأن العلاقة بينهما ستأخذ شكل المُتعة الخالصة التي لا مجال فيها للعواطف. صحيح أن تشاو هو من فرض هذا الاتفاق مُنذ البداية، لكنها وافقته عليه بمرارة حينما لاحظت إصراره عليه، رغم أن هذا الأمر جعلها تبكي بمُجرد مُغادرته لغرفتها.

تستمر العلاقة بينهما لفترة طويلة كانت فيها باي تجمع العشرة يوانات التي يعطيها لها في كل مرة يلتقيا فيها في صندوق لتحتفظ بها، وتعرف من خلالها عدد المرات التي التقيا فيها معا، لكن رغم هذا الاتفاق الضمني تقع باي في عشقه بشكل لا تستطيع مقاومته، وحينما ترى إحدى النساء تخرج من غرفته تسأله عنها؛ فيطلب منها عدم التدخل فيما لا يعنيها. هنا تخبره باي بأنها ليس لديها أي مانع في أن يكون له صديقة أخرى معها، لكنها تريد أن يكون لها خصوصية مُختلفة في نفسه قائلة له: مُنذ أن بدأنا المواعدة لم أتمن رجلا آخر غيرك، تمنيت أن تشعر مثلي، هل تعدني بذلك؟ لكنه يرد عليها من دون تردد: كلا؛ فتمنحه عشرة يوانات غاضبة، مُخبرة إياه بأنها من استأجرته هذه الليلة، وأن كل ما بينهما قد انتهى ولن تعود إليه مرة أخرى، لكنه يخبرها بابتسامة باردة: بأنها إذا ما عادت إلى رشدها عليها ألا تخجل في العودة إلى غرفته.


يبدأ تشاو في الانتباه ومُراقبة "جينج وين"- المُمثلة الصينية Faya Wong فاي ونج- ابنة صاحب الفندق المُقيم فيه، والتي تظل لفترات طويلة تُحادث نفسها باليابانية، وتتعلم خطوات راقصة، ويعرف فيما بعد أنها كانت على علاقة بشاب ياباني انتقل للعمل في هونج كونج، وسكن في فندق والدها، لكن لأن والدها يكره اليابانيين؛ فلقد وقف في طريق علاقتيهما ورفض استمرارها؛ الأمر الذي أدى إلى التفريق بينهما وعودته إلى اليابان، وإن كانا قد ظلا على تواصلهما من خلال الخطابات. يعرف أبوها بأمر الخطابات المُتبادلة بينهما؛ فيثور عليها غاضبا؛ الأمر الذي يجعلها تمضي فترة في المشفى. هنا يتدخل تشاو ويخبرها بأنها إذا ما أرادات أن يرسل لها حبيبها خطاباته إليها باسمه وعلى عنوانه في الفندق؛ فلتخبره، وسيقوم هو بتسليم الخطابات لها. تبدأ أواصر الصداقة تربط بين تشاو وجينج وين، لا سيما أنها تكتب قصصا عن الألعاب القتالية بطريقة جيدة، وحينما تقرأ ما يكتبه تشجعه على كتابة قصص قتالية وتساعده في الأمر؛ مما يجعله يشعر بأنها مُساعدته، حتى أنها كانت تكمل له القصص التي يشعر بالكسل عن إكمالها. ترغب وين في الاستقلال ماديا عن أبيها ويساعدها تشاو في إيجاد عمل لها، ويمر عليها في إحدى ليالي عيد الميلاد لتسهر معه؛ نتيجة شعوره العميق بالوحدة. هنا يسألها لِمَ توقفت الخطابات بينها وبين حبيبها الياباني، وحينما تخبره بأنها طلبت منه التوقف عن إرسال الخطابات لأن الأمر بدا لها لا جدوى منه بسبب إصرار والدها على الوقوف بينهما، ينصحها تشاو بأن تأخذ قرارها هي، وتتبع ما يشير عليه قلبها، بل ويأخذها إلى مكتبه للاتصال بحبيبها الياباني. هنا يبدأ تشاو بالشعور بالحب تجاه جينج وين التي لا تشعر به، بل وتبدأ مشاعره تقسو عليه في حبه لها من طرف واحد؛ الأمر الذي جعله يبدأ في كتابة قصته 2046 مُتخيلا نفسه فيها حبيبها الياباني؛ حيث كان يبثها مشاعره من خلال القصص، لكنها لم تكن تنتبه لذلك حتى سافرت إلى اليابان لتتزوجه.


إن اعتماد المُخرج على سرد الذكريات من خلال الراوي المُعلق جعل مشاهد الفيلم مُتداخلة، لا تراتبية زمنية فيها، أي أنها لا تسير في مسار تصاعدي سواء للأمام أم للخلف بقدر ما بدت في مُجملها مُجرد نُدف من الحكايات، أو اللوحات التي تُشكل في النهاية لوحة كلية مُتكاملة نفهم من خلالها الحكاية الكاملة؛ وهو ما رأيناه حينما كان يسرد حكاية جينج وين مع حبيبها الياباني مُنذ بدايتها، حيث نلاحظ أنه رغم عدم وجود تشاو في بداية هذه العلاقة، وعدم مُعايشته لها في الواقع إلا أنه يرويها ويعلق عليها حتى أننا نراها على الشاشة من خلال تعليقه على الأحداث، وسُرعان ما يستكملها كشاهد فيما بعد من خلال الأحداث الآنية/ زمن السرد الواقعي، وهو الأمر الذي يجعلنا نؤكد على أن المُخرج هنا قد اعتمد على أن يجعل فيلمه أشبه بالفسيفساء التي يعمل على تجميعها لتكتمل لوحته في نهاية الأمر.

ينغمس تشاو في كتابته لقصته الخيالية عن 2046، فهي هنا المكان، والزمان، والذكريات، والقصة المُتخيلة، والمُستقبل التي يرى فيها جميع الشخصيات التي قابلها في حياته، والتي يتصور فيها نفسه مُسافرا عبر قطار مُنطلق إلى 2046 لكنه يعلق فيه لدرجة أنه يبدأ بالشعور بالملل من طول المُدة التي قضاها على متن هذا القطار، ولعلنا نرى السيد وانج صاحب الفندق المُقيم فيه داخل قصته باعتباره سائق هذا القطار الذي يحذره من أن يقع في عشق أي من المُضيفات لأنهن مُجرد روبوتات، وحينما يسخر تشاو من هذا الحديث مُتسائلا: كيف له أن يقع في حب روبوت، يخبره السيد وانج أن هذا حدث لبعض المُسافرين فيما قبل. بالفعل يقع تشاو في عشق المُضيفة الروبوت التي كانت هي جينج وين في الواقع، والتي بدأ كتابة هذه القصة الخيالية من أجلها فقط؛ حيث يقول: الفقرة رقم 201 في دليل المُسافرين تحذر من المنطقة رقم 1224- 1225 لأنها باردة دائما، وحرارة القطار لا تؤثر فيها؛ لذلك يُنصح الركاب أن يعانقوا بعضهم البعض للتدفئة، وبما إني الراكب الوحيد؛ فلقد عانقت المُرافقة الآلية.


تتداخل أحداث السرد الفيلمي ما بين الواقعي والمُتخيل؛ فصاحب الفندق في الواقع هو سائق القطار في القصة المُتخيلة، وجينج وين ابنة صاحب الفندق في الواقع، التي عشقها تشاو، هي المُضيفة الروبوت في الخيال، وكما وقع في عشقها في الواقع يحدث نفس الأمر في الخيال، وكما أنها في الواقع لا تشعر به، نراها في الخيال أيضا لا تبادله مشاعره بسبب تأخر ردود الأفعال بالنسبة للروبوتات، وهي ردود الفعل التي قد تأتي بعد أيام، لكنه يكتشف فيما بعد أن الروبوت لم ترد عليه- حينما طلب منها غير مرة مُغادرة القطار معه- ليس لأن ردود أفعالها مُتأخرة، بل لأنها بالفعل لا تحبه، بل تحب شخصا آخر، تماما مثل جينج وين في السرد الواقعي، كما نرى ميمي لولو أيضا في قصته المُتخيلة إلى 2046، أي أن المُخرج أكسب أحداث فيلمه بُعدين مُختلفين يتداخلان فيما بينهما ولا يوجد سوى خط دقيق للفصل بينهما، هذا الخط الدقيق هو ما قد يوقع المُشاهد في الكثير من الالتباس أثناء المُشاهدة.

يظل تشاو حبيسا للقطار المُتجه إلى 2046، ويكتشف أنه لم يغادره مثلما قال من قبل، بل علق به للأبد غير قادر على مُغادرته التي يتوهمها، وهو ما نراه على الجانب الآخر الموازي في حياته الواقعية؛ حيث ظل عالقا في حياته الفارغة التي لا يستطيع فيها الوصول إلى يقين عاطفي بسبب عشقه القديم، الذي حُرم منه، لحبيبته السنغافورية سو لي تشن.

المُخرج الهونج كونجي وونج كار واي

في عام 1969م يشعر تشاو بالكثير من الفراغ والوحدة والوحشة الشديدة؛ فيقرر السفر إلى سنغافورة لقضاء ليلة عيد الميلاد هناك، وحينما يحاول البحث عن حبيبته السابقة لا يستطيع التوصل إليها؛ فيسقط في لعب القمار كل ليلة إلى أن يخسر الكثير من الأموال، ويظل عالقا هناك مع اللعب في سنغافورة؛ نظرا لنقص الأموال. هنا يتقابل مع امرأة غامضة ترتاد صالة القمار كل ليلة وتكسب دائما حتى أن بعضهم يؤكد على أنها تغش في اللعب- أدت دورها المُمثلة الصينية Gong Li جونج لي- كما يلاحظ أنها ترتدي قفازا أسود لا تخلعه من يدها أبدا، وحينما يتعرف عليها تسأله عن سبب إدمانه للقمار رغم خسارته؛ فيخبرها بأنه خسر العديد من الآلاف، وأنه في حاجة إلى استعادة ما خسره كي يعود إلى هونج كونج مرة أخرى؛ فتعرض عليه مُساعدته في استعادة أمواله مُقابل 10% مما سيكسبه، وهنا يعرف أن اسمها سو لي تشن تماما كما كان اسم حبيبته السنغافورية السابقة، بل إنها من نفس المدينة التي كانت تسكنها حبيبته. تساعده سو لي تشن على استعادة ما خسره من أموال، ويشعر تجاهها بالكثير من المشاعر؛ الأمر الذي يجعله يحكي لها عن حبيبته السابقة التي تحمل نفس اسمها؛ فتسأله: هل أحببتها كثيرا؟ لكنه يتهرب من الإجابة ويخبرها بأن الأمر كان في الماضي، ثم يسألها عن ماضيها، لكنها تفرد أمامه ورق اللعب وتخبره بأنهما سيلعبان لعبة إذا ما فاز عليها فيها ستخبره عن ماضيها، إلا أنها تربح اللعبة ولا تخبره شيئا؛ ومن ثم يظل ماضيها مجهولا له وغامضا تماما كقفازها الأسود الذي لا يفارق كفها.

المصور الاسترالي كريستوفر دويل

ربما نلاحظ هنا الكثير من التوازي والتشابه التام بين سو لي تشن التي عرفها تشاو في نهاية الفيلم، وسو لي تشن حبيبته السنغافورية السابقة التي اختفت من حياته؛ فالاثنتين تحملان نفس الاسم، ومن نفس المدينة، وكليهما تحملان ماضٍ لا يعرف عنه شيئا ولم يعرفه أبدا، وكليهما لعبت معه نفس لعبة المُقامرة التي علقت عليها قرارها: الأولى علقت قرار سفرها معه إلى هونج كونج على لعبة المُقامرة، والثانية علقت إخبارها له بماضيها على نفس اللعبة وبنفس الطريقة، كما أن كليهما كانت ترتدي قفازا أسود لا يفارق كفها أيضا، وهو ما حرص المُخرج على التركيز عليه سواء في بداية الفيلم أو نهايته لا سيما مشهد السلم اللولبي الذي ركزت فيه الكاميرا على صعود كل منهما فيه على السلم بينهما يدها ذات القفاز الأسود تلمس سور السلم، أي أن المُخرج كان حريصا على التأكيد بأن كل منهما تكاد أن تكون واحدة، بل وعمل على التداخل بين الشخصيتين إلى درجة التماهي رغم أن تشاو لم ينتبه إلى الأمر وكأنه فقد ذاكرته رغم غرقه فيها حتى النخاع، وربما كان ما يؤكد على التماهي الكامل بين الشخصيتين هو مشهد فراقهما في نهاية الفيلم حينما طلب منها الرحيل معه إلى هونج كونج لكنها رفضت وطلبت منه عناقها، ثم انسيال دموعها بغزارة بمُجرد فراقه لها.

تلتقي باي بتشاو في هونج كونج وتقضي معه الليلة الأخيرة قبل سفرها إلى سنغافورة للعمل هناك، وتعرض عليه الكثير من الأموال التي كان قد استدانها من أجل رحلة سفرها، لكنه يرفض أخذها بلطف، وحينما يوصلها إلى فندقها تطلب منه الدخول لكنه يرفض؛ فتخبره بأنها ما زالت تحبه، وترجوه أن يبقى وأن تعود الأمور بينهما كما كانت في السابق، لكنه يخبرها بأنه لم يعد هناك فائدة من الأمر، ويودعها؛ لينتهي الفيلم عليه وحيدا، شاعرا بالكثير من الوحشة القاسية في سيارة تاكسي.

ربما نلاحظ أن المُخرج كان حريصا هنا على التأكيد على حسية الفيلم رغم المأزق الرومانسي الذي ألقى فيه جميع أبطاله، فالمشهد الأول يبدأ بالكاميرا وكأنها خارجة من نفق طويل أشبه بمهبل امرأة، ليعود المُخرج مرة أخرى ويختتم فيلمه بالكاميرا وقد اقتربت من دائرة سوداء أشبه بالنفق المهبلي مرة أخرى حيث تنغمس فيه.

المُمثل الصيني توني ليونج

يعتمد المُخرج الصيني وونج كار واي في تصوير فيلمه على جماليات المَشاهد كلوحات فنية، أي أنه يقدم لنا في كل مشهد من مشاهده لوحة تشكيلية جديدة متنها المُمثلين الذين تظهر وجوههم قريبة بشكل جمالي، مُعتمدا في ذلك على استخدام اللقطات القريبة والمتوسطة بوفرة حتى لكأن المُخرج واقع في عشق مُمثليه والافتتان بهم؛ الأمر الذي يجعلهم يظهرون من خلال الكادر وكأنهم تماثيل فنية منحوتة بمهارة، كما لا يفوتنا حرصه على إظهار وجوههم من خلال العديد من الظلال والألوان المُختلفة، مُبديا الكثير من المهارة في استخدام الإضاءة والظل واللون التي تعمل على تشكيل الصورة بالشكل الذي يستطيع من خلاله إيصال رسالته الفيلمية الجمالية سواء على مستوى الشكل الفني، أو المضمون الفيلمي مُؤكدا من خلال ذلك مقدرته كمُخرج على اختيار الزوايا المُناسبة لظهور وجوه المُمثلين، أو زواية تواجدهم في الكادر السينمائي من أجل استغلال الظل والإضاءة التي يستخدمها في ظهور أجزاء من وجوههم أو اختفائها؛ فكثيرا ما شاهدنا العديد من المشاهد التي يظهر فيها وجه المُمثل، أو نصفه بينما النصف الآخر من الكادر يختفي خلف الستائر أو النوافذ، وهو ما كان يستخدمه المُخرج بجمالية احترافية جعلت فيلمه من أهم الأفلام من الناحية البصرية، فضلا عن استخدامه لأسلوبه الأثير لديه- فيما يقدمه من أفلام- حيث المشاهد الليلية شبه المُظلمة، والأمطار الشديدة التي تهطل ليلا، بالإضافة إلى شوارع هونج كونج الخالية من البشر دائما، ساعده في ذلك استعانته بثلاثة مصورين من أجل تصوير الفيلم، حيث شكلوا مع بعضهم البعض هارمونية بصرية مُتسقة ومُتميزة لم نشاهدها من قبل في السينما العالمية، حيث استعان بالمصور المُفضل لديه: المصور الاسترالي الماهر والمُتميز Christopher Doyle كريستوفر دويل، والصيني Lai Yiu-Fai لاي ييو فاي، والصيني Kwan Pung- Leung كوان بونج ليونج الذين كانوا حريصين كل الحرص على استخدام الحركة البطيئة Slow Motion في العديد من المشاهد بعينها، لا سيما مشاهد الذكريات؛ للإيحاء بخصوصيتها، وإمهال المُشاهد وإعطائه الفرصة للتأمل والتدقيق في الشعور.

المُمثلة الصينية جان زي

لكن، إذا كان ثمة بطل حقيقي لفيلم 2046 للمُخرج الصيني وونج كار واي، وهو الفيلم الذي توافرت فيه كل وسائل النجاح والإبهار والاكتمال الفني من تمثيل وإضاءة، وتصوير، وإخراج، ومُونتاج، وملابس، فالبطل المُتميز مع جميع هذه العناصر هو المُوسيقى التصويرية التي اشترك في تأليفها كل من المُوسيقيين الياباني Shigeru Umebayashi شيجارو أومباياشي، والألماني Peer Raben بيير رايبن؛ حيث كانت المُوسيقى هي البطل الأول التي عملت على تشكيل مشاعر الجمهور والتماهي مع أبطاله مُنذ اللقطة الأولى في الفيلم حتى نهايته؛ الأمر الذي جعل أثر المُوسيقى لا ينتهي في نفوس المُشاهدين حتى بعد انتهاء الفيلم، ورغبتنا كمُشاهدين في استمرارها من دون انتهاءها، تماما كرغبتنا في عدم انتهاء المُخرج من سرده الفيلمي الذي لا يمكن الشعور بالملل من استمراره، كما حرص المُوسيقيون على استخدام مُوسيقى تقترب من السيمفونيات القدرية التي تتشابه إلى حد بعيد مع أقدار أبطال الفيلم.

في فيلم يهتم إلى حد بعيد بالزمن والوقت ومدى تأثيره على تشكيل العلاقات، بل وبمقدرة الزمن على تحويل مسار هذه العلاقات وتوجيه ردود أفعال الآخرين تجاه من يعيشون معهم نلاحظ أن المُخرج يهتم أيما اهتمام بصيرورة الزمن داخل فيلمه سواء من خلال سماع دقات عقارب الساعة، أو من خلال ولعه باستخدام التواريخ وكتابتها على الشاشة للتدليل على التوقيت الزمني ومدى ما مر من زمن؛ حتى أننا نقرأ كثيرا على الشاشة: بعد ساعة، بعد عشر ساعات، بعد ألف ساعة، بعد مئة يوم، بعد شهرين، وغير ذلك الكثير مما يُدلل على هوس المُخرج بالزمن ومروره، وهو ما سبق أن رأيناه في أفلامه السابقة أيضا؛ حيث يرى المُخرج أن الزمن له أكبر الأثر على تشكيل العلاقات بين الآخرين، وتكوين ردود أفعالهم تجاه بعضهم البعض.

إذا ما كانت الملاحم القديمة تُعد من الأعمال الفنية الخالدة في تاريخ الفنون؛ ففيلم 2046 للمُخرج الصيني وونج كار واي هو ملحمته، أو تحفته الخالدة على مر أفلامه التي قدمها للسينما الصينية بوجه خاص، والسينما العالمية بوجه عام؛ حيث استخدم فيه كل المهارات الفنية التي من المُمكن لمُخرج استخدامها في صناعة فيلم سينمائي.

 

 محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".

عدد مارس 2026م.