لم يكن المُخرج مدحت السباعي من المُخرجين المُستقرين على اتجاه سينمائي مُعيّن، بمعنى إمكانية القول: بأنه كان يمثل شكلا سينمائيا بعينه، أو اتجاها سينمائيا مُحددا، يتميز به، بل قدم العديد من الأشكال السينمائية المُختلفة التي تجعل البعض من النقاد يرون أنه لم يصنع سوى السينما التجارية التي تعمل على مُغازلة الجمهور، والتي لم يعنها الشكل الفني في نهاية الأمر.
لكن، ليس معنى عدم استقرار السباعي على لون سينمائي مُعيّن أنه لم يكن له
تأثيره في صناعة السينما المصرية، ولم يساهم في تطور هذه الصناعة لا سيما في فترة
الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بل كان له أثره في هذه الصناعة كمُخرج
رغب في تقديم العديد من التجارب الفنية- بعضها كان جيدا، والبعض الآخر منها كان
متواضعا- إلا أنه يُحسب له مُساهمته في الإضافة للسينما المصرية من خلال الأفلام
التي قدمها.
بدأ السباعي حياته الفنية بفيلم "وقُيدت ضد مجهول" 1981م- أي مع
بداية ظهور موجة الواقعية الجديدة- وبالتالي كان يُمثل اتجاها موازيا لسينما
الواقعية الجديدة، وإن لم يكن مُقلدا لها، كما لم يضعها نصب عينيه، ولم يحاول
صناعة أفلام تنافسها في شيء؛ فلقد كان للسباعي خطه الذي يخصه وحده، ولعلنا نُلاحظ
أن فيلمه الأول كان من الأفلام المُهمة في سياق السينما الجادة التي تتناول الواقع
السوداوي، والاشتباك معه من خلال أسلوب سيريالي، بمعنى أنه يعلو على الواقع قليلا
لتأمله من خلال مسافة، وهذه المسافة في التأمل تتيح له إعادة صياغة هذا الواقع
بشكل شديد السُخرية، لكنها سُخرية تحمل في طياتها الكثير من الحزن على ما يدور من
حولنا من فساد، ومُشكلات قد تبدو أنها لا سبيل إلى تغييرها- بمعنى الاستسلام لما
يدور من حولنا نتيجة فقداننا الأمل في التغيير، وهذا الاستسلام يجعلنا نسخر من
أنفسنا، ومما يدور على أرض الواقع- سبق أن أطلقنا على هذا الشكل السينمائي الذي
قدمه السباعي اسم "سينما المسخرة" في الجزء الثاني، حقبة الثمانينيات،
من هذا البحث[1]،
أي السُخرية من كل شيء، وهو نفس العنوان الذي رأينا أن سينما المُخرج رأفت الميهي
تتسم به، ولا يمكن لنا وصفها سوى "بالمسخرة"، كما أطلق هو عليها، وإن
كان السباعي قد سبق الميهي في هذا الأسلوب، حيث كان أول فيلم للميهي في هذا
الاتجاه هو "الأفوكاتو" 1984م.
استمر السباعي في تقديم أفلام جادة تشتبك مع الواقع، محاولة تأمله، بعد
فيلمه الأول؛ فقدم في عام 1984م فيلم "فقراء لا يدخلون الجنة" عن رواية
"الجريمة والعقاب" للروائي الروسي فيودور ديستويفسكي، ثم فيلمه
"الجريح" 1985م عن رواية "الأبله" لفيودور ديستويفسكي أيضا،
وفي عام 1988م يُقدم فيلمه "راجل بسبع أرواح" الذي كان مُختلفا عن
الأفلام السابقة التي قدمها مُنذ بدأ مسيرته الإخراجية، مُعتمدا في هذا الفيلم على
مجموعة من المُغامرات المُثيرة لبطل فيلمه. صحيح أن السباعي هنا يقدم فيلما
مُختلفا عما قدمه من قبل في أفلامه السابقة التي كانت تهتم بأحوال المُجتمع المصري
وما يدور فيه، لكن لا يمكن إنكار أن الفيلم كان من الأفلام الجيدة التي لا تميل
إلى التجارية البحتة، بل كان يتناول قضية ما، فيها العديد من المُفارقات الغريبة
التي تحدث للشخصية الرئيسية في حياتها، كما أن المُخرج يحمل فكرة عدم الاهتمام
بالماضي والانجذاب إليه والاستغراق فيه، في مُقابل الاهتمام بالمُستقبل.
لكن المُخرج لم يستمر على هذا النهج، بل قدم العديد من الأفلام التجارية،
الأقل كثيرا من حيث القيمة الفنية؛ فرأينا "نواعم" 1988م، و"احنا
اللي سرقنا الحرامية" 1989م، و"العميل رقم 13" في نفس العام،
وغيرها من الأفلام التي مال بها المُخرج باتجاه التجارية البحتة، والتهريج أحيانا.
لكن هل ظل المُخرج مدحت السباعي يقدم المزيد من السينما التجارية التي لم تهتم بالفن في المقام الأول؟
لا يمكن إنكار أن السباعي قدم العديد من هذه الأفلام التجارية- وربما تكون
هي الغالبة على مجموع ما قدمه من أفلام- لكنه كان كثيرا ما يعود إلى بداياته
الجادة، ليقدم بعض الأفلام الفنية من خلال أسلوبه الخاص- السيريالية، أو المسخرة
كما سبق لنا أن أطلقنا عليها- وهي أفلام كانت تُعبر عن الكثير من الوعي لدى
المُخرج، لا سيما أنه كان يعمل في المجال الصحفي، بل ومارس النقد السينمائي أيضا،
أي أنه يحمل من الوعي بفن صناعة السينما ما يجعله يعود إلى جديته في صناعة
الأفلام، مُبتعدا عن مُغريات السينما التجارية.
هذه الجدية في تناول الفن، ووعيه بآليات الصناعة هما ما جعلاه يقدم لنا في
عام 1994م فيلمه المُهم "خلطبيطة" عن قصة "المُحاكمة" للروائي
التشيكي فرانز كافكا- وإن كان المُخرج لم يشر في تيترات الفيلم إلى الأصل الأدبي
الذي أخذ عنه الفيلم- واكتفى بكتابة: سيناريو وإخراج: مدحت السباعي، وإن كان كل من
سيقرأ المُحاكمة، ثم يتجه لمُشاهدة الفيلم سيدرك استناد المُخرج على الرواية
التشيكية مع اختلافات بسيطة، منها نهاية كل من البطلين- يموت بطل كافكا ذبحا،
بينما ينجو بطل السباعي، كما أن بطل كافكا لم يكن يعرف سوى الحرف الأول من اسمه،
بينما بطل السباعي يعرف اسمه بالكامل، بالإضافة إلى الجو الكابوسي السوداوي الكئيب
في رواية كافكا، بينما يسود جو من السُخرية والكوميديا السوداء، والسيريالية
الكابوسية في الفيلم.
إذن، فلقد عاد المُخرج هذه المرة إلى تأمل ما يدور من حوله في الواقع من
مُشكلات كابوسية تُحيط بالمواطن في المُجتمع المصري، وحاول تناول هذه المُشكلات من
خلال أسلوبيته السيريالية الساخرة التي تُضخم من هذه المُشكلات بشكل كاريكاتوري
مُثيرا لعاصفة من الضحك، لكنه ضحك كالبكاء على ما يدور من حولنا.
يدخل المُخرج عالمه من خلال حسان- قام بدوره المُمثل محمود عبد العزيز- وهو
أمين مكتبة من مكتبات وزارة الثقافة، وخريج كلية الزراعة، ويعيش وحيدا في شقته،
شاعرا بالكثير من الراحة والسعادة والرضى في حياته. نُلاحظ أن شقة حسان ممتلئة
بالكامل بكافة أنواع المزروعات والشتلات التي نراها في كل زاوية تحيط به- ولعل هذا
يتناسب كثيرا مع تخرجه في كلية الزراعة- كما لا يهتم في حياته سوى بهذه النباتات،
واصطياد الأسماك، وقراءة الكتب.
من خلال المشهد التأسيسي الأول للفيلم يرسم المُخرج شخصية حسان الذي ينهض من نومه، ليعد إفطاره، ويبدأ في تصفح الجرائد؛ فيشعر بالانزعاج والاختناق الشديد بسبب ما يقرأه من أحداث دموية في كل مكان من العالم؛ الأمر الذي يجعله يلقي بالجريدة بعيدا، ويفتح المذياع، لكننا نستمع إلى صوت المُذيع يقول: وقعت مساء أمس مذبحة بشعة راح ضحيتها العشرات من النساء والأطفال، وذلك على إثر استئناف القتال الضاري بين القوات المُتحاربة في كمبوديا. ثم ينتقل إلى خبر آخر: انفجرت ظهر أمس طائرة ركاب كانت تقل على متنها 600 راكب إثر عملية إرهابية بشعة، ويستبعد المُراقبون وجود أحياء بين ركاب الطائرة الذين تناثرت أشلاؤهم المُحترقة المُتفحمة في مُختلف أرجاء المنطقة التي سقطت فيها الطائرة، لينتقل المُذيع إلى خبر ثالث: وقعت سلسلة من حوادث العنف الدموية في... ليسرع حسان إلى تغيير المحطة الإذاعية مُنزعجا مما يسمعه، شاعرا بالكثير من الاختناق، ويستقر على أغنية "الحياة حلوة" للمُطرب فريد الأطرش ليبدأ في الغناء معه متناولا إفطاره، لكن الأغنية سُرعان ما تنقطع ليستمع إلى المُذيع: أيها الإخوة المواطنون، إليكم هذا البيان المُهم، أعلنت... لينقطع صوت المُذيع وتحل محله أصوات طلقات نارية وصراخ مُخيف؛ مما يجعل حسان يسرع لإغلاق المذياع تماما.
ربما نُلاحظ من خلال المشهد التأسيسي الأول الذي يحاول من خلاله المُخرج
الدخول إلى عالمه الفيلمي، ورسم ملامح شخصيته الرئيسية، حسان، أنه شخصية بسيطة
مُسالمة تماما، يرغب في الحياة بهدوء بعيدا عن المُشكلات المروعة التي تسود العالم
المُشتعل من حوله، مُستمتع بعالمه الذي صنعه لنفسه بين المزروعات التي تغص بها
شقته، ومُمارسته لهواية الصيد، وقراءة الكتب، وهو ما يجعله شخصية تكاد أن تكون
مُنفصلة عن الآخرين، وهو ما قد يؤدي به إلى العديد من المواقف الساذجة- على الصعيد
الاجتماعي- عند تعامله مع الآخرين لأنه لا يتميز بالخبث الاجتماعي الذي يتمتع به
الآخرون في المُجتمع.
هذه البساطة في التعامل مع من يحيطون به سنُلاحظها في عمله حينما يهنئ
زميلته نرجس- قامت بدورها المُمثلة ماجدة زكي- بعيد ميلادها، ويذكر لها بأنه لم
يستطع أن يأتي إلى العمل بهديتها الموجودة لديه بالفعل، ولذلك يطلب منها أن تذهب
إلى شقته لاستلامها بنفسها هناك، هنا تثور عليه نرجس بسبب طلبه، وتؤكد له بأنها
فتاة لديها سُمعتها الجيدة، وأنه لا يصح له أن يطلب منها الذهاب إلى شقته؛ فيعتذر
لها ويسحب كلامه، لكنها سُرعان ما تذهب إليه مُتنكرة، ظانة أنه يرغب في لقاء جنسي،
إلا أنه يهديها بشتلة مزروع فيها زهرة نرجس، مُخبرا إياها بأنه قد قام بزراعتها
حينما استلمت عملها في المكتبة. وهو ما يُدلل لها بأنه لم يكن يقصد أي أمر سيئ
حينما دعاها إلى بيته، حيث رأى أنه لو حمل الزهرة إلى العمل ستتلف في المواصلات،
وبالتالي رأى أن تأخذها بنفسها للعودة بها إلى بيتها في تاكسي.
تعتذر نرجس قائلة: أنا منكرش إني أسأت الظن فيك في الأول، لكن بعد كدا
راجعت نفسي، وقلت: يا بت أكيد دا إنسان نبيل وغرضه شريف لما طلب منك حاجة زي كدا،
ودا السبب اللي خلاني أجيلك الشقة عشان نتفاهم على كل حاجة، وأشوف تحب تقابل بابا
امتى. فيرد عليها مُندهشا: هو باباكي عايز يقابلني أنا؟! لتقول: لأ، إنت اللي عايز
تقابله، بص بقى يا حسان ما هو أنت لازم تتفاهم معاه على كل حاجة خاصة بالجواز. فيسألها:
جواز مين؟ لتقول: جوازنا. ليتساءل: هو احنا هنتجوز ولا إيه؟ لترد: ما هي دي
النهاية الطبيعية الشريفة لكل اللي بينا. فيسأل: هو فيه بينا حاجة؟ لتقول: هو أنت
هتنكر ولا إيه؟ إنت هتنكر إنك مُعجب بيا من أول ما شفتني؟ وإنك زارع الوردة دي
باسمي؟ إنت مُرتبط بحد غيري؟ متصور إنك تلاقي واحدة أحسن مني؟
هذا الحوار العبثي الدائر بين كل من نرجس وحسان يعود في جوهره إلى عدم
مقدرة حسان على التعامل الاجتماعي مع الآخرين؛ نظرا لعزلته التي يعيش فيها، راغبا
في السلام النفسي والاجتماعي، وهو ما يجعله يفقد مهاراته الاجتماعية مع مرور
الوقت، وعدم المقدرة على فهم مقاصد الآخرين ومُجاراتهم؛ وبالتالي ينفعل على نرجس
في نهاية الأمر طاردا إياها من منزله.
نُشاهد حسان يقوم بالصيد ليعود إلى منزله مساء، ولعل مشهد دخوله إلى الشقة لا بد من التوقف أمامه قليلا لأهميته في سياق الحدث الفيلمي من الناحية الفنية، حيث نرى حسان يدخل من باب شقته، ليتجه إلى غرفة نومه، بينما الكاميرا التي كانت ثابتة في مُنتصف الشقة تراقبه، تبدأ الكاميرا في الحركة لنعرف أنها كاميرا مُتحركة- محمولة على الكتف- تتحرك حركة مُهتزة أثناء مسيرها لتُدلل على تلصص شخص ما، وتتوقف أمام باب غرفة النوم المفتوح مُتلصصة عليه أثناء تغيير ملابسه، في إيحاء بفعل المُراقبة من شخص ما، أي أن الكاميرا هنا كائن حي يتحرك، ويتنفس، ويتلصص، ويراقب، ويشعر، وهو ما يرغب المُخرج في إحساسنا به، بأن ثمة مُراقبة ما تتم مُمارستها على حسان- سواء كانت هذه المُراقبة من أشخاص، أو من خلال الكاميرا التي تنقل لنا حركته، أو من خلال عيوننا نحن كمُشاهدين- ولعل المُخرج قد نجح في هذا الإيحاء من خلال التصوير إلى حد بعيد؛ لأن الإيحاء للمُشاهد بأن ثمة من يراقب حسان هو الهدف الرئيس من الفيلم الذي سنعرفه مع تقدم الأحداث.
يبحث حسان عن كتاب ليقرأه بعد تبديل ملابسه، ويضطجع على إحدى الأرائك
مُمسكا بكتاب بعنوان "رعب في مُنتصف الليل"- التناسب الكامل بين العنوان
والحدث الذي سيحدث- ليقرأ: كان منزلا مهجورا على ربوة عالية، فركل الباب بقدمه
ودخل؛ فإذا بالمنزل مليء بالهياكل العظمية والجماجم، والحشرات تنتشر في كل ركن
منه، ثم دخل عليه الشبح وهو مُمددا على الأريكة وحده في المنزل وقال...
لنسمع صوتا صارما يُقاطع حسان بقوله: مساء الخير يا أستاذ حسان! إذا ما
تأملنا المشهد بروية لتيقنا بأن المُخرج يعي جيدا ما يفعله؛ فعنوان الكتاب
"رعب في مُنتصف الليل"، وهو ما سيحدث لحسان بالفعل بعد برهات، وقراءته:
ثم دخل عليه الشبح وهو مُمددا على الأريكة وحده في المنزل" هو نفس الموقف
الذي يحياه حسان بالفعل، وحدث له- باعتبار أن الشخص الذي دخل عليه منزله هو بمثابة
شبح- أي أن السباعي هنا يعي جيدا من خلال السيناريو الذي كتبه آليات صناعة فيلم
مُحكم، مما يُدلل على أنه لم يكن من المُخرجين الذين يستسهلون صناعة الأفلام- رغم
صناعته للكثير من الأفلام التي بلا قيمة فنية.
يشعر حسان بالكثير من الهلع ليسأله: أنت تطلع مين؟ لينهره أحد المُخبرين:
كلم سعادة البيه عدل يا ولا. ليتساءل حسان: سعادة البيه؟ هو حضراتكم بوليس ولا
إيه؟! ليرد الضابط- في ثياب ملكية: إنت إيه اللي خلاك تتصور إن احنا بوليس؟ إنت
متوقع البوليس يجيلك في أي لحظة كدا؟ ليرد حسان: لا، بس أصل كلمة سعادة البيه دي
مبيقولهاش بالشكل دا يعني إلا المُخبرين والعساكر للظباط بتوعهم. ليقول الضابط:
بالعكس، دي بقت كلمة شايعة اليومين دول، وكل الناس بتقولها لبعض.
يتساءل حسان عن هوية الرجال في شقته ليرد عليه الضابط: احنا من الإدارة
المركزية العامة لحماية الأمن القومي الداخلي. ليقول حسان خائفا: الزمارة الداخلية
العامة لصفارة النادي الداخلي؟ ودي تطلع إيه دي؟ بوليس يعني؟ بس أنا عمري ما سمعت
عن صفارة في إدارة البوليس بالشكل دا. ليقول الضابط: ما هو مش المفروض أنت أو غيرك
يسمعوا عنها. ليتساءل حسان: قصدك يعني إنها حاجة كدا زي المُخابرات؟ فيقول الضابط:
تقريبا، وبعدين أنت ملكش دعوة بكل الحاجات دي، إنت عليك تنفذ الأوامر وبس.
ربما إذا ما توقفنا أمام هذا المشهد وما يدور فيه من حوار شديد العبثية
لاتضحت لنا الصورة العامة للعالم الفيلمي الذي أدخلنا إليه المُخرج مدحت السباعي،
فالأحداث قد بدأت تتحول باتجاه السيريالية والعبثية رويدا- ثلاثة أشخاص يدخلون
شقته في مُنتصف الليل مُدعين بانتمائهم لإدارة غريبة الاسم ليبدأوا في توجيه
الأوامر له فقط، طالبين معه التوجه معهم إلى جهة غير معلومة من دون إبداء أي
أسباب- ولعل هذا ما يُفسر لنا حركة الكاميرا المُتلصصة المُراقبة في المشهد
السابق؛ فثمة من يضع حسان تحت المُراقبة بالفعل، وهو ما يتناسب مع حركة الكاميرا
التي أوحت لنا بذلك، أي أن المُخرج قد عاد إلى أسلوبيته الساخرة السيريالية في
تناول أفلامه وما يدور فيها من أحداث..webp)
المُخرج مدحت السباعي
هذه المُراقبة- التي يرغب المُخرج في التأكيد عليها- سنُلاحظها أثناء
انتظار حسان في إحدى الغرف الخالية إلا من مكتب ومقعد- غرفة التحقيق- بينما يصل
إلى سمعه صوت تعذيب وصراخ مُرعب وقاسٍ- صناعة الخوف وترهيب المواطن من قبل الأمن،
واللعب على سيكولوجيته- حتى حين دخول المُحقق للغرفة- قام بدوره المُمثل أحمد
توفيق، الذي أدى دوره ببراعة كبيرة نافس فيها الأداء الفني للمُمثل محمود عبد
العزيز.
إن مُشاهدة المُحقق أثناء دخوله لغرفة التحقيق حاملا ملفا، ثم جلوسه إلى
المكتب ليفتح الملف مُتصفحا إياه، إنما يُدلل على رغبة المُخرج في رسم صورة
تقليدية هزلية لما سبق لنا أن رأيناه كثيرا في العديد من الأفلام السينمائية عن
الأمن المصري وتحقيقاته مع المواطنين، وهي صورة في جوهرها ساخرة، ليسأله المُحقق
عن اسمه- حسان ضرغام النمر: إيه ضرغام دي؟ ليقول حسان: ضرغام دي باللغة العربية
الفصحى يعني أسد. ليرد المُحقق ساخرا: يا سلام! أسد ونمر، على إيه دا كله؟! فيقول
حسان: يعني دي لمؤاخذة مضايقة سعادتك في إيه؟ ما هو فيه عائلات كتيرة بالشكل دا،
فيه عيلة السباعي، وعيلة الفيل، وفيه الجحش، والحمار لمؤاخذة.
يسأل المُحقق حسان عن مكان تواجده في يوم مُحدد، ثم سُرعان ما يسأله سؤالا
شديد العبثية: تفتكر إيه اللي خلى صالح- زميله في العمل- يعمل المُناسبتين دول في
ليلة واحدة؟ ليسأله حسان: مُناسبتين إيه؟ ليرد المُحقق: سبوع ابنه وطهوره.
إذن، فالحوار والأحدث بالفعل تأخذ هنا منحاها السيريالي رويدا؛ أي أن الأمن
القومي قد ألقى القبض على حسان لأنه قد حضر حفل سبوع وطهور ابن صديقه، وبالتالي
فسبوع وطهور الطفل في ليلة واحدة يُشعر الأمن بالقلق، وله علاقة بالقضية المُتهم
فيها، وحينما يسأل حسان عن التُهم الموجهة إليه، يؤكد عليه المُحقق بأنه يعرف
تهمته جيدا، وعليه ألا يراوغه، أي أنه لا يخبره بالتُهم الموجهة إليه، ويخبره بأنه
هنا ليجيب على الأسئلة فقط، وبالتالي فعليه الامتناع عن السؤال.
حينما يبدأ حسان في الانفعال؛ يخبره المُحقق بأنه قد بات في حالة ليست
جيدة، وحينما يعود لهدوئه سيباشر التحقيق معه مرة أخرى، كما يخبره بأن الذين
أحضروه سيعيدونه إلى منزله؛ فيسأله حسان: إشعرفك إن أنا لو مشيت من هنا هرجع تاني؟
ليرد المُحقق: أنا قلت لك هنبعت نجيبك. ليقول حسان: افرض يعني طفشت، هربت، اختفيت.
ليرد المُحقق بطبيعية: لا، لا، لا أنا مفتكرش، إنت إنسان عاقل، ومش مُمكن تسبب
لنفسك مشاكل أكتر من اللي إنت فيها، كفاية اللي إنت فيه. وحينما يسأله حسان عما هو
فيه، يخبره المُحقق بأنه سيعرف فيما بعد.
إذن، فالمُخرج مدحت السباعي يتأمل في قضية الأمن وكيفية تعامله مع
المواطنين، وتفنن الجهات الأمنية في صناعة الخوف، وتربيته، وتنميته داخل نفوس
المواطنين؛ الأمر الذي يجعلهم في حالة ترويع، وهلع، وخوف دائم من كل ما يدور من
حولهم، بل وتوجيه الكثير من الاتهامات إليهم من دون إخبارهم بالتُهم التي
يواجهونها، وما هو مصيرهم، أو ما الذي فعلوه، أي أن الأمر في النهاية هو رغبة
الأمن في إشعار المواطن بأنه مُذنب طوال الوقت، ومُراقب من جهات غير معلومة، ومحل
للشك الدائم، ومُعرض للسجن والعقوبة في أي لحظة، وهو ما نراه من حولنا بالفعل على
أرض الواقع من ترويع أمني للمواطن، وإن كان المُخرج هنا قد تناولها بشكلها
السيريالي العبثي ليزيد من وقعها على المُشاهد، فالأمور كلما كانت في شكل عبثي،
كاريكاتوري؛ يتضخم أثرها في نفس من يشاهدها، وهو ما يجعل حسان يبدأ في التشكك في
كل من يحيط به، حتى أنه يشك في زميلته نرجس بأنها هي من تنقل إلى الأمن أخباره:
إنت اللي بتبلغيهم أخباري أول بأول.
يدق جرس الهاتف فجأة في إحدى الليالي داخل شقة حسان، وهو الذي كان يمتلك هاتفا فقط من دون حرارة لأنه ليس لديه اشتراك في مصلحة التليفونات، فيشعر بالخوف الشديد، ولكن الضابط الذي على الجهة الثانية يخبره بأنهم هم من أوصلوا له الحرارة ليسهلوا إمكانية الاتصال به حينما يحتاجونه للتحقيق، ويطلب منه الاستعداد لأنهم سيمرون عليه لأخذه من أجل التحقيق. يحاول حسان الهروب بالصعود إلى شقة جارته الراقصة زيزي- قامت بدروها المُمثلة منى السعيد- ويطلب منها إخفائه لأن البوليس سيأتي لأخذه، لكنها تظن أنه يدعي ذلك لرغبته في ليلة ساخنة معها، وحينما تحاول معه؛ تفشل بسبب خوفه الشديد وارتعاشه، ليأتي رجال الأمن السابقين لاصطحابه معهم مرة أخرى، وهناك- في غرفة التحقيق- يخبره المُحقق بمعرفته بأنه قد أخبره صديقه- والد الطفل الذي احتفل بسبوعه- رغم أنه قد حذره من فعل ذلك، ويؤكد له بأنهم يعرفون عنه كل شيء يدور في حياته، وأنه لن يستطيع الهروب منهم، يسأله حسان: هو الدوسيه اللي مع سعادتك دا فيه حاجة يعني خاصة بيا؟ ليرد: كله، دا الملف بتاعك. ليسأل حسان: الملف بتاعي أنا؟! ليقول المُحقق: أيون، ما احنا عندنا ملف لكل مواطن، فيه كل التفاصيل والبيانات عنه وعن حياته، حتى المعلومات الصغيرة والتفاصيل البسيطة جدا اللي ميعرفهاش عن نفسه، أو يمكن يكون هو ناسيها، هتلاقيها مدونة هنا بكل تفصيل ودقة. فيسأل حسان: بتفيدكوا في إيه بقى الحكاية دي؟ ليقول المُحقق: في حاجات كتير، وعموما دا عرف أمني موجود في كل بلاد العالم المُتقدمة، أي دولة كبيرة محكومة بنظام أمني مظبوط، لازم يكون عندها ملف لكل مواطن. فيطلب منه حسان أن يُعد ملفا أمنيا لحمادة- ابن صديقه- يبدأ من وقت طهوره، وأنه لا بد لهم أن يعدوا ملفا أمنيا لكل مواطن من لحظة طهوره باعتبارها أهم لحظة في حياته، بما أنها تزعج الأمن؛ فيقول المُحقق: إنت تعرف يا حسان إيه أكتر حاجة عاجباني فيك؟ إنك رغم كل المصايب اللي أنت غرقان فيها، وكل التُهم الموجهة إليك، اللي مُمكن توديك لحبل المشنقة، عمال تهوّن على نفسك بالضحك والتهريج والتنكيت. ليرد حسان: يعني ما هو إذا كان الموت مكتوب علينا كدا ولا كدا؛ فأحسن نموت من الضحك بدل ما نموت من الغم!
إنه الإيغال في السُخرية من النُظم الأمنية التي تحكم مُجتمعاتنا العربية،
لا سيما النظام الأمني المصري الحريص على تضخيم الخوف داخل المواطنين، والتلصص
عليهم ومُراقبتهم ليل نهار، وترويعهم على المستوى النفسي، والواقعي. بل والتعبير
عن المواطن المصري الحقيقي البسيط الذي يضحك طوال الوقت ساخرا من نفسه ومن
مُشكلاته مهما كانت هذه المُشكلات ضخمة من المُمكن لها أن تقضي عليه تماما، لكننا
نراه دائما ضاحكا، ساخرا من حاله ومما يدور من حوله، وكأنما حسان هنا هو لسان
الشعب المصري في مواجهة أزماته المُخيفة مع جهازه الأمني الذي يشعره طوال الوقت
بالخطر، والخوف، والإرهاب، والترويع بدلا من حمايته وإشعاره بالاطمئنان والسلام
الاجتماعي. يعود حسان لسؤاله عن التُهم الموجهة إليه مرة أخرى، لكن المُحقق يرد
عليه بأنه سيعرف فيما بعد.
نرى حسان وحيدا يمارس هواية الصيد لتقتحم عزلته إحدى مُذيعات التليفزيون
مُخبرة إياه بأنهم فريق أحد برامج المنوعات، وأنها ستسأله مجموعة من الأسئلة، وإذا
ما أجاب بشكل صحيح سيفوز بجائزة البرنامج، وحينما تسأله عن مُؤهله الدراسي يجيب:
أنا معايا بكالوريوس زراعة. لتقول: عظيم، وبتشتغل إيه؟ ليرد: أمين مكتبة. لكنها
تتساءل مُندهشة: بكالوريوس زراعة وأمين مكتبة؟! إنت مش شايف إن الشغلانة دي بعيدة
كل البُعد عن الشهادة اللي إنت واخدها؟ ليقول: والله يا فندم هو دا نفس الكلام
اللي احنا قلناه قبل كدا للسادة المسؤولين. لتسأله: ويا ترى كان رد المسؤولين إيه
عليك؟ ليجيب: قالوا لي: احمد ربنا، غيرك قاعد في البيت مش لاقي شغل، والحمد لله
مبسوط جدا في شغلي، والحمد لله مُرتبي مكفيني، وبحب مصر أوي، وبحب الدنيا كلها،
وربنا يخلي المسؤولين.
ربما نُلاحظ من خلال حوار المُذيعة مع حسان أنه مُجرد مواطن مُسالم، يشعر
بالخوف والإرهاب النفسي الكبير؛ وبالتالي فهو لا يرغب في الحديث عما يدور من حوله
في البلد، بل ويتحسس كلماته عند حديثه عن المسؤولين، أو الظروف السياسية أو
الاقتصادية من حوله، أي أنه قد عشش بداخله الخوف بالفعل من كل شيء، وتم سلبه
إرادته، ورأيه فيما يدور من حوله، وبات مواطنا خائفا، موافقا على أي شيء يدور من
حوله، أي أن الأمن قد نجح في زراعة الخوف في داخله.
تسأل المُذيعة حسان مجموعة من الأسئلة الساذجة المُثيرة للضحك، ليفوز
بجائزة البرنامج، وهي جائزة "السيخ الذهبي"- عبارة عن قطعة من الحديد
الذهبية اللون- وحينما يسأل المُذيعة عما يمكن أن يفعل بهذه الجائزة، تخبره بأنه
سيعرف فيما بعد- في إسقاط على اعتبارها خازوق لكل مواطن- ربما لاحظنا أن المُخرج
مدحت السباعي قد ظهر في هذا المشهد حينما فاز حسان بجائزة السيخ الذهبي، لنرى
السباعي فجأة مُحتضنا إياه، مُهنئا له على الفوز، وهو من قبيل الإيغال في
السُخرية.
تُقابل زيزي حسان على سلم البناية التي يسكنونها، لتلاحظ بأنه يشعر بالضيق
الشديد؛ فتعرض عليه أن يرافقها لقضاء السهرة معها، حيث ستقابل مجموعة من الأصدقاء
للاحتفال بعيد ميلادها، وهناك تقوم بالرقص بينما يعرضون عليه تدخين الحشيش ويفعل
ذلك، إلى أن تأتي سيارة شرطة فجأة ليهرب الجميع إلا حسان، ويأخذه الضابط إلى سيارة
الشرطة، وحينما يدخل "البوكس" يُفاجأ بالضابط الذي يصطحبه للتحقيق دائما
داخل "البوكس" ويخبره بأنهم اضطروا للادعاء بأنهم الشرطة لإنقاذه؛ لأن
إدراة المُخدرات كانت ستداهم المكان، ومن ثم يأخذونه لغرفة التحقيق، وهناك يحاول
معرفة التُهمة الموجهة إليه مرة أخرى، لكن المُحقق يخبره بأنه ليس على استعداد
للحديث مع شخص مسطول، وحينما يفيق سيخبره بالتُهم الموجهة إليه، لكنه يرى السيخ
الذهبي في يد المُحقق، وحينما يسأله حسان عما يمكن أن يفعل به، يخبره بأنه سيعرف
فيما بعد.
إذن، فنحن أمام شخص موجهة إليه العديد من الاتهامات التي لا يعرفها، ولا
يفصح له أحد بحقيقتها، ويتم اصطحابه من قبل الأمن كل ليلة تقريبا للتحقيق معه،
ويخبره المُحقق بأن التُهم الموجهة إليه قد تذهب به إلى حبل المشنقة، وكلما حاول
الهروب منهم استطاعوا الوصول إليه، بل إنهم يعرفون عنه كل دقائق حياته- الشعور
بالمُحاصرة الكاملة- وبالتالي يكون رجال الأمن قد نجحوا في زراعة الخوف الشديد،
وتضخيمه داخل حسان..webp)
المُخرج مدحت السباعي
يُسرع حسان إلى وزارة الداخلية طالبا مُقابلة الوزير، لكنهم يخبرونه بأن
الوزير غير موجود وأنه من المُمكن له مُقابلة مُدير مكتبه، وحينما يحكي الأمر
لمُدير مكتب وزير الداخلية يرد عليه: يا ابني احنا معندناش حاجة في الداخلية اسمها
الإدارة المركزية العامة لحماية الأمن القومي الداخلي، وبعدين اسم حضرتك ماهوش
مُدرج في قوائم المطلوب القبض عليهم، أو المطلوبين للتحقيق من قبل أي إدارة تانية.
فيتساءل حسان: يعني إيه؟! ليقول مُدير مكتب الوزير: يعني احنا ملناش أي علاقة
باللي حصل دا.
يحاول مُدير الأمن طمئنة حسان بأنهم سيراقبونه بشكل دقيق من أجل القبض على
هؤلاء الأشخاص الذين قد يكونوا مجموعة من الإرهابيين الذين يرغبون في ترويع
المواطن الآمن- المزيد من السُخرية من جهاز الأمن.
يخبر حسان زيزي بما يحدث معه؛ فتقترح عليه الذهاب معها في رحلة فنية لها قد
تستمر أكثر من شهر، حيث تدور في القرى والنجوع مع فرقتها مُقدمة مجموعة من
الاستعراضات الراقصة، وبالفعل يوافقها حسان للهروب من الحصار الكابوسي الذي يعيش
فيه، وتبدأ زيزي في الشعور باتجاهه بمشاعر الحب، لتقول له: أنا جاتني فكرة، ما
تيجي نتجوز. ليرد: نتجوز مين؟ فتقول: نتجوز بعض، أنا وأنت. ليقول: أنا وأنت؟! أنا
مش عاوز اتجوزك. فتسأله: ليه؟ ليرد: عشان مكرهكيش.
إن الحوار هنا بين كل من حسان وزيزي هو إيغال في السُخرية؛ فالسباعي يسخر
من كل شيء من حوله، من الأمن المصري، والمُجتمع وأحداثه الكابوسية العبثية، ومن
مُؤسسة الزواج ذاتها- فالزواج سيؤدي بالشخصين المُتحابين إلى الكراهية والعداء في
نهاية الأمر- تغضب زيزي لتتركه وحيدا جالسا أسفل إحدى الأشجار ليُفاجأ حسان بضابط
الأمن أمامه ليأخذه للتحقيق مرة أخرى.
في غرفة التحقيق يقول المُحقق: إنت متصور إن أنت تقدر تهرب مننا؟ وبعدين
إيه اللي أنت عملته دا؟ رايح تشتكينا في الوزارة؟! ليقول حسان: في الداخلية قالوا
لي: إن معندهمش إدارة بالاسم اللي أنت قلت لي عليه دا. ليقول المُحقق: طبعا يا
أستاذ، لأننا إدارة لها استقلالية وسرية كاملة، محدش يعرف عننا أي حاجة، ولا حد له
سُلطان علينا. كما يخبره بأنه قد تم تحديد جلسة لمُحاكمته.
ربما كان الحوار الأخير من الأهمية التي تجعلنا نتوقف أمامه قليلا؛ فإذا لم
تكن وزارة الداخلية متواطئة مع الإدارة التي تقوم بالتحقيق مع حسان، وتحاول إخفاء
علاقتها بالإدارة الأخرى؛ فالأمر من ناحية أخرى هو بمثابة كارثة سيريالية حقيقة
على أرض الواقع؛ لأنه يعني أن ثمة إدارات أمنية مُتعددة لا تعرف شيئا عن بعضها
البعض، وأن الأمر في النهاية يتحول إلى صراع قوى أمنية على المواطن، حيث تحاول كل
إدارة إثبات كفاءتها، ومقدرتها على ترويع المواطن باسم الأمن، بينما المواطن هو
الضحية الوحيدة لهذه الإدارات المُتصارعة، التي ربما لا تعرف شيئا عن بعضها البعض
بالفعل، وبدلا من أمن المواطن يتم ترويعه وتضخيم مفهوم الخوف داخله من كل شيء يدور
من حوله..webp)
محمود عبد العزيز
نُشاهد حسان جالسا على شاطئ النيل شاعرا بالخوف والحزن والقلق الشديد
مُتسائلا: أنا متراقب ليه؟! هتحاكم ليه وأنا عمري ما زعلت حد؟ ولا غلطت في حد، ولا
كان ليا أي دعوة بأي حاجة، وعمري في حياتي ما مشيت في مُظاهرات، ولا دخلت في
أحزاب، ولا جبت سيرة الحكومة بالوحش؟ كل الحكومات من أيام محمد علي باشا لحد
النهاردا، مقولتش في حق ولا حكومة أي كلمة وحشة، والحُكام بتوعنا دايما بذكرهم
بالخير، عمري ما قلت كلمة غلط في حق أي سُلطان، أو خديوي، أو ملك، أو رئيس
جمهورية، دا غير إني دايما بقول: الحالة عال العال، والعيشة فل الفل. يكونش
افتكروني بتريق وأنا بقول كدا؟ طب ما أنا مقدرش أقول غير كدا، الله، يبقى زعلوا
ليه؟! يكونش عشان موضوع الإنشا إياه اللي كتبته في ثانوي وهاجمت فيه نابليون
بونابرت؟ بس أنا هاجمت بونابرت لأنه عمل حملة على مصر واحتلها، يعني المفروض إنهم
يفرحوا مني عشان دا عمل وطني، وأنا مُستحيل أرجع عن أي كلمة قلتها عن بونابرت مهما
حصل. ثم ينهض من مكانه ويهيم في الشوارع وقد تملكته حالة من الوطنية هاتفا بسقوط
نابليون بونابرت في مشهد شديد العبثية.
إن المشهد السابق لحسان مُحادثا لنفسه في مونولوجه الداخلي يحمل في جوهره
الكثير من الحسرة والإسقاط على المواطن المصري في عمومه؛ فهو يعبر بشكل شديد الدقة
والصدق عما يفعله المواطن المصري في حياته، وهو المواطن الذي يؤثر السلامة دائما،
الذي يخشى السُلطات، الذي يحاول الابتعاد عن أي مشاكل من المُمكن لها أن تنغص عليه
اتزان حياته، الراغب دوما في الحياة بهدوء بعيدا عن السياسة، والحُكام، والصراعات،
والذي مهما عانى في حياته اليومية، والاقتصادية فإنه يؤكد أن كل شيء على ما يرام،
أي أن حسان يعبر عن المصريين جميعا في بساطتهم، ورغبتهم في معيشة هادئة خالية من
الكوارث والمُشكلات، المواطن الذي يعيش في حاله، ورغم ذلك فثمة كابوس يجثم على
صدره مروعا إياه، يحاول خنقه، ومُراقبته الدائمة، والتحقيق معه، وتقديمه
للمُحاكمة، بل وشنقه أيضا من دون أي ذنب فعله، ومن دون معرفة الاتهامات الموجهة
إليه، اللهم إلا أن السُلطة الأمنية ترغب في ترويعه وإثبات كفاءتها الأمنية بترويع
المواطنين بدلا من حمايتهم وإشعارهم بالاطمئنان داخل وطنهم. إنها القضية الأساسية
التي يتناولها السباعي من خلال فيلمه الجيد، مُتأملا إياها من خلال شكل سيريالي
ساخر، غير مُباشر- وتلك ميزة الفن، والسيريالية- ليقدم لنا ما تفعله بنا السُلطات
من هوان وترويع بأسلوبية فيها الكثير من الضحك والسُخرية- وهو الضحك الدائم، على
كل المصائب، الذي يتمتع به المواطن المصري كذلك في مواجهة حياته مهما كانت كارثية.
إن قيام حسان بالتظاهر والهتاف بسقوط نابليون بونابرت يجعل الأمن يلقي
القبض عليه، مُتهما إياه بالتظاهر، والثورة، بل وإفساد العلاقات مع دولة صديقة: دا
يوتر علاقتنا بدولة صديقة. فيرد على الضابط: خلاص، ما دام الكلمة دي هتزعل مننا
الدولة الصديقة، يبقى يعيش نابليون بونابرت، تعيش الدولة الصديقة، يسقط اللي
يزعلكم.
إنه اليأس من كل شيء من حوله، والرغبة الصادقة في التخلص من كابوسه الأمني
الذي يرزح على صدره خانقا إياه، وهو ما يجعله راغبا في فعل أي شيء مُرضٍ للسُلطات
الأمنية في مُقابل تركه يعيش حياته في هدوء وطمأنينة.
لكن الأمن يشك في قوى حسان العقلية، ويودعونه مُستشفى الأمراض العقلية
للتأكد من صحته النفسية. في المُستشفى يتأكد لنا أن المُجتمع بالكامل يعاني من عدم
اتزان صحته النفسية نتيجة للنماذج العديدة التي نراها داخلها، لا سيما طبيب
المُستشفى نفسه الذي هو في حاجة ماسة إلى علاج نفسي حقيقي، وهو الطبيب الذي يقول
لحسان: إنت من جواك مع نابليون ولا ضد نابليون؟ ليرد حسان: أنا مش ضده شخصيا، بس
إن جيت للحق يعني، أنا واخد على خاطري منه شوية عشان اللي عمله معانا. فيقول
الطبيب: طب ما فيه حُكام كتير غيره جم احتلوا مصر، اشمعنى يعني نابليون اللي أنت
مركز عليه؟! فيرد حسان: أنا مُستعد من بكرا أنزل وأهتف بسقوط كل الحُكام اللي
احتلونا من أول الهكسوس لحد الإنجليز، يريحكم دا يا بيه؟ ليقول الطبيب: واضح إن
عندك ميل طبيعي للتمرد الهمجي، والاحتجاج غير المشروع، واضح كمان إنك بتحرض
الجماهير على القيام بمُظاهرات، يا أستاذ حسان كون إنك تنظم وتقود مُظاهرة علنية
في وسط البلد فدا يعني شيء واحد؛ إنك شخصية ميالة للتعصب والعنف والإرهاب يا
إرهابي!
إنه الذهاب بالسيريالية والكابوسية الفنية إلى مداها الأقصى، حتى لكأن
المُخرج يحمل داخله رغبة سادية تجاه شخوصه الفيلمية؛ ومن ثم يقوم بالتنكيل بها من
خلال الإيغال في كابوسية ما يحدث له.
يتم الإفراج عن حسان، ويلومه مُدير مكتب وزير الداخلية على تظاهره، ويؤكد
على أنهم يقومون بحمايته، لكن الجهة الأمنية الأولى- التي تقوم بالتحقيق معه على
تُهمة لا يعرفها- تأخذه للمُحاكمة، وفي قاعة المحكمة نُشاهد خلف القاضي علم مصر
أيام الملكية، أي أن السباعي هنا يتنقل بنا وبأحداث فيلمه من خلال الزمن ما بين
الوقت الآني- لا سيما أننا رأيناه في بداية الفيلم يمسك بجريدة أخبار اليوم، كما
أن الأحداث جميعها تُدلل على الوقت الحاضر، أحداث كمبوديا، والحوادث الإرهابية،
والملابس التي يرتديها الجميع هي ملابس عصرية- وما بين الوقت الماضي أيام الملكية-
لا سيما أننا سنرى صورة الملك على جدار وزير الداخلية فيما بعد بالإضافة إلى علم
مصر أيام الملكية..webp)
منى السعيد
إن تنقل السباعي بالزمن داخل فيلمه ليس من قبيل الفوضى الزمنية، أو عدم
إدراكه لما يفعله؛ فهو يعي جيدا ما يقدمه من خلال فيلمه، ويُدرك أن الأسلوب
السيريالي الساخر الذي رأى أن يقدم أحداث فيلمه من خلاله يمنحه الكثير من الحرية
في التنقل من خلال الزمن، وتقديم ما هو غير خاضع للعقل والمنطق؛ لأن الأحداث في حد
ذاتها يتم تقديمها بشكل غير خاضع للمنطق- شكل كابوسي حلمي من المُمكن أن يحدث فيه
أي شيء- فضلا عن أن اسم الفيلم "خلطبيطة" وهو في مفهوم المصريين وضع أي
شيء على أي شيء آخر، يمنحه حرية التنقل بين الأحداث والزمن، بل ووضع أي حدث إلى
جوار أي حدث آخر من دون منطق عقلي، أو تسلسل ما دام يخدم المفهوم الفني للفيلم؛
لأن الفيلم بهذا المفهوم له منطقة الداخلي الخاص الذي لا بد من قبوله بمنطقية
وعقلانية.
تتم مُحاكمة حسان بالفعل، ويُحكم عليه بالإعدام رميا بالرصاص- لاحظ أنه لا
يوجد إعدام في مصر رميا بالرصاص، بل بالشنق- وتخبره المحكمة أن يخرج ليعيش حياته
ويستمتع بها إلى أن يحين موعد تنفيذ الحُكم الذي سيستدعونه فيه من أجله.
يشعر حسان بالمزيد من الهلع، لا سيما أن وزارة الداخلية غير قادرة على
حمايته، رغم تأكيدهم أكثر من مرة بأنهم يقومون بمُراقبته من أجل حمايته والقبض على
من يدعون بأنهم يحاكمونه على تُهم لا يدري عنها أي شيء. تقترح عليه زيزي أن يهربا
إلى السودان، ويتنكر في ثياب امرأة مُنتقبة لركوب القطار إلى أسوان، لكن في نفس
التوقيت يكون أحد باشوات الملكية مُهددا بالاغتيال، ولأنه لديه اجتماع في أسوان
فإن ضابط الشرطة المُكلف بحمايته يقترح عليه بالتنكر في زي رجل فلاح، وينتقل إلى
أسوان بالقطار هروبا ممن يرغبون في اغتياله- لاحظ هنا أن الأحداث قد باتت ثنائية
الزمن؛ فالباشا من عهد الملكية المُهدد بالاغتيال سينتقل إلى أسوان من خلال
القطار، وسيتم التصوير في محطة مصر بازدحامها الشديد، وهو ما لم يكن موجودا أيام
الملكية، بينما حسان ينتقل في نفس القطار وهو في الزمن الآني- لكن في القطار يتم
اغتيال الباشا الملكي حينما يشك الضابط- قام بدوره المُمثل صلاح عبد الله- في حسان
المُتنكر في زي امرأة مُنتقبة ويطلب منه كشف وجهه.
تحاول أحزاب المُعارضة إثارة الرأي العام على الداخلية بحجة أنهم غير
قادرين على حماية المواطنين، وأن حوادث الاغتيالات قد ازدادت بشكل كبير، بينما
الداخلية غير قادرة على السيطرة على الأمن، وهو ما سيغضب الملك، ويجعله يُطالب
باستقالة الوزارة، وبالتالي سيكون هذا الأمر فرصة جيدة لأحزاب المُعارضة من أجل
الاستيلاء على الوزارة وتشكيل وزارة جديدة، لكن وزير الداخلية أيام الملكية شهدي
باشا- قام بدوره المُمثل حسين الشربيني- يعرف أن الضابط الذي كان مُكلفا بحماية
الباشا الذي تم اغتياله في المُستشفى لإصابته بالهلع من عملية الاغتيال، وبالتالي
يذهب وزير الداخلية بنفسه مع رجاله إلى المُستشفى عارضا عليه مجموعة من صور
الإرهابيين لمعرفة إذا ما كان أحدهم قد قام بالاغتيال، لكنه يؤكد بأنه لم يكن هناك
أحد منهم، إلا أنه حينما يلمح حسان في السرير المجاور له، يؤكد للوزير بأن حسان هو
الإرهابي الذي قام بالاغتيال.
يتم القبض على حسان، ويُرغم على الاعتراف بقيامه بعملية الاغتيال، ويتم
القبض على خمسين فردا لا يعرف عنهم حسان أي شيء، باعتبارهم من قاموا بمُساعدته في
العملية الإرهابية، وتقوم الداخلبة بنشر تفاصيل القبض على الخلية الإرهابية التي
يتزعمها حسان، وتوقيعه بأنه من قام بالعملية الإرهابية، وبالتالي يتم تهدئة غضب
السرايا الملكي.
نُشاهد رئيس الحزب المُعارض يقول لأحد رجاله: احنا لازم نستفيد من الموقف
دا أكبر استفادة، إذا كانوا صوروه على إنه مُجرم وإرهابي، وإنهم أبطال لأنهم قبضوا
عليه في وقت قياسي، احنا بقى نعكس الآية، نصور الواد للناس على إنه بطل ومُناضل
وطني، لأنه اغتال واحد من أكبر رموز الفساد في البلد. بالشكل دا الناس هتتعاطف
معاه وتاخد موقف ضد الحكومة، وهو دا اللي احنا عايزينه بالضبط. فيرد رجل الحزب:
أيوة يا باشا، بس الواد، حسب ما، عرفنا مُجرد موظف سنكوح، وملوش أي تاريخ بطولي أو
سياسي. ليقول رئيس الحزب: إيه المُشكلة؟ نعمل له احنا تاريخ، ونعمل له جغرافيا
كمان، نألف له حكايات ومواقف وبطولات، نقول: إن هو من يومه مُناضل، واشترك مع
الفدائيين وقام بعمليات انتحارية ضد قوات الاحتلال، شوية حاجات كدا من اللي بتعجب
الناس، المُهم إن الحواديت دي تتوضب وتتسبك كويس، ونعمل بها حملة صحفية مُكثفة في
جميع الجرايد اللي تبعنا.
لم لا نتوقف أمام هذا الحوار السابق لتأمله؟ إن حسان لم يقم بالفعل بأي
عملية اغتيال، لكن تم اتهامه بذلك، والداخلية لم تكن تمتلك أي دليل على قيامه
بالعملية الإرهابية، بل تم إرغامه على التوقيع بمسؤوليته عن العملية، ورغم أنه
أخبر الضابط بأنه لا يعرف شيئا عن أسماء الأشخاص الموجودة أسماءهم في القضية، إلا
أن الشرطة وضعت الأسماء كمُنفذين ومُخططين للعملية معه، وتم القبض عليهم، أي أن
الأمن عمل على تلفيق التُهم، والقبض على خمسين مواطنا بتهمة إرهابية بالإضافة إلى
حسان لمُجرد إرضاء القصر الملكي، وخوفا على مُستقبل الوزارة التي سيكون مصيرها هو
الإقالة. في الجهة المُقابلة فإن أحزاب المُعارضة- التي نعرف بأنها مُعارضة من أجل
مصالح المواطن- تتواطأ مع ما فعلته وزارة الداخلية رغم معرفتها بالحقيقة، وتحاول
توجيه الأمر من أجل مصالحهم الشخصية، بتأليف تاريخ نضالي ووطني لحسان رغم أنهم
يدركون جيدا بأنه لا علاقة له بأي أمر، ويستخدمون الصحف المُؤيدة لهم، أو
يمتلكونها من أجل صناعة تاريخ نضالي مُزيف لحسان؛ كي ينقلب الرأي العام على
الوزارة!
إنه التدوين المُزيف للتاريخ من أجل المصالح الشخصية، وهذا ما يحدث بالفعل
على أرض الواقع- بعيدا عن سيريالية الفيلم- فكل طرف من الأطراف يرغب في إعادة
صياغة التاريخ تبعا لمصالحه الشخصية، وفي النهاية تسود الرواية التي وضعها الطرف
الأقوى، أو الطرف السائد، كما أن الفيلم هنا- من خلال مفهوم أبعد- يؤكد على أن
السُلطات الأمنية والحاكمة طالما قامت بتزوير التاريخ المصري وأحداثه؛ مما يشككنا
في الروايات التاريخية التي وصلت إلينا، ومدى صحتها من عدمها، أي أن السباعي هنا-
من خلال أسلوب فني غير مُباشر- يؤكد لنا على عدم دقة التاريخ، ويستعرض لنا الحيل
والأساليب التي تقوم من خلالها السُلطات الحاكمة بوضع الأحداث التاريخية.
حينما تخبر زيزي حسان بأن جميع الجرائد تتحدث عنه، وعن بطولاته، وأن الناس
يتعاطفون معه؛ يرد عليها بمنطقية: الناس نفسهم يلاقوا بطل، بطل شجاع منهم، يغنوا
له ويحكوا عنه الحواديت. فتسأله: حتى لو كان البطل دا مش حقيقي، وحدوته كلها كذب
وتلفيق؟ ليقول: يعني هو أبو زيد الهلالي اللي قتل عشرة بضربة واحدة، ولا الزناتي
خليفة اللي كان لما بيشخط في السبع ينططه، ولا عنتر بن شداد اللي غلب جيش لوحده،
كل دول عملوا دا حقيقي؟ لا، دي كلها حواديت ألفها الناس عشان يغنوها في حكاوي،
حواديت كلنا عارفين إنها مش صحيحة، ومع ذلك كنا بنسمعها واحنا بنهلل بفرحة
ومبسوطين لحد ما صدقناها، عارفة صدقناها ليه يا زيزي؟ لأن كل الناس بيحلموا ببطل
شجيع، بطل يخلصهم من كل أعاديهم، ويحقق كل أحلامهم بضربة واحدة.
إنها الرغبة العارمة من قبل المُخرج في الإيغال والتأكيد على أن التاريخ
إنما يتم تزييفه، وكتابته تبعا للرغبات والمصالح الشخصية، والأحلام والطموحات، أي
أننا في النهاية أمام تاريخ مزور، وحكايات خيالية ابتكرها الإنسان باعتبارها
تفاصيل ما حدث، في حين أن الحقيقة الواقعية لم يعد يعرفها أحد لتعدد الروايات، أو
طمسها.
أثناء مُحاكمة حسان على تهمة الاغتيال، يؤكد للمحكمة بأنه بالفعل بطل، وقام
بالعديد من الاغتيالات والعمليات الفدائية كبطل وطني، لكن الداخلية تقوم بالقبض
على المُنفذين الحقيقيين لحادث الاغتيال؛ الأمر الذي يضع الجميع في ورطة حقيقية؛
فالداخلية لا يمكن لها الإعلان عن براءة حسان، لأنها قد نشرت تفاصيل القبض عليه
وخطته، بل واعترافه وتوقيعه في الصحافة، وتراجعها عن الأمر الآن لتصحيحه سيؤكد
للجميع أنهم يرغمون الناس على الاعتراف بما لم يفعلونه، فضلا عن قبضهم على
الأبرياء، وأحزاب المُعارضة- التي شتركت في اللعبة بطريقتها- لا تستطيع التراجع
عما زعمته في صحفها ببطولة حسان المُناضل الوطني؛ لأنهم قاموا بتضليل الرأي العام
الذي سيعرف أنهم لا يعملون من أجل مصالحه، بل من أجل مكاسبهم الشخصية فقط،
وبالتالي فكل من الطرفين مُمثلة في وزارة الداخلية، وأحزاب المُعارضة قد باتا في
موقف حرج يحتم عليهم التواطؤ على أن حسان هو من قام بعملية الاغتيال الإرهابية،
وبالتالي لا بد من إخفاء الحقيقة.
يتم الاتفاق على الإفراج عن حسان من السجن، ويتركه مأمور السجن في الصحراء
رافضا تخصيص سيارة لنقله إلى أقرب منطقة عمرانية ليموت عطشا، أو يتوه في الصحراء،
ليغلق السباعي فيلمه على حسان الذي يسير وحيدا في الصحراء بينما أصوات المدافع،
والطلقات النارية المصوبة إليه تملأ رأسه لتصيبه بالمزيد من الهلع والخوف- أي
نجاحهم في تعشيش الخوف داخل نفسية المواطن المصري بترويعه وإرهابه، وجعله جبانا
أمام أي سُلطة، والشعور بالخطر والتهديد الدائمين- ليصل إلى أول طريق العمران أمام
أهرامات الجيزة بينما تنطلق في الخلفية أغنية "أنا المصري"، ليجمد
المُخرج الصورة على هذا المشهد.
بالتأكيد لا يفوتنا أن المُخرج حينما حاول إغلاق فيلمه، وإنهاء حالة
الكابوسية المُرعبة التي صورها من خلال أحداث الفيلم فإنه قد أغلق الفيلم بشكل فيه
الكثير من السذاجة والمُباشرة التي لا يمكن لها أن تتناسب مع فنية الفيلم التي
رأيناها على طول أحداثه؛ فهو بهذه النهاية المُباشرة تماما يكون قد نفى كل ما قدمه
لنا بشكل فني؛ حيث كانت النهاية تحمل في طياتها الكثير من الخطابية الزاعقة التي
يريد من خلالها القول: هذا ما تفعله السُلطات الأمنية بالمواطن المصري مُنذ فجر
التاريخ، وهو ترويعه، وإرهابه، وتربية الخوف داخله، لكن المواطن المصري صامد،
وسيستمر في الحياة مهما فُعل به.
إن هذا المعنى والمضمون اللذين حملهما مشهد النهاية، كان من مُسببات الضعف
الفني للفيلم، بل وهدم كل ما قام به المُخرج على المستوى الفني الذي كان مُتميزا
كثيرا، لكننا حينما نتناول السينما السابقة وصناعتها، فنحن نتناولها تبعا للفترة
الزمنية التي تمت صناعتها فيها، وليس من خلال مفهومنا الآني في تناول الأعمال
السينمائية، وبالتالي يبدو لنا الآن فيلم مدحت السباعي من الأفلام الجيدة جدا،
والمُتقدمة في أسلوبيتها تبعا للفترة الزمنية التي تم فيها تقديم الفيلم، لا سيما
أنها كانت من فترات الجدب السينمائي الشديد التي مرت بها السينما المصرية- حقبة
التسعينيات من القرن الماضي.
إن فيلم "خلطبيطة" للمُخرج مدحت السباعي يكاد أن يكون من الأفلام
المُهمة والناضجة كثيرا على المستوى الفني- مُقارنة بما رأيناه في هذه الفترة
الزمنية- فضلا عن أنه ما زال يحمل طزاجته الفنية حتى اليوم من خلال الأسلوبية
السيريالية الفنية التي انتهجها المُخرج في كتابة وإخراج الفيلم- إذا ما تجاوزنا
عن المُباشرة في نهايته- مما يُدلل على أن السباعي رغم أنه قدم الكثير من الأفلام
السينمائية التي لم تكن بذي قيمة فنية، بل اتجهت إلى السينما التجارية التي بلا
مضمون، إلا أنه قدم أيضا في المُقابل العديد من الأفلام الأخرى التي اشتبكت مع
الواقع، وحاولت تأمل العديد من مُشكلاته من خلال أسلوبية سينمائية وفنية تخص
المُخرج.
مجلة "نقد 21".
عدد أكتوبر 2026م.
[1] للمزيد انظر كتاب "صناعة الصخب: ستون عاما
من تاريخ السينما المصرية 1959- 2019م"/ للناقد محمود الغيطاني/ الجزء
الثاني/ فضاءات للنشر والتوزيع/ الأردن/ الطبعة الأولى 2021م/ الكتاب ص 153.



.webp)









.jpg)

_-_trailer.webm.jpg)














