الاثنين، 21 سبتمبر 2026

الأراضي الخربة: تأملات في تفاهة الشر!

في الفترة من ديسمبر 1957م ويناير 1958م اندفع أحد المُراهقين الأمريكيين- الذي كان يُدعى Charles Starkweather تشارلز ستاركويذر- في سلسلة من جرائم القتل العنيف أدت إلى القضاء على حياة أحد عشر شخصا في ولايتي Nebraska نبراسكا، وWyoming ووايومنج. كان ذلك الشاب في الثامنة عشرة من عمره حينما قام بهذه الجرائم المُتتالية، حتى أنه قتل عشر من ضحاياه في الفترة من 21، و29 يناير 1958م فقط، وخلال موجة القتل التي قام بها، كانت ترافقه صديقته Caril Ann Fugate كاريل آن فوجيت البالغة من العمر آنذاك أربعة عشر عاما فقط!

تلك القضية الدموية التي لاقت شهرة واسعة في تلك الفترة الزمنية، ومُتابعات إعلامية مُكثفة- حتى أنه قد تم تلقيبه إعلاميا بالقاتل المسعور- فضلا عن الحضور البيّن للقضية في الثقافة الشعبية الأمريكية- المُتميزة بالعنف والدموية في جوهر الأمر، مما جعل المُجتمع الأمريكي في أغلبه مُجتمعا دمويا سواء على المستوى المادي المُباشر أو المستوى المعنوي بالسعي خلف مُتابعة هذه الشخصيات الدموية واعتبارهم أحيانا أبطالا أو نجوما- ظلت عالقة في أذهان العديد من المُبدعين، وصانعي الأفلام السينمائية، يتأملونها بدقة محاولين معرفة الأسباب البعيدة التي قد تؤدي بمُراهق مثل تشارلز ورفيقته لمثل هذه الدموية غير المألوفة- لا سيما أنه قد قتل الكثيرين ممن لا تربطه بهم أي علاقة سابقة- ومن ثم باتت هذه القضية الواقعية مصدر إلهام للعديد من المُبدعين، فتناولها المُخرج النيوزيلندي Peter Jackson بيتر جاكسون في فيلمه The Frighteners المُرعبون 1996م، كما كانت مصدر إلهام أيضا للمُغني ومُؤلف الأغاني والمُوسيقي الأمريكي Bruce Springsteen بروس سبرينجستين في أغنيته Nebraska نبراسكا.

بينما في عام 1973م كان المُخرج والسيناريست الأمريكي Terrence Malick تيرينس ماليك، قد قدم بالفعل للسينما الأمريكية ثلاثة سيناريوهات أخرجها غيره من المُخرجين، هي: Pocket Money مصروف الجيب للمُخرج الأمريكي Stuart Rosenberg ستيوارت روزنبرج 1972م، و Dead Head Milesأميال الرحلة الفارغة 1973م للمُخرج والكاتب الأمريكي Vernon Zimmerman فيرنون زيمرمان، بينما كان السيناريو الثالث له هو The Gravy Train مغنم سهل 1974م، وهو الفيلم المعروف أيضا باسم The Dion Brothers الإخوة ديون، للمُخرج والمُمثل الأمريكي Jack Starrett جاك ستاريت، وقد كتبه تيرينس ماليك تحت الاسم المُستعار له David Whitney ديفيد ويتني- ربما لهذا السبب فهذا الفيلم لا يعرف الكثيرون نسبته إلى تيرينس ماليك ككاتب للسيناريو- ومن ثم تفرغ ماليك- فيما بعد- للإخراج السينمائي مع فيلمه الأول Badlands الأراضي الخربة 1973م، وهو الفيلم الذي اعتمد فيه بشكل واضح على سلسلة جرائم القتل السابقة التي قام بها تشارلز ستاركويذر وشريكته كاريل آن فوجيت.


إذن، فلقد رأى ماليك كمُخرج وسيناريست، وكمُنتج أيضا- حيث كان هو مُنتج الفيلم- أن يُقدم نفسه- كسينمائي- في فيلمه الروائي الأول من خلال هذه القصة البالغة الدموية، لكن ماليك في إخراجه لفيلمه الأول لم يكن مُنساقا للثقافة الشعبية الأمريكية البالغة الدموية، والمهووسة بالقتلة المُتسلسلين، وهي الثقافة التي أنتجت العديد من الأفلام على هذه الشاكلة والتي كان من أبرزها Bonnie and Clyde بوني وكلايد 1967م للمُخرج السينمائي والمسرحي والمُنتج الأمريكي Arthur Penn آرثر بن، وفيلم Natural Born Killers قتلة بالفطرة 1994م للمُخرج الأمريكي Oliver Stone أوليفر ستون، وامتدت لتصنع لنا أيضا The Silence of the Lambs صمت الحملان 1991م للمُخرج الأمريكي Jonathan Demme جوناثان ديم، ثم Hannibal هانيبال 2001م للمُخرج الإنجليزي Sir Ridley Scott سير ريدلي سكوت، ثم سلسلة أفلام Saw منشار التي قُدم أول فيلم من أجزائها عام 2004م واستمرت في أجزاء مُتتالية حتى عام 2023م ليتم تقديم عشرة أجزاء منها بنفس العنوان، بل وضع ماليك نصب عينيه قصة تشارلز ستاركويذر وشريكته كقاتلين واقعيين، وحاول مُعالجتها بأسلوبيته الخاصة والفريدة التي يتميز بها على غيره من المُخرجين بطريقة فنية بالغة الحيادية، مما حدا به إلى الحفاظ على مسافة عاطفية ونفسية كافية بينه وبين الفيلم من جهة- وكأنه لا يعنيه من الناحية السيكولوجية أو حتى الأخلاقية- وبين بطلي الفيلم وما يقومان به من جرائم من جهة أخرى- حتى لكأن هذه الجرائم لا تخصهما، ولا علاقة لهما بها!


إنها الحيادية الشعورية التي أصر ماليك على سيادتها طوال أحداث الفيلم، حتى لكأنه- كمُخرج- ونحن- كمُشاهدين- قد تحولنا إلى مُجرد مُراقبين لما يدور أمامنا على الشاشة، فضلا عن أن بطلي الفيلم نفسيهما كانا مُنفصلين انفصالا شعوريا تاما عما يقومان به، مما جعل جرائم القتل التي يقترفانها تكاد أن تتجرد من دمويتها، ويتم تفريغها من معناها- بالنسبة إليهما- لتصبح مُجرد ضرورة للاستمرار في رحلتهما، أو كفعل عادي من مُفردات حياتهما اليومية، لا يمكن له إثارة الدهشة، أو التعاطف، أو الخوف، وهو ما تجلى لنا بشكل بيّن في المشهد الذي رأينا فيه كيت- قام بدوره المُمثل الأمريكي Martin Sheen مارتن شين- قد اقتحم منزل حبيبته المُراهقة هولي- قامت بدورها المُمثلة والمُغنية الأمريكية Sissy Spacek سيسي سبيسك- عازما على أخذها معه بعيدا عن بيتها بعدما رفض والدها- قام بدوره المُمثل الأمريكي Warren Oates وارين أوتس- استمرار العلاقة بينهما بسبب الفارق الاجتماعي الضخم، وحينما يدخل الأب المنزل ويكتشف وجود كيت الذي يجمع ملابس هولي في حقيبتها بعدما اتخذ القرار مُنفردا باعتباره حقا من حقوقه، يتساءل: ماذا تفعل؟ ليرد كيت بهدوء تام، وثقة بالغة وكأنما الأمر لا يعنيه، فهو يخبره مُجرد إخبار بشيء قد يبدو عارضا: أمتلك مُسدسا يا سيدي، من الجيد الاحتفاظ بواحد. فيتساءل الأب مرة أخرى: ماذا تحسب نفسك فاعلا؟ هيا ارحل من هنا. لكن كيت يقول بهدوء: خططت لكل شيء، وسأصطحب هولي معي. يقول الأب: حسنا يا فتى، سأسلمك للسُلطات. يسأله كيت: لِمَ؟ يقول: لاقتحامك منزلي وبحوزتك مُسدس. لكن كيت يرد بثقة زائدة: لا، لن تفعل ذلك. يتساءل الأب مُندهشا: أحقا؟! لِمَ لا؟ يرد كيت: لأني لن أسمح بذلك. وحينما يتحرك الأب عازما على الاتصال بالشرطة، يلحقه كيت قائلا: انتظر دقيقة، لنفترض إني قتلتك، كيف سيكون ذلك؟ أتريد أن تسمع صوته؟ ثم يقوم بإطلاق رصاصة في الهواء.


إنه الانفصال التام عن الفعل رغم التورط الكامل فيه، بل والحديث عنه وكأنه لا يخص صاحبه، ولنتأمل أسلوب التأدب المُبالغ فيه أثناء حديث كيت مع والد هولي حينما يقول له: أمتلك مُسدسا يا سيدي. فهو هنا يبدو وكأنه يخبره مُجرد إخبار بشيء عادي وطبيعي بقدر غير هيّن من الاحترام، صحيح أنه يرغب من وراء إخباره إرهابه، لكنه أفضى إليه بالأمر بأسلوب يبدو وكأنه مُجرد حديث عادي، لكن الانفصال الكامل يتبدى لنا من قول كيت للأب، وبكل هدوء وكأنما الأمر لا يعنيه، أو أنه يخبره بقضية، أو فرضية ذهنية ما، عليهما التفكير فيها: لنفترض إني قتلتك، كيف سيكون الأمر؟

ألا يبدو لنا السؤال- على الأقل من الناحية الشكلانية- مُوغل في فلسفيته؟ هنا تتبدى لنا أسلوبية تيرينس ماليك في فيلمه الذي رغب في الانفصال الشعوري الكامل عنه، بل وجعل بطليه بدورهما ينفصلا تماما عن كافة الأحداث وكأنهما يشاهدانها من مسافة، غير متورطين فيها، مما جعل كيت يتساءل تساؤله بهدوء مُبالغ فيه، وكأنه يثرثر مُجرد ثرثرات ذهنية مع والد حبيبته، أو أنه يطرح عليه سؤالا فلسفيا في حاجة إلى عصف ذهني مُشترك!

إذن، فالمُخرج هنا لا يعنيه تقديم فيلم دموي عن الحادث في جوهره، ولم يرغب في مُغازلة الثقافة الشعبية الأمريكية التي تحتفي بالعنف الدموي، والقتلة المُتسلسلين- كما فعل غيره من المُخرجين- بقدر ما قام باستيعابه، وهضمه، وتشكيله، وإعادة إنتاجه ليصبح من نسيج أسلوبية المُخرج الفنية، وفلسفته الخاصة، وبداية لتأملاته حول تفاهة الشر ولا جدواه، وبالتالي بات الفيلم في حاجة إلى المزيد من الانتباه للوقوف على ما يرغبه المُخرج في فيلمه الروائي الأول، لا سيما أن سلوكيات بطلا الفيلم تتسم بالكثير من الغرابة، واللامُبالاة، والانفصال الشعوري التام عما يقومان به، أو ما يقترفانه من جرائم دموية، فضلا عن الاغتراب العميق، والشعور الهائل بالوحدة.


هذا الانفصال الشعوري- المُثير للكثير من الدهشة والتساؤل عما يقوما به من جرائم- ساقه المُخرج بشكل بالغ الجلاء في مشهد قتل كيت لصديقه القديم كاتو- قام بدوره المُمثل الأمريكي Romon Bieri رامون بيري- حينما أصابه كيت برصاصة في معدته، لكن كاتو لم يمت مُباشرة، بل تحرك ببطء حتى فراشه حيث جلس فيه يحتضر، مُندهشا مما فعله به كيت، مُتأملا ما حوله. هنا تتجلى الدهشة الحقيقة وبلاغة الانفصال عن الحدث حينما تسأل هولي كيت بمُجرد خروجه من حجرة كاتو: كيف حاله؟ ليقول: أصبته في معدته. تسأل بحيادية تامة: هل هو مُستاء؟ يقول: لم يخبرني شيئا عن ذلك!

ربما يبدو لنا الحوار هنا بالغ العبثية- خارج لتوه من مسرح العبث الذي عرفناه في أعقاب الحرب العالمية- فهما يتحادثان مع بعضهما عن كاتو المُصاب برصاصة قاتلة، وكأنهما يتحدثان عن صديق مريض، أو تمت الإساءة إليه بشكل غير مقصود، وبالتالي فمن المتوقع أن يكون رد فعله على ما حدث هو الاستياء، مُجرد الاستياء لإصابته برصاصة في معدته! لكن العبثية المقصودة من قبل المُخرج تتصاعد أكثر حينما تدخل هولي إلى حجرة كاتو للجلوس معه أثناء احتضاره، فتقول: مرحبا، أهذا عنكبوتك هناك في تلك الزجاجة؟ ليرد كاتو بهدوء محاولا التقاط أنفاسه الهاربة: أجل. فتسأله: ماذا تطعمه؟ يقول: ذباب، والجنادب عندما ألتقطها. تسأله مرة ثالثة كصديقين يدفعان الوقت بالثرثرة: هل يعض؟ يقول لم يعضني قط- لاحظ هنا أن هولي غير مُلتفتة لإصابته برصاصة قاتلة، ولا للفظه أنفاسه الأخيرة، ولا لنزيفه، ولا يعنيها الأمر بقدر اهتمامها بالعنكبوت الذي رأته في الزجاجة، حتى لكأنما إصابته القاتلة تكاد أن تكون مُجرد أمر ثانوي لا أهمية له، سيمر سريعا مثلما يمر أي حدث في حياتنا!


هنا يتمادى المُخرج في إظهار هذا الانفصال الكامل، مُعبرا عنه بعمق على لسان هولي حينما تقول بعد موت كاتو: لم أشعر بالخزي أو الخوف، لكن فقط بنوع من عدم الاكتراث، مثلما تجلس في حوض الاستحمام وتفيض منه المياه.

يحاول ماليك في فيلمه التأمل العميق في الحالة السيكولوجية التي يمر بها العديد من المُراهقين في المُجتمعات، وهي الحالة التي قد تجعلهم- في الغالب- مُعادين للمُجتمع من دون أي أسباب واضحة سوى رغبتهم في التمرد، والتحرر، واكتساب الهوية المُستقلة بعيدا عن وصاية الآباء ومن يحيطون بهم، فهم يرون أنفسهم- في أغلب الوقت- على صواب، وكل من يحيطون بهم مُخطئين، غير راغبين في مصلحتهم الشخصية، أو عاجزين عن تفهمهم، والاعتناء بهم. صحيح أن ثمة أسبابا مُختلفة تُساهم في مثل هذا الشعور والتوجه العدائي للمُجتمع، وتعمل على تغذيته، منها الشعور بالوحدة، أو عدم الاهتمام، أو الاغتراب، وربما سُخرية الآخرين منهم، أو الرفض لهم- رفض الأب لعلاقة ابنته مع كيت بسبب الفوارق الاجتماعية مثال واضح على ذلك- لكن المُخرج هنا يحاول تأمل الحالة الرافضة للمُجتمع التي تسيطر على الكثير من المُراهقين؛ مما يجعلهم عدائيين، وربما متورطين في العنف والدموية من دون إدراك ما يترتب على هذا العنف.


إن الشعور بالوحدة والاغتراب، والرفض، وعدم الاهتمام من قبل الآخرين هو ما دفع هولي للوهلة الأولى للوقوع في أسر شخصية كيت رغم غرابته الواضحة- ولعلنا لاحظنا أن الأب كان مُنشغلا عنها طوال الوقت بعمله في الخارج كرسام للوحات الإعلانية- ولنتأمل تعليقها الصوتي حينما قالت: ذهب كيت للعمل في إطعام الماشية بينما تابعت دراستي، شيئا فشيئا وقع أحدنا في غرام الآخر، بما أنني لم أحظ قط بشعبية في المدرسة، ولم تكن شخصيتي قوية؛ فلقد فوجئت بحبه لي، خاصة أنه كان بوسعه الحصول على أي فتاة في البلدة إذا حاول، لكنه قال: إنني مُمتازة، وإنه لا يهدف إلى مُمارسة الجنس معي، وبما أن هذا صادر عنه؛ فلقد اعتبرته إطراء، لم يلتق قط فتاة عمرها 15 عاما تتصرف كالراشدة، لم يكن يهمه رأي العالم، كنت أعجبه، وكان يوافق على كل ما أفعله، إن لم يكن لدي الكثير لأقوله، لم يكن يمانع أيضا.

لاحظ هنا أن السبب الرئيس لانجذاب هولي لكيت، ووقوعها في أسره باسم العشق كان الشعور بالوحدة- فالأب مُنشغل عنها في عمله بعد موت الأم- وعدم الاهتمام من الجميع حتى أن زملائها في المدرسة لا يلتفتون إليها، وربما لا يشعرون بوجودها أيضا، بالإضافة إلى شعورها العميق بضعف شخصيتها، مما يعني حاجتها الماسة لشخصية قوية وقيادية لقيادتها وتوجيهها، بينما تخضع هي لها راضية سعيدة- فمن خلال الخضوع لشخصية قيادية تكون قد اكتسبت هويتها بما أنها ضعيفة الشخصية- بالإضافة- وهذا هو الأهم- إلى أن كيت كان مُتقبلا لها في كل حالاتها، غير مُتذمر من سلوكياتها، أو مزاجيتها: كنت أعجبه، وكان يوافق على كل ما أفعله، إن لم يكن لدي الكثير لأقوله، لم يكن يمانع أيضا.


إذن، فارتباط هولي العميق بكيت لم يكن عشقا كما صورت لها رومانسيتها الساذجة بقدر ما كان حاجة قوية وماسة لمن يهتم بها، ويتقبلها كما هي، ويُشعرها بوجودها المادي والعاطفي- حتى لو كانت خاضعة تماما له- مما يعني أنها في حاجة إلى داعم نفسي أكثر من حاجتها إلى حبيب بالمفهوم الرومانسي، وهو ما أكده المُخرج على لسان هولي بعد مقتل الأب على يد كيت حينما قالت من خلال التعليق الصوتي: كان بوسعي التسلل من الخلف، أو الاختباء في غرفة المرجل، لكني شعرت بأن قدري يكمن الآن مع كيت في السراء والضراء، كان من الأفضل أن أمضي أسبوعا مع شخص أحبني، على أن أمضي سنوات من الوحدة.

ألا تلخص لنا هذه الجملة سيكولوجية الوحدة البالغة، والاغتراب الكامل اللتين تشعر بهما هولي؟

إنها نفس السيكولوجية التي يشعر بها كيت تقريبا، لكن، إذا ما كانت هولي قد تعاملت مع هذه المشاعر، وتلك السيكولوجية بالخضوع لأي شخص قد يبدي لها القليل من الاهتمام، فلقد وجه كيت هذه المشاعر باتجاه آخر تماما، وقرر مُعاداة المُجتمع، وربما الانتقام منه، والرغبة في القضاء التام على أي ممن يعترض طريقه، فضلا عن رغبته العارمة، وهوسه بالشهرة من خلال اقتراف المزيد من جرائم القتل، وتداول أخباره إعلاميا باعتباره نجما من النجوم!


يفتتح تيرينس ماليك فيلمه على هولى الجالسة في فراشها مُداعبة لكلبها، بينما نستمع إلى صوتها في الخلفية بأسلوبية التعليق الصوتي- حتى لكأنها تروي مُذكراتها بضمير المُتكلم تارة، والغائب تارة أخرى، وهي الأسلوبية السينمائية المُميزة للسينما التي يصنعها المُخرج وتسودها بالكامل، رغم ادعاء البعض بأن هذا عيب كبير يسود سينما ماليك، ونوع من أنواع الكسل في صناعة الأفلام، وإن كانت قد باتت في الواقع علامة مُسجلة لأفلام المُخرج، نستطيع من خلالها اليقين بأن الفيلم المعروض أمامنا يخص تيرينس ماليك حتى لو لم نر تيترات الفيلم لنقرأ اسمه- لكن، ربما لاحظنا مُنذ المشاهد الأولى أن المُخرج هنا يستخدم هذه الأسلوبية- التعليق الصوتي- بشكل استباقي، بمعنى أن هولي كانت تحكي لنا قصتها التي تعلم كل تفاصيلها حتى لكأنها قد حدثت في الماضي، قبل اتخاذها القرار كي ترويها لنا- لاحظ قولها مُنذ بداية الفيلم: "لم أُدرك أن ما بدأ في الممرات الضيقة، والطرق الخلفية في هذه البلدة الهادئة، سينتهي في الأراضي الخربة في مونتانا". فهي مُنذ البداية تعلم كل التفاصيل التي لم نرها بعد، والتي ستتكشف لنا رويدا مع تقدم أحداث الفيلم للأمام

نستمع مع المشهد الأول الذي كان بمثابة مشهد ما قبل التيترات Avant Titre إلى هولي تقول: توفيت أمي بمرض الرئة عندما كنت صغيرة، احتفظ والدي بكعكة زواجهما مُجمدة لعشر سنوات، وبعد الجنازة أعطاها للبستاني، ثم ذات يوم، على أمل البدء بحياة جديدة بعيدة عن هذه الذكريات، انتقلنا من تكساس إلى فورت دوبري، داكوتا الجنوبية.

ألا نُلاحظ هنا للوهلة الأولى غرابة أطوار الأب بدوره؟ فلِمَ يحتفظ الرجل بكعكة الزواج مُجمدة في المُبرد لعشر سنوات كاملة؟! هل هذا من قبيل إثبات العشق للأم التي لم نرها في الأحداث؟


ربما يسوقنا تفكيرنا إلى مثل هذا الظن- فالحب في جوهره شكل من أشكال الخلل النفسي، يُصاب به الإنسان، ويجعله ينتهج مجموعة من السلوكيات اللامنطقية التي لا يمكن لها الخضوع للعقل، وهو ما يتيقن منه المرء بعد زوال هذا الحب، أو ما كان يظنه حبا؛ فيبدأ في تأمل أفعاله وسلوكياته الماضية بدهشة عارمة، مُتسائلا عن كيفية سلوكه مثل هذه السلوكيات- لكن هذا الظن الذي قد يرد على أذهاننا- إثبات حبه للزوجة- سُرعان ما سيزول لصالح غرابة أطوار الأب بدوره، مما يعني أن احتفاظه بالكعكة لم يكن رغبة منه في التدليل على العشق بقدر ما كان غرابة في السلوك؛ فحينما يعرف الأب بأن ابنته تحب كيت، وتخرج معه من دون علمه؛ يسرع إلى عقابها بإطلاق النار على كلبها المُقرب منها! وهو ما نعرفه من قولها: ثم بالطبع اكتشف والدي أنني كنت أعبث في السر من دون علمه، استشاط غضبا كما لم أره يوما، وعقابا على خداعي له؛ ذهب وقتل كلبي، أرغمني على تعلم دروس مُوسيقى إضافية بعد المدرسة، وعليّ الانتظار حتى يأتي لاصطحابي، قال: إن لم يتمكن البيانو من إبعادي عن الشوارع، فلعل آلة الكلارينيت تفعل ذلك.

إذن، فلقد نشأت هولي في كنف أب أكثر غرابة من كيت- الذي سترتبط به فيما بعد- وهو ما قد يُفسر لنا من ناحية أخرى السبب في ميلها إلى تلك الشخصية السيكوباتية بشكل واضح؛ فهو هنا قد يكون الأب البديل؛ وبما أن الأب لا يهتم بها كثيرا، ولا يبدي لها الكثير من المشاعر لانشغاله عنها، فلقد كان كيت- الغريب الأطوار تماما مثل الأب- البديل المُناسب، لا سيما أنه أبدى لها الكثير من العاطفة، والتفهم، والعناية، بل والاحترام أيضا في بعض الأحيان- وفي أحيان أخرى لا، ولعلنا لا ننسى أنه في بداية تعارفهما قد قال لها: أنت صهباء. لترد: أعلم. فيسألها: هل ناداك أحدهم صهباء؟ تقول: أجل، لكني لا أحب ذلك. فيسألها: لِمَ لا؟ تقول: لا أحب ذلك فحسب.

لكن، رغم إخبارها إياه مُنذ البداية بأنها لا تحب أن يناديها أي شخص بوصف "الصهباء"، إلا أننا سنراه على طول الفيلم، وفي العديد من المواقف يناديها بالوصف الذي لا تحبه، مما قد يُدلل على عدم احترامه لها في بعض الأحيان.


لا يمكن لنا إنكار أن تيرينس ماليك قد استغل أسلوبيته في استخدام "التعليق الصوتي" للشخصية من أجل تقديم فيلم بالغ الكثافة والتركيز، حريصا على الابتعاد به عن الثرثرات التي لا داعي لها؛ لذا فبمُجرد ما ينتهي من مشهده الأول الذي رأينا فيه هولي مع كلبها على فراشها بينما تخبرنا عن أبيها وأمها التي توفيت، سُرعان ما يقطع مُونتاجيا على كيت لنراه على ظهر شاحنة النفايات التي تجوب البلدة الهادئة، ومن ثم نُدرك أن كيت يعمل كعامل لجمع النفايات. وسُرعان ما ينتهي كيت من عمله، لنراه أثناء عودته إلى منزله- بعد نزول التيترات- وقد لمح هولي تلعب وحيدة في فناء بيتها، ليقترب منها مُبديا إعجابه بها قائلا: مرحبا، أدعى كيت، لا أعيقك عن شيء مُهم، صحيح؟ لترد بدهشة: لا. يسترسل: فكرت في المجيء إلى هنا والترحيب بك، أحاول فعل أي شيء، ما اسمك؟ أطلعتك على اسمي. ترد مأخوذة: هولي. يقول: حسنا هولي، أنت، لا أعلم، هل تريدين التنزه معي؟ فتسأله: لِمَ؟ يقول: لدي ما أقوله لك، أظن أنني محظوظ هكذا، مُعظم الناس لا يفكرون في شيء، أليس كذلك؟

يتابع ماليك كل من هولي وكيت أثناء تنزههما في شوارع البلدة الهادئة، فتسأله هولي: أما زلت في المدرسة؟ يقول: لا، لدي وظيفة. تسأله: ماذا تفعل؟ يقول: حسنا، لا أمانع من النهوض باكرا لأنجز عملي الذي يلزمني برمي النفايات، لست مُغرما بذلك.

هنا ينطلق صوت ما ينادي على هولي لتقول لكيت: هذا والدي، عليّ الذهاب. فيقول لها: انتظري، متى سأراك مُجددا؟ تقول: أعرف ما سيقوله والدي. يسألها: ماذا؟ تسأله: أيمكنني الحديث بصراحة؟ يرد: بالطبع. تقول: حسنا، أنه لا يجدر بي التسكع مع شخص يجمع النفايات. فيسألها: سيقول هذا؟ ترد: أجل. ليسألها بإيحاء: الآن، وما أدراه بالنفايات؟ تقول وقد أدركت مغزى حديثه: لا شيء. ليرد مُطمئنا: جيد.


لاحظ هنا أن انجذاب الفتاة لكيت للوهلة الأولى، لا سيما أنها تراه بالغ الوسامة، وأكثر شبها بجيمس دين: "كان أكثر وسامة من أي شخص التقيته يوما، كان يشبه جيمس دين كثيرا". قد جعلها مُنساقة إليه، غير راغبة في خسارة معرفتها به، ومن ثم انصاعت إليه في عدم إخبار والدها عنه، وعن عمله في جمع النفايات حتى لا تكون معرفة الأب بذلك عائقا أمامهما من المُمكن له أن يمنعهما من اللقاء مرة أخرى، وهو ما تأكد لنا حينما عادت إلى أبيها، وسألها: من كان هذا؟ لترد بلا مُبالاة: مُجرد فتى. فيسألها: ماذا أراد؟ لتقول: كان يسأل إن كنا بحاجة إلى من يعمل في باحتنا، فأجبته: لا، وطلبت منه عدم إزعاجنا.

إذن، فشعور هولي بالانجذاب لكيت للوهلة الأولى بسبب وسامته اللافتة، وإبداء إعجابه بها، وربما جرأته المُقتحمة، غير المُترددة قد جعلها تهيئ المجال لنمو العلاقة بينهما، واستمرارها، وتطورها فيما بعد، ومن ثم باتا يلتقيان بشكل شبه يومي بعيدا عن رقابة أو علم الأب، ولعله في هذا الانسياق المُباشر من قبل هولي لكيت ما يُدلل على سذاجتها البالغة مع ميلها للرومانسية، والرغبة في مُمارستها، وهو ما يتناقض تماما مع ما أخبرها به كيت سابقا: "لم يلتق قط فتاة عمرها 15 عاما تتصرف كالراشدة"، فالحقيقة- وكما رأينا على طول أحداث الفيلم- أن هولي أبعد ما تكون عن الرشد أو التصرفات الراشدة، بل هي مُستغرقة تماما في طفوليتها، وسذاجتها، ولنتأمل حزنها الشديد حينما ألقت بسمكتها المريضة في الخارج- والتي ستموت في كل الأحوال ما دامت قد مرضت- لنستمع إليها تقول نادمة في التعليق الصوتي: الشيء الوحيد الذي أخطأت به كان رمي سمكتي خارجا عندما مرضت، لاحقا حصلت على سمكة جديدة، لكن لم تنفك تلك الحادثة تزعجني!


ربما يتبادر إلى أذهاننا هنا سؤال: لِمَ يحرص تيرينس ماليك- ككاتب للسيناريو، ومُخرج للفيلم- على تفصيلة دقيقة مثل تفصيلة السمكة التي ألقت بها، ومواساة كيت لها، ومحاولة إقناعها بأنه لم يكن ذنبها، مما يجعلها تبتسم بمُجرد إخباره إياها بذلك؟

إن ماليك هنا- ومن خلال هذه التفاصيل التي قد تبدو غير ذات أهمية- حريص على تشكيل سيكولوجية هولي، وتعريفنا بها، والتأكيد على سذاجتها البالغة، وطفوليتها، ورومانسيتها غير المُدركة لجوهر الأمور، فهي لديها الرغبة في خوض التجربة الرومانسية فقط رغم أنها لا تدري عنها أي شيء، ولنتأمل حينما يمارس معها كيت الجنس لأول مرة على حافة النهر بين الأشجار، فتسأله بعدما انتهيا: هل جرى الأمر كما كان مُفترضا؟ ليرد بلا مُبالاة: أجل. فتسأله: أهذا كل شيء؟ ليرد باختزال: أجل. تقول: يسرني أن هذا انتهى، خشيت أحيانا أن أموت قبل أن يحصل ذلك، التعرض لحادث أو ما شابه. لكنه يقول لها غير مُهتم بثرثراتها الطفولية الفارغة بالنسبة إليه: أترين أين تنزل تلك الشجرة في المياه؟ تقول: أجل، لا بد أن النهر أبعد جذورها، إلا أنك لا تهتم لما أقوله.

لاحظ هنا سذاجتها في حديثها مع كيت بعد المُمارسة الجنسية، وأسئلتها الطفولية، لكن، ألا يُدلل لنا هذا المشهد من جهة أخرى على خيبتها في المُمارسة الجنسية الأولى؟ بمعنى أن هذه المُمارسة ربما لم تصل بها إلى مستوى أفق التوقع الذي كانت تظنه في خيالها، أو أنها لم تشعر بالمشاعر التي كانت تظن بأنها ستشعر بها مع أول مُمارسة؟

ربما لا يمكن لنا إنكار مثل هذا التأويل، لا سيما أنها سألته سؤالا بالغ الأهمية من المُمكن لنا تحميله بالعديد من المعاني: أهذا كل شيء؟


قد يحمل السؤال هنا جانبا استنكاريا أيضا يُدلل على صدمتها، وعدم استمتاعها بالأمر كما كانت تتوقع، أي انهيار سقف توقعاتها للتجربة- ربما لم يكن كفؤا على المستوى الجنسي، وربما كانت هي الباردة في التجاوب مع التجربة- كما لا يمكن لنا أيضا تجاهل إمكانية حمل السؤال جانبا طفوليا بالغ السذاجة، وهو الجانب المُستغرقة فيه هولي حتى النخاع.

تلك الطفولية البالغة السذاجة سنراها مرة أخرى حينما يلتقيا بكاتو- صديق كيت وزميله السابق في جمع النفايات- ويقوم كيت بقتله لتشككه في رغبته بالإبلاغ عنهما، لكن، حينما يصل إلى المكان المُنعزل شابا برفقة فتاة ليسألا عن كاتو؛ يأخذهما كيت رهينة ليحبسهما في القبو، ويتخلص منهما، هنا نرى هولي تسير إلى جانب الفتاة كصديقتين قديمتين تتبادلان الحديث، فتسألها الفتاة خائفة: ماذا سيحل بجاك وبي؟ لتقول هولي: عليك أن تسألي كيت، أنفذ ما يطلبه مني. فترد الفتاة: حسنا. تسألها هولي: ما اسم صديقك؟ تقول الفتاة: جاك. تسألها هولي: هل تحبينه؟ لترد الفتاة: لا أعلم. تقول هولي: عليّ مُلازمة كيت، يشعر بأنه واقع في فخ. تقول الفتاة: أجل، أتصور ذلك. تقول هولي: حسنا، أنا شعرت بذلك، ألم تفعلي أنت؟

ثمة مُلاحظتان بالغتا الأهمية في هذا الحوار السابق: أولهما المزيد من الإشارات إلى سذاجة هولي، وخضوعها الكامل لكيت، وهو ما تبدى لنا في قولها للفتاة: "عليك أن تسألي كيت، أنفذ ما يطلبه مني". فالإجابة هنا تؤكد لنا على أنها أشبه بطفلة، تترك قيادها بالكامل لأبيها، أو لشقيقها الأكبر سنا، وبالتالي فهي لا يعنيها ما يمكن أن يحدث من حولها أثناء تواجدها مع أي منهما، فهما المسؤولان عن كل شيء! أما المُلاحظة الثانية والتي لا غنى عنها في السياق الفيلمي، فهي الإشارة إلى سيكولوجية المُراهقين الذين لا يعنيهم أي شيء من حولهم، ولا يتساءلون عن أي شيء، وبالتالي يتحول اليقين بالنسبة إليهم إلى مُجرد عبء يرغبون في التخلص منه، فهو لا ضرورة له. يتبيّن لنا ذلك من سؤال هولي للفتاة عن فتاها: هل تحبينه؟ لترد الفتاة: لا أعلم.

إن أجابة الفتاة في حد ذاتها من الأهمية بمكان ما يجعلها ضرورية ومُنسجمة تماما مع العالم الفيلمي للتدليل على سيكولوجية هؤلاء المُراهقين المُندفعين من خلف الأشياء لمُجرد الرغبة في الفعل، أو التجريب وخوض التجربة من دون التفكير فيما سيحدث فيما بعد، وعدم الاهتمام لطرح السؤال أو افتراضه، وهو ما حدث تماما مع كل من كيت وهولي بعدما أقدم على قتل أبيها، فهما لم يسألا نفسيهما السؤال الضروري: ماذا سيحدث فيما بعد؟ بل انساقا من خلف رغبتهما في الهروب إلى اللاجهة، وكلما أوغلا في هذا الهروب، كلما ازداد عدد ضحاياهم، وباتت الدموية أكثر قسوة، وتلاشى شعورهما بفداحة وخطورة ما يقومان به، بل وتباعدت المسافة النفسية بينهما وبين الأحداث التي تحيط بهما ليصبح القتل هنا مُفردة من مُفردات حياتهما اليومية- هل ما زلنا نذكر جملتها الفادحة بعد قتل كاتو: لم أشعر بالخزي أو الخوف، لكن فقط بنوع من عدم الاكتراث، مثلما تجلس في حوض الاستحمام وتفيض منه المياه؟


ثمة مُلاحظة أخرى إذا ما ظللنا مُتأملين للمشهد السابق الذي رأينا فيه الفتاتين وكأنهما صديقتين قديمتين تتجاذبان أطراف الحديث بينما تتنزهان في الحقول  الواسعة؛ فهولي والفتاة هنا تتعارفان على بعضهما البعض، وتتبادلان أسرارهما الشخصية، وتتحادثان عن مشاعرهما تجاه فتيانهما، رغم أن هولي لن تفكر ولو لبرهة واحدة فقط في إنقاذ الفتاة في اللحظة التي سيقرر فيها كيت قتلها فيها، بل ستتأمل الموقف ببرود تام، وانفصال شعوري، وكأنه لا يحدث أمامها، ولا يخصها بأي شكل من الأشكال- حتى لكأنها لم تُجر أي حديث مع الفتاة من قبل- وهو ما حدث بالفعل!

لكن، إذا ما كان ماليك راغب هنا في التأكيد على سذاجة هولي المُتسمة بالكثير من الرومانسية والبراءة في تلك المشاهد، فهو راغب أيضا- من جهة أخرى- في التأكيد على سذاجة كيت إلى حد ما رغم دمويته البالغة، وعدائيته باتجاه المُجتمع، ولنتأمل المشهد الذي رأيناه فيه بعدما مرا بتجربتهما الجنسية الأولى على حافة النهر، حيث يتناول حجرا ثقيلا من الأرض ليقول لها: أتعرفين بما أفكر؟ تسأله: ماذا؟ يقول: لنسحق أيدينا بهذا الحجر، هكذا لن ننسى ما حدث اليوم. تقول: لكن هذا مُؤلم. يقول: حسنا، هذا هو القصد يا حمقاء. لترد: لا تنادني بالحمقاء. يقول: حسنا، لكني سأحتفظ به للذكرى- ثم يتراجع عن قراره حينما يشعر بثقل الحجر ليقول: حسنا، ربما سأحضر حجرا أخف.


إذن، فكيت لا يقل سذاجة وطفولية عن هولي، وإن كانت طفوليته بالغة الغضب، والعدائية باتجاه المُجتمع، بل باتجاه نفسه ومن يكن لهم أي مشاعر أيضا- لاحظ هنا أنه يرغب في سحق يديه، ويدي هولي بالحجر لتخليد ذكرى مُمارستهما للجنس لأول مرة!

بمُجرد قتل كيت لوالد هولي يُسرع إلى أحد ستوديوهات تسجيل الاسطوانات، لنراه يسجل إحدى الاسطوانات قائلا: حبيبتي هولي وأنا قررنا قتل أنفسنا، تماما كما قتلت والداها، قرار مُهم، صحيح؟ الأسباب واضحة، لا أمتلك الوقت للتطرق إليها الآن، لكن هناك أمر واحد كان يستفزني حينما قتلته، هذا ما جرى بالضبط، قتلته. بقيت ثلاثين ثانية، الآن، نحن مُتأسفان، أقصد لا أحد يجد سعادة في ذلك، خاصة نحن، لكني لا أنكر أننا استمتعنا بوقتنا، هذا أكثر مما يمكنني قوله عادة، هذه نهاية الرسالة، لم يعد لدي ما أقوله، شكرا.

ربما نلحظ هنا من تسجيل كيت للاسطوانة، أنه يمتلك عقلية مُنظمة تماما في التفكير والتخطيط؛ فلقد لجأ إلى هذا التسجيل ليترك الاسطوانة في مكان الجريمة- منزل هولي- وفي مكان آمن خارج المنزل، وعلى مُشغل الاسطوانات لتظل دائرة طوال الوقت، وبالتالي حينما يصل رجال الشرطة إلى مكان الحادث سيعتقدون بأنهما بالفعل قد انتحرا، لا سيما أنه سيلجأ إلى حرق المنزل بالكامل بعد إغراقه بالكيروسين، وإخفاء جثة الأب في القبو، أي أنه هنا حريص على تضليل رجال الشرطة ليتسنى له الهروب مع هولي.

إلا أن المكان الذي سيهرب إليه كيت مع فتاته بالتأكيد سيثير داخلنا الكثير من الدهشة والتساؤلات؛ فلقد طلب منها التوجه إلى مدرستها لجلب كتبها المدرسية معها، خشية أن يفوتها درسها، وسُرعان ما اتجه معها إلى الغابة الكثيفة، التي رأيناهما فيها يقومان ببناء منزل متواضع وبدائي من أغصان الأشجار، كما لم يفته صناعة العديد من الأفخاخ، تحسبا لأي هجوم من المُمكن أن يحدث عليهما!


إن كيت حينما فكر في الهروب بعد جريمة قتله الأولى، لم يكن في ذهنه أي مكان من المُمكن له الاتجاه إليه، ولم يفكر سوى في الغابة المُنعزلة تماما عن كل أشكال الحياة، وبالتالي عاشا معا حياة بالغة البدائية كزوجين- أو كآدم وحواء- وحيدين لا علاقة لهما بالعالم المُتحضر- المزيد من الوحدة والاغتراب الكاملين عن المُجتمع والعالم من حولهما- وهو ما أشعر هولي في بعض الأحيان بالملل من هذه الحياة التي يحيانها، لكنها كانت ترى العالم من دون كيت لا وجود لها خارجه، أي انه تحول بالنسبة إليها إلى العالم بكل ما فيه؛ ومن ثم ظلت خاضعة لما يرغبه، أو يفكر فيه، رهن إشارته، مُطيعة لكل ما يشير عليها به.

لذا حينما حاول بعض الرجال من صائدي الجوائز مُطاردة كيت بعدما اكتشفوا مكانه؛ سارع بقتلهم بهدوء وبرود بينين، لكن لعل شعوره بالأسف الشديد على قتلهم كان أكثر غرابة، لا سيما أنه قد شعر بالحزن- أو هكذا حاول أن يبدو أمام هولي- لأنه أطلق النار عليهم من ظهورهم، وليس وجها لوجه، ولنتأمل تعليق هولي: شعر كيت بالسوء لقتله أولئك الرجال في ظهورهم، لكنه قال: إنهم سيأتون ويتصرفون بطريقة قذرة، لا يهتمون سوى لأمر الجائزة، كان ليختلف الأمر مع رجال القانون، كانوا لينجزوا مهمتهم ويستحقوا فرصة، لكن ليس صائدو الجوائز!

أي أنه ربما كان سيتعامل مع رجال القانون بطريقة أخرى مُختلفة عما تعامل بها مع الرجال الثلاثة الذين حاولوا النيل منه، والقبض عليه ليستحقوا مُكافآت إيقاعه في يد العدالة! وهو ما يثير داخلنا التساؤل: هل يحاول كيت هنا أن يبدو أمام هولي بمظهر الرجل الناضج المُتعقل الذي يحترم المبادئ والأخلاقيات التي كانت ستجعل تعامله مع الأمر مُختلفا إذا ما كان الرجال من رجال الشرطة؟ أم أنه مُختل اختلالا عميقا من الناحية النفسية؟


بالتأكيد هو يعاني من اختلال نفسي واضح لا يمكن إنكاره، فضلا عن عدائيته للجميع، واعتبار القتل وسيلة عادية وضرورية للاستمرار في رحلته الهروبية، أو الاستمرار على قيد الحياة، فهو لا يحترم الأخلاقيات، ولا المبادئ، ولا القانون، والدليل على ذلك أنه بمُجرد هروبه مع هولي من الغابة باتجاه منزل صديقه القديم كاتو للاختباء لديه، وبمُجرد ما انتابه الشك في أن صديقه قد يبلغ عنه السُلطات؛ قام بقتله مُباشرة، ومن دون أي تردد، بل ومن الخلف أيضا- كما فعل مع الرجال الثلاثة في الغابة- وهي الرصاصة التي اخترقت ظهره لتصيب معدته، صحيح أن كيت قد انخدع في بداية الأمر، وانساق للحكاية الوهمية التي حكاها له كاتو حينما أخبره بقوله: ذات يوم، كان يحرث رجل الحقل هناك، فوجد قطعا نقدية قديمة، بعض القطع النقدية الإسبانية. فيسأله كيت باهتمام: هذا ما أخبرك به، صحيح؟ لكن كاتو يقول مُؤكدا: لا، لا، أراني واحدة. فتسأله هولي: كيف كانت تبدو؟ يقول كاتو: حسنا، مُستديرة هكذا وذهبية. يقول كيت: أين؟ فيشير كاتو إلى الأراضي الشاسعة أمامهم قائلا: في ذلك الحقل هناك، سأريكما أين إن أردتما. لكن كيت يرد بهدوء: دعني أنهي عشائي.

إذن، فكيت أبعد ما يكون عن احترام المبادئ أو الأخلاقيات كما حاول إيهام هولي بذلك، أو كما حاول أن يبدو أمامها- باعتباره رجلها الذي تعتمد عليه في كل شيء، وتراه رجلا مثاليا- لا سيما أنه سارع إلى قتل صديقه لمُجرد الشك فقط، ومن دون إعطائه الفرصة للتحقق من هذا الشك، أو نفيه، كما أنه سارع إلى إطلاق النار على الزائرين اللذين وصلا إلى بيت كاتو ليسألا عنه، ورغم أنه قد أخبرهما- الفتى والفتاة- بأنه سيغلق عليهما القبو فقط ليتسنى له الهروب، لكنه بمُجرد ما أغلق عليهما القبو سارع بإطلاق النار عليهما داخله، أي أنه لم يلتزم بوعده إياهما بأنه سيتركهما على قيد الحياة.


لذا يبدأ كيت وهولي في رحلة طويلة عبر السهول الهائلة والمُمتدة في أراضي مونتانا، وهي الأراضي الخربة تماما، غير الصالحة لأي شكل من أشكال الحياة، في الوقت الذي تحولت فيه الولاية بالكامل إلى ما يشبه الثكنات العسكرية للبحث عنهما، ولعل تأملنا هنا لهذه المشاهد التي قدمها المُخرج تيرينس ماليك، والمُعبرة عن حالة الخوف الشديد والذعر اللذين انتابا جميع سُكان الولاية، ورجال الشرطة أيضا يُدلل على أسلوبية ماليك الماهرة، وذكائه في التعبير عما يرغب فيه، لا سيما أن هذه المشاهد لجأ المُخرج فيها إلى تقديمها باللونين الحياديين لإكساب الحدث إيحاءه الوثائقي والواقعي، والإحساس بمدى خطورته وجديته، ومن ثم رأينا أثناء التعليق الصوتي لهولي ما يحدث في الولاية: كان البلد بكامله يبحث عنا، من كان يدري ما هي خطوة كيت التالية، كانت الأرصفة خالية، والمتاجر أقفلت أبوابها وأسدلت الستائر، تم تشكيل لجان أهلية ومجموعات مُكافحة للمُجرمين من تكساس إلى داكوتا الجنوبية، كان الأولاد يذهبون إلى المدرسة تحت حراسة مُشددة، تم إحضار مُتحرٍ مشهور من بوسطن، ولم يتمكن من معرفة شيء، كان الناس يتركون الأضواء مُضاءة عند نومهم، قال أستاذ العزف على الكلارينيت: إني لم أكن مسؤولة، لكن الآخرين قالوا: إنني كذلك، يوم الخميس، أرسل حاكم أوكلاهوما الحرس الوطني ليحموا بنك الاحتياط الفيدرالي في تولسا لأن كيت أراد سرقته، وكأن هناك اجتياحا روسيا.


بالتأكيد تبدو لنا المشاهد المُوحية بالوثائقية هنا شديدة المُبالغة، فضلا عن الرعب الذي اجتاح الولاية بأكملها، وربما كان الذعر الشديد بسبب جرائم القتل التي ارتكبها كيت هو السبب في اللجوء إلى هذه المُبالغات التي لا داعي لها من قبل المسؤولين؛ فحماية بنك الاحتياط الفيدرالي في تولسا بزعم أن كيت رغب في سرقته، وانتشار الحرس الوطني في كل مكان حتى لكأنما هناك "اجتياحا روسيا" كما قالت هولي، وغيرها من الأحداث الحادثة في الولاية تُدلل على محاولة تحميل كيت، وتوريطه في العديد من الأمور التي لا علاقة فعلية له بها؛ فهو غير راغب في سرقة البنك، ولا غيره من البنوك، بل هو لا يعنيه المال مُطلقا في هذه الرحلة الدموية، وكل ما هنالك أنه راغب في الهروب بعيدا بسبب جرائمه التي تتابعها الآن جميع وسائل الإعلام الأمريكية، ولعل ماليك هنا قد أشار ببراعة استباقية بالغة الفنية والبساطة إلى أن الجميع سيلجأون إلى تحميله كافة المصائب التي من المُمكن لها أن تحدث، وهو ما رأيناه بشكل عابر- لم ينتبه إليه سوى المُشاهد اليقظ- حينما انطلق بسيارته مع هولي بعدما قتل الفتى والفتاة في القبو، وأثناء انطلاقه على الطريق يلحظ إحدى السيارات المُهشمة على جانبه، مما يجعله يقول لهولي: انظري، لعلهم سيلقون مسؤولية هذا عليّ أيضا، سفلة.

نتيجة لأن الولاية بالكامل تكاد تكون قد تم تجنيدها للبحث عن هولي وكيت؛ فهو لم يجد أي مكان آمن من المُمكن الهروب إليه للوهلة الأولى، ومن ثم رغب في القليل من الوقت لالتقاط الأنفاس والتفكير فيما يمكن أن يفعله، وهو ما جعله يلجأ إلى أحد البيوت البالغة الأناقة لأحد الأثرياء للاختباء فيه لحين التفكير في خطوته التالية، فنراه يدق الباب بهدوء مُخرجا مُسدسه ليدخل على صاحب البيت الثري سكاربورو- قام بدوره المُمثل الأمريكي John Carter جون كارتر- قائلا له بهدوء تام حتى لكأنما الأمر لا يعنيه، ولا خطورة فيه: هل هذا منزلك؟ ليرد الرجل: أجل. يقول كيت: المعذرة لاقتحام المكان، هل من أحد هنا غيركما- قاصدا الرجل الثري وخادمته الصماء- ليرد الرجل: لا. يقول كيت: هذا جيد، نحن فاران من العدالة، ونود البقاء هنا لفترة، ربما لبضع ساعات، ما رأيك؟ ليرد الثري: ابقيا بقدر ما تشاءان.


ربما تتبدى لنا هنا في هذا الحوار السابق المزيد من أسلوبية تيرينس ماليك، وحرصه على أن تبدو شخصياته الفيلمية بالغة الهدوء والغرابة؛ فكيت هنا يتحدث مع صاحب البيت بأدب مُبالغ فيه والكثير من الاحترام: "المعذرة لاقتحام المكان، هل من أحد هنا غيركما". هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهو يسأله بتأدب أيضا- وكأنه يستأذنه، رغم أنه ليس في موقف الاستئذان فعليا: "نحن فاران من العدالة، ونود البقاء هنا لفترة، ربما لبضع ساعات، ما رأيك؟"

بالتأكيد سيثير السؤال الأخير الكثير من الدهشة غير المتوقعة؛ فالسؤال نفسه غير متوقع، ويبدو غير منطقي- تماما كسؤال كيت لوالد هولي في بداية الفيلم: لنفترض إني قتلتك، كيف سيكون ذلك؟- أي أن السؤال هنا لصاحب البيت الثري يحمل في باطنه بدوره الكثير من الذهنية، والنظرة المائلة باتجاه التفلسف، أي إثارة المزيد من الأسئلة الفلسفية في ذهن المُشاهد؛ فهل يمتلك صاحب المنزل هنا رفاهية الرفض بينما يرى المُسدس في يد كيت؟ وهل من المُمكن لصاحب البيت الثري إبداء رأيه كما سأله كيت في ذلك؟!

إن غرابة كيت السيكولوجية، وانفصاله الشعوري الكامل عن كل ما يقوم به من أفعال، يُدللان على عدائيته العميقة للجميع من حوله، بل إن الأفعال الدموية التي تورط فيها، والاستمرار فيها محاولا الهروب إلى اللاجهة، وتناول جميع وسائل الإعلام لها طوال الوقت قد جعلته مهووسا بالشهرة باعتباره نجما يتابعه الجميع، وينتظرون أي رد فعل منه، ومن ثم فلقد تحول الأمر بالنسبة إليه من مُجرد فعل هروبي بسبب جرائمه الدموية، إلى الاستمتاع بما يقوم به بسبب هوس الشهرة، ومُتابعة الجميع له كنجم بطل- كما يظن في نفسه- هذا الهوس قد دفعه إلى الظن بأن الجميع ينتظرون منه مقولاته، أو نصائحه، أو تنظيره، أو أي شيء قد يبدر منه، فالجميع في  انتظاره- كما يظن- وهو ما عبر عنه ماليك ببراعة حينما رأينا كيت جالسا في بيت الرجل الثري وقد تناول المُسجل قائلا، وكأنه يبث نصائحه للشباب الناشئ باعتباره بطلا: اصغوا إلى أهلكم ومُدرسيكم، يفهمون الأمور، وليسوا أعداء، هناك دائما احتمال بأن تتعلموا منهم، حاولوا أن تبقوا مُنفتحي الذهن، حاولوا أن تفهموا وجهات نظر الآخرين، أعيروا انتباها لرأي الأقلية، لكن حاولوا التماشي مع رأي الأغلبية ما أن يصبح مقبولا، بالطبع استمتعت بوقتي مع هولي رغم العجلة، حتى الآن نبلي حسنا، ولم يقبضوا علينا، اعذروا أصول القواعد لديّ.


بالتأكيد هذه النصائح الصادرة من كيت مُثيرة للكثير من الدهشة والتساؤل: فإذا ما كان يمتلك هذه المقدرة على تحليل الأمور، وإذا ما كان يعرف أن الآخرين ليسوا أعداء طوال الوقت، ولا بد من التعلم منهم؛ فلِمَ يعادي المُجتمع بمثل هذا الشكل الدموي، ولِمَ يرفض الجميع، والاندماج معهم.

إن هوس الشهرة، والظن في نفسه بأنه قد بات نجما بالفعل هو ما عبر عنه ماليك بصراحة جلية، وبشكل أكثر براعة حينما تم القبض على كيت في نهاية الفيلم، حيث نراه مُصفدا بالأغلال أمام عدد كبير من رجال الشرطة الذين يتعاملون معه باعتباره بطلا قوميا، أو نجما سينمائيا سيحكون عن لقائهم به كثيرا ويتباهون، وليس مُجرما ارتكب العديد من الجرائم الدموية، فيسأله أحد رجال الشرطة: كيف حالك؟ ليرد كيت مُختالا: بخير كما هو متوقع، أنا مُقيد، ولا يمكنني الحراك. فيقول رجل شرطة آخر: معطفك جميل. ليسأله كيت: أتظن؟ إنه من الجلد. ثم يمد يده إلى جيب سترته ليخرج قداحته قائلا: انظروا إلى هذه، هذه جائزة فعلية، أحتفظ بها مُنذ عشر سنوات، من يريدها؟ ليقول أحدهم: أعطني إياها. ليلقيها كيت باتجاهه قائلا: خذ. يسأله رجل شرطة ثالث: من أين أنت؟ يقول كيت: من داكوتا الجنوبية، وأنت؟ يرد الشرطي: من هنا. يسرع كيت بإخراج مشط من جيب سترته ليسأل الشرطي: أتريد مشطا؟ ثم يلقيه باتجاهه، ويسأله رجل شرطة آخر: من مُغنيك المُفضل؟ يقول كيت: إيدي فيتشر، وأنت؟ يرد الشرطي: إيدي فيتشر. يقول  كيت: اللعنة، أتريد قلما؟ يسأله رجل آخر: أذهبت يوما إلى كنساس؟ بينما يسأله غيره: ما عمرك؟ ليرد كيت باختيال أكبر: ألا تقرأ الصحف؟ يسأل شرطي: هل تزوجت؟ يقول كيت: لا، لم أفعل. يسأل غيره: كيت، هل تخاف الموت؟ يرد كيت: لم أفكر في الأمر كثيرا. فيسأله مرة أخرى: هل فعلت عندما كنت فارا؟ يرد كيت: أجل.

بالتأكيد قد يبدو لنا الأمر هنا- في هذا المشهد- بالغ العبثية، لكنه مُوغل في فنيته، مُدللا على براعة تيرينس ماليك الفنية، ومقدرته على التعبير عن رؤيته السينمائية؛ فكيت هنا قد تحول به الأمر بالفعل من مُجرد الرغبة في الهروب من يد العدالة بسبب جرائمه، إلى هوس الشهرة بالقتل، والهروب من أجل تداول أخباره إعلاميا، والاهتمام به، أي أن ماليك هنا يكاد أن يحذر المُجتمع الأمريكي بالكامل- بفنية بعيدة تماما عن المُباشرة والقصدية، وبسلاسة واضحة- من خطورة تداول أخبار القتلة المُتسلسلين بسبب مكانتهم في الثقافة الشعبية الأمريكية، فمثل هذا التداول الإعلامي يصنع منهم في نهاية الأمر أساطير يتبعها المزيد من الشباب، راغبين أن يكونوا مثلهم، ومن ثم يقومون بتقليدهم لينتشر المزيد من القتل، والأكثر من الدموية في المُجتمع الأمريكي العنيف في جوهره.


لكن، يبدو أن الهروب من مكان إلى آخر، والشعور العارم بالوحدة الذي قد يؤدي إلى الملل أحيانا- لا سيما أنهما يهربان طوال الوقت في سهول مونتانا الشاسعة الخربة التي لا يشاهدا فيها أي كائن حي، أو أي معلم من معالم الحضارة والإنسانية- قد زرع بذور التمرد داخل هولي رويدا لتبدأ في النمو فيما بعد، هذا التمرد بدأت تتبدى لنا مظاهره في العديد من المشاهد المبثوثة في طيات رحلتهما الدموية؛ فحينما وصلا إلى بيت الرجل الثري، وتسللت هولي إلى الخارج لإلقاء نظرة من حول المنزل، تقول من خلال التعليق الصوتي: كان العالم أشبه بكوكب بعيد لا أستطيع العودة إليه، فكرت كم هو مكان جميل مليء بالأشياء التي يستمتع بها الناس.

فرغم أنها هنا تعبر عن مدى اشتياقها إلى الحياة الطبيعية بين البشر، وهو الاشتياق الذي عبرت عنه ببلاغة حينما وصفت العالم "بكوكب بعيد" لا تستطيع الوصول إليه، إلا أن هذا التعليق، وهذا التعبير البليغ عن مشاعرها يحمل في عمقه بداية تمردها على الوضع الدموي العالقة فيه مع كيت.

إن بذور التمرد تلك كانت قد بدأت في التسلل داخلها حينما هربا إلى الغابة ليعيشا فيها لفترة من الوقت، وهو ما لاحظناه حينما بدأت تتأمل في جهاز والدها الذي يعرض العديد من الصور بينما تقول: ذات يوم، عندما كنت أنظر إلى المشاهد من فانوس أبي السحري، شعرت أنني تلك الفتاة التي كان والدها رسام يافطات، ولديه سنوات كثيرة ليعيشها، بعث في ذلك قشعريرة، وفكرت في المكان الذي كان من المُمكن أن أتواجد فيه في هذه اللحظة لو إني لم ألتق بكيت، أو قتل أحدا، في هذه اللحظة بالذات، ولو أن أمي لم تلتق بوالدي يوما، ولو أنها لم تمت يوما، وكيف سيكون الرجل الذي سأتزوج به؟ وماذا كان ليفعل في هذه اللحظات؟ هل هو يفكر بي الآن بفعل الصدفة رغم أنه لا يعرفني؟ هل هذا ظاهر على وجهه؟


إذن، فلقد بدأت هولي في الانفصال عن التعلق الخاضع لكيت رويدا من دون أن تدري، وهو ما تبدى لنا من خلال هذه التعليقات المُتأملة، والتساؤلات المُتتالية مشهدا بعد الآخر، لكن، يبدو أن هذا الانفصال قد بدأت تتزايد وتيرته كلما أوغلا عميقا في السهول الخربة المُعبرة عن الطبيعة القاحلة، وهي الطبيعة التي كانت مُتجانسة تماما، وتتناسب مع سيكولوجيتهما، حتى لكأنها انعكاس طبيعي ومُباشر لهما، لذا حينما يهربا من منزل الرجل الثري تقول في تعليق آخر: كان- تقصد كيت- بحاجة إليّ أكثر من ذي قبل، لكن شيئا ما نشأ بيننا، توقفت عن إعارته انتباهي، جلست في السيارة، وقرأت الخريطة، وتفوهت بالجُمل، وكان لساني عند سقف حلقي بحيث لا يستطيع أحد أن يسمعني.

أي أن هولي هنا قد قاربت على الانفصال الشعوري الكامل عن كيت- تماما كانفصالها عن جرائم القتل الدموية التي تتم أمام عينيها من دون الاهتمام بها، أو الالتفات إليها، أو حتى التعاطف مع الضحايا- إنه الانفصال الكامل الذي تجلى لنا في تعليقها المُهم: شعرت بأشياء كثيرة من خلال النظر إلى الأضواء، الأهم من ذلك، قررت عدم التسكع مُجددا مع رجل مُهمل حتى إن أحببته.

إذن، فلقد اتخذت هولي قرارها الحاسم أثناء انطلاقهما في السهول الشاسعة التي لا تنتهي. ومن خلال تأملاتها فيما حولها من فراغ، بزغ القرار فجأة كحقيقة لا بد منها، وكخطوة لا بد من اتخاذها بحسم.


لعل بعض التصرفات الطفولية التي كانت تصدر من كيت بدوره كانت سببا مُساعدا ومُساهما لهولي في التخلص من خضوعها السيكولوجي الكامل لكيت؛ فهو كثيرا ما يأخذ العديد من الأشياء من أي مكان يصل إليه كتذكار لهذا المكان، لكنه سُرعان ما يقوم بالتخلص منه مرة أخرى. إن مثل هذه التصرفات كانت موجودة بالفعل لدى كيت مُنذ عرفته، لكن يبدو أنها لم تنتبه إليها في اللحظة المُناسبة، أي أنها لم تنتبه إلى تصرفاته الطفولية الغريبة التي قد تؤكد لها أنه غير صالح للاعتماد الكامل عليه، ولنتأمل في بداية علاقتهما حينما رغب في الاحتفاظ بالحجر الضخم الذي أراد أن يسحق به يديهما كتخليد لأول مرة مارسا فيها الجنس، وهو ما يُدلل على عدم نضجه الكافي، ولنتأمل أيضا حينما وضع بعض حاجياتهما في منطاد وأطلقه باعتباره ذكرى لحبهما، ولنتأمل مرة ثالثة حينما خرجا من بيت الرجل الثري بعدما أخذ العديد من الأشياء معه كتذكار، فضلا عن سطوه على سيارة الرجل الكاديلاك، فتقول هولي مُعلقة بينما نشاهد ما تتحدث عنه: قبل أن نرحل، أطلق النار على كرة قدم اعتبرها أمتعة فائضة، ثم طمرنا بعض أغراضنا، قال: إن أحدا لن يعرف أين سنضعها، لكننا سنعود ذات يوم، وستكون لا تزال هنا كما هي، لكننا من سيكونا قد اختلفنا، وإن لم نعد أبدا، فقد ينبشها أحدهم بعد سنوات، وسيتساءلون بشأنها.

إن كيت هنا لديه رغبة استعراضية هوسية بما يقوم به، وبما يخصه، فضلا عن تعلقه السريع بالأشياء، بنفس السرعة التي يتخلى عنها زاهدا فيها، وهو ما يُدلل- بالنسبة لسيكولوجية الأنثى المائلة إلى الاستقرار أكثر- على عدم الأمان في كنف سيكولوجية مثل سيكولوجية كيت المُتقلبة، والتي لا تشعر بفداحة ما ورط نفسه فيه، ولا بخطورته، حتى أن درجة انفصاله التام عن الواقع وما يقترفه قد دفعته إلى التفكير في العمل في مجال الشرطة، وهو ما لاحظناه من قوله لها: يمكنني الحصول على وظيفة مع شرطة الخيالة، شرطة الشمال الغربي، لدي كل المؤهلات، بوسعي امتطاء الأحصنة، وإطلاق النار، ولا أمانع البرد، أحب البرد- يبدو لنا الفتى هنا وكأنه غير مُنتبه لخطورة الجرائم التي ارتكبها، أو أنه يعتبرها مُجرد أفعال عادية، وطبيعية كان لا بد منها!


مع انطلاق كيت المُستمر في السهول الخربة لمونتانا من دون جهة مُحددة لهذا الهروب الأبدي، يُلاحظ وجود إحدى الكبائن في الصحراء بجانبها فنطاس بترول، وبما أنه في حاجة إلى الوقود لتزويد سيارته، فلقد توقف ليطلب من الرجل إعارته بعض الوقود، لكن الرجل يرفض، وفي اللحظة التي يفكر فيها كيت في إطلاق النار عليه، يُفاجأ بمروحية تجول في المكان، وهو ما جعل هولي تختبئ بجوار فنطاس الوقود، بينما يحاول كيت الهروب، فيطلب منها الإسراع معه باتجاه السيارة، لكنها كانت قد اتخذت قرارها النهائي بالتوقف عن الاستمرار في هذا الهروب الأبدي إلى اللاجهة، أي الانفصال الشعوري الكامل عنه، ومن ثم تخبره بأنها غير راغبة في الاستمرار، لكنه يقاوم الشرطيين في المروحية، ليقتل أحدهما ويسرع هاربا، بينما تسلم هولي نفسها للشرطي الآخر.

يستمر كيت في رحلته الأبدية وحيدا، وحينما يتوقف في إحدى محطات الوقود يلاحظ مرور سيارة شريف البلدة؛ مما يجعله يسارع بالهروب، لكن شريف البلدة- قام بدوره المُمثل الأمريكي Garry Littlejohn جاري ليتلجون- يبدأ في مُطاردته، بل ويصر على القبض عليه، وبما أن كيت قد شعر بأنه لا بد له من التوقف؛ فالوقود على وشك النفاد، فضلا عن أن رصاصات مُسدسه قد نفدت منه بالفعل، مما يعني أنه لا طائل من الاستمرار في الهروب؛ فلقد اتخذ قراره بتسليم نفسه، ومن ثم يتوقف بسيارته ليقف بجانبها في انتظار وصول سيارة الشريف الذي يلقي القبض عليه، لنرى مُساعد الشريف يسأله سؤالا بالغ الجوهرية لصلته البالغة بالسياق الفيلمي: كيت، لدي سؤال لك، هل تحب الناس؟ ليقول كيت بلامُبالاة: لا بأس بهم. فيسأله مُساعد الشريف مرة أخرى: إذن، لِمَ فعلت ذلك؟ يقول كيت: لا أعلم، لطالما أردت أن أكون مُجرما، لكن ليس لهذه الدرجة، لكنني أتقبل كل الأنواع. هنا يلتفت مُساعد الشريف للشريف قائلا: هل تعرف من يشبه؟ تعرف أليس كذلك؟ يقول الشريف: لا. فيقول مُساعده: سأقبل مُؤخرتك إن كان لا يشبه جيمس دين.


ربما تأتي أهمية هذا السؤال المطروح على كيت من دلالته على بيان مدى اضطرابه النفسي، فضلا عن مدى تأثير وسائل الإعلام على تشكيل مثل هذه الهويات المُضطربة؛ فكيت لديه الرغبة العميقة في أن يكون قاتلا مُنذ البداية، ولعل هذه الرغبة قد تكونت لديه بسبب تداول وسائل الإعلام أخبار القتل الدموية بصورة براقة قد تجعل من أصحابها نجوما يتابعهم المُجتمع الدموي في جوهره، المائل باتجاه العنف الشديد، ومن ثم تصبح وسائل الإعلام هنا رافدا مُهما في صناعة المزيد من القتلة!

لكن، لعلنا لاحظنا أن تيرينس ماليك هنا قد حرص على تقديم شخصية كيت، غريبة الأطوار، باعتبارها من الشخصيات الجذابة اللافتة للنظر مُنذ البداية، فهو لديه الموهبة في التعامل بشكل آسر مع الآخرين مما يجعلهم يقعون في أسر شخصيته، والإعجاب بها، أي أنه يمتلك المهارة الاجتماعية للتواصل مع الغير رغم عدائيته باتجاه المُجتمع، وهو ما لاحظناه في انبهار مُعظم رجال الشرطة به وبأسلوبه بعد القبض عليه، كما لاحظناه بشكل أوضح من التعليق الأخير لهولي حينما قالت: تمت إعادتنا إلى داكوتا الجنوبية، وضعوه في سجن مُنفرد لئلا يتمكن من التعرف على سُجناء آخرين، كان يعرف أنهم سيحبونه، لا سيما المُجرمين، أما أنا، فخرجت مع تعليق عقوبة والكثير من نظرات الشذر، لاحقا، تزوجت بابن المُحامي الذي دافع عني.


إنها المهارة الاجتماعية التي رأيناها في المشهد الأخير للتدليل على مدى جاذبية شخصيته حينما يسأل الضابط المُرافق له في الطائرة أثناء إعادته: سيدي، أنى لك بهذه القبعة؟ ليرد الضابط: من الولاية. يقول كيت: أود شراء واحدة لي. فيقول الضابط بإعجاب: أنت شخص مُميز يا كيت. فيسأله كيت: أتظنهم سيأخذون هذا بعين الاعتبار؟

تلك الجاذبية تجعلنا نتساءل: لِمَ لمْ يستغلها كيت في حياته الاجتماعية بدلا من عدائه للجميع، ,دمويته المُفرطة؟ ربما كان ماليك- كمُخرج- قد قصد إلى إيصالنا لمثل هذا التساؤل، وزج بنا للتفكير فيه، فهو- في واقع الأمر- يتأمل معنا، ويفكر في تفاهة الشر، ولا جدواه، وربما عدميته، فهو لم يعد على كيت في النهاية سوى بالحُكم عليه بالإعدام.

لكن، ألا نُلاحظ أن تقديم ماليك لكيت بمثل هذه الجاذبية والمهارة الاجتماعية التي تجعل الآخرين واقعين في أسر شخصيته لا تختلف كثيرا عن مُغازلة الأفلام الدموية الأخرى التي تم تقديمها في السينما الأمريكية للثقافة الشعبية المائلة باتجاه العنف والدموية؟

إن شخصية كيت بمثل هذا الشكل أدت إلى ميل المُشاهد نفسه إليه، وتعاطفه معه، بل وإعجابه به أيضا، وهو ما يجعل نموذجه- كقاتل- من الشخصيات المُحببة بالنسبة للمُشاهدين، لا سيما أنه يتمتع- بدوره- بلامُبالاة بالغة باتجاه كل شيء، وهو ما رأيناه أيضا في النهاية حينما تقول هولي مُعلقة: استسلم كيت للنوم في المحكمة بينما كانوا يقرأون له اعترافه، وحُكم عليه بالموت على الكرسي الكهربائي، في ليلة دافئة من الربيع، وبعد ستة أشهر، وبعد أن وهب جسده للاختبار العلمي توفي.


رغم أن فيلم "الأراضي الخربة" للمُخرج الأمريكي تيرينس ماليك كان هو الفيلم الروائي الأول له الذي قدم به نفسه لجمهور السينما، إلا أنه كان خير بداية من المُمكن لنا التعرف من خلالها على هذا المُخرج الذي امتلك فيما بعد أسلوبية بالغة الخصوصية، وأكثر تعقيدا وتشابكا في تقديم عالمه السينمائي، ورغم أن أسلوبية التعليق الصوتي التي انتهجها في أفلامه كانت من الأسلوبيات الغريبة على مجال السينما؛ مما دفع العديد من النقاد إلى الهجوم عليه، والانقسام من حوله، واعتباره مُخرجا كسولا، إلا أنها تحولت فيما بعد- ومع تقديم المزيد من الأفلام- إلى بصمة خاصة تُميز المُخرج عن غيره من المُخرجين- بل وسار على نهجه العديد منهم- ومن ثم سنراه فيما بعد يعمل على تجويدها بشكل يقترب بها من الأسلوبية الأدبية الرفيعة في أفلامه التالية، تماما كبصمته الفريدة في الاهتمام بالمناظر الطبيعية في جل أفلامه، وهو الاهتمام الذي قد يكون السبب فيه أنه من أبناء ولاية تكساس، ومن ثم فحياته في هذه المناطق الشاسعة، وقربه من المناظر الطبيعية قد جعلها أحيانا بمثابة المتن في بعض أفلامه، بينما الحدث والمُمثلين هم الهامش، مع الحفاظ على فنية الفيلم الذي يقدمه.

 

 محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".
سبتمبر 2026م.