الجمعة، 14 أغسطس 2026

زفياجينتسيف: طريد الفردوس الروسي!

ربما لو كان قد قُدر لنا معرفة المُخرج الروسي Andrey Zvyagintsev أندري زفياجينتسيف باعتباره مُصلحا اجتماعيا، أو رجلا من رجالات الاجتماع النظري الذين لا يعنيهم سوى الكتابة فيما يدور داخل المُجتمع من أجل محاولة تقويمه، والدفع به باتجاه أفضل، أكثر عدالة ومثالية، ونموذجية؛ لما اختلف الأمر كثيرا عن كونه مُخرجا سينمائيا؛ فزفياجينتسيف في جوهره مُصلح اجتماعي ضل طريقه باتجاه السينما!

زفياجينتسيف- الذي يبدو لنا كمُصلح اجتماعي- يمارس السينما بفرادة وأسلوبية وجمالية تختلف عن غيره من المُخرجين الآخرين، هو في ذلك مثله كمثل المُخرج الروسي الراحل Andrei Tarkovsky أندريه تاركوفسكي، الذي كان بمثابة النبي، صاحب الرسالة الإنسانية الخالدة التي تحاول تحذير البشرية من الدمار المادي الهائل المحيق بهم، والذي لن يؤدي بهم في النهاية إلا إلى الدمار الكامل بموت أرواحهم فيهم وتشويههم، ومن ثم انصبت سينماه بالكامل على الدعوة إلى الروح، والابتعاد عن الانسياق خلف كل ما هو مادي- فهو نبي يحاول إيصال رسالته من خلال الأفلام- كذلك المُخرج المجري Béla Tarr بيلا تار الذي لم يكن- في جوهره- سوى فيلسوف حقيقي، أداته الأولى في هذه الفلسفة- التي يتوغل مُتأملا فيها- هي السينما من خلال أسلوبيته المُتميزة والفريدة التي جعلت أفلامه- رغم ميلها الكبير إلى التفلسف التشاؤمي- من أهم السينمات في العالم، سواء من حيث الموضوع/ الفلسفة، أو الشكل/ السينما البطيئة، ومُميزاتها الفريدة التي لا تخفى على أحد، وهو ما يعني أن كل مُخرج منهم مُنشغل طوال حياته بأمر ما، لكنه ضل سبيله إلى السينما؛ فاتخذها وسيلته الأساس من أجل التعبير عن رسالته، وثقافته، وهمه المُنشغل به.


إذن، فسينما زفياجينتسيف هي، في جوهرها، سينما ذات رسالة، مُؤمن بها، مُنغمس فيها تماما، مُتشربا إياها، لا يرى إنقاذا للمُجتمع إلا من خلالها، وبما أن الأسرة هي النواة الأساسية لأي مُجتمع- ينصلح بصلاحها، ويفسد بفسادها- فلقد انصب كل ما قدمه من أفلام سينمائية- الطويلة منها والقصيرة- على موضوع الأسرة- موضوعه الأثير- وهو ما أدى إلى أن باتت سينماه ليست سوى مجموعة من التنويعات الأسلوبية والجمالية على هذا الموضوع الذي لا يحيد عنه، بقدر ما يحاول اجتذاب أي موضوع آخر يفكر فيه إليه، فينكب على إعادة تشكيله للدرجة التي تؤدي به إلى ابتلاعه داخل عالمه الأسري، مُكيفا إياه، ليصلح الحديث من خلاله عن ضرورة استقرار الأسر، والابتعاد بها عن الخلافات والتفسخات والانهيارات التي يراها من حوله- سواء في المُجتمع الروسي، أو المُجتمع العالمي- وإن كان يعنيه المُجتمع الروسي في المقام الأول لارتباطه العميق بثقافته- لاحظنا محاولة التكييف والابتلاع هذه في فيلمه الروائي القصير Mystery سر 2011م على سبيل المثال، الذي كان عبارة عن تجربة سينمائية اشترك فيها خمسة من المُخرجين الروس، وهي التجربة التي أُطلق عليها اسم 5IVE، حيث تجمع خمس روايات سينمائية من خلال مُقدمة واحدة مُشتركة. كانت المُقدمة عبارة عن شخص ما يُغلف صورة Polaroid بولارويد[1] لا نعرف محتواها في ظرف كحلي اللون، ومن ثم يبتكر كل مُخرج من هؤلاء المُخرجين الخمسة قصته الخاصة المبنية، والمُنطلقة من هذه المُقدمة- خمسة أفلام روائية قصيرة.

إذا ما تأملنا هذه التجربة السابقة؛ لتبيّن لنا أن المُقدمة المفروضة على جميع المُخرجين فيها، تفرض عليهم شكلا من أشكال السرد البصري البوليسي، أو المُغامرة، أو أفلام الحركة، لكن، بما أن هذه المُقدمة مع مُخرج مثل زفياجينتسيف الذي لا يعنيه سوى عالم الأسرة، واستقراره، ومحاولة إنقاذه من الانهيارات الحادثة فيه؛ فلقد ابتلع المُخرج هذه المُقدمة، عاملا على  تكييفها، وإعادة تفسير دلالاتها، ورموزها وإسقاطاتها؛ ومن ثم عبر من خلالها عن عالم أسرى كاد أن ينهار بسبب هذه الصورة الغامضة الموضوعة في المظروف الكحلي اللون، بمعنى أنه ابتلع المُقدمة المُوحية بالمُغامرة، والحركة داخل عالمه السينمائي الخاص، ومن ثم خرج لنا بفيلم يعبر عن الكيان الأسرى بشكل يكاد أن يكون مُكتملا، ومُعبرا عما يفكر فيه طوال الوقت.

إذن، فزفياجينتسيف مُخرج صاحب عالم، وهو ما يجعلنا إذا ما شاهدنا أي فيلم من أفلامه من دون وجود اسمه عليه- بافتراض ذلك- سيتأكد لنا بأن هذا الفيلم يخصه، أو أنه فيلم لأحد المُخرجين الذين يحاولون التماهي معه، وتقليده في عالمه الأثير، وأسلوبيته الفنية البينة.


ثمة علائق قوية تربط زفياجينتسيف بالمُخرج الروسي الراحل Andrei Tarkivsky أندريه تاركوفسكي؛ فكل منهما أعاد للسينما الروسية مجدها، وتميزها، وفرادتها، وانتشارها من حول العالم بما قدمه من أفلام، ومن ثم بات كل منهما رمزا مُهما من رموزها، وكل منهما فاز فيلمه الروائي الأول بجائزة Golden Lion الأسد الذهبي- أكبر جائزة يمنحها مهرجان Venice البندقية السينمائي- وهي الجائزة التي لم يحصل عليها مُخرج روسي سوى تاركوفسكي عن فيلمه الأول أيضا Ivan’s Childhood طفولة إيفان 1962م، والمُخرج الروسي Nikita Mikhalkov نيكيتا ميخالكوف عن فيلمه Urga أورجا[2] 1991م، ثم زفياجينتسيف عام 2003م عن فيلمه الروائي الأول The Return العودة. وكل منهما جعله فيلمه الروائي الأول في مُقدمة أهم المُخرجين من حول العالم، ومُرحبا به في كافة الفعاليات السينمائية باحترام واقتدار خاص نتيجة لفرادة سينماه، وكل منهما اختار التعبير- في فيلمه الأول- عن عالم الطفولة، وما يحيط به من أسباب قادرة على هدم هذا العالم، وتفتيته تماما لينتهي الأمر بهذه الطفولة إلى مأساة مروعة، وكل منهما رأى- في نفسه- أنه يحمل رسالة لا بد من تأديتها من خلال السينما التي يقدمها- العودة إلى الحياة الروحية في مُقابل الحياة المادية الغالبة لدى تاركوفسكي، والتوعية بضرورة استقرار الأسر، والتعامل الصحي داخل إطارها، منعا لانهيارها مما سيؤدي إلى نشأة مُجتمع مشوه، شديد التفسخ واللاأخلاقية في حالة انهيار الأسرة لدى زفياجينتسيف.

لكن هل اقتصرت العلائق التي تربط المُخرجين معا على ما سبق فقط؟

لم يتوقف الأمر على ما ذكرناه، بل تعداه إلى شكل حياة كل منهما؛ فتاركوفسكي الذي كان ابنا للشاعر الروسي Arseny Tarkovsky أرسيني تاركوفسكي قد مر بتجربة مريرة في بداية حياته حينما هجر الأب الأسرة وهو ما زال بعد صغيرا؛ مما جعل الأم تتولى رعايته هو وشقيقته Marina Tarkovskaya مارينا تاركوفسكايا، وتنتقل بهما إلى Moscow موسكو لتعمل في إحدى المطابع من أجل توفير المال الشحيح، واستمرار الحياة، كما أن الأم حرصت على عدم الزواج مرة أخرى؛ وهو ما جعل تاركوفسكي يكبر شاعرا بالكثير من الذنب تجاه الأم التي رأى بأنها لم تعش حياتها كما ينبغي لها بسببه هو وشقيقته، مما دفعه في النهاية إلى إخراج فيلمه السيري المُهم Mirror المرآة 1975م الذي عبر فيه عن كل مشاعره، وهواجسه تجاه ما حدث في حياته- سواء باتجاه الأب، أم باتجاه الأم- وتأثير كل ذلك عليه، وعلى تشكيل شخصيته.


إنه نفس الأمر الذي نراه في حياة زفياجينتسيف الذي هجر والده الأسرة بدوره وهو ما زال في السادسة من عمره، بل وخيّره ما بينه وبين الأم؛ ليختار زفياجينتسيف البقاء مع أمه، لكن الكارثة الحقيقية تجلت في علم زفياجينتسيف بأن أباه- في أسرته الجديدة- قد أنجب طفلا ذكرا، وأطلق عليه اسم "أندري" أيضا، وهو ما يفيد بأن الأب قد اعتبر أندري لا وجود له على ظهر هذا الكوكب، أو أنه اعتبره قد مات؛ مما ترك بأثره المأساوي على زفياجينتسيف الذي لم يفهم لِمَ فعل به الأب هذا الفعل، ومن ثم فلقد أصر على أن يتحداه، وأكد على أنه سيكبر ويثبت للأب بأنه لا يوجد سوى أندري زفياجينتسيف واحد فقط. هذه الواقعة القاسية الأثر على زفياجينتسيف، فضلا عن عدم زواج أمه أيضا، كانت هي الدافع الأساس لإخراج فيلمه المُهم Loveless مُجرد من الحب 2017م، وهو الفيلم الذي عبّر فيه خير تعبير عن مشاعر الطفل في فيلمه، والذي كان هو المُعادل الموضوعي لزفياجينتسيف الطفل الذي تحولت حياته إلى مأساة بسبب فعل الأب.

هذه الواقعة الأسرية القاسية في حياة زفياجينتسيف دفعته إلى التفكير الطويل المتروّي في العلاقات الأسرية، وأسباب انهيارها، وأثر هذه الانهيارات والتفسخات على الأطفال، بصناعة كائنات شديدة التشوه والهشاشة، لا ذنب لها في الحياة سوى أن هناك أبوين رغبا في مُمارسة فعل المُتعة الذي نتج عنه هؤلاء الأطفال، لكنهما قبل مُمارستهما لمُتعتهما الجنسية لم يفكرا في النتيجة، وما سيترتب عليها بالضرورة من مسؤولية أخلاقية تجاه الأبناء الناتجين عن هذه العلاقة برعايتهم، والحنو عليهم، وتوجيههم، وتنشئتهم في بيئة آمنة، خالية من العراكات، والنزاعات، والرفض، والخوف، والهلع الوجودي، بل والتخلي عنهم، ليتركانهم في الفراغ الذي لا يعرفون كيفية التعامل معه، وبالتالي ينشأ لنا- على المدى الطويل- مُجتمع شديد التفسخ، غاص بالتشوهات، والأمراض النفسية التي تسبب فيها الأبوان اللذان لم يتحملا مسؤوليتهما الأخلاقية تجاه أبنائهما، ولم يُفكرا- للحظة واحدة- قبل الإقدام على إنجابهم، أو يحاولا طرح السؤال الجوهري والوجودي: هل نحن على قدر هذه المسؤولية، وهل لدينا المقدرة على توفير بيئة آمنة لهذه الكائنات الهشة قبل جلبها للحياة، وهل نحن في حاجة إليهم في هذه اللحظة الراهنة، أو في أي لحظة قادمة؟

عادة ما يؤكد زفياجينتسيف على أن الآباء لا يطرحون مثل هذه الأسئلة، ولا يفكرون فيها، ولا ترد على بالهم بقدر انشغالهم بأنفسهم، وحيواتهم الخاصة، ومُتعهم السريعة واللحظية؛ ومن ثم يجلبون المزيد من الكائنات البريئة إلى هذا العالم، وهي الكائنات التي يعملون على تشويهها، وتعذيبها، بل والتنكيل بها لمُجرد أنهم رغبوا في مُمارسة فعل المُتعة بأنانية مُطلقة من دون اللجوء إلى السؤال الأخلاقي الأهم، أو حتى محاولة التطرق إليه قبل الإقدام على أفعالهم!

إذن، فهذه الواقعة الأسرية المُبكرة والقاسية في حياة زفياجينتسيف جعلت من أسئلته الأخلاقية تتنامى لتتضخم بداخله، ومع تنامي هذه الأسئلة، ووفرتها، وطول التفكير فيها؛ تحول العالم بالكامل إلى سؤال أخلاقي ووجودي ضخم لا يمكن الهروب منه أو تجاهله، ومن ثم نشأ عالم المُخرج الفني بالكامل على هذا التأمل الطويل في مثل هذه الأسئلة.


هذه التأملات الطويلة في مثل هذه الأسئلة الأخلاقية، وسطوتها على عالم المُخرج في حاجة ماسة إلى أسلوبية سينمائية خاصة من أجل التعبير عنها بوضوح، وبما أن المُخرج الإيطالي Michelangelo Antonioni مايكل أنجلو أنطونيوني كان هو السبب الرئيس في شغف زفياجينتسيف بعالم السينما- التي لم يدرسها، ودرس بدلا منها المسرح والتمثيل- لا سيما فيلمه المُهم L’Avventura المُغامرة 1960م الذي يراه زفياجينتسيف أهم فيلم في تاريخ السينما، وهو الفيلم الذي غيّر وجهة نظره، وميله للتمثيل والمسرح باتجاه الإخراج السينمائي، وبما أن مايكل أنجلو أنطونيوني من أهم رواد Slow Cinema السينما البطيئة التي تمتاز على غيرها من السينمات الأخرى بالعديد من الجماليات المُختلفة، لا سيما حركة الكاميرا البطيئة المُتمهلة، المُتأملة، المُتفحصة، وهو ما يُعطي الفرصة للمُشاهد بدوره من أجل المزيد من التأمل والتفكير، وطرح الأسئلة؛ فلقد اختار زفياجينتسيف أسلوبيته السينمائية في كل ما قام بصناعته من أفلام سينمائية، ولم يخرج عن أسلوبية السينما البطيئة، عاملا على تطوير هذه الإمكانيات الأسلوبية بالشكل الذي يُكسبه فرادة، واختلافا عن غيره من المُخرجين المُنخرطين في هذا المجال من أمثال تاركوفسكي، وأنطونيوني، وبيرجمان، وتار، وبريسون، ونوري جيلان، ولاف دياز، وبيدرو كوستا وغيرهم من مُخرجي هذا التيار المُهم في تاريخ السينما العالمية.

لكن، رغم إخلاص زفياجينتسيف لهذا التيار السينمائي، وهو ما جعل جميع أفلامه لا تخرج عنه، ورغم إجادته وتميزه بالعديد من الجماليات التي حملت اسمه وحده، بمعنى أننا لا نراها في أفلام غيره- سيطرة تدرجات اللون الأزرق على الكادر، وغيره من الألوان الرمادية الشاحبة، وولعه باستخدام تناقضات السطوع والظل في الإضاءة، وأثرها على الصورة بخلق تكوينات جمالية أكثر شبها باللوحات التشكيلية- إلا أن زفياجينتسيف حاول التنصل من معرفته بتيار السينما البطيئة، بإنكار علمه بوجود مثل هذا التيار في السينما، بل والسُخرية والتهكم أيضا من النقاد الذين يفكرون مثل هذا التفكير، ويعملون على هذا المُسمى الغريب: "ها أنا ذا أعيش، لا أعلم أن دوائر دراسات السينما، على ما يبدو، تبحث في أمور غامضة كهذه. أرجو أن تخبروني لاحقا بالنتيجة التي يتوصل إليها باحثو السينما"[3]!

بالتأكيد لزفياجينتسيف أسبابه الخاصة- التي لم يُصرح بها- والتي جعلته ينكر معرفته بمثل هذا التيار في السينما العالمية رغم أنه لم يحد عنه طوال حياته، بل وكثيرا ما تحدث عن مُميزاته وجمالياته في العديد من اللقاءات والمُقابلات، لكن سواء اعترف المُخرج بإدراكه لمثل هذا التيار أم لا، فهو يُمثل مُخرجا من أهم مُخرجي هذا الاتجاه السينمائي، وأفلامه جميعها تُدلل على ذلك.

لكن، رغم فرادة عالم زفياجينتسيف، وأسلوبيته السينمائية التي أدت إلى جمالياته الخاصة، إلا أن العلائق التي تربطه بتاركوفسكي لم تقتصر على ما سبق ذكره، بل تعدته إلى أن فوز فيلمه الأول بجائزة Golden Lion الأسد الذهبي في مهرجان Venice البندقية السينمائي؛ قد دفع الرئيس الروسي Vladimir Putin فلاديمير بوتين إلى أن يهنئ المُخرج بنفسه على هذا الفوز الفني المُهم في رسالته التي جاء فيها: "إن الجوائز الرفيعة التي حصدتموها في مهرجان Venice البندقية السينمائي ليست مُجرد انتصار مهني لكم، بل هي شهادة على الإمكانات الإبداعية الهائلة للسينما الروسية وتطورها الديناميكي اليوم"[4]، وهو ما رأيناه سابقا أيضا مع فوز تاركوفسكي بنفس الجائزة على فيلمه الأول؛ حيث وضعه هذا الفوز في مكانة مُتميزة داخل المُجتمع الروسي، وبات من أهم العلامات في السينما الروسية، ومحل تقدير من السُلطات السوفيتية. إلا أن هذا الوفاق- شهر العسل- بين كل من السُلطات السياسية وبين المُخرجين لم يدم طويلا؛ بل سُرعان ما تحول إلى حالة عدائية، ورفض تام، وقاطع من قبل السُلطة تجاه كل من المُخرجين؛ فتاركوفسكي يتحدث عن الروح، والمعاني الإيمانية، والخلود، والسمو، وهي المعاني التي تتعارض تماما مع المادية التي يقرها النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي، فضلا عن أن السُلطة لم يرق لها طريقة تصوير تاركوفسكي لفنان العصور الوسطى Andrei Rublev أندريه روبليف[5] في الفيلم الذي حمل اسمه 1966م، ورأت أن الفيلم يُسيء للمواطن الروسي وتاريخه- بما أن تاركوفسكي قد ذكر الكثير من الحقائق كما جاءت في التاريخ، ولم يسع إلى إخفائها أو تزويرها وتجميلها من أجل الإعلاء الزائف من القومية السلافية- وهو ما حدث مع زفياجينتسيف بطريقة أخرى، لا سيما بعد إخراجه لفيلمه المُهم Leviathan ليفياثان 2014م، ووصفه للفساد الهائل الدائر في المُجتمع الروسي المُعاصر، وأثر هذا الفساد، وتبعاته على الأسرة الروسية وانهيارها التام في نهاية الأمر، وهو ما جعل النظام السياسي الروسي بالكامل- بداية من الرئيس الروسي الذي سبق له تهنئته على فوز فيلمه الأول، حتى قاعدة هذا النظام- في حالة عدائية، ورفض لزفياجينتسيف وسينماه، بل ووصفه بأنه "يهوذا"، أي خائن لوطنه، بل واتهامه بأنه يتبع أجندات خارجية، وحريص على انتقاد النظام الروسي، وتشويهه في المحافل الدولية، وهو ما أنكره المُخرج غير مرة، مُؤكدا على أنه ليس بسياسي، ولا رغبة لديه في مُمارسة السياسة، أو مُعاداة النظام الحاكم في روسيا.


صحيح أن النظام السياسي كان مُحتقنا تجاه زفياجينتسيف مُنذ فيلم الروائي الثالث Elena إيلينا 2011م، الذي وصف فيه شكل المُجتمع الروسي المُتناقض والمُنهار على المستوى الاقتصادي بسبب السياسات الاقتصادية التي يتبعها النظام الروسي، فضلا عن سيطرة الأوليجارشية على هذا النظام بمُباركة السُلطات، بالإضافة إلى تصويره لما قد يوحي برفضه لنظام التجنيد الإجباري، لرغبة الحفيد والأبوين في الهروب من التجنيد بعد انتهائه من الدراسة الثانوية- داخل الفيلم- لكن هذا الاحتقان لم يتصاعد للوصول إلى مرحلة الغضب والرفض التام إلا بعد فيلم "ليفياثان"، لا سيما أن وزراة الثقافة الروسية كانت قد ساهمت بنسبة 35% من قيمة إنتاج هذا الفيلم الذي انتقد بوضوح الفساد الدائر في روسيا الحديثة، وأثر ذلك على تكوين الأسرة- النواة الأولى والأساس للمُجتمع- مما يعني في نهاية الأمر- من الناحية الشكلانية- أن وزارة الثقافة- وهي مُؤسسة رسمية من مُؤسسات الدولة- توافق بالضرورة على ما ورد في الفيلم؛ مما وضع وزير الثقافة الروسي آنذاك Vladimir Medinsky فلاديمير ميدينسكي في موضع شديد الحرج أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ ومن ثم هاجم الفيلم بضراوة- لإحساسه بمُخادعة زفياجينتسيف له- وكان من أكثر المُعادين لزفياجينتسيف، بل ومنع تمويل أي من أفلامه من قبل وزارة الثقافة مرة أخرى، ووصل به الأمر إلى إصدار العديد من القرارات والقوانين المُقيدة لصناعة السينما في روسيا بسبب هذا الفيلم، وهي القوانين التي كان منها قانون حظر الشتائم في الأفلام، وعدم طرح أي وجهة نظر سلبية باتجاه المواطن الروسي في صناعة السينما!

إذن، فلقد غضب النظام الروسي على المُخرجين ورفضهما، واتهمهما بالعمالة وتشويه المواطن الروسي، وبات وجودهما غير مرغوب فيه، وتم منع تمويل أفلامهما؛ وهو ما دفع بالمُخرجين في نهاية الأمر إلى اختيار المنفى، والحياة بعيدا عن روسيا، رغم انغماسهما في الثقافة الروسية، وعشقهما لوطنهما، وشعورهما بالكابوسية، والانغماس داخل حالة أشبه بالحمى التي تؤدي بهما إلى الهذيان بعيدا عن الوطن، وهو ما عبر عنه تاركوفسكي ببراعة في فيلمه المُهم Nostalghia الحنين 1983م، الذي رأينا فيه بطل الفيلم "أندريه"- المُقابل الموضوعي لتاركوفسكي- يعيش في حالة أقرب إلى الجنون بسبب ابتعاده عن الوطن، وهو ما أدى إلى موته بأزمة قلبية في نهاية الفيلم.


إذا ما كانت الفرصة قد أُتيحت لتاركوفسكي من أجل التعبير عن مُعاناته النفسية بعيدا عن وطنه، فهي لم تحن بعد لزفياجينتسيف من أجل التعبير عن نفس الحالة؛ بسبب انقطاعه الإجباري والقدري عن الحياة بالكامل لعدة سنوات، ففي يونيو 2021م تلقى زفياجينتسيف لقاح Sputnik V سبوتنيك في، المُضاد لكوفيد- 19، لكنه أُصيب بحمى شديدة، ونُقل إلى المُستشفى، حيث أُدخل العناية المُركزة، وخلال إقامته في المُستشفى أُصيب بتسمم الدم نتيجة عدوى مقاومة المُضادات الحيوية التي أُصيب بها هناك. وُضع زفياجينتسيف في غيبوبة صناعية في مُستشفى ألماني، لكنه أُصيب بعد ذلك باعتلال الأعصاب المُتعدد الذي تسبب في فقدانه القدرة على المشي، ولفترة طويلة أيضا، لم يستطع الجلوس أو الكلام، وفي المُستشفى أُصيبت أربطة حلقه، وحتى مايو 2022م كان لا يزال يتلقى العلاج في مُستشفى Wiesbaden, Germany فيسبادن، ألمانيا. وهو ما يعني أن السبب الرئيس في توقف المُخرج كل هذه الفترة الطويلة عن مُمارسة السينما- الفن الأقرب إليه من الحياة- كان سببا قدريا بحتا جعل زفياجينتسيف أقرب إلى الموت من الحياة لعدة سنوات، إلى أن استرد قواه مرة أخرى، وبات قادرا على مُمارستها بشكل طبيعي كما كان يفعل من قبل، وبما أنه قد صرح بعمله على فيلم جديد سيعبر عن المُجتمع الروسي وما يدور فيه أيضا- وهو الفيلم الأول له في المنفى- فقد يكون فيه ميلا للتعبير عن افتقاده الكبير للوطن، وربما لم يحن الوقت بعد للتعبير عن هذا الحنين، وقد يميل زفياجينتسيف إلى الإمساك عن التعبير عن هذا الإحساس في نهاية الأمر، ودفنه داخله.

إن الأسلوبية الجمالية التي عرفناها عن أندري زفياجينتسيف تعود في المقام الأول إلى عدم ميله للعمل مع العديد من الأشخاص؛ فهو مُنذ بدايته المُبكرة الأولى، والحلقات التليفزيونية الثلاث التي قام بإخراجها في بداية حياته الفنية[6] غير راغب في العمل سوى في سياق فريق فني، ورغم أنه كان في بدايته يرغب في تصوير هذه الحلقات الثلاث بالتعاون مع ثلاث فرق فنية، وتصويرية- للبحث عن أسلوب يستطيع الاستقرار عليه- إلا أنه بمُجرد ما بدأ العمل- في الحلقة الأولى- مع المصور السينمائي الروسي Mikhail Krichman ميخائيل كريشمان، تأكد بأنه قد وجد أسلوبيته الفنية، وشريكه الفني الدائم، ومن ثم لم يفكر في تغيير الفريق الفني طوال مسيرته السينمائية، وهو ما سنُلاحظه في أن جميع أفلامه كانت من تصوير كريشمان، المُبدع في التصوير السينمائي، والماهر تماما في الانسجام مع ما يرغبه زفياجينتسيف والتعبير عنه، كما أنه لا يميل إلى تغيير كاتب السيناريو المُشارك Oleg Negin أوليج نيجين، فضلا عن أن مُعظم مُمثليه سنراهم في جميع أفلامه السينمائية يتبادلون الأدوار فيما بينهم، وهو ما يجعل المُخرج قادرا على التعبير عن عالم فني مُتماسك، وجمالي، لا سيما أن العمل في فريق يجعل جميع أفراد هذا الفريق قادرين على الانسجام مع بعضهم البعض، وقادرين على فهم ما يدور في ذهن المُخرج، وبالتالي التعبير عنه بصورة تقرب من الاكتمال- كما يريده هو.


رغم كل التضييقات والعراقيل التي وُضعت في طريق المُخرج السينمائي الروسي أندري زفياجينتسيف، فهو لم يتوقف عن صناعة السينما. صحيح أنه قد رضخ في نهاية الأمر إلى الابتعاد عن الوطن/ روسيا والبقاء في المنفى/ فرنسا- مع عدم التعاطي مع عالم السياسة الذي يُصرّ على البقاء بعيدا عنه- إلا أنه ما زال يعمل، ويُعد للعديد من المشاريع الفنية التي أعلن عنها مُؤخرا، والتي عمل على تصوير أحدها Minotaur مينوتور، وانتهى منه في نهاية عام 2025م: "وفقا لتقرير جديد من Arte France Cinéma. الفيلم الذي شارك في كتابته المُخرج مع Simon Liashenko سيمون لياشينكو سيتناول قصة Gleb جليب، مُدير شركة روسي على وشك تسريح موظفيه، ويكتشف أن زوجته على علاقة غرامية. من المُقرر أن يبدأ إنتاج الفيلم في سبتمبر المُقبل في Riga, Latvia ريجا، لاتفيا، ويُوصف بأنه دراما حميمية ستُصور في المنفى في سياق روسيا المُعاصرة، وتُجسد نفسها كقصة سياسية تجمع بين إثارة الجريمة والمأساة الكلاسيكية، ويحظى الفيلم بدعم كل من فرنسا، ولاتفيا، وألمانيا"[7]، أي أن زفياجينتسيف- مع الابتعاد عن السينما كل هذه الفترة من 2017م حتى الآن- حينما فكر في عودته الجدية، وصناعة فيلم جديد؛ لم يخرج من عالمه الأثير الذي يفكر فيه- عالم الأسرة وتصدعاتها وانهياراتها- والذي يطرح من خلاله أسئلته الأخلاقية والوجودية التي تتعملق لتغطي العالم بأكمله، فارضة وجودها على العالم الفيلمي، والمُشاهد معا من أجل التفكير والتأمل الطويل فيها. وهو الفيلم الذي نال عنه المُخرج الجائزة الكبرى Grand Prix في مهرجان Cannes كان هذا العام 2026م.

يُعد المُخرج الروسي أندري زفياجينتسيف حالة خاصة من بين المُخرجين الروس المُعاصرين، ومُخرج له أسلوبيته الخاصة جدا في تيار السينما البطيئة، لذا كانت عودته هذا العام، وحصوله على الجائزة الكبرى في مهرجان "كان" ضرورة لإعادة تناول أعماله، وإلقاء الضوء عليها، والاحتفاء به في هذا العدد.

 

 محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".
عدد أغسطس 2026م


[1]  المقصود بها الصور الفوتوغرافية الفورية.

[2] المقصود بعنوان Urga هو فيلم Close to Eden قريب من عدن 1991م.

[3] للمزيد انظر حوار كل من Maria Trakovsky ماريا تراكوفسكي، وDoug Cummings دوج كامينجز بعنوان: An Interview With Andrey Zvyagintsev: Leviathan and Loveless مُقابلة مع أندري زفياجينتسيف: ليفياثان ومُجرد من الحب/ cineaction.ca/ بتاريخ أكتوبر 2018م.

[4] للمزيد انظر الخبر المكتوب بعنوان President Vladimir Putin congratulated Russian director Andrey Zvyagintsev, who had won the Golden Lion and the Best Debut award at the Venice Film Festival هنأ الرئيس فلاديمير بوتين المُخرج الروسي أندري زفياجينتسيف لفوزه بجائزة الأسد الذهبي، وجائزة أفضل عمل أول في مهرجان البندقية السينمائي/ en.kremlin.ru/ بتاريخ 10 سبتمبر 2003م/ من دون ذكر اسم الكاتب.

[5]  Andrei Rublev أندريه روبليف. وُلد حوالي 1360م، وتوفي حوالي 1430م. كان فنانا روسيا، يُعتبر من أعظم رسامي الأيقونات واللوحات الجدارية المسيحية الأرثوذكسية في العصور الوسطى. يُبجل كقديس في الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، ويُحتفل بعيده في 29 يناير. لا توجد معلومات كثيرة عن حياته، حتى مكان ميلاده غير معروف. يُرجح أنه عاش في Trinity- St. Sergius Lavra دير الثالوث- القديس سرجيوس لافرا، بالقرب من Moscoe موسكو تحت إشراف Nikon of Radonezh نيكون رادونيج، الذي أصبح رئيسا للدير بعد وفاة Sergius of Radonezh سرجيوس رادونيج عام 1392م. ذُكر روبليف لأول مرة عام 1405م عندما زيّن الأيقونات واللوحات الجدارية لكاتدرائية Cathedral of the Annunciation of the Moscow Kremlin البشارة في الكرملين بموسكو، برفقة Theophanes the Greek ثيوفانيس اليوناني، وProkhor of Gorodets بروخور من جوروديتس. كان اسمه هو آخر اسم في قائمة الأساتذة، باعتباره الأصغر رتبة وعمرا. وكان ثيوفانيس أستاذا بيزنطيا بارزا، انتقل إلى روسيا، ويُعتقد بأنه درب روبليف.

[6] أخرج زفياجينتسيف ثلاث حلقات تليفزيونية في المُسلسل التليفزيوني الروسي The Black Room الغرفة السوداء 2000م، مُدة كل منها خمس وعشرون دقيقة.

[7] للمزيد انظر ما كتبه Jordan Raup جوردان راوب بعنوان: Andrey Zvyagintsev Sets Next Feature with Minotaur أندري زفياجينتسيف يُطلق فيلمه الجديد "مينوتور"/ thefilmstage.com/ بتاريخ 24 مارس 2025م.

الخميس، 16 يوليو 2026

الماموث: شكلانية الفن وحقيقته

ثمة تساؤل جوهري يطرحه الفيلم الروائي القصير "الماموث" للمُخرج والسيناريست المصري حسام محمد رستم، وهو تساؤل من الأهمية والضرورة بمكان لطول ما تردد على أذهان من يتناولون مفهوم الفن- سواء على المستوى الفلسفي، أو الجمالي، أو حتى على أرض الواقع: من هو الفنان؟ ومتى يكون الشخص فنانا حقيقيا؟

هل من المُمكن لنا إطلاق مفهوم، وتوصيف الفنان على الإنسان لمُجرد ادعائه الفن، وتشبهه بالفنانين من الناحية الشكلانية، كما قال نادر- قام بدوره المُمثل أحمد أبو النصر- لياسر، صاحب ورشة النجارة- قام بدوره المُمثل ياسر عبد القوي: تعرف، إنت لو لميت شعرك، وحلقت دقنك، مُمكن شكلك يدي على فنان، وساعتها مُمكن تعرف اشمعنى- يقصد السبب في اختيار نادر للماموث كنموذج فني.

هل من المُمكن ذلك؟ ما زال السؤال هنا مطروحا، يستحق المُتابعة وانتظار الإجابة عليه، أو توليد المزيد من الأسئلة منه: هل شكلانية الفنان تعطيه أحقية أن يكون فنانا حتى لو كان جاهلا سطحيا؟

فالدكتور نادر معه شهادة الدكتوراه في الفن، وقد يكون مُدرسا للطلاب في كلية الفنون الجميلة- أي أنه من المُفترض به تربية أجيال فنية، ومنحهم المعرفة- لكننا على أرض الواقع نراه بالغ السطحية والجهل والتفاهة. صحيح أننا نراه مُطلقا لشعره، وقد ربطه من الخلف، وارتدى ملابس أنيقة، ويُطعم حديثه بالعديد من المُفردات الإنجليزية، وربما غيرها من اللغات- كإحساس داخلي منه بالضآلة والجهل، يحاول تعويضه بهذه الأسلوبية في الحديث- لكنه في الحقيقة ليس بفنان، ولا يمكن له أن يكون بأي حال من الأحوال.

هل الفنان هو من يكون ضيفا دائما على المُؤتمرات، والفعاليات الفنية، الموجود في كافة المُناسبات، المُتحدث الدائم عن نفسه، وعظمة إنجازاته، ونُدرتها؟


بالتأكيد هذا ليس بفنان، بقدر ما هو مُدعٍ- شاعر بضآلته وبحجمة الحقيقي المُخجل؛ لذا يثرثر كثيرا- فالفنان الحقيقي ليس في حاجة إلى الحديث الدائم عن إنجازاته، وما يقوم به من أعمال جليلة، ومُعاناته التي لا يعرفها الآخرون، وحرمان نفسه من حقوقه كإنسان من أجل الفن، وربما احتراقه لإضاءة الطريق للآخرين، ورهبنته بعيدا عن البشر من أجل فنه. فالفن الحقيقي له لسان يتحدث به، وأجنحة يحلق بها من مكان لآخر، وضجيج واضح يُحدث صخبا لا يمكن تجاهله أينما حلّ، ومن ثم تصبح الثرثرة الفارغة التي يحرص عليها الكثيرون للحديث عن إنجازاتهم العظيمة- تحت دعوى الفن- هي من قبيل الفراغ الحقيقي، والإحساس العارم بالضآلة والسطحية، فهذا ليس بفن.

إنه المفهوم الذي يحمل في جوهره معنى الحرية. الحرية في الفن، والإرادة، والاختيار، ومُمارسة الفن بحرية مُطلقة- بعيدا عن الإملاءات، والشروط، أو حتى وضع المُتلقي لهذا الفن في ذهنية خالق الفن، فيحرص على مُراعاة طريقة تلقيه لفنه، أو مفهومه، أي فرض القيود على نفسه- وهو ما تجلى لنا بشكل بيّن في حديث ياسر الرافض مع الدكتور نادر حينما رغب ياسر في مُرافقة الدكتور نادر إلى المُؤتمر الذي سيعلن فيه عن منحوتته الفنية الجديدة/ الماموث، وهي المنحوتة التي صنعها ياسر، فاعترض نادر مُبررا له هذا الرفض بقوله: كمان لو عايز اعتراف مني إن إنت فنان؛ فأنت فنان يا عم. لكن ياسر يرد عليه بإباء: والنبي يا أخويا متقولش الكلمة دي الله يبارك لك. فيسأله نادر مُندهشا: هي فنان بقت شتيمة اليومين دول؟! ليرد ياسر بيقين: الفنان بيعمل اللي هو عايزه. فيسأله نادر: وإنت؟ يقول: أنا راجل صنايعي، يعمل اللي الناس عايزاه. ليسأله نادر: وإنت إيه اللي يمنعك تعمل اللي إنت عايزه؟!


ربما نُلاحظ هنا أن الدكتور نادر قد بلغ من السطحية ما جعله غير قادر على فهم ما يدور من حوله، فهو- نتيجة لادعائه الذي اعتاده قد بلغ درجة من الغباء الذي يجعله غير قادر على تفسير الأمور، أو فهمها- لذا لم يفهم أن ياسر حينما شرع في تشكيل الماموث، أو حينما يشرع في تشكيل أي منحوتة أو مُجسم فني آخر؛ فهو يفعل ذلك بناء على طلب مُدعي الفن من أمثال نادر- العاجزين عن الفعل، غير القادرين على مُمارسة الفعل الفني- وبما أنه في حاجة إلى العمل، والمال الذي سيتكسبه بناء على الفعل فهو هنا لا يمتلك حريته الفنية، هو في الحقيقة لا يمتلك حرية الفعل في أي شيء، بل هو أسير، وخاضع تماما لرغبات وأموال وإملاءات الآخرين نتيجة حاجتة المادية، وعدم امتلاك رفاهية حرية الفعل، وهو ما قد يجعله مُستعدا لفعل أشياء غير مُقتنع بها من الناحية الفنية لمُجرد أن "الزبون"/ الفنان راغب في ذلك، أو يرى أن ما يرغبه هو الصحيح!

لكن، كيف حاول المُخرج حسام محمد رستم التعبير عن هذه الفكرة الجوهرية في شكلها الفني لتكون فيلما سينمائيا؟


يفتتح المُخرج فيلمه للوهلة الأولى على مكان تم تجهيله تماما، وإن كان أشبه بالأدغال، بينما نُلاحظ أن الضباب يحيط بكل شيء- كإيغال في تجريد المكان والزمان وتجهيلهما- يبدو الأمر- أمامنا على الشاشة- وكأننا قد عدنا إلى بداية التاريخ والإنسان البدائي؛ لذا نلمح ياسر- بملامح طيبة، متوترة، شاعرة بالكثير من القلق الذي يجعله يلتفت خلفه غير مرة، أي استشعار الخطر- سائرا بصعوبة، وبخطوات بطيئة بسبب قدمه العرجاء، مُرتديا أسمالا تشبه إلى حد بعيد الإنسان البدائي بينما نستمع إلى صوته في الخلفية مُرددا لقصيدة ما.

يقطع المُخرج على نادر الذي يتعقبه مُمسكا بسهمه- في أسمال تُدلل على بدائيته بدوره- وقد بدا على ملامحه، ولغة جسده إصراره على الإيقاع به، أو إيذائه بشكل ما، وهو ما يتضح لنا من الوتر والسهم اللذين يحملهما في يديه.

إذن فياسر هنا بمثابة الصيد الذي لا بد من الإيقاع به كفريسة، أو هابيل الذي يصر قابيل على القضاء عليه- ربما كي لا يترك أثرا من خلفه يُدلل على زيفه، أو لغيرته مما يمتلكه ياسر/ هابيل "الموهبة"- وبمُجرد ما يشد نادر وتره، ويستعد لإطلاق الرمح يقطع المُخرج مُونتاجيا مُباشرة على شاشة سوداء، لنقرأ عليها العنوان "الماموث".


لِمَ فكر المُخرج في هذه البداية التي كانت بمثابة المُقدمة الفيلمية، أو الجملة المُختصرة لمفهوم الفيلم بالكامل؟

يبدو لنا أن المُخرج هنا قد أمعن التفكير في فكرته ومفهومها إلى أقصى حد، وهو ما جعله يحاول شرحه، والتأكيد على هذا الشرح المفهومي للمُشاهد مُنذ البداية- باعتبار أن المعنى قد لا يصل مُباشرة للمُشاهد- لذا كانت القصيدة التي يرددها ياسر في هذه المُقدمة بمثابة المشهد الشارح لما سيأتي فيما بعد، فنستمع إليه يقول: على الجميع، بأي كلمة، أو نص كلمة، بأي حرف، أو حتى نقطة، أو نص همزة، وبدون كلام. فين المقص؟ هنقص حتة، مش أي حتة، خليك معايا، بقولك إيه، هاتها بحالها، خد المقص، هات اللي عندك، كل اللي عندك، ملمة واحدة، هات المقص، مش عايز أعيش، أعيش، أعيش، آكل، وآكل، وأطلع، وأنزل، ومختشيش، أروح، وأرجع، وتروح وترجع، ونروح ونرجع، على مفيش.

إنها الكلمات التي ظل يرددها أثناء سيره وحيدا- فيما يشبه الغابة الضبابية- شاعرا بالقلق، مُلتفتا خلفه، مُتطيرا بين الفينة والأخرى، إلى أن جذب نادر وتره، وشد رمحه للخلف، ليقطع المُخرج مُباشرة على التيترات.


إذن، فلقد كان هذا المشهد الشارح بمثابة المُقدمة المُباشرة للفيلم، صحيح أننا نستطيع اعتبارها بمثابة المشهد التأسيسي الأول- أو مشهد ما قبل التيترات Avant Titre- لكنه في جوهر الأمر لم يكن في صالح السياق الفيلمي؛ فالفيلم- كفن- ليس في حاجة إلى مشاهد شارحة قد تؤدي به إلى المُباشرة والسطحية، بل هو في حاجة إلى التفاعل معه من قبل الجمهور، ومحاولة تفسيره خارجيا- وليس داخليا من قبل صانع العمل نفسه الذي حاول التدخل، والإشارة بافتراضه عجز الجمهور عن الاستيعاب للمفهوم الذي يسعى من خلفه.

بعد انتهاء تيترات المُقدمة مُباشرة- التي لم تكن سوى عنوان الفيلم- يقطع المُخرج على نادر- قابيل في المشهد التأسيسي- واقفا أمام إحدى ورش النجارة مُتحدثا في هاتفه، لنفهم بأنه يتحدث إلى زوجته بقوله: هفاجئك، بالإنستليشن Installation آرت- يقصد العمل الفني التركيبي- أنا؟ أنا في الأتلييه يا حبيبتي، آه، هحط بس الفينيش وأخلص، وهاجي لك على طول، أوكي، باي.

ألا نُلاحظ هنا- في هذا المشهد الافتتاحي التالي للمُقدمة- أن الدكتور نادر/ الفنان- أو بالأحرى مُدعي الفن- ليس إلا مُجرد نصاب مُدعي، وأنه يمارس هذا الادعاء على الجميع من حوله حتى أقرب الناس إليه/ زوجته؟


هو هنا راغب في إثارة إعجابها، رؤية انبهارها به في عينيها، ارغامها على الاعتراف بموهبته التي لا مثيل لها- رغم انتفائها- حينما ترى النموذج الفني الجديد له: هفاجئك، بالإنستليشن Installation آرت. لذا- وبما أنه مُجرد مُدعٍ- فهو يوغل في ادعائه بأنه في الأتلييه الخاص به لوضع اللمسات النهائية على مُجسمه الفني، رغم أنه في ورشة النجارة الخاصة بياسر لاستلام المُجسم الذي صنعه ياسر بنفسه، ووضع فيه روحه الفنية.

روح الفنان، تلك هي المُعضلة الأساسية لمُمارسي الفن، وهي المُعضلة التي لا يُدركها مُدعو الفن، إنها الروح التي يضعها الفنان فيما يصنعه ليستحيل في النهاية جزءا لا يتجزأ منه، وبالتالي فحينما تبتعد هذه القطعة الفنية الخاصة بالفنان عنه، يشعر وكأنما ثمة من سلبه روحه الحقيقية، قضى عليه، أصابه في مقتل، هدد وجوده بمفهومه الوجودي الأعمق، وهو ما دفع ياسر لشرح مدى تعلقه بما يصنعه لنادر حينما قال له، مُشيرا إلى لوحة فنية على حائط الورشة: بص الحتة دي كدا، تفتكر مين اللي عملها؟ لينظر إليها نادر ببرود قائلا: قصدك اللوحة، مش فارق معايا.


إنه هنا لم يحاول حتى تأمل اللوحة على الأقل، بل ألقى مُجرد نظرة عابرة، بالغة البرودة عليها ليرد برده الجاف المُعبر عن شخصيته، ومدى جهله، لكن ياسر يستمر في حديثه مُتجاهلا أسلوبية الرد: ولا أنا أعرف مين اللي عاملها- رغم إمكانية أن يكون هو من صنعها- بس حسيت فيها حاجة حقيقية. فيسأله نادر: ازاي يعني؟ يقول ياسر: حاجة مقدرش أشرحها، بس كأن فيه حد حط فيها روحه. ليقول نادر ساخرا: روحه؟ التاريخ مبيفتكرش بقى المشاعر والحقيقة والعبط دا، التاريخ بيفتكر بس اللي مكتوب، وأنا بعمل حاجة تدوم.

ربما لا يمكن لنا هنا إنكار وجاهة ما تفوه به نادر رغم سخافته؛ فالواقع ما فتئ يؤكد لنا على أن التاريخ غالبا ما يكتبه المنتصرون، أي الأقوى، أي من هم في مكانة نادر الزائفة، ومن ثم فهو تاريخ زائف بدوره في العديد من الوقائع المُسجلة، بينما الوقائع الحقيقية غالبا ما تندثر وكأنها لم تحدث لأن أصحابها دائما ما يكونون في موقع الضعف، أو قلة الحيلة- تماما كياسر الفنان صاحب ورشة النجارة الذي لا يمتلك قول الحقيقة، والمُجاهرة بامتلاكه الفعلي لهذه القطعة الفنية "الماموث" بما أنه هو من قام بنحتها، والسهر عليها، والتفكير فيها طوال الوقت.


إن مُعاناة الفنان فيما يقوم به، وارتباطه الوجداني، والفكري بأعماله الفنية التي تخرج من بين يديه هو ما عبر عنه ياسر بشكل فني، بالغ الصدق حينما اتجه إلى أحد أركان ورشته ليرتدي قميصا جديدا فوق ملابس عمله المُتسخة قائلا: إيه رأيك يا دكتور نادر؟ مُرددا لنفسه بإعجاب: فِخم، ألاجة. ليقول نادر بلامُبالاة: حلو، كان نفسي أقولك هيبقى حلو عليك أوي في فرح بنتك. يقول ياسر مُتجاهلا تلميحات نادر- حتى لكأنما اختياره عدم الزواج قد بات نقيصة وُصم بها: دا أنا جايبه أروح بيه المُؤتمر. هنا يتساءل نادر مُدهشا: مُؤتمر إيه؟ يسأل ياسر: يعني مش هروح معاك المُؤتمر؟! يقول نادر مُتهكما: مسموش مُؤتمر. ليسأل ياسر: أومال اسمه إيه؟ فيرد نادر ضائقا: اسكت، اسكت. فيسأل ياسر مُلحا: يعني مش هاجي معاك؟! ليتساءل نادر مرة أخرى: تيجي فين؟! هنا يقول ياسر مُفضيا بمشاعره العميقة، مُشيرا إلى مُجسم رأس الماموث: أنا بقالي شهور معاه، مش من حقي حتى آجي مُؤتمر أشوفهم وهما بيصقفوا له؟! أنا ليا فيه زيي زيك. لكن نادر يقول ببجاحة: دا فكرتي، تصوري، أنا اللي عملته، أنت مُجرد نفذت.

هذا الحوار السابق بين كل من ياسر- الفنان الحقيقي- والدكتور نادر- مُدعِ الفن- هو الإسقاط المُباشر، والتعبير بالصورة على ما سبق لنا أن رأيناه في مشهد ما قبل التيترات الذي كان بمثابة تلخيص للفيلم وعالمه؛ فنادر/ قابيل يحاول هنا قتل ياسر/ هابيل، وسلبه لكل حقوقه في موهبته، بل وأحقيته في الفرح والفخر بهذا المُجسم الذي خرج من بين يديه. وهذا أمر طبيعي، فهو أولا مُجرد مدعٍ سيعرض الماموث على الجميع مُعلنا عن تحفته الفنية الجديدة، ليرى الإعجاب والتقدير في عيون الجميع، وهو ثانيا لا يستطيع اصطحاب ياسر النجار البسيط، الفقير، وربما غير المُتعلم معه إلى حفل الإعلان عن هذا المُجسم الفني الجديد، فليس ثمة رابط عقلاني أو منطقي أو اجتماعي أو طبقي من المُمكن له أن يربط بين الدكتور الجامعي الفنان المُتعلم، وبين النجار البسيط غير المُتعلم، أي أن وجود ياسر في مثل هذه المُناسبة سيكون بمثابة الفضيحة لنادر، وربما يتسبب ذلك في كارثة كشف زيفه أمام الجميع.


لذا، وخشية من محاولة ياسر كشف زيفه أمام الجميع، وكمحاولة منه للحفاظ على صرحه الفني الزائف الذي اجتهد في بنائه بالكذب والادعاء على الجميع، نراه يخرج تنازلا عن حقوق الملكية ليناوله لياسر، طالبا منه التوقيع عليه، لكن ياسر يقول له بهدوء، بالغ الانكسار: ملهاش لازمة الورقة دي يا دكتور. فيقول نادر بإصرار: لا، هتمضي، وهحتاج منك كمان التصميمات.

هنا لا بد لنا من التوقف  لطرح السؤال الأكثر أهمية وبلاغة: هل مُجرد توقيع ياسر على التنازل عن حقوق ملكيته لمُجسم الماموث من شأنه أن يحيل هذه الملكية الفنية إلى الدكتور نادر؟ يبرئ ساحته أمام الجميع إذا ما اكتشفوا الأمر؟ هل الفن مُجرد أوراق يتم تجهيزها بالكيفية التي يرغب صاحبها- حتى لو كانت خادعة؟

بالتأكيد لا يمكن لأي كان هنا إنكار أن مُجسم الماموث هو ملك أصيل، وحقيقي لياسر الذي قام بصناعته ونحته، فليس مُجرد كونه فكرة، أو تصورا لنادر- كما سبق له أن أخبر ياسر- يعطيه الحق في امتلاكه الفني له؛ فهو لم يفعل أي شيء سوى التصور والاقتراح، أي أنه- في جوهر الأمر- قد يمتلك الفكرة، لكنه خالٍ تماما من أي موهبة تُتيح له تنفيذ هذه الفكرة، وتجسيدها على أرض الواقع بشكل مادي، وبالتالي فامتلاكه للفكرة لا يمكن لها أن تصنع منه فنانا، ومن هنا يكون الفنان الحقيقي هو ياسر الذي يمتلك الموهبة التي تساعده على تحويل الأفكار إلى مُجسم فني ملموس على أرض الواقع- تماما مثل شخص مُدعٍ لكتابة فن الرواية، فهو قد يمتلك الكثير من الأفكار التي يرويها للآخرين بشكل شفوي، لكنه يفتقد تماما للموهبة، واللغة، والأسلوبية، طريقة البناء التي تتيح له، وتساعده على تحويل هذه الأفكار إلى بناء روائي من المُمكن للآخرين قراءته.


لكن، بما أن نادر لا يفهم الأمر على هذا النحو، وبما أنه بالغ السطحية والمُباشرة في أفكاره، وثقافته، فهو غير قادر على استيعاب سبب الحزن العميق الذي يشعر به ياسر لمُفارقته للماموث- الذي ترك فيه جزءا من روحه- فضلا عن حزنه وانزعاجه البالغين بسبب إصرار نادر على توقيعه التنازل؛ ومن ثم يقول لياسر: يا عم ياسر والنبي متعملش فيها متأثر أوي كدا، إنت قابض تمنه- وكأنما تلقيه للأموال مُقابل تنفيذه للماموث ينزع منه أحقيته في امتلاكه له، أو ارتباطه العاطفي البالغ به- فيسأله ياسر: اشمعنى المرا دي؟ ليرد نادر: المرة اللي فاتت كان تصور فني ومكملش. فيقول ياسر بثقة وواقعية: لو مضيت الورقة دي، تشهد إنك كنت هنا، وإن المُجسم دا له حد عمله، خده، وخد التصميمات، واللي هتقول لهم عليه هيبقى الحقيقة.

ألا نُلاحظ هنا أنه ليس ثمة صراع حقيقي ناشئ بين كل من الاثنين على امتلاك الماموث كعمل فني- على الأقل من ناحية ياسر/ الفنان الحقيقي للعمل؟

إن ياسر/ هابيل ليست لديه النية في إفشاء السر، ولم يفكر لوهلة واحدة في الادعاء بامتلاكه للمُجسم الفني، كل ما هنالك أنه مُرتبط به ارتباطا عاطفيا قويا- وهو أمر طبيعي يشعر به الفنان تجاه عمله الفني- وكانت لديه الرغبة في الفرحة بالعمل لحظة الإعلان عنه في المُؤتمر الذي ظنه، أي الفرح به في لحظة ميلاده وإعلان تواجده في العالم.


إذن، فالصراع الحقيقي هنا ناشئ- في المقام الأول- من قبل نادر الذي يظن برغبة ياسر في إفشاء سره، أو فضحه، أو التقليل من مكانته المُزيفة التي وصل إليها بموهبة ياسر- تماما كقابيل الذي افتعل الصراع مع أخيه هابيل، ومن ثم قضى عليه لمُجرد رغبته فيما بين يديه.

من الطبيعي أن يظن نادر السوء بياسر، ويتطير منه، ويتربص به؛ فمن خصاله الكذب، والنفاق، والادعاء- لاحظ كذبه مُنذ المشهد الأول حينما تحدث مع زوجته وادعى لها بأنه في الأتلييه الخاص به لوضع اللمسات النهائية للمُجسم- وبالتالي تكون رغبته في الإضرار بياسر أمرا طبيعيا، فضلا عن إحساسه العارم بأن ياسر أفضل منه، ليس لامتلاكه الموهبة الفنية فقط- رغم افتقاده للتعليم والمكانة الاجتماعية- بل لأنه أكثر صدقا منه، وتمسكا بالقيم التي يفتقدها نادر، أي أنه يكشفه أمام نفسه، يعريه، يشعره بالخجل والنقص والعار، وهو ما أكد عليه المُخرج في المشهد الذي سأله فيه ياسر: هو فيه حد يعرف إنك إنت عندي هنا لمؤاخذة؟- وهو مُمسك بمنشاره وكأنه يُهدده بإمكانية القضاء عليه داخل الورشة بما أنه يخفي عن الجميع مكان تواجده بادعائه بأنه في الأتلييه- فيسأله نادر، وقد لمح شيئا من التهديد الضمني: اشمعنى؟ ليقول ياسر: أصل أنا لمؤاخذة سمعتك، من غير قصد يعني، وإنت بتكلم الجماعة في التليفون، وبتقول لها إنك في الأتلييه، يعني مخبي إنك إنت عندي هنا. ليرد نادر: آه. إنت ليه متجوزتش؟ فيرد ياسر ردا بالغ السُخرية والإيغال في التعرية: مبعرفش أكدب. فيسأله نادر بتهديد مُبطن بدوره: إنت بقى حد يعرف إنك هنا؟- في إشارة منه إلى وحدة ياسر وعدم زواجه الذي يجعل وجوده كعدمه بالنسبة للآخرين، بما أنه لا يوجد من يهتم به.


إن عدم امتلاك نادر للموهبة، أو حتى المعرفة يجعله غير قادر على تبرير السبب في خياراته، فما يقوم بالتفكير فيه، أو اقتراحه، مُجرد فكرة قد ترد على ذهنه في لحظة ما، وربما تكون فكرة سمعها من الآخرين، أو قرأ عنها، أو رآها في مكان ما، وبالتالي فهو لا يمتلك المقدرة على تبرير خياراته الفنية التي يطرحها، وشرحها. من هنا فهو لا يمتلك الإجابة المُقنعة حينما يسأله ياسر: اشمعنى الماموث؟ ليرد عليه: بحب شكله. ليسأل ياسر مُندهشا: بس؟!

ربما كان الدكتور نادر لا يعرف شيئا عن الماموث من قبل على الإطلاق، وربما لم ير شكله أيضا ليجيب مثل هذه الإجابة، وهي احتمالية يعضدها جهله، وادعائه، وكذبه، فضلا عن إجابته التي لا معنى لها. إلا أننا سنتيقن بأن نادر ربما لم يقرأ عن الماموث من قبل حينما يقول له ياسر مُعلقا على وقوف نادر أمام المُجسم للوهلة الأولى من دون أن يدور من حوله ليراه من كافة الزوايا: لمؤاخذة إنت لو مشفتنيش من الناحيتين، هتعرف ازاي إن أنا ليا ايدين اتنين؟ فيسأل نادر مُندهشا: So?. يقول ياسر: بص عليه كدا يا أستاذ، يمكن فيه ناب ناقص ولا حاجة. ليقول نادر مُدعيا المعرفة: قصدك Metaphor استعارة يعني؟ يقول ياسر بلامُبالاة: ناب واحد أحلى. يسأل نادر مُندهشا: تفتكر؟! يقول ياسر: أكيد، آخر ماموث على وش الأرض، لما البشر حاصروه بالسهم، عمل حاجة غريبة أوي، هرب منهم في ممر ضيق، وعند آخره قعد يحفر في الأرض، يحفر في الأرض، لحد ما ناب من نيابه اتكسر، آخر مرة شافوه كان ماشي بناب واحد، واختفى في الضباب. يسأله نادر مُنجذبا: و...؟ يقول ياسر ببساطة: وبس. ليقول نادر ساخرا: ودي بقى حدوتة جدتك كانت بتحكيها لك، ولا ألف ليلة وليلة؟ يقول ياسر: مش مصدقني؟ دي الحقيقة.


لِمَ لا نتوقف هنا أمام هذا المشهد هنيهة؟

إن المُخرج في هذا المشهد يحاول استباق النهاية بأسلوبية فنية بالغة الرهافة، مُفضيا إلينا بأن ياسر هنا هو الماموث  الأخير على وجه الأرض، وهو ما يتبيّن لنا في قوله: آخر مرة شافوه كان ماشي بناب واحد، واختفى في الضباب. وهو ما سنراه بالفعل في المشهد الختامي للفيلم حينما نرى ياسر سائرا فيما يشبه الغابة التي يحيط بها الضباب من كل جهاتها، بينما يحمل في يساره ناب الماموث الذي خلعه من المُجسم، ليختفي فجأة في الضباب.

هذه الرمزية البلاغية لا يمكن لنا إنكارها، فالفيلم نجح في تقديمها بصريا في نهايته، كما أن المفهوم الفيلمي هنا مفتوح على كافة التأويلات الصالحة لتفسيره، لا سيما أنه مال إلى حد بعيد باتجاه الرمزية في أحداثه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فسواء كانت قصة ياسر التي رواها عن آخر ماموث صحيحة وواقعية من عدمها أم لا- لا سيما أن كافة الأبحاث العلمية ترجح بأن السبب الأساس في انقراض الماموث لم يكن الإنسان الذي ساهم بجزء من انقراضه، بل كان السبب الرئيس هو التغير المناخي الهائل الذي غيّر بيئته الطبيعية، وقضى على موارده الطبيعية للتغذية، باعتباره حيوانا عاشبا، ورفع من درجة حرارة الأرض من حوله مما أدى إلى انقراضه- فياسر كفنان قد ساق هذه القصة في محاولة منه لإقناع نادر بأن مُجسم الماموث إذا ما كان بنابٍ واحد سيكون أفضل- كرؤية فنية مُختلفة لها فرادتها ووجاهتها- لكن، بما أن نادر هنا مُجرد جاهل مُدعٍ يسير على قدمين؛ فهو لم يفهم الحكاية التي رواها ياسر، والمغزى منها- سواء على المستوى الواقعي، او حتى على المستوى الرمزي، بل وسخر منه في نهاية حديثه.


ربما كانت هذه السُخرية من قبل نادر، هي ما جعلت ياسر يرد له السُخرية صاعين حينما يخبره نادر بأنه من المُمكن أن يكون فنانا إذا ما أطلق شعره، وحلق لحيته، فيرد ياسر ساخرا: تعرف احنا لو قصينا جناحات النسر، وطولنا رجليه، وطلعنا له عرف، وعلمناه ينقر، احتمال يدي على فرخة.

إذن، فثمة عدائية طبيعية ومنطقية هنا ما بين الجهل والمعرفة، الادعاء والموهبة، الشر والخير، قابيل وهابيل. إنها الثنائية التي تم تأسيس الفيلم بالكامل عليها بشكل بالغ الرمزية، وإن لم يفتقد فيها الشكل الفني، والأسلوبية البارعة.

إنها الرمزية التي نتبينها مرة أخرى حينما يقوم ياسر بمُساعدة سائق التروسيكل- قام بدوره المُمثل عمرو رمضان- في حمل الماموث لوضعه على ظهر التروسيكل ونقله للخارج، فنرى نادر واقفا مُتأملا للوحة المُعلقة على جدار الورشة، والتي سبق لياسر أن لفت انتباهه إليها، وأخبره بأن ثمة روحا غريبة فيها. فوقوف نادر أمام اللوحة في نفس اللحظة التي يقوم فيها ياسر بنقل المُجسم إلى الخارج والانفصال النهائي عنه، هو بمثابة الإسقاط المُباشر على أن نادر- بخروج المُجسم للخارج، واستيلائه عليه- يأخذ في الحقيقة روح ياسر كفنان معه، وليس المُجسم، أي أنه هنا يسلبه روحه، وفنه، ونفسه أيضا، وربما مفهوم البقاء على وجه الأرض.


لكن، يبدو أن ياسر كفنان غير قادر على التخلي عن منظوره الفني مهما كانت العواقب، صحيح أنه يمارس الفن بناء على الطلب، أي مُقابل من يدفع له المال، وصحيح أن هذا الفن في النهاية لا يُنسب إليه بقدر نسبته إلى المُدعين من أمثال الدكتور نادر، لكنه لا يستطيع- تحت مُسمى المال الذي يتقاضاه- التخلي عن وجهة نظره الفنية- فليس معنى القصة التي رواها أنه لا بد أن يكون الماموث مُطابقا لها بناب واحد، لكن رؤيته الفنية ترى أن الماموث بناب واحد هو الأجدى، والأكثر إيحاء وإسقاطا ورمزية، وتفسيرا للعديد من الأمور، أي توليد المعنى الفني، وهو ما لم يقتنع به نادر، لكن ياسر أصر على رؤيته الفنية، وقام بقطع الناب الثاني من دون علم نادر الذي فوجئ بالناب المقطوع بعد انصراف ياسر، لذا يبتسم، محاولا تكييف الوضع الجديد الذي وجد نفسه فيه مع المُجسم، ومن ثم يتبنى الحكاية التي حكاها له ياسر- بنسبتها إلى نفسه بالتأكيد- ليقول مُتمتما: حلوة، ميتافور حلو، أنا عرفت أحكي لهم إيه.

لاحظ هنا أنه لم يفعل أي شيء في سبيل هذا المُجسم الفني اللهم إلا اقتراح الفكرة على ياسر الذي قام بتصنيعه، بل لم يكن في ذهنه أي تفسير من المُمكن له طرحه على الآخرين حينما يعلن لهم عن مُجسمه الفني الجديد، وهو ما رأيناه سابقا حينما سأله ياسر عن السبب في اختيار الماموث، ورد نادر بأنه مُعجب بشكله- وهو رد لا معنى له- وهو ما تأكد لنا أيضا في هذا المشهد الأخير حينما قال جملته الأخيرة التي أكدت لنا بأنه لم يكن يعرف ما الذي عليه قوله مع إعلانه عن المُجسم، أي ما هو مفهومه الفني لهذا المُجسم، ولِمَ اختاره، ولِمَ بات بناب واحد؟


هنا يقطع المُخرج على ياسر يسير وحيدا بخطوات مُتثاقلة بسبب ساقه العرجاء- وربما ثقل وزنه أيضا، أو حزنه البالغ بعد فقدانه لجزء من روحه، وسلبه إياها- فيما يشبه الغابة المُحاطة بالضباب من كافة الجهات، بينما نُلاحظ في يده اليسرى ناب الماموث الذي قطعه من المُجسم، وسُرعان ما يبتلعه الضباب داخل الغابة، وهو ما يردنا مرة أخرى- بشكل مُباشر-إلى القصة التي رواها ياسر عن آخر ماموث رآه البشر سائرا بناب واحد، وابتلعه الضباب. أي انقراضه، وهو ما حدث لياسر تماما؛ فلقد تغير الطقس من حوله- الظروف الاجتماعية بالكامل- وتم سلب روحه الفنية مع قطعه الفنية التي يقوم بصناعتها للغير من مُدعي الفن، الذين يتباهون بما يقوم هو به، وبالتالي كان من الطبيعي انقراضه بدوره، فهو في زمان ومكان غير مُتناسبين معه، مما يجعل توازي عالمه مع حكاية آخر ماموث مُنقرض مُتطابقة تماما، وأكثر تناغما، وتناسبا.

ربما كان فيلم "الماموث" للمُخرج المصري حسام محمد رستم من الأفلام الروائية القصيرة البالغة الأهمية من حيث أسلوبيتها، فالفيلم في جوهره مُستغرق في رمزيته مُنذ اللحظة الأولى، وهذه الرمزية تُدلل على تجريدية الفكرة التي رغب المُخرج في تقديمها، أو الحديث الفني عنها- فكرة مفهوم الفن وجوهريته- مما يجعل تحويل الأفكار المُجردة إلى صورة سينمائية أكثر صعوبة- لو لم يمتلك صانع العمل موهبته الفنية بدوره- لكن، لعل تجريدية الفكرة، وربما غموضها إلى حد ما، وتفكير المُخرج البالغ فيها قد أوقعه في خطأ المُقدمة التي حاول فيها تفسير الفيلم إلى حد ما، أو تقريبه من المُشاهد بتسطيح الفكرة، وجعلها أكثر مُباشرة، فالفيلم في الحقيقة لم يكن في حاجة إلى هذه المُقدمة التي لم تهدمه- وإن كانت قد أخذت من رصيده الفني بالسلب- لا سيما أن مشهد النهاية البالغ الرمزية- الذي اختفى فيه ياسر داخل الضباب كآخر ماموث فني بدروه على وجه الأرض- كان أكثر تأثيرا، ونافيا لضرورة وجود المُقدمة التي رأيناها في البداية، حيث أشعرنا مشهد النهاية بثقل هذه المُقدمة والتأكيد على عدم ضرورتها الفنية.


لكن، ربما لا تفوتنا المُوسيقى التصويرية البالغة التأثير، والتي لعبت دورا لا يقل أهمية عن باقي العناصر الفيلمية للمُوسيقية: ياسمين الصباغ، وهي المُوسيقى التي عبرت عما يرغب المُخرج في طرحه، لا سيما في مشهدي البداية، والنهاية حيث أشعرتنا ببدائية الرغبات، والتفكير ووحشيتهما، فضلا عن الأداء التمثيلي البارع للمُمثلين الثلاثة على طول الفيلم.

 

 

 محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".
عدد يونيو 2026م.