الجمعة، 21 مارس 2025

رأس الممحاة: عالم من الصور الكابوسية!

إن تجربة مُشاهدة فيلم للمُخرج والسيناريست الأمريكي David Lynch ديفيد لينش هي تجربة قد تبدو مُؤذية، لا بد أن يخرج منها المُشاهد وقد تناوبت عليه العديد من التجارب الشعورية المُختلفة التي يغلب عليها الشعور بالاكتئاب، والسوداوية، وربما الاختناق الشديد من هذا العالم السيريالي الكئيب، المُخيف- تبعا لدلالته التي يرغب المُخرج في إيصالها لنا- فلينش حينما يفكر في صناعة فيلم جديد، هو في واقع الأمر لا يقدم لنا السينما الترفيهية التي سيزجي بها المُشاهد وقت فراغه، ثم يتوجه فيما بعد هانئا، سعيدا إلى فراشه لينام، بل هو يُقدم له عالما كابوسيا، شديد الانغلاق، مُنكفئا على ذاته وسوداويته، مُنعزلا عن كل ما يحيط به حتى لكأنما كل ما في الواقع قد تلاشى ولم يبق منه إلا هذا العالم الذي ينشئه المُخرج للتعبير عنه، ومن ثم حبسنا داخله معه، إنه المأزق الفني/ الفيلمي للينش الذي يقع فيه المُشاهد. عالم يناقش فيه المُخرج الكثير من الأفكار، وهي الأفكار التي يحاول التعبير عنها برمزية، وسيريالية تجنح إلى مفهوم الفن في شكله الخالص، أكثر من جنوحها باتجاه المفهوم الواقعي، مما يعني أن المُخرج هنا إنما يحاول التأمل العميق داخل النفس البشرية، النبش فيها، محاولة استخراج مخاوفها، وهواجسها، ورؤاها الكابوسية الأكثر قتامة وتشاؤما للتعبير عنها، مُتخذا من الكاميرا السينمائية وسيطا أساسيا للتعبير عما لا يمكن لنا التعبير عنه بسهولة بالمُفردات اللغوية.

بالتأكيد قد يبدو لنا لينش هنا مُخرجا شديد التشاؤم، فتعبيره عن الأفكار هو تعبير يغوص عميقا داخل النفس البشرية المُوغلة في ظلامها، هو يحاول التعامل مع العقل الباطن وما يتجسد فيه من أفكار مُخيفة- قد تبدو لنا كابوسية، أو دموية، أو شديدة العنف- فيعبر عنها بسيرياليته التي تعزلها عن العالم المُحيط بها ليبني لها عالما مُنفصلا، مُنكفئا على ذاته، ومن ثم لا يستطيع المُشاهد في هذه الحالة إلا الاستسلام والمُشاركة في هذا الكابوس الذي لا ينتهي للمُخرج- فلقد وقع في الشرك- حتى لكأنما المُشاهد في هذه الحالة قد بات كائنا مُضافا إلى العالم الفيلمي، لا ينفصل عنه بقدر ما يُشارك فيه!

لكن، لِمَ نحاول هنا وصف أفلام ديفيد لينش بأنها كابوس لا ينتهي؟


المُشاهد لفيلم من أفلام ديفيد لينش الكابوسية يخرج منه وقد امتلكته هذه الحالة السوداوية؛ فلا يستطيع الخلاص منها بسهولة، أي أنه يظل مُتماهيا مع هذا العالم لفترة ليست بالقصيرة، ومن ثم يظل ذهنه طوال الوقت يفكر في هذا العالم الذي رآه، يعيد تمثيله في داخله، بل نحن لا نُبالغ كثيرا إذا ما ذهبنا إلى أن المُشاهد بعد مُشاهدته لأفلام لينش سيظل يحلم بها لعدة أيام نتيجة امتلاك هذا العالم لحالتنا الذهنية وسيطرته عليها؛ مما يجعل عقلنا الباطن يعيد تمثيل هذا العالم مرة أخرى سواء كنا في حالة من التيقظ أم النوم- أي امتلاك صفة الأبدية- وهو ما نعنيه حينما نصف أفلامه بالكابوس الذي لا ينتهي.

لكن، رغم كابوسية العالم الفيلمي للينش إلا أنه في جوهر الأمر غير مُنفصل عن الواقع، بل هو وثيق الصلة بهذا الواقع المُحيط بنا، ينطلق منه في الأساس لينحو به فيما بعد باتجاه السيريالية، أي أن لينش هنا هو مُخرج سينمائي يتأمل في الواقع المُحيط به، ومن ثم يقوم بالتعبير عنه فنيا في شكل سيريالي يراه هو الأنسب لهذا الواقع الذي إذا ما حاولنا تجريده تماما سيكون أكثر سيريالية مما نراه في العالم الفيلمي للينش، وبالتالي فلينش هنا في جوهره  مُخرج سينمائي واقعي في شكل سيريالي، يعتمد اعتمادا كليا وواعيا على تيار الوعي، وانسيال الأفكار غير المُنتظمة، وتداعيها على الذهن، وتمثيل الأفكار في صورة حلمية قد تكون في غالبيتها شائهة، وهو ما يجعل الزمن في أفلامه غير ذي قيمة، لأن كل شيء من المُمكن له أن يحدث في أي زمن، وفي أي مكان- بما أنه غير مُقيد في هذا العالم بالزمان أو المكان بقدر التزامه بالحدث الراغب في التعبير عنه في حد ذاته- فهو مُخرج أفكار تدور داخل الذهن أكثر من حدوثها في الخارج.


في فيلمه الروائي الأول Eraserhead رأس الممحاة تتبيّن لنا أسلوبية لينش التي سينتهجها فيما سيأتي من أفلام حتى نهاية حياته؛ بمعنى أنه قد وضع هنا حجر الأساس لهذه الأسلوبية الفنية مع الفيلم الأول- الذي يبدو لنا الأكثر نقاء على المستوى الفني في أفلامه- مما يؤكد على ما ذهبنا إليه مرارا بأن الأعمال الفنية الأولى إنما تحمل- غالبا- في داخلها بذور الأسلوبية الفنية التي سيكون عليها الفنان في نهاية الأمر، وهو ما رأيناه لدى العديد من المُخرجين من حول العالم، حيث كانت أفلامهم الأولى هي الفكرة، أو الأسلوبية، أو الشكل الذي عمل المُخرج فيما بعد- طوال حياته الفنية- على تطويره، وإكسابه المزيد من النضج، والأكثر من المشروعية والثبات، ليكون هو البصمة الجينية لهذا المُخرج التي يتميز بها على غيره من المُخرجين.

يحاول لينش في هذا الفيلم التأمل في العالم الحداثي، عالم ما بعد الصناعة وأثرها على البشر من خلال خلق عالم ديستوبي Dystopia شديد السوداوية والانغلاق، حتى أننا سنرى العالم الفيلمي الذي قدمه لنا يكاد أن يكون خاليا تماما من البشر، وكأننا قد انتقلنا معه إلى العدم، إلى عالم لا يسوده سوى الظلام، ولا نستمع فيه إلا إلى الأصوات الهادرة، والمُخيفة، والمُقلقة للآلات، والتروس المُتحركة، والضوضاء الصناعية، وصوت البخار المُتسرب من الآلات، أو المحبوس فيها مُتنقلا داخل المواسير، وصوت نفير قطار- بالتأكيد يقوم بنقل بضائع ومُنتجات صناعية ما- ومُوسيقى Fats Waller فاتس وولر[1] بإحالاتها التي قد تُزيد من توتر القلق حينما تشتبك مع كل هذه الضوضاء، فضلا عن أصوات الرعد، والأمطار المُتساقطة أغلب الوقت، ولا نرى فيه أيضا سوى برك المياه والمُستنقعات، وأكوام الردم، والمساكن الشعبية الجماعية الشبيهة بالعلب الخانقة، والمصانع المُتهالكة الفارغة يعلوها طبقات من الغبار، وبقايا زيت البترول على سطح البرك الراكدة، والغرق في الظلام في غالب الوقت- وهو ما قد يستدعي إلى أذهاننا العالم الكابوسي الذي عبر عنه المُخرج الدانماركي Lars von Trier في أول أفلامه الروائية الطويلة Element of Crime عنصر الجريمة 1984م رغم أن عالم ترير هنا لم يكن يعبر عن عصر ما بعد الصناعة، بقدر ما انصب تعبيره عن الظلام والخراب اللذين سقطت فيهما أوروبا بسبب الحرب العالمية الثانية، ومن ثم إدانتها، والتأكيد على أنها تستحق ما آلت إليه، مما يعني أن وجه الشبه هنا بين المُخرجين هو شبه شكلاني فقط في جوهر الأمر- أي أن المُخرج هنا قد أحال كل مُفردات العالم الفيلمي بالكامل من خلال الصوت- المُوسيقى التصويرية- إلى عالم مُقلق، مُثير لعدم الشعور بالراحة- وهو ما يرغبه المُخرج، أي إزعاج المُشاهد- بمعنى أنه استغنى تماما عن المُوسيقى في مُقابل مجموعة من الأصوات المُعبرة عن العالم الصناعي الذي يرغب في التعبير عنه- ربما يذكرنا ذلك بالمُخرج الروسي Andrei Tarkovsky في استغنائه عن المُوسيقى واستبدالها بمجموعة من الأصوات المُعبرة أيضا في فيلمه المُهم Stalker المُطارد 1979م، رغم أن فيلم تاركوفسكي كان تاليا على هذا الفيلم- وجه الشبه الوحيد بين المُخرجين هنا هو استخدام الأصوات بدلا من المُوسيقى.


إذن، فالاكتئاب الوجودي، أو الملل الحضري هما جوهر فيلم لينش هنا، هو غير قادر على احتمال الخراب الناتج عن المُجتمع الصناعي- ربما هو هنا يُقدم المُجتمع الصناعي الأمريكي- وهو يرغب في التأكيد- من خلال تأمله- على أن هذا التقدم الصناعي لن يفضي بنا في نهاية الأمر إلا باتجاه مُجتمع خرب تماما، مُجتمع يسبح في العدمية. مُجتمع لا مكان فيه للإنسانية، ولا للأحلام، ولا حتى للرغبات الإنسانية العادية، ولا للتعاطف؛ فكل شيء في النهاية سيكون شائها بسبب هذا التحضر الذي تسعى باتجاهه البشرية من خلال المُجتمعات الصناعية؛ لذا لا يفوته المرور بكاميرته على العديد من المصانع التي تبدو لنا خربة، خالية من البشر، بقاذوراتها المُلقاة خارجها، وفوضاها التي يكتظ به مُحيطها.

لكن، لينش بتناوله لمثل هذه الأفكار عن العالم الصناعي الحضري لا يحاول التعبير عنها بشكل مُباشر، ولم ينغمس فيها بشكل واقعي بقدر ما حاول الاستغراق في العقل الباطن، وتصوير العالم بشكل حلمي يحتمل كل الأشكال والهلاوس المُمكنة، أي أنه اكتفى هنا إلى الإشارة لهذه العلامات الحضرية- لغة الكاميرا- ليستغرق في أفكاره التي هي بمثابة النتائج لهذا العالم الصناعي المشوه، الذي لا يمكن أن يؤدي إلا إلى المزيد من التشوهات على كل المستويات.

يبدأ لينش فيلمه على رأس هنري سبنسر- قام بدوره المُمثل الأمريكي Jack Nance جاك نانس- مُتصدرة للشاشة بشكل عرضي، بعينيه المُحدقتين بدهشة لافتة، وكأنه اكتشف لتوه وحشا مُخيفا، وهي النظرة التي ستظل مُلازمة لهنري على طول الفيلم ربما للتدليل على عدم مقدرته على التكيف مع هذا العالم المُحيط به، فهنري هنا يبدو لنا من الناحية الشكلانية مُجرد طفل صغير قد اكتشف العالم لتوه- يقوي من هذه الشكلانية الطفولية طريقة ارتدائه لملابسه، فضلا عن طريقته في تصفيف شعره التي قد تبدو لنا وكأنما شعره قد توقف نتيجة إصابته بالعديد من الصدمات الكهربائية كما نرى في أفلام الكارتون- وهذا الاكتشاف يجعله مذهولا مما يراه من حوله، غير قادر على التعامل مع كائنات هذا العالم، أي أن هنري في واقع الأمر هو رجل ينجرف باتجاه العدم، غير قادر على فهم العالم وما يدور فيه، أو حتى التواصل معه؛ مما يجعله مذهولا، قلقا، خائفا، شاعرا بالخطر طوال الوقت، وربما غير قادر على التفسير لما يدور من حوله.


لذا فرأس هنري التي نراها في المشهد الأول بشكل عرضي- وليست طوليا- نرى من خلفها كوكبا ما يسبح بين النجوم، وسُرعان ما ينسحب رأسه من الكادر لتقترب الكاميرا بشكل كبير من هذا الكوكب الغامض، وتبدأ في استعراض التربة فيه ليسود الظلام، ويقطع المُخرج في المشهد التالي على رجل غامض يبدو وكأنه مُصاب بالعديد من الجروح والحروق الخطيرة جالسا من خلف نافذة زجاجها مكسور وكأنه يطل على العالم الخرب من خلفها والغارق في الظلام، بينما توجد أمامه العديد من الرافعات الشبيهة برافعات خطوط السكك الحديدية. هنا يستمر المُخرج في القطع المتوازي Cross Cutting ما بين الرجل المُحترق تارة، وما بين رأس هنري المذهول تارة أخرى، وبينما يعمل الرجل المُحترق على تبديل وجذب الرافعات الماثلة أمامه فهو يرسل المزيد من الكائنات الغريبة الشبيهة بالحيوانات المنوية إلى الأرض، أو إلى عالم هنري، لذا رأينا ما يشبه الحيوانات المنوية التي تخرج من فم هنري، وكأنما خروجها من فمه هو رد الفعل المُباشر، أو النتيجة لما يقوم به الرجل المُحترق الغامض الذي يغرقه بإرسال المزيد من هذه الحيوانات المنوية كلما حرك الرافعات.


إن لينش هنا يستغرق- ويغرقنا معه- في عالمه الخاص المُغلق تماما، مُعتمدا اعتمادا كاملا على سيريالية الأحلام ولاواقعيتها، ومن ثم يتحول الزمان والمكان في الفيلم إلى دالين غير جوهرين بقدر جوهرية الحدث الفيلمي الذي يقدمه المُخرج، وهو حدث غير مُنتظم في دلالته الزمانية أو المكانية، وليس من المُهم فيه التراتبية العقلانية بقدر تقديم الأحداث التي مالت باتجاه التجريد إلى حد بعيد.

إن تأمل ملامح هنري- وهي الملامح التي ستظل مُلازمة له على طول الفيلم- تؤكد لنا على أنه يبدو لنا كرجل خرج لتوه من عزلة طويلة ليرى العالم؛ ومن ثم أصابته دهشة عميقة أدت به إلى الذهول الدائم مما يراه من حوله، وهو ما يؤكد لنا بدوره على انفصاله الكامل عما يحيط به، وعجزه عن التعامل معه، فضلا عن شعور الاغتراب العميق عن هذا العالم.

إدراك لينش لما يقوم به في فيلمه المُعتمد على تيار الوعي، وعدم وجود قصة سينمائية بالشكل الكلاسيكي المعهود جعله يحاول إيجاد حدث ما يكون قادرا على جذب المُشاهد للفيلم حتى النهاية وعدم الانصراف عنه، ومن ثم ابتكر لنا قصة شديدة البساطة كي يستطيع النجاح في استمراريته على جذب انتباه المُشاهد، والبناء عليها؛ فعرفنا أنه يكن الكثير من المشاعر باتجاه ماري إكس- قامت بدورها المُمثلة الأمريكية Charlotte Stewart شارلوت ستيوارت- وأنها قد هاتفته على الهاتف العمومي حينما كان غائبا عن المنزل لتخبره بأنها في بيت والديها، وأنهما يدعوانه على العشاء من أجل التعرف عليه، وهو ما أخبرته به جارته الجميلة- قامت بدورها المُمثلة الأمريكية Judith Anna Roberts جوديث آنا روبرتس- حينما عاد إلى المنزل بعد تسكعه الطويل في الشوارع الخالية الخربة، لنعرف أنه يعيش في غرفة شديدة الضيق، تكاد أن تكون مُجردة تماما اللهم إلا من فراش مُهترئ الغطاء تماما، وجرامافون، ومُبرد، ومنضدة، ويوجد بجوار الفراش كومة من الطين مغروس فيها نبات ذابل تماما وكأنه يقوم بزراعتها، لكنها ماتت كنتيجة من نتائج العصر الصناعي. كما نُلاحظ أن هنري يقوم بجمع العملات المعدنية في إناء مليء بالماء داخل أحد الأدراج- بالتأكيد لا يهم هنا التفسير؛ فالفيلم مُنبي في الأساس بشكل شديد السيريالية، أي غير قابل للتفسير، ومن ثم فمحاولة التفسير هنا تبدو لنا مُجرد محاولات لفهم بعض رموز الفيلم، وفك استغلاقه المُحكم.


يتجه هنري إلى أحد البيوت المعزولة وسط العالم الخاوي في الخارج، والغارق في ضباب البخار المُنبعث من أحد المصانع، لتقابله حبيبته ماري على الباب مُخبرة إياه بأن العشاء كاد أن يكون جاهزا. هنا يُوغل ديفيد لينش في سيرياليته إلى حدها الأقصى فيقابل أم ماري- قامت بدورها المُمثلة الأمريكية Jeanne Bates جين بيتس- التي تواجهه كإعصار، وبطريقة جافة وغريبة بمجموعة من الأسئلة عن علاقته بماري، وعن عمله، وغير ذلك. لكن ربما كان من الضروري الانتباه هنا إلى المُفردات البصرية التي حرص المُخرج على زجها داخل الكادر، حيث نرى مجموعة من الجراء الصغيرة تصرخ مُتصارعة بينما ترضع من أمها في أحد جوانب المنزل، كما نُلاحظ أن ماري مُصابة بمُتلازمة غريبة تجعلها تهرش بعصبية في ركبتها لتفضي بها إلى التشنج، حتى أننا نظن بأن الدماء ستخرج منها نتيجة حكها لجلدها، وهو ما يجعل أمها تحاول تهدئتها بتصفيف شعرها بشكل عنيف غير مُتناسب مع الرغبة في التهدئة، فضلا عن جلوس الجدة ذاهلة بلا أي حركة في المطبخ وكأنها مُجرد جثة- قامت بدورها المُمثلة الأمريكية Jean Lange جان لانج- بالإضافة إلى ساعة الحائط التي نُلاحظ بأنها ذات عقرب واحد عبارة عن سهم يشير إلى أحد الأرقام.


إن تصوير العالم بمثل هذا الشكل السيريالي الغريب لا بد أن يُحرك داخل المُشاهد مشاعر القلق، والريبة، وربما الخوف، ورغم أن فيلم لينش ليس من أفلام الرعب، إلا أنه يثير داخل المُشاهد الكثير من المشاعر المُرعبة على طول مشاهده، لا سيما أن هذه الغرابة ستتعمق أكثر حينما يخرج والد ماري من المطبخ- قام بدوره المُمثل الأمريكي Allen Joseph ألين جوزيف- ليقول: لدينا دجاج الليلة، أشياء غريبة للغاية من صُنع الإنسان، أشياء صغيرة لعينة، أصغر من قبضة يدي، إنها أشياء جديدة. في إحالة منه إلى أنه حتى الطعام قد بات مصنوعا، ولم يعد الإنسان يعتمد على أي شيء طبيعي اللهم إلا نتاج عصر الصناعة السائد.

إن سيطرة مُفردات عالم ما بعد الصناعة هو ما يجعل والد ماري شديد الانزعاج، ومن ثم يقول متوجها بحديثه إلى هنري المُندهش: السباكة هي عملي، ثلاثون عاما، لقد رأيت هذا الحي يتغير من المراعي إلى الجحيم الآن- لاحظ وصفه للتحول الصناعي بقوله: الجحيم، بعدما كان مراعٍ- لقد وضعت كل الأنابيب اللعينة في هذا الحي. يعتقد الناس أن الأنابيب تنمو في منازلهم، حسنا، من المُؤكد أن الأمر ليس كذلك، انظر إلى ركبتي. محاولا كشف ركبتيه أمام هنري ليراهما، لولا أن زوجته تمنعه من ذلك، وتجره معها إلى المطبخ لإعداد العشاء.


ألا نُلاحظ هنا أن هنري إنما يسبح في عالم كامل من الكابوسية التي لا يستطيع التعامل معها، أو إدراكها، وهو ما يجعل ملامح وجهه المُندهشة مُستمرة في المزيد من الاندهاش والتحديق؟

مع دخول الأبوين إلى المطبخ تزداد سيريالية الموقف حينما نرى الأم تقوم بإعداد طبق السلطة الضخم، وسُرعان ما تضعه على رجلي الجدة الجالسة في أحد الأركان ذاهلة تماما عما حولها، لتقف الأم خلف كرسي الجدة وتتناول يديها لتمُسكها عصيان التقليب، وتبدأ في تقليب السلطة بيدي الجدة المُمسكة بهما، وكأنما الجدة هي التي تقوم بذلك، رغم أن مُجرد تأمل وجهها يؤكد لنا على أنها مُنفصلة تماما عن الحياة، وكل ما يحيط بها، وبعد الانتهاء من تقليب السلطة تضع سيجارة بين شفتي الجدة لتشعلها لها رغم أن جسد الجدة لا يتحرك فيه سوى عينيها! بينما نرى والد ماري يدهن الدجاج في الفرن بسائل ما لتجهيزه.


إنه في جوهره رجل غريب الأطوار، لا يمكن أن توحي ردود أفعاله ولا حديثه بالعقل؛ فهو يقول لهنري على مائدة العشاء: لقد سمعت الفتيات هذا من قبل- يقصد الزوجة والابنة- لكن، مُنذ أربعة عشر عاما أجريت عملية جراحية في ذراعي هنا، قال الأطباء بأنني لن أكون قادرا على استخدامه. حسنا، ماذا يعرفون بحق الجحيم؟ قلت في نفسي. وفركته لمُدة نصف ساعة كل يوم، وأصبحت أتمكن من تحريكه قليلا، وبعد ذلك تمكنت من فتح صنبور المياه، وبعد فترة قصيرة استعدت ذراعي مرة أخرى، الآن لا أستطيع الشعور بأي شيء فيه، مُخدر، أنا خائف من قطعه، أتعلم؟ ماري عادة ما تقوم بالنحت، ولكن، ربما ستفعل ذلك الليلة.

ربما تزداد سيريالية المشهد هنا إذا ما تابعنا ردود فعل الأم أثناء حديث الأب لهنري، لا سيما أننا نراها غير مُنتبهة، وغير مُهتمة بحديث الزوج لهنري بقدر اهتمامها، والتفاتها الواضح إلى الدجاج المطهو أمامهم على المائدة بتوجس، شاعرة بالخوف منه، وكأنها في انتظار مُفاجأة ما، خاصة أنها تحاول الاقتراب منه بأصابعها للمسه، وسُرعان ما تسحب يدها وكأنما أصابها تيار كهربي.

حينما يحاول هنري تقطيع الدجاجة المطهوة التي في طبقه- بينما يراقبه الجميع مُتفحصين ربما في انتظار النتيجة- يُفاجأ، بمُجرد محاولة غرس السكين في الدجاجة، بأنها تبدأ في نزيف الكثير من الدماء اللزجة، بينما تُحرك قدميها باستمرار في الهواء، وهو ما يُصيب الأم بحالة غريبة من التشنج، مما يجعلها تترك المائدة باتجاه المطبخ، وتلحقها ماري، ليعلق الزوج بانها ستكون جيدة بعد قليل.


إن العالم بأكمله- مُفردات المشهد السينمائي، والشخصيات الفيلمية، وردود الأفعال- تبدو لنا شديدة الكابوسية، حتى أن هنري يبدو لنا وكأنه الوحيد الواقعي والعاقل بين كل هذه الفوضى من اللامعقول، وهو ما يجعل علامات الاندهاش الدائم لا تُفارق وجهه طوال الفيلم لعدم مقدرته على استيعاب كل ما يدور من حوله، أي أنه رجل غير قادر على التعاطي مع العالم الجديد- العالم الحداثي- والتعامل معه، أو إدراكه.

حينما يبقى هنري وحيدا مع الأب على مائدة العشاء يتوجه إليه الأب بوجهه، مُبتسما ببلاهة ليسأله: حسنا هنري، ماذا تعرف؟

ربما لا بد لنا من تأمل هذا المشهد والسؤال الغريب المُصاحب له، وهو السؤال المُثير للكثير من التساؤل من قبلنا: فماذا يقصد الأب هنا بماذا تعرف؟ وما هو الواجب أن يعرفه هنري عن أي شيء؟ إن السؤال غير المُحدد هنا يزداد غرابة حينما ننتبه إلى أن الأب حينما التفت إلى هنري ليسأله سؤاله وقد ارتسمت على وجهه ابتسامتة البلهاء يظل على هذه الوضعية، والابتسامة وكأنه قد تجمد تماما، ورغم أن هنري يحاول قلقا الإجابة على السؤال إلا أن ملامح الأب تظل جامدة على ابتسامته، ووضعية جسده التي لا تتحرك. يقول هنري مُترددا حائرا: لا أعرف الكثير عن أي شيء. ومن ثم لا ينقذه من هذا الموقف الغريب المُخيف إلا خروج الأم وقد هدأت لتتوجه بحديثها لهنري، راغبة منه الانفراد للحديث معه.


تسأل الأم هنري بصرامة غاضبة: هل كان بينك وبين ماري علاقة جنسية؟ ليسألها مُترددا: لماذا؟ تقول بصرامة أكبر: هل فعلت؟ يسألها: لِمَ تسأليني هذا السؤال؟ لتقول: لديّ سبب وجيه جدا، والآن أريدك أن تخبرني. ليقول: أنا أحب ماري. تصرخ الأم: هنري، سألتك إذا ما كنت أنت وماري قد مارستما الجنس. ليقول: حسنا، أعتقد أن هذا ليس من شأنك. ترد مُحذرة: هنري، ستكون في ورطة كبيرة إذا لم تتعاون.

هنا تبدأ الأم في التنفس بصعوبة لاهثة بشكل أقرب إلى الشهوانية الجنسية، لتقترب منه بشهوة عارمة وتبدأ في تقبيل عنقه ولحسه بلسانها؛ مما يجعل هنري غير قادر على التخلص منها إلا باستنجاده بماري، فتعود الأم إلى هدوئها قائلة: هناك طفل في المشفى، وأنت الأب. يقول مُندهشا: لكن هذا مُستحيل، لقد كان فقط. لتقاطعهما ماري باكية: أمي، ما زالوا غير مُتأكدين من أنه طفل. فتقول الأم: إنه أمر سابق لأوانه، ولكن هناك طفل. بعد أن تتزوجا، والذي ينبغي أن يكون قريبا جدا، يمكنك أخذ الطفل. هنا يبدأ أنف هنري فجأة في النزيف مما يجعل الأم تتحرك لإحضار الثلج لمنع النزيف.

إن المشهد هنا بأكمله مُستغرق في كابوسيته السيريالية التي ينتهجها لينش؛ فلم تتعامل الأم بمثل هذه الغرابة والشهوانية مع هنري، وماذا عن هذا الطفل الذي ظهر فجأة، وماذا عن قول ماري الغريب: أمي، ما زالوا غير مُتأكدين من أنه طفل؟ وإذا لم يكن طفلا فماذا يكون هذا الشيء الذي تتحدثان عنه لتوريط هنري فيه؟


سُرعان ما يحاول المُخرج إجابتنا في المشهد التالي مُباشرة ليتكشف لنا بُعدا آخر وجديدا في هذا الفيلم المُنغلق على ذاته، والمُزدحم بالكثير من الرمزيات القابلة للعديد من التأويلات المُختلفة التي نظن بأنه لا يمكن لنا الإحاطة بها بالشكل الكامل، وإن كان الاجتهاد في محاولة تفسير هذه الرموز إنما يعمل على فك إلغاز الفيلم إلى حد ما لبيان سيريالية لينش، وغوصه الدائم خلف المزيد من الأفكار التي يعبر عنها بأسلوبيته الخاصة المُميزة له في كل ما قدمه من أفلام فيما بعد.

فهنري قد رضخ في نهاية الأمر للوالدين ورغبتهما في الزواج من ماري، ومن ثم انتقلت للحياة معه في غرفته الضيقة المُهترئة تماما، وربما للمزيد من الإيغال في السيريالية الرمزية نرى هنري أثناء عودته إلى غرفته يجد في صندوق بريده علبة مُتناهية الصغر، وحينما يفتحها يجد فيها حيوانا منويا!


تركيز المُخرج في فيلمه على الحيوانات المنوية غير المفهومة أو غير المُبررة هنا يمكن فهم رمزيتها، أو بُعدها التأويلي، مع مُتابعة المشاهد التالية حينما نرى ماري في غرفة هنري التي انتقلت إليها لتوها مع الطفل المزعوم محاولة إطعامه والعناية به، فنرى أنها تحاول الاعتناء بكائن مسخ لا يمت لعالم الطفولة أو البشر بصلة؛ فهو مُجرد هجين ما بين الإنسان والزواحف، ولتقريب الأمر أكثر فالطفل هنا يكاد أن يكون صورة مُتطابقة مُصغرة مع E.T، ذلك الكائن المسخ الذي سبق لنا أن رأيناه في الفيلم الذي يحمل اسمه للمُخرج الأمريكي Steven Spielberg ستيفن سبيلبيرج عام 1982م، حتى لكأنما سبيلبيرج ربما يكون قد شاهد فيلم لينش، وعلق في ذهنه هذا المسخ الغريب، ومن ثم جعله شخصية لفيلمه فيما بعد- لاحظ أيضا أن E.T شبيه بالحيوان المنوي.


هنا يستغرق المُخرج في مجموعة من الهذيانات، والمواقف الغريبة غير الخاضعة للزمن أو المنطقية، وهي الهذيانات الدالة على المعنى الذي يرغب المُخرج في الحديث عنه، والتي تفضي بالكامل إلى مفهوم الخوف من الأبوة، ورفضها؛ فهنري الذي فوجئ بوجود طفل له نتيجة مُمارسته الجنسية مع ماري حينما رأى الطفل أمامه ربما تكون دهشته من العالم من حوله، وعدم مقدرته على التعامل أو التواصل معه، وسيريالية كل ما يحيط به وخرابه قد جعلته يرى الطفل بهذا الشكل المسخ، أي أنه من المُمكن ألا يكون الطفل على هذا الشكل في الحقيقة، ولكن هنري هو الوحيد الذي يراه على هذا الشكل الغريب بسبب تخوفه من الأبوة والمسؤولية في عالم خرب، مُنهار بمثل هذا الشكل المُحيط به، ومن ثم يكون الفيلم هنا حاملا لمعنى تأويليا جديدا تماما وهو الخوف من الأبوة والمسؤولية، مما قد يُفسر لنا- في هذه الحالة- تركيز المُخرج على الحيوانات المنوية التي رأيناها تتوالد هنا وهناك مُنذ بداية فيلمه حتى الآن؛ فهي الرمزية الأولى والمُباشرة لتواجد طفل جديد على هذا الكوكب المُتداعي، لذا فالرجل المحروق/ المُراقب للكوكب من خلف النافذة المُتهالكة يقذف بالمزيد من الحيوانات المنوية على ظهر هذا الكوكب، كما أن الحيوانات المنوية خرجت من فم هنري في بداية الفيلم، فضلا عن العلبة الصغيرة التي تسلمها محتوية على حيوان منوي، فثمة هاجس مُرعب بالنسبة لهنري يجعله مفزوعا من فكرة أن يكون أبا، ويجلب كائنا جديدا على ظهر هذا الكوكب.

إن وجود هذا الطفل المسخ يُصيب ماري وهنري، والمُشاهد أيضا بدوره بالجنون الفعلي؛ فهو لا يتوقف عن البكاء، والاختناق، ومحاولة التنفس بصعوبة، والبصق، والقيء الدائم رغم عدم مقدرته على الحركة من مكانه، وهو ما نراه حينما تحاول ماري العناية به أو إطعامه فيقوم بالبصق في وجهها، ورفض تناول ما تضعه في فمه، وكثيرا ما يقيء الطعام الذي تضعه في فمه، كما أن صراخه وبكائه اللذين لا يتوقفان يجعلاها على شفا الجنون، وهو ما يدفعها إلى جمع ملابسها واتخاذ قرارها بالعودة إلى بيت أبويها لليلة، أو لعدة ليالٍ تستطيع فيها أن تنال قسطا من النوم؛ نتيجة لأن صراخ الطفل الدائم يحعلها غير قادرة على النوم للحظة، مُخبرة هنري بأنه لا بد أن يتولى مسؤولية رعاية الطفل لبعض الوقت- الإسقاط على خوفه من تحمل مسؤولية طفل، ومن ثم رؤيته كمسخ.


بالفعل يحاول هنري العناية بالطفل بعد غياب ماري عنه، لكن الطفل يستمر في البكاء الدائم، ورفض الطعام، بل وتظهر على وجهه العديد من البثور والزوائد الجلدية الغريبة بشكل مُقزز كدليل على مرضه، وحينما يحاول هنري قياس درجة حرارته سنُلاحظ أنها 81 درجة مئوية- المزيد من الإيغال في السيريالية- هنا يبدأ هنري في تأمل المُبرد داخل غرفته، وهو ما يجعله يرى فيه "المرأة في المُبرد" وهي امرأة ترقص على ما يشبه المسرح بخدين مُنتفخين كأنما أُضيف لها خدان جديدان من العجين، بينما يتساقط من حولها على خشبة المسرح العديد من الحيوانات المنوية التي تقوم بدهسها أثناء رقصها لتكون نتيجة الدهس سائل أبيض اللون، فيه الكثير من اللزوجة، لكننا في القطع التالي مُباشرة سنرى هنري مُستغرقا في النوم بينما ماري إلى جواره على الفراش المُهترئ تغط في نومها بينما تتقلب في الفراش بتوتر شديد لدرجة محاولة دفع هنري خارجه، وهو ما يجعله يقلق من نومه ليكتشف الكثير من الحيوانات المنوية التي تقلقها أسفل غطائها، فيُسارع بقذف هذه الحيوانات باتجاه الحائط مما يجعلها تنفجر، مُخلفة سائلا لزجا أبيض اللون يشوه الحائط المُقابل للفراش.


ربما لا بد لنا هنا من التوقف هنيهة أمام هذا المشهد المُوغل في غرابته؛ لأننا إذا ما تابعنا الفيلم بمنطقية سير الأحداث فيه فماري كانت قد غادرت الغرفة إلى بيت والديها قبل هذا المشهد، وهو ما يجعل وجودها معه في الفراش في هذا المشهد التالي غير منطقي وغريب مما يجعلنا نتساءل: هل هذا المشهد هو مشهد تالٍ على رحيل ماري بالفعل- وفي هذه الحالة يكتسب غرابته وسيرياليته- أم هو مشهد سابق على رحيلها، وهو ما يُكسبه غرابته أيضا لعدم التزام المُخرج بالسياق الزمني والتسلسل في هذه الحالة؟

الحقيقة إن المشهد الكلي العام للفيلم هنا يجعلنا نتقبل ما يقدمه لنا المُخرج ديفيد لينش عن طيب خاطر من دون التساؤل عن الترتيب الزمني أو المكاني، فليس من المُهم هنا أسبقية أحد المشاهد على المشهد الذي يليه- التسلسل- بقدر أهمية ما يرغب المُخرج في الحديث عنه، والإشارة إليه من أجل اكتمال الأفكار التي تدور في ذهنه راغبا في التعبير عنها. فالأفكار السينمائية هنا كابوسية، تدور في الذهن أكثر من تواجدها على أرض الواقع، وبما أن الأفكار الذهنية- في الحالة الحلمية، أو سيطرة العقل الباطن- لا ترتيب أو منطقية لها؛ فلا بد لنا كمُشاهدين الخضوع لمثل هذه الحالة الذهنية المُوغلة في اللامنطقية لأن الفيلم هنا يفرض قانونه الداخلي علينا كمُشاهدين بما أنه بدأ مُنذ اللقطة الأولى مُمتلكا لقانونه الفني، ومنطقه المُختلف.


إذن، فالأهم هنا في مثل هذا المشهد هو حالة الذعر والخوف الشديدين، ومحاولة هنري التخلص من جيش الحيوانات المنوية المُحيط بزوجته، والذي من شأنه أن يتسبب في إنتاج المزيد من الكائنات المشوهة على ظهر هذا الكوكب، وهو ما لا يرغب فيه؛ لأنه في هذه الحالة سيكون مسؤولا عن المزيد من المسوخ الذين يشعر تجاههم بالكثير من التقزز والهلع.

لكن، رغم هذه الحالة الهلعة من الحيوانات المنوية المُؤدية بالضرورة إلى المزيد من الأطفال المسوخ؛ فهنري يشعر برغبة عارمة في جارته الجميلة؛ وهو ما يجعلنا نستمع إلى صوت دقات على باب غرفته، وحينما يفتح الباب يجد جارته الراغب فيها أمامه وقد ارتسمت على وجهها الكثير من علامات الإغواء التي لا يمكن مقاومتها لتقول: لقد أغلقت على نفسي الباب خارج شقتي، والوقت مُتأخر. ثم تجيل ببصرها داخل الغرفة الضيقة لتسأله بإغواء: أين زوجتك؟ يرد هنري بدهشة لا تفارقه: لا بد أنها عادت إلى والديها مرة أخرى، لست مُتأكدا- عدم التأكد هنا قد يُفسر لنا المشهد السابق غير المُتسلسل من الناحية الزمنية- هنا تقترب منه الجارة الجميلة بإغواء أكبر لتسأله: هل يمكنني قضاء الليلة هنا؟

ربما كانت الإجابة المنطقية على هذا السؤال، أو العرض الجنسي من الجارة هو الرفض؛ لأن هذه الرغبة فيها سيكون من شأنها المزيد من الأطفال المسوخ، والأكثر من الحيوانات المنوية التي تُشكل له كابوسا أبديا، لكن المُخرج هنا لا يجعلنا ننتظر رد هنري عليها، بل قطع إلى المشهد التالي مُباشرة لنراهما على فراش هنري المُهترئ وقد تحول الفراش إلى بركة مياه تشبه حمام السباحة بينما هنري والجارة عاريين يتبادلان القبلات، مُستغرقين فيها إلى أن يغوصا معا تحت الماء ليختفيا!


إن ديفيد لينش هنا مع استمراره في فيلمه إنما يقدم لنا صور العقل الباطن التي تتوالى على الذهن من دون ترتيب أو أي منطقية، أي أنه هنا غير خاضع للعقل بقدر خضوعه الكامل للمنطق الحلمي، أو الكابوسي، أو الهذياني الذي يسمح بخلق أي شيء، وحدوث أي شيء مهما كان غريبا وغير خاضع للفهم- لاحظ تحول الفراش في هذا المشهد إلى بركة ماء يسبحان فيها رغم وجود المنضدة المُلاصقة للفراش في مكانها، وهي المنضدة التي توجد عليها كومة الطين المغروس فيها الشجرة الصغيرة الذابلة.

إيغال المُخرج هنا في منطقه السيريالي يجعله ينتقل مُباشرة إلى امرأة المُبرد مرة أخرى، وهو في انتقاله المُباشر بعد هذا المشهد إلى امرأة المُبرد يحمل- على المستوى الفني- الكثير من المنطقية الفنية للفيلم، وهي منطقية داخلية غير خاضعة للواقع، وبما أن هنري يحمل داخله هاجسا من الأبوة والمسؤولية عن مسخ صغير، وبما أن الرغبة في الجارة من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من المسوخ والحيوانات المنوية؛ فلقد كان مشهد الانتقال إلى امرأة المُبرد التي تدهس الحيوانات المنوية على المسرح أثناء رقصها مُناسبا تماما للانتقال إليه مُباشرة بعد هذا المشهد المُلتهب جنسيا مع الجارة، أي المزيد من الحيوانات المنوية التي تحيل حياته إلى كابوس حقيقي ومُستمر، لكن امرأة المُبرد هنا هي امرأة الدهس، أي منع المزيد من المسوخ بدهسها للحيوانات المنوية المُتساقطة عليها.


هنا نرى امرأة المُبرد تغني قائلة: في الجنة كل شيء على ما يرام. ولعل اختيار لينش لهذه الجملة في حد ذاتها لتتغنى بها المرأة هنا يحمل في إحالتها الرمزية المزيد من التأويلات التي قد تفيد بأن الحياة الكابوسية التي يحياها هنري، وتورطه مع هذا الطفل المسخ، وديستوبيا الحياة ما بعد الصناعية التي لا يستطيع التكيف معها، فضلا عن والدي حبيبته ماري الغريبا الأطوار، كل هذا من شأنه أن يدفعه إلى الانتحار والانتقال إلى الجنة بما أن كل شيء فيها كما يرام، كما تؤكد لنا امرأة المُبرد الداهسة للحيوانات المنوية.

يرى هنري امراة المُبرد على المسرح تغني فيصعد إليها، وحينما يقف قبالتها مُتأملا لها بدهشته المعهودة تختفي من أمامه، لتدخل على خشبة المسرح- مُتقدمة- كومة الطين المُنغرس فيها الشجرة الذابلة التي سبق لنا أن رأيناها بجوار فراشه في العديد من المشاهد السابقة، لكنها هنا لها عجلات سُفلية تتسبب في تقدمها على خشبة المسرح، فيقف هنري خائفا مُتأملا؛ لينزلق رأسه فجأة على الأرض مُفارقا لجسده بينما يخرج من مكانه طفله المسخ الذي لا يتوقف عن البكاء- في إيحاء مُباشر إلى أن هذا الطفل قد سلبه حياته- ومن ثم تنتقل الكاميرا لمُتابعة كومة الطين المُنغرس فيها الشجرة الذابلة وقد بدأت هذه الكومة في نزف الدماء بغزارة لتُشكل بركة من حول رأسه المُلقى على خشبة المسرح، ولكن مع تكاثر الدماء النازفة من كومة الطين حول رأس هنري المُنفصل عن جسده سُرعان ما يغوص رأسه في البركة مُختفيا، ليقطع المُخرج على رأس هنري الساقط من السماء في أحد شوارع المدينة الخالية الخربة!


يعثر أحد الأطفال على رأس هنري الساقط من السماء ليأخذه إلى أحد المصانع- سيادة عالم ما بعد الصناعة مرة أخرى- وهناك يُدخله صاحب المصنع، أو الرئيس- قام بدوره المُمثل الأمريكي T. Max Graham تي ماكس جراهام- إلى غرفة لا يوجد فيها سوى رجل جالس أمام ماكينة ما- قام بدوره المُمثل الأمريكي Hal Landon Jr. هال لاندون جونيور- وحينما يرى الرأس بين يدي الطفل؛ يحفر فيها بإحدى الآلات ليأخذ منها مادة تُساعده في صناعة رأس الممحاة التي نراها في نهاية الأقلام الرصاص، ويضعها في الماكينة التي أمامه ويشغلها فتنجح التجربة في صناعة رأس الممحاة، وبعد تجربة محو خط القلم الرصاص بها يقوم صاحب المصنع بأخذ الرأس من الطفل، مانحا إياه مبلغا ماليا مُقابل رأس هنري! أي أن هنري غير القادر مُنذ بداية الفيلم على التعاطي مع المُجتمع الصناعي والحضري الذي أدى إلى تخريب كل شيء من حوله، ومسخه، وتحويله إلى كابوس سيريالي، قد تحول هنا- في إحدى الانتقالات السيريالية الغاص بها الفيلم- إلى جزء من مُفردات العالم الصناعي، أو مادة يعتمد عليها هذا العالم من أجل المزيد من النمو والتشوه في مُقابل التضحية بهنري ذاته- المُقابل لمعنى الإنسانية في مواجهة الآلة.


هنا يقطع المُخرج مرة أخرى على هنري، ولكن في داخل غرفته وحيدا مع الطفل المسخ الذي لا يتوقف عن البكاء، أي أن كل هذه المشاهد الغرائبية السابقة هي مُجرد مشاهد سيريالية ربما دارت في ذهن هنري، وربما في ذهن المُخرج نفسه- لا يهم- فنحن هنا في عالم لا يمكن السيطرة عليه، أو الإمساك به، عالم بلا قوام واقعي؛ ومن ثم فعلينا تقبل قانونه الفني السيريالي أينما ذهب بنا، فيستمع هنري إلى صوت خطوات في الممر الخارجي أمام باب غرفته، وحينما يفتح الباب يرى جارته الجميلة ومعها أحد الرجال قادمين من الخارج بينما هي تحاول فتح باب غرفتها لدخولها هي والرجل، هنا يغلق هنري باب غرفته، ويتلصص عليهما لحين دخولهما وإغلاق باب غرفتها.

نتيجة لأن الطفل المسخ لا يتوقف هنيهة عن البكاء والصراخ المُستمرين اللذين يقودا هنري إلى الشعور بالجنون والانهيار، فهو يظن بأن الشاش الملفوف به جسد الطفل بالكامل يضايقه؛ وبالتالي يحاول تحريره منه مُستخدما المقص لقص هذا الشاش المُحيط به، لكنه ما أن ينتهي من فعله نُفاجأ بأحشائه وقلبه بالكامل في الخارج، مما يُشعر هنري بالمزيد من الهلع والخوف، ومن ثم يقوم بغرس المقص في قلب الطفل تماما لتنفجر الدماء الغزيرة اللزجة منه، ومن فم الطفل، ويفور القلب فجأة بمادة أشبه بالعجين لتقوم بتغطيته تماما وابتلاعه داخلها- تذكرنا هذه المادة العجينية بخدي امرأة المُبرد المُنتفخين.

يقطع لينش على صورة الكوكب الغامض الذي بدأ به فيلمه، لينفجر فجأة وقد انكسر فيه جزء، بينما نرى وجه هنري المُنزعج بدهشة أعظم مما رأيناها على طول الفيلم وكأنه في الفضاء الفارغ مُتأملا لانفجار الكوكب- الذي قد يكون المُرادف لكوكب الأرض في العالم ما بعد الصناعي- وسُرعان ما يقطع مرة أخرى على الرجل الغامص المُحترق الذي يحرك الرافعات من أجل إرسال المزيد من الحيوانات المنوية، لنراه يحترق هذه المرة بالكامل، بينما تظهر امرأة المُبرد لتقوم باحتضانه بسعادة غامرة في فراغ أبيض بالكامل يغلق عليه المُخرج فيلمه.


إن تأمل المشهد السابق الذي أغلق عليه المُخرج فيلمه يستدعي منا المزيد من الإحالات والإسقاطات، فإذا ما كان الرجل المُحترق، المُراقب لكوكب الأرض هو المسؤول عن إرسال المزيد من الحيوانات المنوية كلما قام بتحريك الرافعات الموجودة أمامه من خلف النافذة المُهشمة- أي أنه السبب في المزيد من المسوخ الأطفال الذين يخشاهم هنري- وإذا ما كان هذا الرجل قد احترق بالكامل في هذا المشهد؛ فهذا يعني أن هنري قد تخلص من كابوس الحيوانات المنوية المُتنامية، وهي الحيوانات المُتسببة في المزيد من الأطفال المسوخ، هذا من جهة. ومن جهة أخرى إذا ما كانت امرأة المُبرد طوال الوقت تقوم بدهس الحيوانات المنوية المُتساقطة عليها من أعلى المسرح الذي ترقص وتغني فيه، فهذا يعني أنها بدورها غير راغبة في هذه الحيوانات المُتسببة في المزيد من الأطفال المسوخ، وبالتالي يكون مشهد النهاية الذي احتضنت فيه امرأة المُبرد لهنري- أي توافقهما- مُناسبا تماما للمفهوم النهائي للفيلم الذي يخشى فيه هنري تماما من مفهوم الأبوة، والمسؤولية عن طفل لا يرى فيه سوى مسخ مُخيف.


إن الفيلم الأمريكي "رأس الممحاة"، وهو الفيلم الروائي الأول للمُخرج ديفيد لينش الذي تم إنتاجه بالتعاون مع مركز معهد الفيلم الأمريكي للدراسات السينمائية المُتقدمة، هو فيلم مُستغرق تماما في سيرياليته، وكآبته، وسوداويته، وكابوسيته بشكل لا يمكن لنا نسيانه، أو الخروج من تأثيره بسهولة نتيجة لاستغراق المُخرج في تأمل العالم الحضري المُعبر عن عصر ما بعد الصناعة، لا سيما أن المُخرج قد اختار لفيلمه شكلا ديستوبيا للعالم المُدمر تماما بسبب هذا التقدم الغريب في الصناعة، فضلا عن هواجس هنري المُتلاحقة، وخشيته من أن يكون أبا مسؤولا عن كائن لا يراه سوى مسخ مُخيف في نهاية الأمر، ولكن بما أن الفيلم يحمل منطقه السيريالي الذي حرص عليه المُخرج طوال الوقت؛ فهذا يجعلنا ننجرف نحو المزيد من التأويلات والإحالات التي تحتملها السيريالية، وربما يكون هنري هنا ينقل لنا العالم المُحيط به من خلال عينيه هو فقط، بمعنى أننا رأينا كل هذا العالم السيريالي المشوه بعينيه اللتين تريان العالم بمثل هذا الشكل، بينما العالم من حوله في شكل طبيعي، ومُكتسب لواقعيته كما نعهدها، مما يعني أن كل الأحداث الغريبة والمشوهة التي مرت به في هذا الفيلم ربما تكون قد دارت في ذهنه هو وحده، ولم تكن تحدث بالفعل على أرض الواقع، وهو ما يكسب الفيلم المزيد من العمق والغرائبية، والغوص عميقا في النفس الإنسانية بغرائبيتها، وسوداويتها، وظلامها.

 

محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21"

عدد مارس 2025م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[1]  Thomas Wright Fats Waller توماس رايت فاتس وولر، من مواليد 21 مايو 1904م، وتوفي في 15 ديسمبر 1943م. كان عازف بيانو جاز أمريكي، وعازف أرغن، ومُلحنا مُغنٍ. أرست ابتكاراته في أسلوب هارلم سترايد الأساس لبيانو الجاز الحديث. وكان نجما مشهورا على نطاق واسع في عصر الجاز والسوينج، وقام بجولات دولية، كما حقق نجاحا نقديا وتجاريا في الولايات المُتحدة الأمريكية وأوروبا. تم إدخال أشهر مُؤلفاته المُوسيقية Ain’t Misbehavin، وHoneysuckle Rose إلى قاعة مشاهير Grammy جرامي في عامي 1984م، و1999م.

الاثنين، 17 مارس 2025

أرانب: سيريالية الانتظار

في عام 2002م قدم لنا المُخرج الأمريكي David Lynch ديفيد لينش مجموعة من الحلقات الفيلمية القصيرة- المُنفصلة شكلانيا- على موقعه الإليكتروني الخاص به، أطلق عليها عنوان Rabbits أرانب- بلغت في مُجملها ثماني حلقات- وهي الحلقات التي جرب فيها لينش المزيد من الإيغال في سيرياليته، والغوص داخل العلاقات الاجتماعية وتأملها من خلال منظوره الفني الخاص، الذي يحاول استكشاف المناطق الأكثر غموضا وإظلاما داخل النفس البشرية.

بدت لنا حلقات لينش وكأنها مُجرد تجارب فيلمية قصيرة يحاول من خلالها التدرب على أسلوبيته التي نعرفها عنه- وإن كان لا يقول لنا فيها أي شيء له قوام في نهاية الأمر- بل مُجرد معانٍ غامضة يلفها الكثير من مشاعر القلق والتوتر التي تُصيب المُشاهد لهذه الحلقات حتى انتهائها، والخروج منها وقد ظل المُشاهد على حالة التوتر القلق، والخوف من شيء ما مجهول لا يعرف سببه أو فحواه، فضلا عن الرؤية الغائمة التي قد يفسرها كل مُتلقٍ تبعا لثقافته، ومقدرته على استبطان المعاني التي يرغب لينش في التعبير عنها- ديمقراطية التلقي- وهو ما يعني أن لينش لا يحاول هنا فرض أي معنى مُعيّن مُباشر من خلال تجاربه السينمائية بقدر ما يحاول التعبير عن عالمه الشديد الخصوصية بالأسلوبية التي يراها- رؤيته الفنية للعالم- وبالتالي فهو يترك تفسير رموزه، وإحالاته- التي تغص بها كل تجاربه الفنية- لذهنية المُشاهد الذي سيذهب إلى تفسيرها بطريقة لا بد أن يختلف فيها عن غيره من المُشاهدين، وإن كانوا سيجتمعون كلهم في نهاية الأمر على الشعور بالقلق، وعدم اليقين.

بعد انتهاء لينش من هذه الحلقات المُنفصلة شكلانيا، المُتصلة من حيث المعنى والمفهوم الكلي؛ قام بجمعها معا في فيلم واحد بلغ في مُجمله 42 دقيقة تحت نفس العنوان- أرانب- ليذكرنا الفيلم في مُجمله- بشكل مُباشر- بفيلمه الروائي الأول Eraserhead رأس الممحاة 1977م من حيث نضج الأسلوبية، وعمقها، وسيريالية كل ما يدور من حولنا في العالم، حتى على مستوى العلاقات الإنسانية، فضلا عن سيادة الخوف والترقب، والقلق في العالم المُحيط، وهي المشاعر التي تسيطر على المرء داخل عالم ديفيد لينش السينمائي.

اعتمد لينش في جمع هذه الحلقات مع بعضها البعض داخل فيلم سينمائي واحد على تقنيتي Fade In، وFade Out وهما التقنيتان اللتان كانتا ناجحتان في تجميع الحلقات إلى جوار بعضها البعض في سياق فيلمي واحد مُتصل، حيث تتلاشى الصورة تدريجيا مع إظلام الشاشة من أجل بدء حلقة جديدة لها علاقة بالمفهوم العام، والصورة الكلية للفيلم الذي يبدو لنا على المستوى المُباشر والشكلاني شديد التفكك والفوضوية، وكأن هذه الحلقات مُجرد مجموعة من الجزر المُنعزلة، وإن كانت شديدة الارتباط على المستوى المفهومي، والأسلوبي للمُخرج.

نحن هنا أمام فيلم شديد المزاجية، فيلم يعتمد في المقام الأول على الاختبار الشعوري، أو التجربة الشعورية التي سيمر بها المُتلقي أثناء المُشاهدة أكثر من اعتماده على فهم ما يدور أمامه، أي أن لينش لا يعينه هنا مقدرة المُشاهد على فهم ما يرغب في قوله، بقدر رغبته في مرور مُشاهده بمجموعة من التجارب الشعورية التي من شأنها أن تحبسه تماما داخل العالم الفيلمي الذي يقدمه له المُخرج، مُتفاعلا معه، غير قادر على التخلص من تأثيره حتى بعد انتهاء الفيلم- وهو ما سيستمر معنا لفترة بعد الانتهاء من الفيلم.

إذن، فمن أين يأتي فعل الاستمرارية الشعورية مع الفيلم حتى بعد انتهائه، وهو الشعور بالكثير من القلق والارتباك، والتوجس، وربما الخوف غير المُبرر، والذي لا سبب عقلاني له؟


إن السبب الرئيس في هذه الحالة الشعورية المُسيطرة يعود في المقام الأول إلى المُوسيقى التصويرية التي اعتمد عليها المُخرج للمُوسيقار الأمريكي Angelo Badalamenti أنجيلو بادالامينتي الذي كثيرا ما تعاون معه المُخرج في العديد من أفلامه، وهي المُوسيقى القادرة على شحن المُشاهد بالكثير من مشاعر القلق والتوتر الدائمين.

استخدام المُوسيقى التصويرية في خلق حالة من التوتر ليس بالأمر الغريب على ديفيد لينش؛ فهو عادة ما يعتمد على مجموعة من الأصوات المُوسيقية المُقلقة التي تُثير داخلنا هذه المشاعر المُتناقضة المُخيفة، وهو في اعتماده على هذه الأصوات دائما ما يلجأ إلى مُفردات العالم الصناعي، أو ما بعد الصناعي- أصوات دق، بخار محبوس في مواسير، أو صوت انفجاره مُتحررا، أصوات قطارات مُتحركة، أو نفير قطارات- وهي المُفردات التي ينفر منها لينش، وتُشعره هو شخصيا بالمزيد من القلق، وعدم الشعور بالطمأنينة؛ فلينش يكره المُجتمع الصناعي، ويراه عالما مُنفرا، وكثيرا ما عبر عنه في أفلامه، باعتباره عالما مشوها، قادرا على تشويه سيكولوجية الإنسان، وإكساب العالم شكلا يميل إلى الديستوبية أكثر من الراحة والطمأنينة والاستقرار- لعلنا في هذا السياق نتذكر فيلمه Eraserhead رأس الممحاة 1977م الذي صور عالما صناعيا شائها أدى بسياق الفيلم إلى العديد من التشوهات على المستوى النفسي والمفاهيمي والتخييلي.

إذن، فمن خلال سيطرة المُوسيقى التصويرية على جميع مشاهد الفيلم مُنذ الوهلة الأولى حتى انتهائه، استطاع لينش خلق الحالة الشعورية التي لا بد أن يمر بها المُشاهد. إنه شعور عدم الارتياح الذي يسعى إليه المُخرج من أجل إشعار مُشاهده به، وسيطرته عليه طوال الوقت؛ فالمُوسيقى هنا مُوحية بشيء ما على وشك الحدوث، وهو شيء غير مُطمئن، غير مُريح، أي أن المُوسيقى هنا- وهي جملة واحدة مُتكررة بشكل كثيف- تُثير في نفوسنا الكثير من القلق والتوتر وعدم الارتياح، لا سيما مع اندماجها وتداخلها مع صوت نفير قطار بعيد لا يصل أبدا، وهو مزيج من الأصوات المُحطمة للأعصاب، خاصة إذا ما كان هناك صوت خطوات غامضة وغريبة لشخص ما من خلف الباب، وهو الشخص الذي لن نعرف من هو حتى بعد انتهاء الفيلم.

لكن، لمْ يعتمد المُخرج هنا على المُوسيقى بشكل أساس في خلق هذا الشعور، بل أضاف إليها عاملا آخر أكثر إيحاء بالتجربة الشعورية المُقلقة، وهو استخدامه للإضاءة الخافتة بطريقة تجعله قادرا على الاستفادة منها في ابتكار الظلال الشبحية للشخصيات أكثر من وضوحها أمام عدسة الكاميرا، وهو ما من شأنه التركيز على شعور عدم الارتياح طوال مُشاهدة الفيلم، وإمكانية حدوث شيء ما غامض، لا نعرفه.

إن استخدام لينش لهذين العاملين كمُفردات أساسية في فيلمه من أجل خلق الحالة الشعورية هو ما يجعل المُشاهد مُستمرا في مُتابعة الفيلم رغم أنه لا شيء يحدث فيه تقريبا، اللهم إلا حالة الانتظار والترقب القلق بشكل شديد السيريالية، موغلا في استبطان المشاعر العميقة داخل النفس البشرية، أي الجانب المُظلم والغامض من الذات الإنسانية، وعلاقاتها الاجتماعية.

ربما مع تأمل الفيلم من ناحية الإدراك المُباشر قد نذهب إلى تفسيره باعتباره فيلما ساخرا من شكل المُسلسلات الكوميدية السائدة التي غالبا ما نستمع فيها إلى صوت تصفيق الجمهور بمُجرد ظهور أحد المُمثلين، أو صوت الجمهور الضاحك على بعض المواقف، أو قول أحد المُمثلين، وهي المُسلسلات التي تعتمد على حيز مكاني واحد لا يتغير، بينما يتبدل تواجد المُمثلين في المكان بدخولهم وخروجهم منه، في الوقت الذي تظل الكاميرا فيه ثابتة في وضعية واحدة لا تتغير، ولا يلجأ فيها المُخرج إلى التدخل أو الاستعانة بالمُونتاج.

إنها نفس التقنية التي استخدمها المُخرج على طول فيلمه، حيث الكاميرا هنا ثابتة، لا تتغير عدستها، ولا الكادر الذي تنقله لنا، فهي في زاوية مُرتفعة قليلا عن زاوية وجود المُمثلين أمامها، شاخصة فيهم، مُراقبة لهم، وكأنها تنقل لنا رؤيتها لهم من خلال جهاز تلفاز مواجه لهم، ولعل ترك الكاميرا ثابتة أمام المُمثلين هي في حد ذاتها تقنية دافعة للمزيد من الانتظار؛ فنحن هنا في حالة انتظار دائم لما سيحدث أمام الكاميرا الثابتة المُراقبة، رغم أنه في جوهر الأمر، ومن الناحية الشكلانية، لا شيء يحدث تقريبا، اللهم إلى حالة زمنية كثيفة، وراكدة، وخانقة تكاد أن تُطبق على صدور المُشاهدين والشخصيات الفيلمية معا، فضلا عن حالة الانتظار اللامُتناهية- من الشخصيات داخل الفيلم أيضا- لحدوث أمر ما مُقلق ومُخيف، يعلمونه لكنهم لا يفضون لنا به، ولا لبعضهم البعض.


نحن هنا أمام حالة من حالات الانتظار الدائم لحدوث أمر ما، انتظار أبدي يتشابه فيه إلى حد بعيد مع الكاتب الأيرلندي Samuel Beckett صمويل بيكيت في مسرحيته Waiting for Godot في انتظار جودو، لكن الانتظار في فيلمنا هو حالة لينشية بحتة، حالة تخص ديفيد لينش أكثر من غيره بأسلوبيته السيريالية التي نعهدها فيه، لذا فثمة شيء بالفعل على وشك الحدوث طوال الوقت، إلا أنه لا يحدث، وإن كان هناك العديد من الدلائل على حتمية حدوثه!

يصف لينش فيلمه بأنه "في مدينة ما، لا يتوقف فيها المطر، توجد أسرة من الأرانب في أجساد بشرية داخل منزلهم تحت ظروف يسودها الكثير من التوتر، والقلق والانتظار لشيء ما لا بد من حدوثه". ولعلنا نُلاحظ للوهلة الأولى الديكور البسيط الذي اختاره المُخرج للمنزل/ الغرفة الذي تقطنه هذه الأسرة المكونة من ثلاثة أرانب بشرية، حيث نرى في مُقدمة الكادر أريكة تجلس عليها جين- قامت بدورها المُمثلة الأمريكية Laura Elena Harring لورا إيلينا هارينج- وإلى جوارها على يمين الكادر ثمة مصباح بإضاءة خافتة، بينما على يسار الكادر بجوار الباب يوجد هاتف أرضي أسود اللون، وفي الخلفية نرى منضدة تستخدمها سوزي جل الوقت في كيّ الملابس- قامت بدورها المُمثلة الأمريكية Naomi Watts ناعومي واتس- وفي عمق الكادر ثمة ممر يفضي إلى جهة ما في الشقة المُفترضة، ومُضاء بإضاءة خافتة تسمح بالكثير من الظلال المُثيرة للقلق النفسي لمن يدخله.

هذا هو الفضاء المكاني الذي يصوره الفيلم، وهو شكل من الفضاء الثابت طول المُدة الزمنية للفيلم، لا يتغير فيه شيء اللهم إلا دخول جاك- قام بدوره المُمثل الأمريكي Scott Coffey سكوت كوفي- وخروجه عدة مرات بقلق من الباب الذي نراه على يسار الكادر، وهو الباب المُغلق دائما، والذي نستمع من خلفه لصوت أقدام بشرية مُتلصصة، وإن كان صاحب هذه الأقدام سيظل مجهولا بالنسبة لنا طوال الوقت.

سنُلاحظ مع الحلقة/ المشهد الأول من الفيلم أن سوزي واقفة في عمق الكادر صامتة بينما تقوم بكيّ الملابس، وكأنها تحاول صرف تفكيرها عن أمر ما، بينما جين في مُقدمة الكادر على الأريكة صامتة، ليُفتح الباب ويمر منه جاك، لكن مع دخول جاك سينفجر جمهور ما لا نراه بالتصفيق والهتافات- تماما كما نرى في بعض المُسلسلات الأمريكية المُعتمدة على مشهد واحد، أو كما نرى على خشبة المسرح- وهو ما يجعل جاك يتوقف في مكانه انتظارا لانتهاء موجة التصفيق الحاد والترحيب به.

إن هذه الآلية المسرحية التي بدأ بها لينش فيلمه- وهي آلية مُصطنعة إلى حد كبير- إنما توحي لنا بشكل من أشكال السُخرية من المُسلسلات الأمريكية المُعتمدة على هذا النهج من التصوير- مكان مُغلق ثابت يتم التصوير فيه بتبادل دخول وخروج المُمثلين منه- يقوي من هذا الشعور- أي رغبة المُخرج في السُخرية- سماعنا لعاصفة من ضحك الجمهور بعد بعض العبارات التي تقولها الشخصيات الفيلمية وكأنها قد قالت أمرا مُضحكا، رغم أن الضحك هنا يكون بعد العديد من العبارات الجادة التي لا يمكن أن تحتمل الضحك عليها؛ فحينما تسأل جين مثلا: ما الوقت الآن؟ تنطلق عاصفة من ضحك الجمهور لا نعرف سببها؛ فجين هنا لم تقل شيئا مُضحكا، بل هو سؤال شديد الجدية، كذلك حينما تقول جين: لم يكن هناك اتصالات اليوم. أو قولها: لا تنسَ اليوم، إنه الجمعة. أو قولها: كل اليوم.

ربما نُلاحظ هنا أن عاصفة الضحك المُنطلقة من الجمهور المُفترض، تكون عادة بعد ذكر الوقت؛ مما يُدلل على أهمية الوقت ورمزيته في الفيلم- فالوقت هو الذي يحدد ما الذي يحدث، وكيفية حدوثه، وتوقيته، وآليته- لكننا سنُفاجأ أن هذا الضحك إنما يمتد أيضا إلى العبارات الشديدة الجدية، المُنذرة بشيء ما مُقلق على وشك الحدوث، مثل ضحكهم على قول جين: هناك شيء أود قوله لك سوزي.


فقول جين هنا مُوحٍ بسر ما قد يكون خطيرا، وقد يكون عاديا، أو دمويا، أو مُخيفا أو غير ذلك، لكنه في النهاية قول يثير فينا المزيد من الانتظار، وترقب ما سيليه مما يجعلنا كمُشاهدين في انتظار هذا السر، أو الشيء الذي ترغب جين بالإسرار به إلى سوزي، لكنها في النهاية لا تفضي به لأحد، بل يظل مُعلقا في فراغ الغرفة من دون كشفه، مما يجعلنا نستغرق أكثر في حالة الانتظار الأبدية المُسيطرة على الجو الفيلمي الذي أمامنا.

تبدو لنا أجواء الفيلم هنا موغلة في سيرياليتها وانكفائها على ذاتها، لا سيما مع سيطرة المُوسيقى الكثيفة المُقلقة مع صوت نفير القطار الذي لا يصل أبدا، بالإضافة إلى التوقيت الليلي الذي ركزت عليه الشخصيات أكثر من مرة، مثل قول جين: إنها الحادية عشر والربع مساء، لا بد أنها ظلام في الخارج. وهي الجملة التي تُثير المزيد من الضحك أيضا، وقولها: إنها الثامنة والنصف مساء. وقولها: إنها بعد مُنتصف الليل. كذلك سيطرة الأمطار التي لا تتوقف في الخارج، وهو ما نعرفه أيضا من الحديث غير المُترابط بين الشخصيات، حيث يتركز حديثهم على أن ثمة مطرا مُستمرا، لا يتوقف، كقول جين: لا تزال تمطر. وقول جاك: إنها تُمطر. وقول سوزي: لا بد أنها تُمطر. وقول جين: لقد قلت: إنها ما تزال تُمطر.

إن عدم وجود أي نافذة في المشهد، من شأنها أن تُساعدنا في معرفة ما يدور خارج المنزل؛ يجعلنا نعتمد هنا اعتمادا كليا على ما تقوله لنا الشخصيات، وتصفه في الخارج، أي أن الشخصيات هنا هي مصدر جوهري لاستقاء المعلومات عن العالم المُحيط، وبالتالي فهي التي تقوم برسم العالم في الخارج، ودفعه باتجاه التخييل في أذهاننا؛ مما يجعلها تمتلك المزيد من السطوة على ذهنية المُشاهد، وإدراكه؛ فهو يستقي معلوماته الجوهرية من هذه الشخصيات الفيلمية.

يدور الحوار بين الأرانب الثلاثة هنا في شكل يبدو لنا من الناحية الشكلانية شديد الانفصال والسيريالية، عبثي، لا رابط فيه، مما يعني انتفاء الصلة بين جميع الشخصيات رغم تواجدها في حيز مكاني واحد وضيق، أي أن شخصيات الفيلم تبدو لنا للوهلة الأولى كمجموعة من الجزر المُنعزلة التي لا علاقة لها ببعضها البعض، فكل شخص منهم يتحدث في اتجاه لا علاقة له بحديث الآخر. صحيح أن الجملة المُفردة المنطوقة هي جملة صحيحة ومُكتملة، وذات معنى يخصها، لكن مع ربط الجمل المُتتالية ما بين الشخصيات الفيلمية؛ تفقد الجملة المفهومة معناها، ويتضح لنا ألا رابط يربطها ببعض البعض، ومن ثم فكل شخصية لها عالمها الخاص المُنفصل بالضرورة عن عالم الشخصية الأخرى، فضلا عن الإيحاء هنا بأنانية كل شخصية، ومحاولة جذب الشخصية الأخرى إلى عالمها الخاص الذي تدور فيه الشخصية المُتحدثة.

المُخرج والسيناريست الأمريكي ديفيد لينش

إذن، فثمة اختلاف في المُزامنة في الحوار، بمعنى أنه حينما تسأل إحدى الشخصيات سؤال ما- عن الوقت مثلا- تأتينا الإجابة على هذا السؤال من الشخصية الأخرى بعد مرور فترة زمنية كفيلة بنسيان السؤال الذي سُئل، ومن ثم يكون الرد لا معنى له في سياقه لأنه قد أتى بعد مرور فترة زمنية قد جعلتنا ننسى السؤال الذي جاءت الإجابة عليه في الوقت الحالي.

من هنا يكتسب المشهد بالكامل سيرياليته؛ شخصيات لا رابط بينها مع وجودها في حيز مكاني ضيق، حديث مُتناثر لا يمكن جمعه في سياق واحد، حالة دائمة وموترة من الانتظار لحدوث شيء ما- وهو شيء مُقلق ومُخيف من دون معرفة سبب إقلاقه أو سيادة مشاعر الخوف فيه- بعض الجمل عن انتظار شيء ما، صوت خطوات غامضة في الردهة خارج الباب، وعدم ظهور أحد، تغير الإضاءة إلى اللون الأحمر الداكن مرتين، وظهور وجه شيطاني في سقف الغرفة ليتلفظ بمجموعة من الألفاظ غير المفهومة بشكل مُخيف ثم اختفائه، بالإضافة إلى المُوسيقى الموترة للأعصاب.

كل هذه المُفردات الفيلمية اعتمد عليها لينش من أجل تقديم صورة بانورامية لفيلمه من شأنها أن تدفع بالمُشاهد إلى حالة عارمة من التوتر والقلق، مُشاركا لشخصيات الفيلم في حالة الانتظار العبثية الدائمة، وهو ما يجعل المُشاهد- رغم كثافة الوقت، وبطئه، وعدم وجود أي حدث له معنى أو قوام من المُمكن لنا وضع أيدينا عليه- في حالة كاملة من الاحتشاد، والتركيز فيما يدور أمامه، رغم أنه لا شيء يدور في جوهر الأمر اللهم إلا المزيد من المخاوف الغامضة التي يستشعرها المُشاهد، خائضا لتجربته الشعورية التي يرغب المُخرج في مروره بها.

ألا يبدو لنا الأمر هنا بأن لينش إنما يوغل عميقا في النفس البشرية بغموضها، وإظلامها اللذين يجعلانا غير قادرين على تفسير الكثير من ردود أفعالها التي قد تصدر عن الآخرين في بعض المواقف من دون أي مُبرر عقلاني؟ إنه نفس الغموض الذي يصيبنا- كمُشاهدين- بالكثير من الخوف والتوتر، أو عدم الارتياح رغم عدم وجود أي شيء مادي يُعرض أمامنا من شأنه دفعنا إلى مثل هذا الشعور، لكنه في واقع الأمر يتملكنا أثناء المُشاهدة.


إن حالة الانفصال الشكلاني الكامل بين الشخصيات الفيلمية يمكن لنا هنا تصورها إذا ما تأملنا الحوار الذي يدور بينها في المشهد الأول مثلا بمُجرد دخول جاك إلى الغرفة، وإغلاقه للباب من خلفه للاتجاه إلى الأريكة والجلوس بجوار جين، حيث تقول جين: أنا ذاهبة لمعرفة يوم واحد. تقول سوزي: عندما تعلم أخبره. لاحظ هنا أن قول سوزي لا علاقة له بما قالته جين للتو، بل يبدو قول سوزي وكأنه رد ما على حديث ما مُتصل بينها وبين شخص آخر، لا نعلمه، ولا نعرف حتى فحوى حديثهما الذي دفعها إلى هذا الرد.

لكن، حينما يتحدث جاك يسأل: هل كان هناك أي مُكالمات؟ إنها حالة الانتظار التي نتحدث عنها، فمن خلال سؤال جاك يتأكد لنا أنه في حالة انتظار لمُكالمة ما. لكن جين ترد عليه: ما الوقت الآن؟ ليرد جاك: لدي سر.

نُلاحظ هنا أن العبارات لا يجمعها أي سياق ذي قوام مفهوم، بل هي عبارات تحمل معناها المُفرد في الجملة ذاتها، ولكن مع وضعها في السياق العام للحديث سُرعان ما تفقد معناها، كما لا يفوتنا أن قول جاك: لدي سر، يحمل هنا بدوره معنى الانتظار. انتظار الإفضاء بالسر الذي يحمله، ويرغب في التخلص من ثقله، لكنه لن يفعل ذلك؛ لأن جين ترد عليه بقولها: لم يكن هناك اتصالات اليوم- لاحظ أن قول جين هو في جوهره الإجابة على سؤال جاك الأول بمُجرد دخوله إلى الغرفة، لكنها أجابت عليه الآن، مما يعني عدم تزامن الحوار، وانفصاله الشكلاني.

يرد عليها جاك: أنا لست مُتأكدا- في حين أننا لن نعرف هو ليس مُتأكدا مِمَ؛ لأن الجملة توحي بوجود حوار آخر، وسؤال ما يرد عليه جاك، لكننا لا نعرف السؤال وبالتالي نجهل التأكد مماذا- تقول جين: لا تنس اليوم، إنه الجمعة. لتقول سوزي: أين كنت- في الحين الذي نستمع فيه إلى صوت خطوات غامضة من خلف الباب، وهو ما يجعل جاك مُلتفتا باتجاه الباب في انتظار شيء ما- يقول: أسمع أحدا ما. لتقول جين: هناك شيء أود قوله لك سوزي- حالة انتظار جديدة غير مُتحققة- ليقول جاك: يجب أن يكون بعد السابعة مساء- نحن لا نعرف ما هو الذي يجب أن يكون بعد السابعة- لتقول سوزي: سمعت هذه الأشياء قبل أن تُقال. لكن جاك يقول: أراهنك على أنك تتساءلين- ولا نعرف عم التساؤل- تقول جين: لا تزال تُمطر. لترد سوزي: لم أضعه في مكانه. تسترسل جين: كل اليوم- تبدو الجملة كإجابة على تساؤل- يقول جاك: إنه الرجل صاحب البذلة الخضراء- لن نعرف من هو هذا الرجل أبدا- تتساءل جين: لماذا؟ يقول جاك: ربما في وقت لاحق. تقول سوزي: أنا ذاهبة لمُقابلته- وسُرعان ما تتحرك لتدخل الممر الخلفي حيث لا نعرف هل هناك شخص ما داخل الممر قد اتجهت سوزي لمُقابلته بالفعل أم لا، وهو ما يضعنا في حالة من الترقب والانتظار أيضا- يقول جاك غير مُلتفت لسوزي التي دخلت الممر: أين كنت؟- قاصدا نفسه- ترد جين: أتمنى لو أنها ذهبت لمكان ما- لا نعرف عمن تتحدث- يقول جاك: تقريبا نسيت- ثم يقوم من مكانه ليخرج من الباب الذي على يسار الكادر، وسُرعان ما يفتح الباب ليدخل منه مرة أخرى ليبدأ الجمهور في التصفيق بمُجرد دخوله الثاني، ولا نعرف لِمَ يصفقون- ليسأل: هل كانت شقراء يا سوزي؟- مما يدل على حدوث شيء ما لا نعلمه، لكنه سيضعنا في حالة انتظار ما حدث- تقول جين: غالبا كنت أسمع أيضا. يقول جاك: حينما يحدث ستعلمين.


إذا ما تأملنا المشهد السابق- وهو حلقة كاملة من الحلقات الثمانية التي تُشكل هيكل الفيلم- لاتضحت لنا سيرياليته التي نتحدث عنها بشكل أكثر جلاء، فالشخصيات الفيلمية هنا تعيش في عوالم مُنفصلة- صحيح أن ثمة ما يجمع بينهم، مثل المكان، والتأكيد على أن ثمة شيء ما حدث، أو يحدث، أو في انتظار حدوثه، وهو رابط مُشترك بينهم في الحديث- لكن الأكثر وضوحا أن كل شخصية لها عالمها المُنفصل كلية عن عالم الشخصيتين الأخريين، وبالتالي فكل شخصية هنا إنما تسبح في فضائها الخاص، تنفصل انفصالا كليا- وشكلانيا- عن الشخصية المجاورة لها- ربما هو إسقاط على شكل المُجتمعات الصناعية الحديثة وتطورها الذي يؤدي إلى انقطاع العلاقات في المُجتمعات والتعزيز من القيم الفردية- لكن رغم هذا الانفصال الشكلاني، ثمة علاقة وثيقة- تُمثل خيطا واهيا- تربط ما بين الشخصيات بعضها البعض، لكن مع اختلاف التزامن فيما بينهم؛ بدليل أنهم يجيبون على أسئلة بعضهم بعد مرور فترة زمنية، أي أن الحوار في مُجمله في حاجة ماسة إلى الترتيب، وإعادة التزامن، وفي هذه الحالة قد نخرج بحوار عقلاني شديد التماسك، إلا أنه لا بد لنا من الانتباه إلى أن وجودنا في عالم لينشي؛ يجعل محاولة ترتيب الحوار محض هراء وضياع للوقت لا قيمة له، لأنه بالتأكيد حتى مع الترتيب سنُجابه بشكل جديد من السيريالية في حاجة إلى مجهود جديد من أجل محاولة عقلنته- أي تحويل السيريالية إلى سلسلة من الحلقات غير المُنتهية، وهي أسلوبية المُخرج التي تميزه عن غيره من المُخرجين.

إن محاولة التأكد- مما لا يدع مجالا للشك- بأن ثمة شيء ما حدث، أو يحدث، أو سيحدث- أي حالة الانتظار الأبدي لهم، ولنا بدورنا كمُشاهدين- تتضح لنا أكثر في مشهد تالٍ/ حلقة أخرى من مشاهد الفيلم، حيث نستمع إلى سوزي تقول: كان هناك اتصال لك في وقت سابق من هذا اليوم- حالة من الانتظار الدائم لمُهاتفة ما، من شخص ما- ليقول جاك: نحن لن نذهب إلى أي مكان- ثمة شيء ما يتهددهم، لكننا لا نعرفه، وهو شيء يستدعي الهروب- تقول جين: غالبا نسيت- إجابة على سؤال لا نعرفه- يقول جاك: كنت أعلم الذي يحدث في كل مرة حدث- إذن فثمة ما حدث، ونحن في انتظار معرفته- تقول جين: هل ستخبره- المزيد من الانتظار لمعرفة المزيد عن هذا الشخص الذي لا بد من إخباره- يرد جاك: إنها تُمطر- قد تكون جملة هروبية من السؤال السابق، وقد يكون مُجرد تأمل في الطقس، وقد يكون مُجرد حديث في سياق آخر مُختلف- تقول جين: كنت أتساءل عندما ذهبت سوزي لفعل ذلك- انتفاء معرفتنا عن تساؤلها، وما فعلته سوزي- يقول جاك: من كان؟ ترد سوزي: لا بد أنها تُمطر. تقول جين: إنها الحادية عشر والربع مساء، لا بد أنها ظلام في الخارج- ربما كانت هذه الجملة بمثابة الرد على قول جاك السابق: نحن لن نذهب إلى أي مكان. أي أنها تأكيد منها على ما قاله، لكن مُزامنة قول جين هنا جاءت مُتأخرة- يقول جاك حينما يستمع إلى صوت الخطوات الغامضة مرة أخرى خارج الباب: هدوء. وسُرعان ما ينهض ليفتح الباب خارجا منه، لكنه حينما يعود للدخول بعد برهة نستمع مرة أخرى إلى صوت التصفيق من الجمهور، وانتظار جاك في مكانه بشكل مسرحي في انتظار انتهاء هذا التصفيق، ليقول بعدما جلس مكانه إلى جوار جين: دعيني أخبرك. ترد جين: لا أعتقد أنها تُمطر. تقول سوزي: لقد ذهب إلى العمل في الصباح، وعاد إلى المنزل في المساء- بالتأكيد سنتساءل من هو؟ لكننا لن نعرف أيضا، لكن ثمة حدث ما يحدث، وانتظار دائم للمعرفة- يقول جاك: وربما كانت مُصادفة- هل هي إجابة على ذهاب الشخص المجهول إلى العمل في الصباح والعودة منه في المساء؟- هنا تتحرك سوزي الواقفة من خلف أريكتهما، لتجلس بينهما، ويقوما باحتضانها، لينتهي المشهد Fade Out.


ربما نكون هنا- ومن خلال المشهدين السابقين بما يتضمنانه من حوار- قد وصلنا إلى يقين ما بأن ثمة شيء ما قد حدث بالفعل، ولكنهم- ونحن معهم- في انتظار حدوث المزيد، لا سيما أنه في انتظار لمُكالمة هاتفية من شخص ما لا نعرفه، كما أننا في حالة انتظار أكيد لمعرفة من هو صاحب الخطوات الغامضة في الخارج، وهل سيدخل أم لا؟ هل هو صاحب البذلة الخضراء الذي سبق أن تحدثوا عنه؟ ربما يكون هو، وقد يكون شخصا آخر، وفي هذه الحالة فنحن في حاجة ماسة لمعرفة من هو صاحب البذلة الخضراء بدوره، مما يعني أن ديفيد لينش هنا إنما يضع مُشاهده في حالة من المتاهة الإدراكية، حالة دائمة من التساؤل والانتظار في جو شديد العبثية والسيريالية، وهما حالتين لا تختلفان كثيرا عن جوهر النفس البشرية في غموضها وتناقضها الشديد.

إن المشهد الذي يتلقى فيه جاك المُكالمة الهاتفية التي ينتظرها تؤكد لنا بالضرورة على حدوث أمر ما مُنتظر لا بد لنا من تفسيره بأي وسيلة، حيث نستمع في هذا المشهد إلى جين قائلة: متى قلت ذلك؟- ليس من الضروري أن نتساءل ما هو الذي قيل؛ فلقد اعتدنا على سيريالية الجُمل التي يقولونها وتفككها- تقول سوزي: لقد كان صوت رجل. ترد جين: لا أعتقد أنها جيدة جدا لفترة طويلة الآن. ثم تسترسل: أين هو الذي تعتقد إني قصدته؟ لتقول بعد صمت: لقد تحدثت عن ليلة ثانية. تقول سوزي: لا أعلم أين هو جاك الآن- ثمة قلق على جاك الغائب عن المشهد- تقول جين: كنت قريبة من الملجأ قبل أن يحدث، لقد كانت تركض، إنها الثامنة والنصف مساء- إذن، فثمة شيء لا يمكن الشك فيه قد حدث نتبينه من خلال الجملة الأخيرة لجين- تقول سوزي: من كان على الهاتف؟- سؤال سوزي هنا يأتي سابقا للمُهاتفة التي ستحدث بعد قليل، أي اختلاف التزامن- تقول جين: إنها تُمطر. ثم تسترسل بعد دخول جاك قادما من الخارج: أنا غالبا أحب ذلك- لا نعرف ما هو الذي تحبه- يسأل جاك: متى ستخرج؟- لا نعرف من هي، ولكن يبدو أن السؤال له علاقة بالفتاة التي كانت تركض في حديث جين- تقول جين: لقد عرفت مُنذ أن كنت في السابعة- ما هو الذي عرفته جين، هو بالتأكيد شيء ما قد حدث وانتهى- يقول جاك: إنه يحدث طوال الوقت- ثمة صلة واضحة بين ما يحدث طوال الوقت، وهو ما نجهله، وبين ما عرفته جين مُنذ كانت في السابعة- ترد جين: هنالك قمر الليلة.

هنا يدق جرس الهاتف المنزلي الموجود على يسار الشاشة، يقوم جاك للرد على الهاتف- إنها المُكالمة المُنتظرة- يضع جاك السماعة على أذنه، ويستمر على وضعية الاستماع الصامت لفترة، فتقول جين غير مُهتمة بالمُكالمة الهاتفية، وكأنها لا يعنيها معرفة النتيجة: لقد قلت: إنها ما تزال تُمطر. تسأل سوزي: أين بالتحديد، هل تتذكر؟- إن السؤال هنا يخص سياق آخر من الحديث الذي لا نعرفه- تقول جين: هذا مُتأخر. ثم يعيد جاك السماعة إلى مكانها صامتا، ويعود للجلوس إلى جوار جين بهدوء، يقول جاك: مُنذ ذلك الحين. لتقول جين: والحصول على ظلام أكثر.


ربما لا بد لنا هنا من التوقف من أجل محاولة تفسير هذه المتاهة السيريالية التي أقحمنا ديفيد لينش داخلها، وجعلنا في حالة انتظار دائم مع أبطاله من أجل حدوث شيء ما، فلقد حدث شيء ما بالفعل، مما يجعلنا نبدأ هنا في وضع الاحتمالات: فثمة مُجتمع من الأرانب البشرية- لا يهم تفسير السبب في أن يكونوا أرانب- وهذه الأرانب الثلاثة التي نراها أمامنا في جميع المشاهد ينقصهم أرنبة ما- الذهاب إلى أنها أنثى يعضده قول جين: كنت قريبة من الملجأ قبل أن يحدث، لقد كانت تركض- وهذه الأرنبة مُختفية في الخارج، وثمة حادث قد حدث لها- ربما يكون اختطافا، وهذا الاختطاف قد حدث من السيد صاحب البذلة الخضراء الغامض، وهو ما يُفسر لنا أمرين: أولهما الخطوات الغامضة التي كثيرا ما نستمع إليها خارج الباب، وثانيهما انتظار مُكالمة الهاتف، ربما لطلب فدية ما، أو معرفة مصيرها- لكن، هذه الأسرة من الأرانب في حالة من حالات التهديد أو الخطر والذعر الشديد؛ لذا فهم يتحدثون عن الهروب- قول جاك: نحن لن نذهب إلى أي مكان- لكن الوقت مُتأخر، والعالم مُظلم، كما أن الأمطار لا تتوقف عن الهطول، ويبدو أن البيت في منطقة مُنعزلة، أي أنهم مُحاصرون داخل المنزل مع صوت نفير القطار البعيد الذي لا يتوقف، ولا يصل، مما يؤدي إلى تحطيم الأعصاب.

هذا السيناريو الذي ذهبنا إليه قد يقوى من أثره، ومحاولة التيقن منه حوارهم في المشهد التالي حيث تقول جين: رأيت ذلك أيضا. ليقول جاك: أنا غير مُتأكد. تقول جين: ذهب بوقت سابق عندما كانت مُجرد ضوء. ليرد جاك: أحتاج لإخبارك بشيء ما- ثمة سر يعرفه جاك، ولا بد أن يُفضي به، ربما هو عن الأرنبة المُختفية التي طاردها الرجل صاحب البذلة الخضراء، والتي رأتها جين تركض. أتكون قد قُتلت؟ ربما، أي أن ثمة حالة أخرى من الانتظار من أجل معرفة هذا السر- تقول جين: كان أحمر- ولا ندري ما هو الأحمر- يرد جاك: هل قال أي شيء؟- قد يكون الرجل صاحب البدلة الخضراء، وهو المُختطف للأرنبة المُفترضة، وهو أيضا صاحب الخطوات، وهو صاحب المُكالمة المُنتظرة- تقول سوزي: ألا تستطيع أن تفعل أي شيء؟- ثمة شيء حدث هنا، ولا بد من تدخل جاك من أجل حله، وربما هو عن الأرنبة المُفترضة من جانبنا- تقول جين: لا يمكن لأحد أن يعرف عن هذا. هنا نستمع إلى صوت خطوات خارج الباب لتقول جين: هذا ما حدث معي مرة واحدة فقط. ينهض جاك بهدوء، مُتلصصا ليفتح الباب ويخرج مُستكشفا بقلق، لتقول جين: إنها بعد مُنتصف الليل. لكن جاك يعود للدخول بهدوء، لتستمر جين: كل يوم. تقول سوزي: هناك شيء هنا. لترد جين: لقد حدث مثل ذلك في وقت سابق. يقول جاك: من الذي يمكن أن يعرف؟- هل تساؤل جاك هنا كان ردا مُباشرا منه على قول جين: لقد حدث مثل ذلك في وقت لاحق، أم أنه يخص سياقا آخر من حديث آخر؟ بالتأكيد لن يعنينا كثيرا التحديد هنا، وهو أمر صعب في جوهره.


هذا السيناريو المُفترض منا، والذي بنيناه بناء على المعطيات التي لاحظناها في الحوار المُتقطع بين الشخصيات يُدلل على أن هذه الشخصيات الأرنبية في حالة من الذعر الهائل، والحصار النفسي والمادي؛ نتيجة لأن هناك من يقوم بتهديدهم، وسواء كانت هناك أرنبة ما بالفعل غائبة أم لا، إلا أن ما نتيقن منه هنا أن ثمة من يقوم بتهديدهم- صوت الخطوات الغامضة- ويحاول مُحاصرتهم، أو أن ثمة من ينتظرونه على أقل تقدير.

يقوي من احتمال التهديد هنا، الشعور بالخوف والقلق لدى الشخصيات الأرنبية، وسؤال سوزي: ألا تستطيع أن تفعل أي شيء؟ وحديث جين عن الفتاة التي كانت تركض، فضلا عن الهلاوس البصرية التي تحدث والتي نرى من خلالها ذلك الوجه الشيطاني الذي يظهر في السقف بمُجرد سيادة اللون الأحمر الخافت على الكادر- وهو ما حدث مرتين- وتلفظه بمجموعة من الجُمل غير المفهومة لحديثه بلغة لا نفهمها.

لكن، ربما كانت المشاهد المونولوجية التي لجأ إليها المُخرج- وهي المشاهد التي رأينا فيها كل شخصية وحدها في حالة مُناجاة مع النفس، أو حالة من الغناء والترنم- فيها المزيد من التأكيد على حالة الخطر التي تعاني منها الشخصيات الأرنبية، أي أنهم ليسوا في حالة انتظار عادية فحسب، بل هم واقعون تحت التهديد، وحالة الانتظار التي نراهم عليها يسودها الكثير من الهلع ومحاولة التفكير في مخرج- ربما من المنزل والهروب بعيدا- لذا نلمح في هذه المشاهد المونولوجية الكثير من المُفردات الدالة على العنف والخوف، فضلا عن تكرار الكثير منها في كل مشهد مونولوجي مُنفصل للتأكيد على نفس العالم الذي يعيشونه معا، ويعانون منه، مثل: مسحة دم، كراهية، ظلام، شيء ما خاطئ، مرض، حرارة، أسلاك شائكة، تمزيق، أحمر، يتلوى، قدم زرقاء مُنتفخة، كشط، دماء قديمة، غرفة مُظلمة، نوافذ مُحطمة، دموع خضراء، سكين، لسان مُنتفخ، إسعافات أولية، بخار الدم، حرق، أصابع، جلد قديم، عين مُظلمة واسعة.

إنها المشاهد المونولوجية التي كانت تنتهي جميعها بانحناء المُمثل بحركة مسرحية وكأنه أمام جمهور بالفعل؛ ليسود صوت التصفيق والتهليل، وسُرعان ما يتلاشى المُمثل وكأنه لم يكن واقفا أمامنا لتوه- عالم الأحلام ومنطقه الذي من المُمكن أن يحدث فيه أي شيء، وهو عالم لينشي بامتياز- كما لا يفوتنا في هذه المشاهد المونولوجية تلك الحفرة التي كانت تظهر في أعلى الحائط الخلفي، وهي الحفرة التي كانت تشتعل فيها النار وتظهر بمُجرد ما ينتاب المُمثل الكثير من الحيرة في جلب المزيد من المُفردات الجديدة، أي أن حفرة النار هنا بدت وكأنها المرجل، أو الوقود الذي يجعل الشخصية الفيلمية تنجح في الوصول إلى المُفردات المُناسبة أثناء مونولوجها، أو كأنها الذاكرة.


يحاول لينش إغلاق تسلسلاته السيريالية المُتتالية- الجاعلة إيانا في حالة انتظار دائم لما سيحدث- بمُشاهدتنا لباب الغرفة الذي يُفتح ببطء من تلقاء نفسه، لتتلاحق أنفاسنا، وأنفاسهم معنا في انتظار دخول صاحب الخطوات الغامضة، أو الرجل صاحب البذلة الخضراء، أو حتى دخول الأرنبة المُفترضة من قبلنا، لكننا نستمع إلى صوت صرخة رعب أنثوية ذات صدى- ربما هو صوت الأرنبة المُختطفة، وقد تم قتلها- ثم يسود إظلام تام للشاشة، وسُرعان ما تعود الإضاءة، وتتوجه سوزي إلى الباب لإغلاقه. ثم تتحول إلى كل من جاك وجين الجالسين على أريكتهما، لتجلس بينهما، ويقوما باحتضانها، وكأنها أمانهما، أو أن انضمامهم إلى بعضهم البعض بمثل هذا الشكل سيكسبهم المزيد من القوة، والاتحاد، والمزيد من التركيز في كيفية الخروج من مأزقهم المُخيف الذي لا نعرفه بشكل بيّن، وهو ما يؤكده قول جاك وهم في هذه الوضعية: وكان الرجل في معطف أخضر- مما يعني أنه سبب حالة الهلع التي يعيشون فيها- لتقول جين: ولا أدري من الذي سيكون- ربما يعني حديثها هنا أنها لا تدري من الذي سيكون القادم في الدور بعد الانتهاء من الأرنبة الغائبة المُفترضة، أو من سيكون الضحية التالية للرجل صاحب المعطف الأخضر.

إن الفيلم الأمريكي "أرانب" للمُخرج ديفيد لينش يكاد يكون من أكثر أفلامه نضجا، واكتمالا، وتعبيرا عن أسلوبيته السينمائية بعد فيلمه الروائي الأول "رأس الممحاة"- رغم استغلاقه- ورغم وجود خمسة وعشرين عاما كفاصل زمني ما بين الفيلم الروائي الأول، وهذا الفيلم إلا أنه يبدو لنا وكأنه تالٍ للأول مُباشرة، محاولا التأكيد فيه على العالم العالق فيه المُخرج، وهو العالم الذي يعمل على التعبير من خلاله عن النفس البشرية، وجموحها، وتعقيداتها، وغموضها، وظلامها، وربما عهرها أيضا. حيث كثيرا ما تسود بين البشر علاقات غير مفهومة، ولا سبب منطقي لها. أي أن لينش في جوهر الأمر ليس إلا مُخرجا يعيش في عالم آخر، شديد الانعزال عما يحيطه، صحيح أنه يعبر عن العالم المُعاصر الذي نعيش فيه- أي أنه غير مُنبت الصلة بالواقع- لكنه يعبر عنه من خلال رؤيته الخاصة جدا والمُختلفة، والفريدة، إنها الرؤية التي تجعله يرى العالم بشكل غرائبي يخصه وحده- أي ربما لا يراه هكذا إلاه فقط- ومن ثم يقوم بنقله لنا في أفلامه من أجل مُشاركتنا له تلك الرؤية الفنية المُختلفة للعالم، الشديدة العبثية والسيريالية في تخيلاتها، وقانونها الداخلي الغرائبي.

إن لينش هنا يرى العالم مكانا مُرعبا، مكانا يسوده التهديد الدائم، والهلع اللذين لا يستطيع تحديد سببهما المُباشر، فكل المُفردات المُحيطة بنا تُشعرنا بالقلق حقيقي، والمزيد من مشاعر التوتر، والخوف من شيء ما مجهول لا نعرفه، وربما لن نعرفه أبدا.

 

 محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21"
عدد مارس 2025م.