الاثنين، 26 أكتوبر 2026

خلطبيطة: سيريالية صناعة الخوف!

لم يكن المُخرج مدحت السباعي من المُخرجين المُستقرين على اتجاه سينمائي مُعيّن، بمعنى إمكانية القول: بأنه كان يمثل شكلا سينمائيا بعينه، أو اتجاها سينمائيا مُحددا، يتميز به، بل قدم العديد من الأشكال السينمائية المُختلفة التي تجعل البعض من النقاد يرون أنه لم يصنع سوى السينما التجارية التي تعمل على مُغازلة الجمهور، والتي لم يعنها الشكل الفني في نهاية الأمر.

لكن، ليس معنى عدم استقرار السباعي على لون سينمائي مُعيّن أنه لم يكن له تأثيره في صناعة السينما المصرية، ولم يساهم في تطور هذه الصناعة لا سيما في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بل كان له أثره في هذه الصناعة كمُخرج رغب في تقديم العديد من التجارب الفنية- بعضها كان جيدا، والبعض الآخر منها كان متواضعا- إلا أنه يُحسب له مُساهمته في الإضافة للسينما المصرية من خلال الأفلام التي قدمها.

بدأ السباعي حياته الفنية بفيلم "وقُيدت ضد مجهول" 1981م- أي مع بداية ظهور موجة الواقعية الجديدة- وبالتالي كان يُمثل اتجاها موازيا لسينما الواقعية الجديدة، وإن لم يكن مُقلدا لها، كما لم يضعها نصب عينيه، ولم يحاول صناعة أفلام تنافسها في شيء؛ فلقد كان للسباعي خطه الذي يخصه وحده، ولعلنا نُلاحظ أن فيلمه الأول كان من الأفلام المُهمة في سياق السينما الجادة التي تتناول الواقع السوداوي، والاشتباك معه من خلال أسلوب سيريالي، بمعنى أنه يعلو على الواقع قليلا لتأمله من خلال مسافة، وهذه المسافة في التأمل تتيح له إعادة صياغة هذا الواقع بشكل شديد السُخرية، لكنها سُخرية تحمل في طياتها الكثير من الحزن على ما يدور من حولنا من فساد، ومُشكلات قد تبدو أنها لا سبيل إلى تغييرها- بمعنى الاستسلام لما يدور من حولنا نتيجة فقداننا الأمل في التغيير، وهذا الاستسلام يجعلنا نسخر من أنفسنا، ومما يدور على أرض الواقع- سبق أن أطلقنا على هذا الشكل السينمائي الذي قدمه السباعي اسم "سينما المسخرة" في الجزء الثاني، حقبة الثمانينيات، من هذا البحث[1]، أي السُخرية من كل شيء، وهو نفس العنوان الذي رأينا أن سينما المُخرج رأفت الميهي تتسم به، ولا يمكن لنا وصفها سوى "بالمسخرة"، كما أطلق هو عليها، وإن كان السباعي قد سبق الميهي في هذا الأسلوب، حيث كان أول فيلم للميهي في هذا الاتجاه هو "الأفوكاتو" 1984م.

استمر السباعي في تقديم أفلام جادة تشتبك مع الواقع، محاولة تأمله، بعد فيلمه الأول؛ فقدم في عام 1984م فيلم "فقراء لا يدخلون الجنة" عن رواية "الجريمة والعقاب" للروائي الروسي فيودور ديستويفسكي، ثم فيلمه "الجريح" 1985م عن رواية "الأبله" لفيودور ديستويفسكي أيضا، وفي عام 1988م يُقدم فيلمه "راجل بسبع أرواح" الذي كان مُختلفا عن الأفلام السابقة التي قدمها مُنذ بدأ مسيرته الإخراجية، مُعتمدا في هذا الفيلم على مجموعة من المُغامرات المُثيرة لبطل فيلمه. صحيح أن السباعي هنا يقدم فيلما مُختلفا عما قدمه من قبل في أفلامه السابقة التي كانت تهتم بأحوال المُجتمع المصري وما يدور فيه، لكن لا يمكن إنكار أن الفيلم كان من الأفلام الجيدة التي لا تميل إلى التجارية البحتة، بل كان يتناول قضية ما، فيها العديد من المُفارقات الغريبة التي تحدث للشخصية الرئيسية في حياتها، كما أن المُخرج يحمل فكرة عدم الاهتمام بالماضي والانجذاب إليه والاستغراق فيه، في مُقابل الاهتمام بالمُستقبل.

لكن المُخرج لم يستمر على هذا النهج، بل قدم العديد من الأفلام التجارية، الأقل كثيرا من حيث القيمة الفنية؛ فرأينا "نواعم" 1988م، و"احنا اللي سرقنا الحرامية" 1989م، و"العميل رقم 13" في نفس العام، وغيرها من الأفلام التي مال بها المُخرج باتجاه التجارية البحتة، والتهريج أحيانا.

لكن هل ظل المُخرج مدحت السباعي يقدم المزيد من السينما التجارية التي لم تهتم بالفن في المقام الأول؟


لا يمكن إنكار أن السباعي قدم العديد من هذه الأفلام التجارية- وربما تكون هي الغالبة على مجموع ما قدمه من أفلام- لكنه كان كثيرا ما يعود إلى بداياته الجادة، ليقدم بعض الأفلام الفنية من خلال أسلوبه الخاص- السيريالية، أو المسخرة كما سبق لنا أن أطلقنا عليها- وهي أفلام كانت تُعبر عن الكثير من الوعي لدى المُخرج، لا سيما أنه كان يعمل في المجال الصحفي، بل ومارس النقد السينمائي أيضا، أي أنه يحمل من الوعي بفن صناعة السينما ما يجعله يعود إلى جديته في صناعة الأفلام، مُبتعدا عن مُغريات السينما التجارية.

هذه الجدية في تناول الفن، ووعيه بآليات الصناعة هما ما جعلاه يقدم لنا في عام 1994م فيلمه المُهم "خلطبيطة" عن قصة "المُحاكمة" للروائي التشيكي فرانز كافكا- وإن كان المُخرج لم يشر في تيترات الفيلم إلى الأصل الأدبي الذي أخذ عنه الفيلم- واكتفى بكتابة: سيناريو وإخراج: مدحت السباعي، وإن كان كل من سيقرأ المُحاكمة، ثم يتجه لمُشاهدة الفيلم سيدرك استناد المُخرج على الرواية التشيكية مع اختلافات بسيطة، منها نهاية كل من البطلين- يموت بطل كافكا ذبحا، بينما ينجو بطل السباعي، كما أن بطل كافكا لم يكن يعرف سوى الحرف الأول من اسمه، بينما بطل السباعي يعرف اسمه بالكامل، بالإضافة إلى الجو الكابوسي السوداوي الكئيب في رواية كافكا، بينما يسود جو من السُخرية والكوميديا السوداء، والسيريالية الكابوسية في الفيلم.

إذن، فلقد عاد المُخرج هذه المرة إلى تأمل ما يدور من حوله في الواقع من مُشكلات كابوسية تُحيط بالمواطن في المُجتمع المصري، وحاول تناول هذه المُشكلات من خلال أسلوبيته السيريالية الساخرة التي تُضخم من هذه المُشكلات بشكل كاريكاتوري مُثيرا لعاصفة من الضحك، لكنه ضحك كالبكاء على ما يدور من حولنا.

يدخل المُخرج عالمه من خلال حسان- قام بدوره المُمثل محمود عبد العزيز- وهو أمين مكتبة من مكتبات وزارة الثقافة، وخريج كلية الزراعة، ويعيش وحيدا في شقته، شاعرا بالكثير من الراحة والسعادة والرضى في حياته. نُلاحظ أن شقة حسان ممتلئة بالكامل بكافة أنواع المزروعات والشتلات التي نراها في كل زاوية تحيط به- ولعل هذا يتناسب كثيرا مع تخرجه في كلية الزراعة- كما لا يهتم في حياته سوى بهذه النباتات، واصطياد الأسماك، وقراءة الكتب.

من خلال المشهد التأسيسي الأول للفيلم يرسم المُخرج شخصية حسان الذي ينهض من نومه، ليعد إفطاره، ويبدأ في تصفح الجرائد؛ فيشعر بالانزعاج والاختناق الشديد بسبب ما يقرأه من أحداث دموية في كل مكان من العالم؛ الأمر الذي يجعله يلقي بالجريدة بعيدا، ويفتح المذياع، لكننا نستمع إلى صوت المُذيع يقول: وقعت مساء أمس مذبحة بشعة راح ضحيتها العشرات من النساء والأطفال، وذلك على إثر استئناف القتال الضاري بين القوات المُتحاربة في كمبوديا. ثم ينتقل إلى خبر آخر: انفجرت ظهر أمس طائرة ركاب كانت تقل على متنها 600 راكب إثر عملية إرهابية بشعة، ويستبعد المُراقبون وجود أحياء بين ركاب الطائرة الذين تناثرت أشلاؤهم المُحترقة المُتفحمة في مُختلف أرجاء المنطقة التي سقطت فيها الطائرة، لينتقل المُذيع إلى خبر ثالث: وقعت سلسلة من حوادث العنف الدموية في... ليسرع حسان إلى تغيير المحطة الإذاعية مُنزعجا مما يسمعه، شاعرا بالكثير من الاختناق، ويستقر على أغنية "الحياة حلوة" للمُطرب فريد الأطرش ليبدأ في الغناء معه متناولا إفطاره، لكن الأغنية سُرعان ما تنقطع ليستمع إلى المُذيع: أيها الإخوة المواطنون، إليكم هذا البيان المُهم، أعلنت... لينقطع صوت المُذيع وتحل محله أصوات طلقات نارية وصراخ مُخيف؛ مما يجعل حسان يسرع لإغلاق المذياع تماما.


ربما نُلاحظ من خلال المشهد التأسيسي الأول الذي يحاول من خلاله المُخرج الدخول إلى عالمه الفيلمي، ورسم ملامح شخصيته الرئيسية، حسان، أنه شخصية بسيطة مُسالمة تماما، يرغب في الحياة بهدوء بعيدا عن المُشكلات المروعة التي تسود العالم المُشتعل من حوله، مُستمتع بعالمه الذي صنعه لنفسه بين المزروعات التي تغص بها شقته، ومُمارسته لهواية الصيد، وقراءة الكتب، وهو ما يجعله شخصية تكاد أن تكون مُنفصلة عن الآخرين، وهو ما قد يؤدي به إلى العديد من المواقف الساذجة- على الصعيد الاجتماعي- عند تعامله مع الآخرين لأنه لا يتميز بالخبث الاجتماعي الذي يتمتع به الآخرون في المُجتمع.

هذه البساطة في التعامل مع من يحيطون به سنُلاحظها في عمله حينما يهنئ زميلته نرجس- قامت بدورها المُمثلة ماجدة زكي- بعيد ميلادها، ويذكر لها بأنه لم يستطع أن يأتي إلى العمل بهديتها الموجودة لديه بالفعل، ولذلك يطلب منها أن تذهب إلى شقته لاستلامها بنفسها هناك، هنا تثور عليه نرجس بسبب طلبه، وتؤكد له بأنها فتاة لديها سُمعتها الجيدة، وأنه لا يصح له أن يطلب منها الذهاب إلى شقته؛ فيعتذر لها ويسحب كلامه، لكنها سُرعان ما تذهب إليه مُتنكرة، ظانة أنه يرغب في لقاء جنسي، إلا أنه يهديها بشتلة مزروع فيها زهرة نرجس، مُخبرا إياها بأنه قد قام بزراعتها حينما استلمت عملها في المكتبة. وهو ما يُدلل لها بأنه لم يكن يقصد أي أمر سيئ حينما دعاها إلى بيته، حيث رأى أنه لو حمل الزهرة إلى العمل ستتلف في المواصلات، وبالتالي رأى أن تأخذها بنفسها للعودة بها إلى بيتها في تاكسي.

تعتذر نرجس قائلة: أنا منكرش إني أسأت الظن فيك في الأول، لكن بعد كدا راجعت نفسي، وقلت: يا بت أكيد دا إنسان نبيل وغرضه شريف لما طلب منك حاجة زي كدا، ودا السبب اللي خلاني أجيلك الشقة عشان نتفاهم على كل حاجة، وأشوف تحب تقابل بابا امتى. فيرد عليها مُندهشا: هو باباكي عايز يقابلني أنا؟! لتقول: لأ، إنت اللي عايز تقابله، بص بقى يا حسان ما هو أنت لازم تتفاهم معاه على كل حاجة خاصة بالجواز. فيسألها: جواز مين؟ لتقول: جوازنا. ليتساءل: هو احنا هنتجوز ولا إيه؟ لترد: ما هي دي النهاية الطبيعية الشريفة لكل اللي بينا. فيسأل: هو فيه بينا حاجة؟ لتقول: هو أنت هتنكر ولا إيه؟ إنت هتنكر إنك مُعجب بيا من أول ما شفتني؟ وإنك زارع الوردة دي باسمي؟ إنت مُرتبط بحد غيري؟ متصور إنك تلاقي واحدة أحسن مني؟

هذا الحوار العبثي الدائر بين كل من نرجس وحسان يعود في جوهره إلى عدم مقدرة حسان على التعامل الاجتماعي مع الآخرين؛ نظرا لعزلته التي يعيش فيها، راغبا في السلام النفسي والاجتماعي، وهو ما يجعله يفقد مهاراته الاجتماعية مع مرور الوقت، وعدم المقدرة على فهم مقاصد الآخرين ومُجاراتهم؛ وبالتالي ينفعل على نرجس في نهاية الأمر طاردا إياها من منزله.

نُشاهد حسان يقوم بالصيد ليعود إلى منزله مساء، ولعل مشهد دخوله إلى الشقة لا بد من التوقف أمامه قليلا لأهميته في سياق الحدث الفيلمي من الناحية الفنية، حيث نرى حسان يدخل من باب شقته، ليتجه إلى غرفة نومه، بينما الكاميرا التي كانت ثابتة في مُنتصف الشقة تراقبه، تبدأ الكاميرا في الحركة لنعرف أنها كاميرا مُتحركة- محمولة على الكتف- تتحرك حركة مُهتزة أثناء مسيرها لتُدلل على تلصص شخص ما، وتتوقف أمام باب غرفة النوم المفتوح مُتلصصة عليه أثناء تغيير ملابسه، في إيحاء بفعل المُراقبة من شخص ما، أي أن الكاميرا هنا كائن حي يتحرك، ويتنفس، ويتلصص، ويراقب، ويشعر، وهو ما يرغب المُخرج في إحساسنا به، بأن ثمة مُراقبة ما تتم مُمارستها على حسان- سواء كانت هذه المُراقبة من أشخاص، أو من خلال الكاميرا التي تنقل لنا حركته، أو من خلال عيوننا نحن كمُشاهدين- ولعل المُخرج قد نجح في هذا الإيحاء من خلال التصوير إلى حد بعيد؛ لأن الإيحاء للمُشاهد بأن ثمة من يراقب حسان هو الهدف الرئيس من الفيلم الذي سنعرفه مع تقدم الأحداث.


يبحث حسان عن كتاب ليقرأه بعد تبديل ملابسه، ويضطجع على إحدى الأرائك مُمسكا بكتاب بعنوان "رعب في مُنتصف الليل"- التناسب الكامل بين العنوان والحدث الذي سيحدث- ليقرأ: كان منزلا مهجورا على ربوة عالية، فركل الباب بقدمه ودخل؛ فإذا بالمنزل مليء بالهياكل العظمية والجماجم، والحشرات تنتشر في كل ركن منه، ثم دخل عليه الشبح وهو مُمددا على الأريكة وحده في المنزل وقال...

لنسمع صوتا صارما يُقاطع حسان بقوله: مساء الخير يا أستاذ حسان! إذا ما تأملنا المشهد بروية لتيقنا بأن المُخرج يعي جيدا ما يفعله؛ فعنوان الكتاب "رعب في مُنتصف الليل"، وهو ما سيحدث لحسان بالفعل بعد برهات، وقراءته: ثم دخل عليه الشبح وهو مُمددا على الأريكة وحده في المنزل" هو نفس الموقف الذي يحياه حسان بالفعل، وحدث له- باعتبار أن الشخص الذي دخل عليه منزله هو بمثابة شبح- أي أن السباعي هنا يعي جيدا من خلال السيناريو الذي كتبه آليات صناعة فيلم مُحكم، مما يُدلل على أنه لم يكن من المُخرجين الذين يستسهلون صناعة الأفلام- رغم صناعته للكثير من الأفلام التي بلا قيمة فنية.

يشعر حسان بالكثير من الهلع ليسأله: أنت تطلع مين؟ لينهره أحد المُخبرين: كلم سعادة البيه عدل يا ولا. ليتساءل حسان: سعادة البيه؟ هو حضراتكم بوليس ولا إيه؟! ليرد الضابط- في ثياب ملكية: إنت إيه اللي خلاك تتصور إن احنا بوليس؟ إنت متوقع البوليس يجيلك في أي لحظة كدا؟ ليرد حسان: لا، بس أصل كلمة سعادة البيه دي مبيقولهاش بالشكل دا يعني إلا المُخبرين والعساكر للظباط بتوعهم. ليقول الضابط: بالعكس، دي بقت كلمة شايعة اليومين دول، وكل الناس بتقولها لبعض.

يتساءل حسان عن هوية الرجال في شقته ليرد عليه الضابط: احنا من الإدارة المركزية العامة لحماية الأمن القومي الداخلي. ليقول حسان خائفا: الزمارة الداخلية العامة لصفارة النادي الداخلي؟ ودي تطلع إيه دي؟ بوليس يعني؟ بس أنا عمري ما سمعت عن صفارة في إدارة البوليس بالشكل دا. ليقول الضابط: ما هو مش المفروض أنت أو غيرك يسمعوا عنها. ليتساءل حسان: قصدك يعني إنها حاجة كدا زي المُخابرات؟ فيقول الضابط: تقريبا، وبعدين أنت ملكش دعوة بكل الحاجات دي، إنت عليك تنفذ الأوامر وبس.

ربما إذا ما توقفنا أمام هذا المشهد وما يدور فيه من حوار شديد العبثية لاتضحت لنا الصورة العامة للعالم الفيلمي الذي أدخلنا إليه المُخرج مدحت السباعي، فالأحداث قد بدأت تتحول باتجاه السيريالية والعبثية رويدا- ثلاثة أشخاص يدخلون شقته في مُنتصف الليل مُدعين بانتمائهم لإدارة غريبة الاسم ليبدأوا في توجيه الأوامر له فقط، طالبين معه التوجه معهم إلى جهة غير معلومة من دون إبداء أي أسباب- ولعل هذا ما يُفسر لنا حركة الكاميرا المُتلصصة المُراقبة في المشهد السابق؛ فثمة من يضع حسان تحت المُراقبة بالفعل، وهو ما يتناسب مع حركة الكاميرا التي أوحت لنا بذلك، أي أن المُخرج قد عاد إلى أسلوبيته الساخرة السيريالية في تناول أفلامه وما يدور فيها من أحداث.

المُخرج مدحت السباعي

هذه المُراقبة- التي يرغب المُخرج في التأكيد عليها- سنُلاحظها أثناء انتظار حسان في إحدى الغرف الخالية إلا من مكتب ومقعد- غرفة التحقيق- بينما يصل إلى سمعه صوت تعذيب وصراخ مُرعب وقاسٍ- صناعة الخوف وترهيب المواطن من قبل الأمن، واللعب على سيكولوجيته- حتى حين دخول المُحقق للغرفة- قام بدوره المُمثل أحمد توفيق، الذي أدى دوره ببراعة كبيرة نافس فيها الأداء الفني للمُمثل محمود عبد العزيز.

إن مُشاهدة المُحقق أثناء دخوله لغرفة التحقيق حاملا ملفا، ثم جلوسه إلى المكتب ليفتح الملف مُتصفحا إياه، إنما يُدلل على رغبة المُخرج في رسم صورة تقليدية هزلية لما سبق لنا أن رأيناه كثيرا في العديد من الأفلام السينمائية عن الأمن المصري وتحقيقاته مع المواطنين، وهي صورة في جوهرها ساخرة، ليسأله المُحقق عن اسمه- حسان ضرغام النمر: إيه ضرغام دي؟ ليقول حسان: ضرغام دي باللغة العربية الفصحى يعني أسد. ليرد المُحقق ساخرا: يا سلام! أسد ونمر، على إيه دا كله؟! فيقول حسان: يعني دي لمؤاخذة مضايقة سعادتك في إيه؟ ما هو فيه عائلات كتيرة بالشكل دا، فيه عيلة السباعي، وعيلة الفيل، وفيه الجحش، والحمار لمؤاخذة.

يسأل المُحقق حسان عن مكان تواجده في يوم مُحدد، ثم سُرعان ما يسأله سؤالا شديد العبثية: تفتكر إيه اللي خلى صالح- زميله في العمل- يعمل المُناسبتين دول في ليلة واحدة؟ ليسأله حسان: مُناسبتين إيه؟ ليرد المُحقق: سبوع ابنه وطهوره.

إذن، فالحوار والأحدث بالفعل تأخذ هنا منحاها السيريالي رويدا؛ أي أن الأمن القومي قد ألقى القبض على حسان لأنه قد حضر حفل سبوع وطهور ابن صديقه، وبالتالي فسبوع وطهور الطفل في ليلة واحدة يُشعر الأمن بالقلق، وله علاقة بالقضية المُتهم فيها، وحينما يسأل حسان عن التُهم الموجهة إليه، يؤكد عليه المُحقق بأنه يعرف تهمته جيدا، وعليه ألا يراوغه، أي أنه لا يخبره بالتُهم الموجهة إليه، ويخبره بأنه هنا ليجيب على الأسئلة فقط، وبالتالي فعليه الامتناع عن السؤال.

حينما يبدأ حسان في الانفعال؛ يخبره المُحقق بأنه قد بات في حالة ليست جيدة، وحينما يعود لهدوئه سيباشر التحقيق معه مرة أخرى، كما يخبره بأن الذين أحضروه سيعيدونه إلى منزله؛ فيسأله حسان: إشعرفك إن أنا لو مشيت من هنا هرجع تاني؟ ليرد المُحقق: أنا قلت لك هنبعت نجيبك. ليقول حسان: افرض يعني طفشت، هربت، اختفيت. ليرد المُحقق بطبيعية: لا، لا، لا أنا مفتكرش، إنت إنسان عاقل، ومش مُمكن تسبب لنفسك مشاكل أكتر من اللي إنت فيها، كفاية اللي إنت فيه. وحينما يسأله حسان عما هو فيه، يخبره المُحقق بأنه سيعرف فيما بعد.

إذن، فالمُخرج مدحت السباعي يتأمل في قضية الأمن وكيفية تعامله مع المواطنين، وتفنن الجهات الأمنية في صناعة الخوف، وتربيته، وتنميته داخل نفوس المواطنين؛ الأمر الذي يجعلهم في حالة ترويع، وهلع، وخوف دائم من كل ما يدور من حولهم، بل وتوجيه الكثير من الاتهامات إليهم من دون إخبارهم بالتُهم التي يواجهونها، وما هو مصيرهم، أو ما الذي فعلوه، أي أن الأمر في النهاية هو رغبة الأمن في إشعار المواطن بأنه مُذنب طوال الوقت، ومُراقب من جهات غير معلومة، ومحل للشك الدائم، ومُعرض للسجن والعقوبة في أي لحظة، وهو ما نراه من حولنا بالفعل على أرض الواقع من ترويع أمني للمواطن، وإن كان المُخرج هنا قد تناولها بشكلها السيريالي العبثي ليزيد من وقعها على المُشاهد، فالأمور كلما كانت في شكل عبثي، كاريكاتوري؛ يتضخم أثرها في نفس من يشاهدها، وهو ما يجعل حسان يبدأ في التشكك في كل من يحيط به، حتى أنه يشك في زميلته نرجس بأنها هي من تنقل إلى الأمن أخباره: إنت اللي بتبلغيهم أخباري أول بأول.

يدق جرس الهاتف فجأة في إحدى الليالي داخل شقة حسان، وهو الذي كان يمتلك هاتفا فقط من دون حرارة لأنه ليس لديه اشتراك في مصلحة التليفونات، فيشعر بالخوف الشديد، ولكن الضابط الذي على الجهة الثانية يخبره بأنهم هم من أوصلوا له الحرارة ليسهلوا إمكانية الاتصال به حينما يحتاجونه للتحقيق، ويطلب منه الاستعداد لأنهم سيمرون عليه لأخذه من أجل التحقيق. يحاول حسان الهروب بالصعود إلى شقة جارته الراقصة زيزي- قامت بدروها المُمثلة منى السعيد- ويطلب منها إخفائه لأن البوليس سيأتي لأخذه، لكنها تظن أنه يدعي ذلك لرغبته في ليلة ساخنة معها، وحينما تحاول معه؛ تفشل بسبب خوفه الشديد وارتعاشه، ليأتي رجال الأمن السابقين لاصطحابه معهم مرة أخرى، وهناك- في غرفة التحقيق- يخبره المُحقق بمعرفته بأنه قد أخبره صديقه- والد الطفل الذي احتفل بسبوعه- رغم أنه قد حذره من فعل ذلك، ويؤكد له بأنهم يعرفون عنه كل شيء يدور في حياته، وأنه لن يستطيع الهروب منهم، يسأله حسان: هو الدوسيه اللي مع سعادتك دا فيه حاجة يعني خاصة بيا؟ ليرد: كله، دا الملف بتاعك. ليسأل حسان: الملف بتاعي أنا؟! ليقول المُحقق: أيون، ما احنا عندنا ملف لكل مواطن، فيه كل التفاصيل والبيانات عنه وعن حياته، حتى المعلومات الصغيرة والتفاصيل البسيطة جدا اللي ميعرفهاش عن نفسه، أو يمكن يكون هو ناسيها، هتلاقيها مدونة هنا بكل تفصيل ودقة. فيسأل حسان: بتفيدكوا في إيه بقى الحكاية دي؟ ليقول المُحقق: في حاجات كتير، وعموما دا عرف أمني موجود في كل بلاد العالم المُتقدمة، أي دولة كبيرة محكومة بنظام أمني مظبوط، لازم يكون عندها ملف لكل مواطن. فيطلب منه حسان أن يُعد ملفا أمنيا لحمادة- ابن صديقه- يبدأ من وقت طهوره، وأنه لا بد لهم أن يعدوا ملفا أمنيا لكل مواطن من لحظة طهوره باعتبارها أهم لحظة في حياته، بما أنها تزعج الأمن؛ فيقول المُحقق: إنت تعرف يا حسان إيه أكتر حاجة عاجباني فيك؟ إنك رغم كل المصايب اللي أنت غرقان فيها، وكل التُهم الموجهة إليك، اللي مُمكن توديك لحبل المشنقة، عمال تهوّن على نفسك بالضحك والتهريج والتنكيت. ليرد حسان: يعني ما هو إذا كان الموت مكتوب علينا كدا ولا كدا؛ فأحسن نموت من الضحك بدل ما نموت من الغم!


إنه الإيغال في السُخرية من النُظم الأمنية التي تحكم مُجتمعاتنا العربية، لا سيما النظام الأمني المصري الحريص على تضخيم الخوف داخل المواطنين، والتلصص عليهم ومُراقبتهم ليل نهار، وترويعهم على المستوى النفسي، والواقعي. بل والتعبير عن المواطن المصري الحقيقي البسيط الذي يضحك طوال الوقت ساخرا من نفسه ومن مُشكلاته مهما كانت هذه المُشكلات ضخمة من المُمكن لها أن تقضي عليه تماما، لكننا نراه دائما ضاحكا، ساخرا من حاله ومما يدور من حوله، وكأنما حسان هنا هو لسان الشعب المصري في مواجهة أزماته المُخيفة مع جهازه الأمني الذي يشعره طوال الوقت بالخطر، والخوف، والإرهاب، والترويع بدلا من حمايته وإشعاره بالاطمئنان والسلام الاجتماعي. يعود حسان لسؤاله عن التُهم الموجهة إليه مرة أخرى، لكن المُحقق يرد عليه بأنه سيعرف فيما بعد.

نرى حسان وحيدا يمارس هواية الصيد لتقتحم عزلته إحدى مُذيعات التليفزيون مُخبرة إياه بأنهم فريق أحد برامج المنوعات، وأنها ستسأله مجموعة من الأسئلة، وإذا ما أجاب بشكل صحيح سيفوز بجائزة البرنامج، وحينما تسأله عن مُؤهله الدراسي يجيب: أنا معايا بكالوريوس زراعة. لتقول: عظيم، وبتشتغل إيه؟ ليرد: أمين مكتبة. لكنها تتساءل مُندهشة: بكالوريوس زراعة وأمين مكتبة؟! إنت مش شايف إن الشغلانة دي بعيدة كل البُعد عن الشهادة اللي إنت واخدها؟ ليقول: والله يا فندم هو دا نفس الكلام اللي احنا قلناه قبل كدا للسادة المسؤولين. لتسأله: ويا ترى كان رد المسؤولين إيه عليك؟ ليجيب: قالوا لي: احمد ربنا، غيرك قاعد في البيت مش لاقي شغل، والحمد لله مبسوط جدا في شغلي، والحمد لله مُرتبي مكفيني، وبحب مصر أوي، وبحب الدنيا كلها، وربنا يخلي المسؤولين.

ربما نُلاحظ من خلال حوار المُذيعة مع حسان أنه مُجرد مواطن مُسالم، يشعر بالخوف والإرهاب النفسي الكبير؛ وبالتالي فهو لا يرغب في الحديث عما يدور من حوله في البلد، بل ويتحسس كلماته عند حديثه عن المسؤولين، أو الظروف السياسية أو الاقتصادية من حوله، أي أنه قد عشش بداخله الخوف بالفعل من كل شيء، وتم سلبه إرادته، ورأيه فيما يدور من حوله، وبات مواطنا خائفا، موافقا على أي شيء يدور من حوله، أي أن الأمن قد نجح في زراعة الخوف في داخله.

تسأل المُذيعة حسان مجموعة من الأسئلة الساذجة المُثيرة للضحك، ليفوز بجائزة البرنامج، وهي جائزة "السيخ الذهبي"- عبارة عن قطعة من الحديد الذهبية اللون- وحينما يسأل المُذيعة عما يمكن أن يفعل بهذه الجائزة، تخبره بأنه سيعرف فيما بعد- في إسقاط على اعتبارها خازوق لكل مواطن- ربما لاحظنا أن المُخرج مدحت السباعي قد ظهر في هذا المشهد حينما فاز حسان بجائزة السيخ الذهبي، لنرى السباعي فجأة مُحتضنا إياه، مُهنئا له على الفوز، وهو من قبيل الإيغال في السُخرية.

تُقابل زيزي حسان على سلم البناية التي يسكنونها، لتلاحظ بأنه يشعر بالضيق الشديد؛ فتعرض عليه أن يرافقها لقضاء السهرة معها، حيث ستقابل مجموعة من الأصدقاء للاحتفال بعيد ميلادها، وهناك تقوم بالرقص بينما يعرضون عليه تدخين الحشيش ويفعل ذلك، إلى أن تأتي سيارة شرطة فجأة ليهرب الجميع إلا حسان، ويأخذه الضابط إلى سيارة الشرطة، وحينما يدخل "البوكس" يُفاجأ بالضابط الذي يصطحبه للتحقيق دائما داخل "البوكس" ويخبره بأنهم اضطروا للادعاء بأنهم الشرطة لإنقاذه؛ لأن إدراة المُخدرات كانت ستداهم المكان، ومن ثم يأخذونه لغرفة التحقيق، وهناك يحاول معرفة التُهمة الموجهة إليه مرة أخرى، لكن المُحقق يخبره بأنه ليس على استعداد للحديث مع شخص مسطول، وحينما يفيق سيخبره بالتُهم الموجهة إليه، لكنه يرى السيخ الذهبي في يد المُحقق، وحينما يسأله حسان عما يمكن أن يفعل به، يخبره بأنه سيعرف فيما بعد.

إذن، فنحن أمام شخص موجهة إليه العديد من الاتهامات التي لا يعرفها، ولا يفصح له أحد بحقيقتها، ويتم اصطحابه من قبل الأمن كل ليلة تقريبا للتحقيق معه، ويخبره المُحقق بأن التُهم الموجهة إليه قد تذهب به إلى حبل المشنقة، وكلما حاول الهروب منهم استطاعوا الوصول إليه، بل إنهم يعرفون عنه كل دقائق حياته- الشعور بالمُحاصرة الكاملة- وبالتالي يكون رجال الأمن قد نجحوا في زراعة الخوف الشديد، وتضخيمه داخل حسان.

المُخرج مدحت السباعي

يُسرع حسان إلى وزارة الداخلية طالبا مُقابلة الوزير، لكنهم يخبرونه بأن الوزير غير موجود وأنه من المُمكن له مُقابلة مُدير مكتبه، وحينما يحكي الأمر لمُدير مكتب وزير الداخلية يرد عليه: يا ابني احنا معندناش حاجة في الداخلية اسمها الإدارة المركزية العامة لحماية الأمن القومي الداخلي، وبعدين اسم حضرتك ماهوش مُدرج في قوائم المطلوب القبض عليهم، أو المطلوبين للتحقيق من قبل أي إدارة تانية. فيتساءل حسان: يعني إيه؟! ليقول مُدير مكتب الوزير: يعني احنا ملناش أي علاقة باللي حصل دا.

يحاول مُدير الأمن طمئنة حسان بأنهم سيراقبونه بشكل دقيق من أجل القبض على هؤلاء الأشخاص الذين قد يكونوا مجموعة من الإرهابيين الذين يرغبون في ترويع المواطن الآمن- المزيد من السُخرية من جهاز الأمن.

يخبر حسان زيزي بما يحدث معه؛ فتقترح عليه الذهاب معها في رحلة فنية لها قد تستمر أكثر من شهر، حيث تدور في القرى والنجوع مع فرقتها مُقدمة مجموعة من الاستعراضات الراقصة، وبالفعل يوافقها حسان للهروب من الحصار الكابوسي الذي يعيش فيه، وتبدأ زيزي في الشعور باتجاهه بمشاعر الحب، لتقول له: أنا جاتني فكرة، ما تيجي نتجوز. ليرد: نتجوز مين؟ فتقول: نتجوز بعض، أنا وأنت. ليقول: أنا وأنت؟! أنا مش عاوز اتجوزك. فتسأله: ليه؟ ليرد: عشان مكرهكيش.

إن الحوار هنا بين كل من حسان وزيزي هو إيغال في السُخرية؛ فالسباعي يسخر من كل شيء من حوله، من الأمن المصري، والمُجتمع وأحداثه الكابوسية العبثية، ومن مُؤسسة الزواج ذاتها- فالزواج سيؤدي بالشخصين المُتحابين إلى الكراهية والعداء في نهاية الأمر- تغضب زيزي لتتركه وحيدا جالسا أسفل إحدى الأشجار ليُفاجأ حسان بضابط الأمن أمامه ليأخذه للتحقيق مرة أخرى.

في غرفة التحقيق يقول المُحقق: إنت متصور إن أنت تقدر تهرب مننا؟ وبعدين إيه اللي أنت عملته دا؟ رايح تشتكينا في الوزارة؟! ليقول حسان: في الداخلية قالوا لي: إن معندهمش إدارة بالاسم اللي أنت قلت لي عليه دا. ليقول المُحقق: طبعا يا أستاذ، لأننا إدارة لها استقلالية وسرية كاملة، محدش يعرف عننا أي حاجة، ولا حد له سُلطان علينا. كما يخبره بأنه قد تم تحديد جلسة لمُحاكمته.

ربما كان الحوار الأخير من الأهمية التي تجعلنا نتوقف أمامه قليلا؛ فإذا لم تكن وزارة الداخلية متواطئة مع الإدارة التي تقوم بالتحقيق مع حسان، وتحاول إخفاء علاقتها بالإدارة الأخرى؛ فالأمر من ناحية أخرى هو بمثابة كارثة سيريالية حقيقة على أرض الواقع؛ لأنه يعني أن ثمة إدارات أمنية مُتعددة لا تعرف شيئا عن بعضها البعض، وأن الأمر في النهاية يتحول إلى صراع قوى أمنية على المواطن، حيث تحاول كل إدارة إثبات كفاءتها، ومقدرتها على ترويع المواطن باسم الأمن، بينما المواطن هو الضحية الوحيدة لهذه الإدارات المُتصارعة، التي ربما لا تعرف شيئا عن بعضها البعض بالفعل، وبدلا من أمن المواطن يتم ترويعه وتضخيم مفهوم الخوف داخله من كل شيء يدور من حوله.

محمود عبد العزيز

نُشاهد حسان جالسا على شاطئ النيل شاعرا بالخوف والحزن والقلق الشديد مُتسائلا: أنا متراقب ليه؟! هتحاكم ليه وأنا عمري ما زعلت حد؟ ولا غلطت في حد، ولا كان ليا أي دعوة بأي حاجة، وعمري في حياتي ما مشيت في مُظاهرات، ولا دخلت في أحزاب، ولا جبت سيرة الحكومة بالوحش؟ كل الحكومات من أيام محمد علي باشا لحد النهاردا، مقولتش في حق ولا حكومة أي كلمة وحشة، والحُكام بتوعنا دايما بذكرهم بالخير، عمري ما قلت كلمة غلط في حق أي سُلطان، أو خديوي، أو ملك، أو رئيس جمهورية، دا غير إني دايما بقول: الحالة عال العال، والعيشة فل الفل. يكونش افتكروني بتريق وأنا بقول كدا؟ طب ما أنا مقدرش أقول غير كدا، الله، يبقى زعلوا ليه؟! يكونش عشان موضوع الإنشا إياه اللي كتبته في ثانوي وهاجمت فيه نابليون بونابرت؟ بس أنا هاجمت بونابرت لأنه عمل حملة على مصر واحتلها، يعني المفروض إنهم يفرحوا مني عشان دا عمل وطني، وأنا مُستحيل أرجع عن أي كلمة قلتها عن بونابرت مهما حصل. ثم ينهض من مكانه ويهيم في الشوارع وقد تملكته حالة من الوطنية هاتفا بسقوط نابليون بونابرت في مشهد شديد العبثية.

إن المشهد السابق لحسان مُحادثا لنفسه في مونولوجه الداخلي يحمل في جوهره الكثير من الحسرة والإسقاط على المواطن المصري في عمومه؛ فهو يعبر بشكل شديد الدقة والصدق عما يفعله المواطن المصري في حياته، وهو المواطن الذي يؤثر السلامة دائما، الذي يخشى السُلطات، الذي يحاول الابتعاد عن أي مشاكل من المُمكن لها أن تنغص عليه اتزان حياته، الراغب دوما في الحياة بهدوء بعيدا عن السياسة، والحُكام، والصراعات، والذي مهما عانى في حياته اليومية، والاقتصادية فإنه يؤكد أن كل شيء على ما يرام، أي أن حسان يعبر عن المصريين جميعا في بساطتهم، ورغبتهم في معيشة هادئة خالية من الكوارث والمُشكلات، المواطن الذي يعيش في حاله، ورغم ذلك فثمة كابوس يجثم على صدره مروعا إياه، يحاول خنقه، ومُراقبته الدائمة، والتحقيق معه، وتقديمه للمُحاكمة، بل وشنقه أيضا من دون أي ذنب فعله، ومن دون معرفة الاتهامات الموجهة إليه، اللهم إلا أن السُلطة الأمنية ترغب في ترويعه وإثبات كفاءتها الأمنية بترويع المواطنين بدلا من حمايتهم وإشعارهم بالاطمئنان داخل وطنهم. إنها القضية الأساسية التي يتناولها السباعي من خلال فيلمه الجيد، مُتأملا إياها من خلال شكل سيريالي ساخر، غير مُباشر- وتلك ميزة الفن، والسيريالية- ليقدم لنا ما تفعله بنا السُلطات من هوان وترويع بأسلوبية فيها الكثير من الضحك والسُخرية- وهو الضحك الدائم، على كل المصائب، الذي يتمتع به المواطن المصري كذلك في مواجهة حياته مهما كانت كارثية.

إن قيام حسان بالتظاهر والهتاف بسقوط نابليون بونابرت يجعل الأمن يلقي القبض عليه، مُتهما إياه بالتظاهر، والثورة، بل وإفساد العلاقات مع دولة صديقة: دا يوتر علاقتنا بدولة صديقة. فيرد على الضابط: خلاص، ما دام الكلمة دي هتزعل مننا الدولة الصديقة، يبقى يعيش نابليون بونابرت، تعيش الدولة الصديقة، يسقط اللي يزعلكم.

إنه اليأس من كل شيء من حوله، والرغبة الصادقة في التخلص من كابوسه الأمني الذي يرزح على صدره خانقا إياه، وهو ما يجعله راغبا في فعل أي شيء مُرضٍ للسُلطات الأمنية في مُقابل تركه يعيش حياته في هدوء وطمأنينة.

لكن الأمن يشك في قوى حسان العقلية، ويودعونه مُستشفى الأمراض العقلية للتأكد من صحته النفسية. في المُستشفى يتأكد لنا أن المُجتمع بالكامل يعاني من عدم اتزان صحته النفسية نتيجة للنماذج العديدة التي نراها داخلها، لا سيما طبيب المُستشفى نفسه الذي هو في حاجة ماسة إلى علاج نفسي حقيقي، وهو الطبيب الذي يقول لحسان: إنت من جواك مع نابليون ولا ضد نابليون؟ ليرد حسان: أنا مش ضده شخصيا، بس إن جيت للحق يعني، أنا واخد على خاطري منه شوية عشان اللي عمله معانا. فيقول الطبيب: طب ما فيه حُكام كتير غيره جم احتلوا مصر، اشمعنى يعني نابليون اللي أنت مركز عليه؟! فيرد حسان: أنا مُستعد من بكرا أنزل وأهتف بسقوط كل الحُكام اللي احتلونا من أول الهكسوس لحد الإنجليز، يريحكم دا يا بيه؟ ليقول الطبيب: واضح إن عندك ميل طبيعي للتمرد الهمجي، والاحتجاج غير المشروع، واضح كمان إنك بتحرض الجماهير على القيام بمُظاهرات، يا أستاذ حسان كون إنك تنظم وتقود مُظاهرة علنية في وسط البلد فدا يعني شيء واحد؛ إنك شخصية ميالة للتعصب والعنف والإرهاب يا إرهابي!

إنه الذهاب بالسيريالية والكابوسية الفنية إلى مداها الأقصى، حتى لكأن المُخرج يحمل داخله رغبة سادية تجاه شخوصه الفيلمية؛ ومن ثم يقوم بالتنكيل بها من خلال الإيغال في كابوسية ما يحدث له.

يتم الإفراج عن حسان، ويلومه مُدير مكتب وزير الداخلية على تظاهره، ويؤكد على أنهم يقومون بحمايته، لكن الجهة الأمنية الأولى- التي تقوم بالتحقيق معه على تُهمة لا يعرفها- تأخذه للمُحاكمة، وفي قاعة المحكمة نُشاهد خلف القاضي علم مصر أيام الملكية، أي أن السباعي هنا يتنقل بنا وبأحداث فيلمه من خلال الزمن ما بين الوقت الآني- لا سيما أننا رأيناه في بداية الفيلم يمسك بجريدة أخبار اليوم، كما أن الأحداث جميعها تُدلل على الوقت الحاضر، أحداث كمبوديا، والحوادث الإرهابية، والملابس التي يرتديها الجميع هي ملابس عصرية- وما بين الوقت الماضي أيام الملكية- لا سيما أننا سنرى صورة الملك على جدار وزير الداخلية فيما بعد بالإضافة إلى علم مصر أيام الملكية.

منى السعيد

إن تنقل السباعي بالزمن داخل فيلمه ليس من قبيل الفوضى الزمنية، أو عدم إدراكه لما يفعله؛ فهو يعي جيدا ما يقدمه من خلال فيلمه، ويُدرك أن الأسلوب السيريالي الساخر الذي رأى أن يقدم أحداث فيلمه من خلاله يمنحه الكثير من الحرية في التنقل من خلال الزمن، وتقديم ما هو غير خاضع للعقل والمنطق؛ لأن الأحداث في حد ذاتها يتم تقديمها بشكل غير خاضع للمنطق- شكل كابوسي حلمي من المُمكن أن يحدث فيه أي شيء- فضلا عن أن اسم الفيلم "خلطبيطة" وهو في مفهوم المصريين وضع أي شيء على أي شيء آخر، يمنحه حرية التنقل بين الأحداث والزمن، بل ووضع أي حدث إلى جوار أي حدث آخر من دون منطق عقلي، أو تسلسل ما دام يخدم المفهوم الفني للفيلم؛ لأن الفيلم بهذا المفهوم له منطقة الداخلي الخاص الذي لا بد من قبوله بمنطقية وعقلانية.

تتم مُحاكمة حسان بالفعل، ويُحكم عليه بالإعدام رميا بالرصاص- لاحظ أنه لا يوجد إعدام في مصر رميا بالرصاص، بل بالشنق- وتخبره المحكمة أن يخرج ليعيش حياته ويستمتع بها إلى أن يحين موعد تنفيذ الحُكم الذي سيستدعونه فيه من أجله.

يشعر حسان بالمزيد من الهلع، لا سيما أن وزارة الداخلية غير قادرة على حمايته، رغم تأكيدهم أكثر من مرة بأنهم يقومون بمُراقبته من أجل حمايته والقبض على من يدعون بأنهم يحاكمونه على تُهم لا يدري عنها أي شيء. تقترح عليه زيزي أن يهربا إلى السودان، ويتنكر في ثياب امرأة مُنتقبة لركوب القطار إلى أسوان، لكن في نفس التوقيت يكون أحد باشوات الملكية مُهددا بالاغتيال، ولأنه لديه اجتماع في أسوان فإن ضابط الشرطة المُكلف بحمايته يقترح عليه بالتنكر في زي رجل فلاح، وينتقل إلى أسوان بالقطار هروبا ممن يرغبون في اغتياله- لاحظ هنا أن الأحداث قد باتت ثنائية الزمن؛ فالباشا من عهد الملكية المُهدد بالاغتيال سينتقل إلى أسوان من خلال القطار، وسيتم التصوير في محطة مصر بازدحامها الشديد، وهو ما لم يكن موجودا أيام الملكية، بينما حسان ينتقل في نفس القطار وهو في الزمن الآني- لكن في القطار يتم اغتيال الباشا الملكي حينما يشك الضابط- قام بدوره المُمثل صلاح عبد الله- في حسان المُتنكر في زي امرأة مُنتقبة ويطلب منه كشف وجهه.

تحاول أحزاب المُعارضة إثارة الرأي العام على الداخلية بحجة أنهم غير قادرين على حماية المواطنين، وأن حوادث الاغتيالات قد ازدادت بشكل كبير، بينما الداخلية غير قادرة على السيطرة على الأمن، وهو ما سيغضب الملك، ويجعله يُطالب باستقالة الوزارة، وبالتالي سيكون هذا الأمر فرصة جيدة لأحزاب المُعارضة من أجل الاستيلاء على الوزارة وتشكيل وزارة جديدة، لكن وزير الداخلية أيام الملكية شهدي باشا- قام بدوره المُمثل حسين الشربيني- يعرف أن الضابط الذي كان مُكلفا بحماية الباشا الذي تم اغتياله في المُستشفى لإصابته بالهلع من عملية الاغتيال، وبالتالي يذهب وزير الداخلية بنفسه مع رجاله إلى المُستشفى عارضا عليه مجموعة من صور الإرهابيين لمعرفة إذا ما كان أحدهم قد قام بالاغتيال، لكنه يؤكد بأنه لم يكن هناك أحد منهم، إلا أنه حينما يلمح حسان في السرير المجاور له، يؤكد للوزير بأن حسان هو الإرهابي الذي قام بالاغتيال.

يتم القبض على حسان، ويُرغم على الاعتراف بقيامه بعملية الاغتيال، ويتم القبض على خمسين فردا لا يعرف عنهم حسان أي شيء، باعتبارهم من قاموا بمُساعدته في العملية الإرهابية، وتقوم الداخلبة بنشر تفاصيل القبض على الخلية الإرهابية التي يتزعمها حسان، وتوقيعه بأنه من قام بالعملية الإرهابية، وبالتالي يتم تهدئة غضب السرايا الملكي.

نُشاهد رئيس الحزب المُعارض يقول لأحد رجاله: احنا لازم نستفيد من الموقف دا أكبر استفادة، إذا كانوا صوروه على إنه مُجرم وإرهابي، وإنهم أبطال لأنهم قبضوا عليه في وقت قياسي، احنا بقى نعكس الآية، نصور الواد للناس على إنه بطل ومُناضل وطني، لأنه اغتال واحد من أكبر رموز الفساد في البلد. بالشكل دا الناس هتتعاطف معاه وتاخد موقف ضد الحكومة، وهو دا اللي احنا عايزينه بالضبط. فيرد رجل الحزب: أيوة يا باشا، بس الواد، حسب ما، عرفنا مُجرد موظف سنكوح، وملوش أي تاريخ بطولي أو سياسي. ليقول رئيس الحزب: إيه المُشكلة؟ نعمل له احنا تاريخ، ونعمل له جغرافيا كمان، نألف له حكايات ومواقف وبطولات، نقول: إن هو من يومه مُناضل، واشترك مع الفدائيين وقام بعمليات انتحارية ضد قوات الاحتلال، شوية حاجات كدا من اللي بتعجب الناس، المُهم إن الحواديت دي تتوضب وتتسبك كويس، ونعمل بها حملة صحفية مُكثفة في جميع الجرايد اللي تبعنا.

لم لا نتوقف أمام هذا الحوار السابق لتأمله؟ إن حسان لم يقم بالفعل بأي عملية اغتيال، لكن تم اتهامه بذلك، والداخلية لم تكن تمتلك أي دليل على قيامه بالعملية الإرهابية، بل تم إرغامه على التوقيع بمسؤوليته عن العملية، ورغم أنه أخبر الضابط بأنه لا يعرف شيئا عن أسماء الأشخاص الموجودة أسماءهم في القضية، إلا أن الشرطة وضعت الأسماء كمُنفذين ومُخططين للعملية معه، وتم القبض عليهم، أي أن الأمن عمل على تلفيق التُهم، والقبض على خمسين مواطنا بتهمة إرهابية بالإضافة إلى حسان لمُجرد إرضاء القصر الملكي، وخوفا على مُستقبل الوزارة التي سيكون مصيرها هو الإقالة. في الجهة المُقابلة فإن أحزاب المُعارضة- التي نعرف بأنها مُعارضة من أجل مصالح المواطن- تتواطأ مع ما فعلته وزارة الداخلية رغم معرفتها بالحقيقة، وتحاول توجيه الأمر من أجل مصالحهم الشخصية، بتأليف تاريخ نضالي ووطني لحسان رغم أنهم يدركون جيدا بأنه لا علاقة له بأي أمر، ويستخدمون الصحف المُؤيدة لهم، أو يمتلكونها من أجل صناعة تاريخ نضالي مُزيف لحسان؛ كي ينقلب الرأي العام على الوزارة!

إنه التدوين المُزيف للتاريخ من أجل المصالح الشخصية، وهذا ما يحدث بالفعل على أرض الواقع- بعيدا عن سيريالية الفيلم- فكل طرف من الأطراف يرغب في إعادة صياغة التاريخ تبعا لمصالحه الشخصية، وفي النهاية تسود الرواية التي وضعها الطرف الأقوى، أو الطرف السائد، كما أن الفيلم هنا- من خلال مفهوم أبعد- يؤكد على أن السُلطات الأمنية والحاكمة طالما قامت بتزوير التاريخ المصري وأحداثه؛ مما يشككنا في الروايات التاريخية التي وصلت إلينا، ومدى صحتها من عدمها، أي أن السباعي هنا- من خلال أسلوب فني غير مُباشر- يؤكد لنا على عدم دقة التاريخ، ويستعرض لنا الحيل والأساليب التي تقوم من خلالها السُلطات الحاكمة بوضع الأحداث التاريخية.

حينما تخبر زيزي حسان بأن جميع الجرائد تتحدث عنه، وعن بطولاته، وأن الناس يتعاطفون معه؛ يرد عليها بمنطقية: الناس نفسهم يلاقوا بطل، بطل شجاع منهم، يغنوا له ويحكوا عنه الحواديت. فتسأله: حتى لو كان البطل دا مش حقيقي، وحدوته كلها كذب وتلفيق؟ ليقول: يعني هو أبو زيد الهلالي اللي قتل عشرة بضربة واحدة، ولا الزناتي خليفة اللي كان لما بيشخط في السبع ينططه، ولا عنتر بن شداد اللي غلب جيش لوحده، كل دول عملوا دا حقيقي؟ لا، دي كلها حواديت ألفها الناس عشان يغنوها في حكاوي، حواديت كلنا عارفين إنها مش صحيحة، ومع ذلك كنا بنسمعها واحنا بنهلل بفرحة ومبسوطين لحد ما صدقناها، عارفة صدقناها ليه يا زيزي؟ لأن كل الناس بيحلموا ببطل شجيع، بطل يخلصهم من كل أعاديهم، ويحقق كل أحلامهم بضربة واحدة.

إنها الرغبة العارمة من قبل المُخرج في الإيغال والتأكيد على أن التاريخ إنما يتم تزييفه، وكتابته تبعا للرغبات والمصالح الشخصية، والأحلام والطموحات، أي أننا في النهاية أمام تاريخ مزور، وحكايات خيالية ابتكرها الإنسان باعتبارها تفاصيل ما حدث، في حين أن الحقيقة الواقعية لم يعد يعرفها أحد لتعدد الروايات، أو طمسها.

أثناء مُحاكمة حسان على تهمة الاغتيال، يؤكد للمحكمة بأنه بالفعل بطل، وقام بالعديد من الاغتيالات والعمليات الفدائية كبطل وطني، لكن الداخلية تقوم بالقبض على المُنفذين الحقيقيين لحادث الاغتيال؛ الأمر الذي يضع الجميع في ورطة حقيقية؛ فالداخلية لا يمكن لها الإعلان عن براءة حسان، لأنها قد نشرت تفاصيل القبض عليه وخطته، بل واعترافه وتوقيعه في الصحافة، وتراجعها عن الأمر الآن لتصحيحه سيؤكد للجميع أنهم يرغمون الناس على الاعتراف بما لم يفعلونه، فضلا عن قبضهم على الأبرياء، وأحزاب المُعارضة- التي شتركت في اللعبة بطريقتها- لا تستطيع التراجع عما زعمته في صحفها ببطولة حسان المُناضل الوطني؛ لأنهم قاموا بتضليل الرأي العام الذي سيعرف أنهم لا يعملون من أجل مصالحه، بل من أجل مكاسبهم الشخصية فقط، وبالتالي فكل من الطرفين مُمثلة في وزارة الداخلية، وأحزاب المُعارضة قد باتا في موقف حرج يحتم عليهم التواطؤ على أن حسان هو من قام بعملية الاغتيال الإرهابية، وبالتالي لا بد من إخفاء الحقيقة.

يتم الاتفاق على الإفراج عن حسان من السجن، ويتركه مأمور السجن في الصحراء رافضا تخصيص سيارة لنقله إلى أقرب منطقة عمرانية ليموت عطشا، أو يتوه في الصحراء، ليغلق السباعي فيلمه على حسان الذي يسير وحيدا في الصحراء بينما أصوات المدافع، والطلقات النارية المصوبة إليه تملأ رأسه لتصيبه بالمزيد من الهلع والخوف- أي نجاحهم في تعشيش الخوف داخل نفسية المواطن المصري بترويعه وإرهابه، وجعله جبانا أمام أي سُلطة، والشعور بالخطر والتهديد الدائمين- ليصل إلى أول طريق العمران أمام أهرامات الجيزة بينما تنطلق في الخلفية أغنية "أنا المصري"، ليجمد المُخرج الصورة على هذا المشهد.

بالتأكيد لا يفوتنا أن المُخرج حينما حاول إغلاق فيلمه، وإنهاء حالة الكابوسية المُرعبة التي صورها من خلال أحداث الفيلم فإنه قد أغلق الفيلم بشكل فيه الكثير من السذاجة والمُباشرة التي لا يمكن لها أن تتناسب مع فنية الفيلم التي رأيناها على طول أحداثه؛ فهو بهذه النهاية المُباشرة تماما يكون قد نفى كل ما قدمه لنا بشكل فني؛ حيث كانت النهاية تحمل في طياتها الكثير من الخطابية الزاعقة التي يريد من خلالها القول: هذا ما تفعله السُلطات الأمنية بالمواطن المصري مُنذ فجر التاريخ، وهو ترويعه، وإرهابه، وتربية الخوف داخله، لكن المواطن المصري صامد، وسيستمر في الحياة مهما فُعل به.

إن هذا المعنى والمضمون اللذين حملهما مشهد النهاية، كان من مُسببات الضعف الفني للفيلم، بل وهدم كل ما قام به المُخرج على المستوى الفني الذي كان مُتميزا كثيرا، لكننا حينما نتناول السينما السابقة وصناعتها، فنحن نتناولها تبعا للفترة الزمنية التي تمت صناعتها فيها، وليس من خلال مفهومنا الآني في تناول الأعمال السينمائية، وبالتالي يبدو لنا الآن فيلم مدحت السباعي من الأفلام الجيدة جدا، والمُتقدمة في أسلوبيتها تبعا للفترة الزمنية التي تم فيها تقديم الفيلم، لا سيما أنها كانت من فترات الجدب السينمائي الشديد التي مرت بها السينما المصرية- حقبة التسعينيات من القرن الماضي.

إن فيلم "خلطبيطة" للمُخرج مدحت السباعي يكاد أن يكون من الأفلام المُهمة والناضجة كثيرا على المستوى الفني- مُقارنة بما رأيناه في هذه الفترة الزمنية- فضلا عن أنه ما زال يحمل طزاجته الفنية حتى اليوم من خلال الأسلوبية السيريالية الفنية التي انتهجها المُخرج في كتابة وإخراج الفيلم- إذا ما تجاوزنا عن المُباشرة في نهايته- مما يُدلل على أن السباعي رغم أنه قدم الكثير من الأفلام السينمائية التي لم تكن بذي قيمة فنية، بل اتجهت إلى السينما التجارية التي بلا مضمون، إلا أنه قدم أيضا في المُقابل العديد من الأفلام الأخرى التي اشتبكت مع الواقع، وحاولت تأمل العديد من مُشكلاته من خلال أسلوبية سينمائية وفنية تخص المُخرج.

 

 محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".

عدد أكتوبر 2026م.



[1]  للمزيد انظر كتاب "صناعة الصخب: ستون عاما من تاريخ السينما المصرية 1959- 2019م"/ للناقد محمود الغيطاني/ الجزء الثاني/ فضاءات للنشر والتوزيع/ الأردن/ الطبعة الأولى 2021م/ الكتاب ص 153.

الاثنين، 21 سبتمبر 2026

الأراضي الخربة: تأملات في تفاهة الشر!

في الفترة من ديسمبر 1957م ويناير 1958م اندفع أحد المُراهقين الأمريكيين- الذي كان يُدعى Charles Starkweather تشارلز ستاركويذر- في سلسلة من جرائم القتل العنيف أدت إلى القضاء على حياة أحد عشر شخصا في ولايتي Nebraska نبراسكا، وWyoming ووايومنج. كان ذلك الشاب في الثامنة عشرة من عمره حينما قام بهذه الجرائم المُتتالية، حتى أنه قتل عشر من ضحاياه في الفترة من 21، و29 يناير 1958م فقط، وخلال موجة القتل التي قام بها، كانت ترافقه صديقته Caril Ann Fugate كاريل آن فوجيت البالغة من العمر آنذاك أربعة عشر عاما فقط!

تلك القضية الدموية التي لاقت شهرة واسعة في تلك الفترة الزمنية، ومُتابعات إعلامية مُكثفة- حتى أنه قد تم تلقيبه إعلاميا بالقاتل المسعور- فضلا عن الحضور البيّن للقضية في الثقافة الشعبية الأمريكية- المُتميزة بالعنف والدموية في جوهر الأمر، مما جعل المُجتمع الأمريكي في أغلبه مُجتمعا دمويا سواء على المستوى المادي المُباشر أو المستوى المعنوي بالسعي خلف مُتابعة هذه الشخصيات الدموية واعتبارهم أحيانا أبطالا أو نجوما- ظلت عالقة في أذهان العديد من المُبدعين، وصانعي الأفلام السينمائية، يتأملونها بدقة محاولين معرفة الأسباب البعيدة التي قد تؤدي بمُراهق مثل تشارلز ورفيقته لمثل هذه الدموية غير المألوفة- لا سيما أنه قد قتل الكثيرين ممن لا تربطه بهم أي علاقة سابقة- ومن ثم باتت هذه القضية الواقعية مصدر إلهام للعديد من المُبدعين، فتناولها المُخرج النيوزيلندي Peter Jackson بيتر جاكسون في فيلمه The Frighteners المُرعبون 1996م، كما كانت مصدر إلهام أيضا للمُغني ومُؤلف الأغاني والمُوسيقي الأمريكي Bruce Springsteen بروس سبرينجستين في أغنيته Nebraska نبراسكا.

بينما في عام 1973م كان المُخرج والسيناريست الأمريكي Terrence Malick تيرينس ماليك، قد قدم بالفعل للسينما الأمريكية ثلاثة سيناريوهات أخرجها غيره من المُخرجين، هي: Pocket Money مصروف الجيب للمُخرج الأمريكي Stuart Rosenberg ستيوارت روزنبرج 1972م، و Dead Head Milesأميال الرحلة الفارغة 1973م للمُخرج والكاتب الأمريكي Vernon Zimmerman فيرنون زيمرمان، بينما كان السيناريو الثالث له هو The Gravy Train مغنم سهل 1974م، وهو الفيلم المعروف أيضا باسم The Dion Brothers الإخوة ديون، للمُخرج والمُمثل الأمريكي Jack Starrett جاك ستاريت، وقد كتبه تيرينس ماليك تحت الاسم المُستعار له David Whitney ديفيد ويتني- ربما لهذا السبب فهذا الفيلم لا يعرف الكثيرون نسبته إلى تيرينس ماليك ككاتب للسيناريو- ومن ثم تفرغ ماليك- فيما بعد- للإخراج السينمائي مع فيلمه الأول Badlands الأراضي الخربة 1973م، وهو الفيلم الذي اعتمد فيه بشكل واضح على سلسلة جرائم القتل السابقة التي قام بها تشارلز ستاركويذر وشريكته كاريل آن فوجيت.


إذن، فلقد رأى ماليك كمُخرج وسيناريست، وكمُنتج أيضا- حيث كان هو مُنتج الفيلم- أن يُقدم نفسه- كسينمائي- في فيلمه الروائي الأول من خلال هذه القصة البالغة الدموية، لكن ماليك في إخراجه لفيلمه الأول لم يكن مُنساقا للثقافة الشعبية الأمريكية البالغة الدموية، والمهووسة بالقتلة المُتسلسلين، وهي الثقافة التي أنتجت العديد من الأفلام على هذه الشاكلة والتي كان من أبرزها Bonnie and Clyde بوني وكلايد 1967م للمُخرج السينمائي والمسرحي والمُنتج الأمريكي Arthur Penn آرثر بن، وفيلم Natural Born Killers قتلة بالفطرة 1994م للمُخرج الأمريكي Oliver Stone أوليفر ستون، وامتدت لتصنع لنا أيضا The Silence of the Lambs صمت الحملان 1991م للمُخرج الأمريكي Jonathan Demme جوناثان ديم، ثم Hannibal هانيبال 2001م للمُخرج الإنجليزي Sir Ridley Scott سير ريدلي سكوت، ثم سلسلة أفلام Saw منشار التي قُدم أول فيلم من أجزائها عام 2004م واستمرت في أجزاء مُتتالية حتى عام 2023م ليتم تقديم عشرة أجزاء منها بنفس العنوان، بل وضع ماليك نصب عينيه قصة تشارلز ستاركويذر وشريكته كقاتلين واقعيين، وحاول مُعالجتها بأسلوبيته الخاصة والفريدة التي يتميز بها على غيره من المُخرجين بطريقة فنية بالغة الحيادية، مما حدا به إلى الحفاظ على مسافة عاطفية ونفسية كافية بينه وبين الفيلم من جهة- وكأنه لا يعنيه من الناحية السيكولوجية أو حتى الأخلاقية- وبين بطلي الفيلم وما يقومان به من جرائم من جهة أخرى- حتى لكأن هذه الجرائم لا تخصهما، ولا علاقة لهما بها!


إنها الحيادية الشعورية التي أصر ماليك على سيادتها طوال أحداث الفيلم، حتى لكأنه- كمُخرج- ونحن- كمُشاهدين- قد تحولنا إلى مُجرد مُراقبين لما يدور أمامنا على الشاشة، فضلا عن أن بطلي الفيلم نفسيهما كانا مُنفصلين انفصالا شعوريا تاما عما يقومان به، مما جعل جرائم القتل التي يقترفانها تكاد أن تتجرد من دمويتها، ويتم تفريغها من معناها- بالنسبة إليهما- لتصبح مُجرد ضرورة للاستمرار في رحلتهما، أو كفعل عادي من مُفردات حياتهما اليومية، لا يمكن له إثارة الدهشة، أو التعاطف، أو الخوف، وهو ما تجلى لنا بشكل بيّن في المشهد الذي رأينا فيه كيت- قام بدوره المُمثل الأمريكي Martin Sheen مارتن شين- قد اقتحم منزل حبيبته المُراهقة هولي- قامت بدورها المُمثلة والمُغنية الأمريكية Sissy Spacek سيسي سبيسك- عازما على أخذها معه بعيدا عن بيتها بعدما رفض والدها- قام بدوره المُمثل الأمريكي Warren Oates وارين أوتس- استمرار العلاقة بينهما بسبب الفارق الاجتماعي الضخم، وحينما يدخل الأب المنزل ويكتشف وجود كيت الذي يجمع ملابس هولي في حقيبتها بعدما اتخذ القرار مُنفردا باعتباره حقا من حقوقه، يتساءل: ماذا تفعل؟ ليرد كيت بهدوء تام، وثقة بالغة وكأنما الأمر لا يعنيه، فهو يخبره مُجرد إخبار بشيء قد يبدو عارضا: أمتلك مُسدسا يا سيدي، من الجيد الاحتفاظ بواحد. فيتساءل الأب مرة أخرى: ماذا تحسب نفسك فاعلا؟ هيا ارحل من هنا. لكن كيت يقول بهدوء: خططت لكل شيء، وسأصطحب هولي معي. يقول الأب: حسنا يا فتى، سأسلمك للسُلطات. يسأله كيت: لِمَ؟ يقول: لاقتحامك منزلي وبحوزتك مُسدس. لكن كيت يرد بثقة زائدة: لا، لن تفعل ذلك. يتساءل الأب مُندهشا: أحقا؟! لِمَ لا؟ يرد كيت: لأني لن أسمح بذلك. وحينما يتحرك الأب عازما على الاتصال بالشرطة، يلحقه كيت قائلا: انتظر دقيقة، لنفترض إني قتلتك، كيف سيكون ذلك؟ أتريد أن تسمع صوته؟ ثم يقوم بإطلاق رصاصة في الهواء.


إنه الانفصال التام عن الفعل رغم التورط الكامل فيه، بل والحديث عنه وكأنه لا يخص صاحبه، ولنتأمل أسلوب التأدب المُبالغ فيه أثناء حديث كيت مع والد هولي حينما يقول له: أمتلك مُسدسا يا سيدي. فهو هنا يبدو وكأنه يخبره مُجرد إخبار بشيء عادي وطبيعي بقدر غير هيّن من الاحترام، صحيح أنه يرغب من وراء إخباره إرهابه، لكنه أفضى إليه بالأمر بأسلوب يبدو وكأنه مُجرد حديث عادي، لكن الانفصال الكامل يتبدى لنا من قول كيت للأب، وبكل هدوء وكأنما الأمر لا يعنيه، أو أنه يخبره بقضية، أو فرضية ذهنية ما، عليهما التفكير فيها: لنفترض إني قتلتك، كيف سيكون الأمر؟

ألا يبدو لنا السؤال- على الأقل من الناحية الشكلانية- مُوغل في فلسفيته؟ هنا تتبدى لنا أسلوبية تيرينس ماليك في فيلمه الذي رغب في الانفصال الشعوري الكامل عنه، بل وجعل بطليه بدورهما ينفصلا تماما عن كافة الأحداث وكأنهما يشاهدانها من مسافة، غير متورطين فيها، مما جعل كيت يتساءل تساؤله بهدوء مُبالغ فيه، وكأنه يثرثر مُجرد ثرثرات ذهنية مع والد حبيبته، أو أنه يطرح عليه سؤالا فلسفيا في حاجة إلى عصف ذهني مُشترك!

إذن، فالمُخرج هنا لا يعنيه تقديم فيلم دموي عن الحادث في جوهره، ولم يرغب في مُغازلة الثقافة الشعبية الأمريكية التي تحتفي بالعنف الدموي، والقتلة المُتسلسلين- كما فعل غيره من المُخرجين- بقدر ما قام باستيعابه، وهضمه، وتشكيله، وإعادة إنتاجه ليصبح من نسيج أسلوبية المُخرج الفنية، وفلسفته الخاصة، وبداية لتأملاته حول تفاهة الشر ولا جدواه، وبالتالي بات الفيلم في حاجة إلى المزيد من الانتباه للوقوف على ما يرغبه المُخرج في فيلمه الروائي الأول، لا سيما أن سلوكيات بطلا الفيلم تتسم بالكثير من الغرابة، واللامُبالاة، والانفصال الشعوري التام عما يقومان به، أو ما يقترفانه من جرائم دموية، فضلا عن الاغتراب العميق، والشعور الهائل بالوحدة.


هذا الانفصال الشعوري- المُثير للكثير من الدهشة والتساؤل عما يقوما به من جرائم- ساقه المُخرج بشكل بالغ الجلاء في مشهد قتل كيت لصديقه القديم كاتو- قام بدوره المُمثل الأمريكي Romon Bieri رامون بيري- حينما أصابه كيت برصاصة في معدته، لكن كاتو لم يمت مُباشرة، بل تحرك ببطء حتى فراشه حيث جلس فيه يحتضر، مُندهشا مما فعله به كيت، مُتأملا ما حوله. هنا تتجلى الدهشة الحقيقة وبلاغة الانفصال عن الحدث حينما تسأل هولي كيت بمُجرد خروجه من حجرة كاتو: كيف حاله؟ ليقول: أصبته في معدته. تسأل بحيادية تامة: هل هو مُستاء؟ يقول: لم يخبرني شيئا عن ذلك!

ربما يبدو لنا الحوار هنا بالغ العبثية- خارج لتوه من مسرح العبث الذي عرفناه في أعقاب الحرب العالمية- فهما يتحادثان مع بعضهما عن كاتو المُصاب برصاصة قاتلة، وكأنهما يتحدثان عن صديق مريض، أو تمت الإساءة إليه بشكل غير مقصود، وبالتالي فمن المتوقع أن يكون رد فعله على ما حدث هو الاستياء، مُجرد الاستياء لإصابته برصاصة في معدته! لكن العبثية المقصودة من قبل المُخرج تتصاعد أكثر حينما تدخل هولي إلى حجرة كاتو للجلوس معه أثناء احتضاره، فتقول: مرحبا، أهذا عنكبوتك هناك في تلك الزجاجة؟ ليرد كاتو بهدوء محاولا التقاط أنفاسه الهاربة: أجل. فتسأله: ماذا تطعمه؟ يقول: ذباب، والجنادب عندما ألتقطها. تسأله مرة ثالثة كصديقين يدفعان الوقت بالثرثرة: هل يعض؟ يقول لم يعضني قط- لاحظ هنا أن هولي غير مُلتفتة لإصابته برصاصة قاتلة، ولا للفظه أنفاسه الأخيرة، ولا لنزيفه، ولا يعنيها الأمر بقدر اهتمامها بالعنكبوت الذي رأته في الزجاجة، حتى لكأنما إصابته القاتلة تكاد أن تكون مُجرد أمر ثانوي لا أهمية له، سيمر سريعا مثلما يمر أي حدث في حياتنا!


هنا يتمادى المُخرج في إظهار هذا الانفصال الكامل، مُعبرا عنه بعمق على لسان هولي حينما تقول بعد موت كاتو: لم أشعر بالخزي أو الخوف، لكن فقط بنوع من عدم الاكتراث، مثلما تجلس في حوض الاستحمام وتفيض منه المياه.

يحاول ماليك في فيلمه التأمل العميق في الحالة السيكولوجية التي يمر بها العديد من المُراهقين في المُجتمعات، وهي الحالة التي قد تجعلهم- في الغالب- مُعادين للمُجتمع من دون أي أسباب واضحة سوى رغبتهم في التمرد، والتحرر، واكتساب الهوية المُستقلة بعيدا عن وصاية الآباء ومن يحيطون بهم، فهم يرون أنفسهم- في أغلب الوقت- على صواب، وكل من يحيطون بهم مُخطئين، غير راغبين في مصلحتهم الشخصية، أو عاجزين عن تفهمهم، والاعتناء بهم. صحيح أن ثمة أسبابا مُختلفة تُساهم في مثل هذا الشعور والتوجه العدائي للمُجتمع، وتعمل على تغذيته، منها الشعور بالوحدة، أو عدم الاهتمام، أو الاغتراب، وربما سُخرية الآخرين منهم، أو الرفض لهم- رفض الأب لعلاقة ابنته مع كيت بسبب الفوارق الاجتماعية مثال واضح على ذلك- لكن المُخرج هنا يحاول تأمل الحالة الرافضة للمُجتمع التي تسيطر على الكثير من المُراهقين؛ مما يجعلهم عدائيين، وربما متورطين في العنف والدموية من دون إدراك ما يترتب على هذا العنف.


إن الشعور بالوحدة والاغتراب، والرفض، وعدم الاهتمام من قبل الآخرين هو ما دفع هولي للوهلة الأولى للوقوع في أسر شخصية كيت رغم غرابته الواضحة- ولعلنا لاحظنا أن الأب كان مُنشغلا عنها طوال الوقت بعمله في الخارج كرسام للوحات الإعلانية- ولنتأمل تعليقها الصوتي حينما قالت: ذهب كيت للعمل في إطعام الماشية بينما تابعت دراستي، شيئا فشيئا وقع أحدنا في غرام الآخر، بما أنني لم أحظ قط بشعبية في المدرسة، ولم تكن شخصيتي قوية؛ فلقد فوجئت بحبه لي، خاصة أنه كان بوسعه الحصول على أي فتاة في البلدة إذا حاول، لكنه قال: إنني مُمتازة، وإنه لا يهدف إلى مُمارسة الجنس معي، وبما أن هذا صادر عنه؛ فلقد اعتبرته إطراء، لم يلتق قط فتاة عمرها 15 عاما تتصرف كالراشدة، لم يكن يهمه رأي العالم، كنت أعجبه، وكان يوافق على كل ما أفعله، إن لم يكن لدي الكثير لأقوله، لم يكن يمانع أيضا.

لاحظ هنا أن السبب الرئيس لانجذاب هولي لكيت، ووقوعها في أسره باسم العشق كان الشعور بالوحدة- فالأب مُنشغل عنها في عمله بعد موت الأم- وعدم الاهتمام من الجميع حتى أن زملائها في المدرسة لا يلتفتون إليها، وربما لا يشعرون بوجودها أيضا، بالإضافة إلى شعورها العميق بضعف شخصيتها، مما يعني حاجتها الماسة لشخصية قوية وقيادية لقيادتها وتوجيهها، بينما تخضع هي لها راضية سعيدة- فمن خلال الخضوع لشخصية قيادية تكون قد اكتسبت هويتها بما أنها ضعيفة الشخصية- بالإضافة- وهذا هو الأهم- إلى أن كيت كان مُتقبلا لها في كل حالاتها، غير مُتذمر من سلوكياتها، أو مزاجيتها: كنت أعجبه، وكان يوافق على كل ما أفعله، إن لم يكن لدي الكثير لأقوله، لم يكن يمانع أيضا.


إذن، فارتباط هولي العميق بكيت لم يكن عشقا كما صورت لها رومانسيتها الساذجة بقدر ما كان حاجة قوية وماسة لمن يهتم بها، ويتقبلها كما هي، ويُشعرها بوجودها المادي والعاطفي- حتى لو كانت خاضعة تماما له- مما يعني أنها في حاجة إلى داعم نفسي أكثر من حاجتها إلى حبيب بالمفهوم الرومانسي، وهو ما أكده المُخرج على لسان هولي بعد مقتل الأب على يد كيت حينما قالت من خلال التعليق الصوتي: كان بوسعي التسلل من الخلف، أو الاختباء في غرفة المرجل، لكني شعرت بأن قدري يكمن الآن مع كيت في السراء والضراء، كان من الأفضل أن أمضي أسبوعا مع شخص أحبني، على أن أمضي سنوات من الوحدة.

ألا تلخص لنا هذه الجملة سيكولوجية الوحدة البالغة، والاغتراب الكامل اللتين تشعر بهما هولي؟

إنها نفس السيكولوجية التي يشعر بها كيت تقريبا، لكن، إذا ما كانت هولي قد تعاملت مع هذه المشاعر، وتلك السيكولوجية بالخضوع لأي شخص قد يبدي لها القليل من الاهتمام، فلقد وجه كيت هذه المشاعر باتجاه آخر تماما، وقرر مُعاداة المُجتمع، وربما الانتقام منه، والرغبة في القضاء التام على أي ممن يعترض طريقه، فضلا عن رغبته العارمة، وهوسه بالشهرة من خلال اقتراف المزيد من جرائم القتل، وتداول أخباره إعلاميا باعتباره نجما من النجوم!


يفتتح تيرينس ماليك فيلمه على هولى الجالسة في فراشها مُداعبة لكلبها، بينما نستمع إلى صوتها في الخلفية بأسلوبية التعليق الصوتي- حتى لكأنها تروي مُذكراتها بضمير المُتكلم تارة، والغائب تارة أخرى، وهي الأسلوبية السينمائية المُميزة للسينما التي يصنعها المُخرج وتسودها بالكامل، رغم ادعاء البعض بأن هذا عيب كبير يسود سينما ماليك، ونوع من أنواع الكسل في صناعة الأفلام، وإن كانت قد باتت في الواقع علامة مُسجلة لأفلام المُخرج، نستطيع من خلالها اليقين بأن الفيلم المعروض أمامنا يخص تيرينس ماليك حتى لو لم نر تيترات الفيلم لنقرأ اسمه- لكن، ربما لاحظنا مُنذ المشاهد الأولى أن المُخرج هنا يستخدم هذه الأسلوبية- التعليق الصوتي- بشكل استباقي، بمعنى أن هولي كانت تحكي لنا قصتها التي تعلم كل تفاصيلها حتى لكأنها قد حدثت في الماضي، قبل اتخاذها القرار كي ترويها لنا- لاحظ قولها مُنذ بداية الفيلم: "لم أُدرك أن ما بدأ في الممرات الضيقة، والطرق الخلفية في هذه البلدة الهادئة، سينتهي في الأراضي الخربة في مونتانا". فهي مُنذ البداية تعلم كل التفاصيل التي لم نرها بعد، والتي ستتكشف لنا رويدا مع تقدم أحداث الفيلم للأمام

نستمع مع المشهد الأول الذي كان بمثابة مشهد ما قبل التيترات Avant Titre إلى هولي تقول: توفيت أمي بمرض الرئة عندما كنت صغيرة، احتفظ والدي بكعكة زواجهما مُجمدة لعشر سنوات، وبعد الجنازة أعطاها للبستاني، ثم ذات يوم، على أمل البدء بحياة جديدة بعيدة عن هذه الذكريات، انتقلنا من تكساس إلى فورت دوبري، داكوتا الجنوبية.

ألا نُلاحظ هنا للوهلة الأولى غرابة أطوار الأب بدوره؟ فلِمَ يحتفظ الرجل بكعكة الزواج مُجمدة في المُبرد لعشر سنوات كاملة؟! هل هذا من قبيل إثبات العشق للأم التي لم نرها في الأحداث؟


ربما يسوقنا تفكيرنا إلى مثل هذا الظن- فالحب في جوهره شكل من أشكال الخلل النفسي، يُصاب به الإنسان، ويجعله ينتهج مجموعة من السلوكيات اللامنطقية التي لا يمكن لها الخضوع للعقل، وهو ما يتيقن منه المرء بعد زوال هذا الحب، أو ما كان يظنه حبا؛ فيبدأ في تأمل أفعاله وسلوكياته الماضية بدهشة عارمة، مُتسائلا عن كيفية سلوكه مثل هذه السلوكيات- لكن هذا الظن الذي قد يرد على أذهاننا- إثبات حبه للزوجة- سُرعان ما سيزول لصالح غرابة أطوار الأب بدوره، مما يعني أن احتفاظه بالكعكة لم يكن رغبة منه في التدليل على العشق بقدر ما كان غرابة في السلوك؛ فحينما يعرف الأب بأن ابنته تحب كيت، وتخرج معه من دون علمه؛ يسرع إلى عقابها بإطلاق النار على كلبها المُقرب منها! وهو ما نعرفه من قولها: ثم بالطبع اكتشف والدي أنني كنت أعبث في السر من دون علمه، استشاط غضبا كما لم أره يوما، وعقابا على خداعي له؛ ذهب وقتل كلبي، أرغمني على تعلم دروس مُوسيقى إضافية بعد المدرسة، وعليّ الانتظار حتى يأتي لاصطحابي، قال: إن لم يتمكن البيانو من إبعادي عن الشوارع، فلعل آلة الكلارينيت تفعل ذلك.

إذن، فلقد نشأت هولي في كنف أب أكثر غرابة من كيت- الذي سترتبط به فيما بعد- وهو ما قد يُفسر لنا من ناحية أخرى السبب في ميلها إلى تلك الشخصية السيكوباتية بشكل واضح؛ فهو هنا قد يكون الأب البديل؛ وبما أن الأب لا يهتم بها كثيرا، ولا يبدي لها الكثير من المشاعر لانشغاله عنها، فلقد كان كيت- الغريب الأطوار تماما مثل الأب- البديل المُناسب، لا سيما أنه أبدى لها الكثير من العاطفة، والتفهم، والعناية، بل والاحترام أيضا في بعض الأحيان- وفي أحيان أخرى لا، ولعلنا لا ننسى أنه في بداية تعارفهما قد قال لها: أنت صهباء. لترد: أعلم. فيسألها: هل ناداك أحدهم صهباء؟ تقول: أجل، لكني لا أحب ذلك. فيسألها: لِمَ لا؟ تقول: لا أحب ذلك فحسب.

لكن، رغم إخبارها إياه مُنذ البداية بأنها لا تحب أن يناديها أي شخص بوصف "الصهباء"، إلا أننا سنراه على طول الفيلم، وفي العديد من المواقف يناديها بالوصف الذي لا تحبه، مما قد يُدلل على عدم احترامه لها في بعض الأحيان.


لا يمكن لنا إنكار أن تيرينس ماليك قد استغل أسلوبيته في استخدام "التعليق الصوتي" للشخصية من أجل تقديم فيلم بالغ الكثافة والتركيز، حريصا على الابتعاد به عن الثرثرات التي لا داعي لها؛ لذا فبمُجرد ما ينتهي من مشهده الأول الذي رأينا فيه هولي مع كلبها على فراشها بينما تخبرنا عن أبيها وأمها التي توفيت، سُرعان ما يقطع مُونتاجيا على كيت لنراه على ظهر شاحنة النفايات التي تجوب البلدة الهادئة، ومن ثم نُدرك أن كيت يعمل كعامل لجمع النفايات. وسُرعان ما ينتهي كيت من عمله، لنراه أثناء عودته إلى منزله- بعد نزول التيترات- وقد لمح هولي تلعب وحيدة في فناء بيتها، ليقترب منها مُبديا إعجابه بها قائلا: مرحبا، أدعى كيت، لا أعيقك عن شيء مُهم، صحيح؟ لترد بدهشة: لا. يسترسل: فكرت في المجيء إلى هنا والترحيب بك، أحاول فعل أي شيء، ما اسمك؟ أطلعتك على اسمي. ترد مأخوذة: هولي. يقول: حسنا هولي، أنت، لا أعلم، هل تريدين التنزه معي؟ فتسأله: لِمَ؟ يقول: لدي ما أقوله لك، أظن أنني محظوظ هكذا، مُعظم الناس لا يفكرون في شيء، أليس كذلك؟

يتابع ماليك كل من هولي وكيت أثناء تنزههما في شوارع البلدة الهادئة، فتسأله هولي: أما زلت في المدرسة؟ يقول: لا، لدي وظيفة. تسأله: ماذا تفعل؟ يقول: حسنا، لا أمانع من النهوض باكرا لأنجز عملي الذي يلزمني برمي النفايات، لست مُغرما بذلك.

هنا ينطلق صوت ما ينادي على هولي لتقول لكيت: هذا والدي، عليّ الذهاب. فيقول لها: انتظري، متى سأراك مُجددا؟ تقول: أعرف ما سيقوله والدي. يسألها: ماذا؟ تسأله: أيمكنني الحديث بصراحة؟ يرد: بالطبع. تقول: حسنا، أنه لا يجدر بي التسكع مع شخص يجمع النفايات. فيسألها: سيقول هذا؟ ترد: أجل. ليسألها بإيحاء: الآن، وما أدراه بالنفايات؟ تقول وقد أدركت مغزى حديثه: لا شيء. ليرد مُطمئنا: جيد.


لاحظ هنا أن انجذاب الفتاة لكيت للوهلة الأولى، لا سيما أنها تراه بالغ الوسامة، وأكثر شبها بجيمس دين: "كان أكثر وسامة من أي شخص التقيته يوما، كان يشبه جيمس دين كثيرا". قد جعلها مُنساقة إليه، غير راغبة في خسارة معرفتها به، ومن ثم انصاعت إليه في عدم إخبار والدها عنه، وعن عمله في جمع النفايات حتى لا تكون معرفة الأب بذلك عائقا أمامهما من المُمكن له أن يمنعهما من اللقاء مرة أخرى، وهو ما تأكد لنا حينما عادت إلى أبيها، وسألها: من كان هذا؟ لترد بلا مُبالاة: مُجرد فتى. فيسألها: ماذا أراد؟ لتقول: كان يسأل إن كنا بحاجة إلى من يعمل في باحتنا، فأجبته: لا، وطلبت منه عدم إزعاجنا.

إذن، فشعور هولي بالانجذاب لكيت للوهلة الأولى بسبب وسامته اللافتة، وإبداء إعجابه بها، وربما جرأته المُقتحمة، غير المُترددة قد جعلها تهيئ المجال لنمو العلاقة بينهما، واستمرارها، وتطورها فيما بعد، ومن ثم باتا يلتقيان بشكل شبه يومي بعيدا عن رقابة أو علم الأب، ولعله في هذا الانسياق المُباشر من قبل هولي لكيت ما يُدلل على سذاجتها البالغة مع ميلها للرومانسية، والرغبة في مُمارستها، وهو ما يتناقض تماما مع ما أخبرها به كيت سابقا: "لم يلتق قط فتاة عمرها 15 عاما تتصرف كالراشدة"، فالحقيقة- وكما رأينا على طول أحداث الفيلم- أن هولي أبعد ما تكون عن الرشد أو التصرفات الراشدة، بل هي مُستغرقة تماما في طفوليتها، وسذاجتها، ولنتأمل حزنها الشديد حينما ألقت بسمكتها المريضة في الخارج- والتي ستموت في كل الأحوال ما دامت قد مرضت- لنستمع إليها تقول نادمة في التعليق الصوتي: الشيء الوحيد الذي أخطأت به كان رمي سمكتي خارجا عندما مرضت، لاحقا حصلت على سمكة جديدة، لكن لم تنفك تلك الحادثة تزعجني!


ربما يتبادر إلى أذهاننا هنا سؤال: لِمَ يحرص تيرينس ماليك- ككاتب للسيناريو، ومُخرج للفيلم- على تفصيلة دقيقة مثل تفصيلة السمكة التي ألقت بها، ومواساة كيت لها، ومحاولة إقناعها بأنه لم يكن ذنبها، مما يجعلها تبتسم بمُجرد إخباره إياها بذلك؟

إن ماليك هنا- ومن خلال هذه التفاصيل التي قد تبدو غير ذات أهمية- حريص على تشكيل سيكولوجية هولي، وتعريفنا بها، والتأكيد على سذاجتها البالغة، وطفوليتها، ورومانسيتها غير المُدركة لجوهر الأمور، فهي لديها الرغبة في خوض التجربة الرومانسية فقط رغم أنها لا تدري عنها أي شيء، ولنتأمل حينما يمارس معها كيت الجنس لأول مرة على حافة النهر بين الأشجار، فتسأله بعدما انتهيا: هل جرى الأمر كما كان مُفترضا؟ ليرد بلا مُبالاة: أجل. فتسأله: أهذا كل شيء؟ ليرد باختزال: أجل. تقول: يسرني أن هذا انتهى، خشيت أحيانا أن أموت قبل أن يحصل ذلك، التعرض لحادث أو ما شابه. لكنه يقول لها غير مُهتم بثرثراتها الطفولية الفارغة بالنسبة إليه: أترين أين تنزل تلك الشجرة في المياه؟ تقول: أجل، لا بد أن النهر أبعد جذورها، إلا أنك لا تهتم لما أقوله.

لاحظ هنا سذاجتها في حديثها مع كيت بعد المُمارسة الجنسية، وأسئلتها الطفولية، لكن، ألا يُدلل لنا هذا المشهد من جهة أخرى على خيبتها في المُمارسة الجنسية الأولى؟ بمعنى أن هذه المُمارسة ربما لم تصل بها إلى مستوى أفق التوقع الذي كانت تظنه في خيالها، أو أنها لم تشعر بالمشاعر التي كانت تظن بأنها ستشعر بها مع أول مُمارسة؟

ربما لا يمكن لنا إنكار مثل هذا التأويل، لا سيما أنها سألته سؤالا بالغ الأهمية من المُمكن لنا تحميله بالعديد من المعاني: أهذا كل شيء؟


قد يحمل السؤال هنا جانبا استنكاريا أيضا يُدلل على صدمتها، وعدم استمتاعها بالأمر كما كانت تتوقع، أي انهيار سقف توقعاتها للتجربة- ربما لم يكن كفؤا على المستوى الجنسي، وربما كانت هي الباردة في التجاوب مع التجربة- كما لا يمكن لنا أيضا تجاهل إمكانية حمل السؤال جانبا طفوليا بالغ السذاجة، وهو الجانب المُستغرقة فيه هولي حتى النخاع.

تلك الطفولية البالغة السذاجة سنراها مرة أخرى حينما يلتقيا بكاتو- صديق كيت وزميله السابق في جمع النفايات- ويقوم كيت بقتله لتشككه في رغبته بالإبلاغ عنهما، لكن، حينما يصل إلى المكان المُنعزل شابا برفقة فتاة ليسألا عن كاتو؛ يأخذهما كيت رهينة ليحبسهما في القبو، ويتخلص منهما، هنا نرى هولي تسير إلى جانب الفتاة كصديقتين قديمتين تتبادلان الحديث، فتسألها الفتاة خائفة: ماذا سيحل بجاك وبي؟ لتقول هولي: عليك أن تسألي كيت، أنفذ ما يطلبه مني. فترد الفتاة: حسنا. تسألها هولي: ما اسم صديقك؟ تقول الفتاة: جاك. تسألها هولي: هل تحبينه؟ لترد الفتاة: لا أعلم. تقول هولي: عليّ مُلازمة كيت، يشعر بأنه واقع في فخ. تقول الفتاة: أجل، أتصور ذلك. تقول هولي: حسنا، أنا شعرت بذلك، ألم تفعلي أنت؟

ثمة مُلاحظتان بالغتا الأهمية في هذا الحوار السابق: أولهما المزيد من الإشارات إلى سذاجة هولي، وخضوعها الكامل لكيت، وهو ما تبدى لنا في قولها للفتاة: "عليك أن تسألي كيت، أنفذ ما يطلبه مني". فالإجابة هنا تؤكد لنا على أنها أشبه بطفلة، تترك قيادها بالكامل لأبيها، أو لشقيقها الأكبر سنا، وبالتالي فهي لا يعنيها ما يمكن أن يحدث من حولها أثناء تواجدها مع أي منهما، فهما المسؤولان عن كل شيء! أما المُلاحظة الثانية والتي لا غنى عنها في السياق الفيلمي، فهي الإشارة إلى سيكولوجية المُراهقين الذين لا يعنيهم أي شيء من حولهم، ولا يتساءلون عن أي شيء، وبالتالي يتحول اليقين بالنسبة إليهم إلى مُجرد عبء يرغبون في التخلص منه، فهو لا ضرورة له. يتبيّن لنا ذلك من سؤال هولي للفتاة عن فتاها: هل تحبينه؟ لترد الفتاة: لا أعلم.

إن أجابة الفتاة في حد ذاتها من الأهمية بمكان ما يجعلها ضرورية ومُنسجمة تماما مع العالم الفيلمي للتدليل على سيكولوجية هؤلاء المُراهقين المُندفعين من خلف الأشياء لمُجرد الرغبة في الفعل، أو التجريب وخوض التجربة من دون التفكير فيما سيحدث فيما بعد، وعدم الاهتمام لطرح السؤال أو افتراضه، وهو ما حدث تماما مع كل من كيت وهولي بعدما أقدم على قتل أبيها، فهما لم يسألا نفسيهما السؤال الضروري: ماذا سيحدث فيما بعد؟ بل انساقا من خلف رغبتهما في الهروب إلى اللاجهة، وكلما أوغلا في هذا الهروب، كلما ازداد عدد ضحاياهم، وباتت الدموية أكثر قسوة، وتلاشى شعورهما بفداحة وخطورة ما يقومان به، بل وتباعدت المسافة النفسية بينهما وبين الأحداث التي تحيط بهما ليصبح القتل هنا مُفردة من مُفردات حياتهما اليومية- هل ما زلنا نذكر جملتها الفادحة بعد قتل كاتو: لم أشعر بالخزي أو الخوف، لكن فقط بنوع من عدم الاكتراث، مثلما تجلس في حوض الاستحمام وتفيض منه المياه؟


ثمة مُلاحظة أخرى إذا ما ظللنا مُتأملين للمشهد السابق الذي رأينا فيه الفتاتين وكأنهما صديقتين قديمتين تتجاذبان أطراف الحديث بينما تتنزهان في الحقول  الواسعة؛ فهولي والفتاة هنا تتعارفان على بعضهما البعض، وتتبادلان أسرارهما الشخصية، وتتحادثان عن مشاعرهما تجاه فتيانهما، رغم أن هولي لن تفكر ولو لبرهة واحدة فقط في إنقاذ الفتاة في اللحظة التي سيقرر فيها كيت قتلها فيها، بل ستتأمل الموقف ببرود تام، وانفصال شعوري، وكأنه لا يحدث أمامها، ولا يخصها بأي شكل من الأشكال- حتى لكأنها لم تُجر أي حديث مع الفتاة من قبل- وهو ما حدث بالفعل!

لكن، إذا ما كان ماليك راغب هنا في التأكيد على سذاجة هولي المُتسمة بالكثير من الرومانسية والبراءة في تلك المشاهد، فهو راغب أيضا- من جهة أخرى- في التأكيد على سذاجة كيت إلى حد ما رغم دمويته البالغة، وعدائيته باتجاه المُجتمع، ولنتأمل المشهد الذي رأيناه فيه بعدما مرا بتجربتهما الجنسية الأولى على حافة النهر، حيث يتناول حجرا ثقيلا من الأرض ليقول لها: أتعرفين بما أفكر؟ تسأله: ماذا؟ يقول: لنسحق أيدينا بهذا الحجر، هكذا لن ننسى ما حدث اليوم. تقول: لكن هذا مُؤلم. يقول: حسنا، هذا هو القصد يا حمقاء. لترد: لا تنادني بالحمقاء. يقول: حسنا، لكني سأحتفظ به للذكرى- ثم يتراجع عن قراره حينما يشعر بثقل الحجر ليقول: حسنا، ربما سأحضر حجرا أخف.


إذن، فكيت لا يقل سذاجة وطفولية عن هولي، وإن كانت طفوليته بالغة الغضب، والعدائية باتجاه المُجتمع، بل باتجاه نفسه ومن يكن لهم أي مشاعر أيضا- لاحظ هنا أنه يرغب في سحق يديه، ويدي هولي بالحجر لتخليد ذكرى مُمارستهما للجنس لأول مرة!

بمُجرد قتل كيت لوالد هولي يُسرع إلى أحد ستوديوهات تسجيل الاسطوانات، لنراه يسجل إحدى الاسطوانات قائلا: حبيبتي هولي وأنا قررنا قتل أنفسنا، تماما كما قتلت والداها، قرار مُهم، صحيح؟ الأسباب واضحة، لا أمتلك الوقت للتطرق إليها الآن، لكن هناك أمر واحد كان يستفزني حينما قتلته، هذا ما جرى بالضبط، قتلته. بقيت ثلاثين ثانية، الآن، نحن مُتأسفان، أقصد لا أحد يجد سعادة في ذلك، خاصة نحن، لكني لا أنكر أننا استمتعنا بوقتنا، هذا أكثر مما يمكنني قوله عادة، هذه نهاية الرسالة، لم يعد لدي ما أقوله، شكرا.

ربما نلحظ هنا من تسجيل كيت للاسطوانة، أنه يمتلك عقلية مُنظمة تماما في التفكير والتخطيط؛ فلقد لجأ إلى هذا التسجيل ليترك الاسطوانة في مكان الجريمة- منزل هولي- وفي مكان آمن خارج المنزل، وعلى مُشغل الاسطوانات لتظل دائرة طوال الوقت، وبالتالي حينما يصل رجال الشرطة إلى مكان الحادث سيعتقدون بأنهما بالفعل قد انتحرا، لا سيما أنه سيلجأ إلى حرق المنزل بالكامل بعد إغراقه بالكيروسين، وإخفاء جثة الأب في القبو، أي أنه هنا حريص على تضليل رجال الشرطة ليتسنى له الهروب مع هولي.

إلا أن المكان الذي سيهرب إليه كيت مع فتاته بالتأكيد سيثير داخلنا الكثير من الدهشة والتساؤلات؛ فلقد طلب منها التوجه إلى مدرستها لجلب كتبها المدرسية معها، خشية أن يفوتها درسها، وسُرعان ما اتجه معها إلى الغابة الكثيفة، التي رأيناهما فيها يقومان ببناء منزل متواضع وبدائي من أغصان الأشجار، كما لم يفته صناعة العديد من الأفخاخ، تحسبا لأي هجوم من المُمكن أن يحدث عليهما!


إن كيت حينما فكر في الهروب بعد جريمة قتله الأولى، لم يكن في ذهنه أي مكان من المُمكن له الاتجاه إليه، ولم يفكر سوى في الغابة المُنعزلة تماما عن كل أشكال الحياة، وبالتالي عاشا معا حياة بالغة البدائية كزوجين- أو كآدم وحواء- وحيدين لا علاقة لهما بالعالم المُتحضر- المزيد من الوحدة والاغتراب الكاملين عن المُجتمع والعالم من حولهما- وهو ما أشعر هولي في بعض الأحيان بالملل من هذه الحياة التي يحيانها، لكنها كانت ترى العالم من دون كيت لا وجود لها خارجه، أي انه تحول بالنسبة إليها إلى العالم بكل ما فيه؛ ومن ثم ظلت خاضعة لما يرغبه، أو يفكر فيه، رهن إشارته، مُطيعة لكل ما يشير عليها به.

لذا حينما حاول بعض الرجال من صائدي الجوائز مُطاردة كيت بعدما اكتشفوا مكانه؛ سارع بقتلهم بهدوء وبرود بينين، لكن لعل شعوره بالأسف الشديد على قتلهم كان أكثر غرابة، لا سيما أنه قد شعر بالحزن- أو هكذا حاول أن يبدو أمام هولي- لأنه أطلق النار عليهم من ظهورهم، وليس وجها لوجه، ولنتأمل تعليق هولي: شعر كيت بالسوء لقتله أولئك الرجال في ظهورهم، لكنه قال: إنهم سيأتون ويتصرفون بطريقة قذرة، لا يهتمون سوى لأمر الجائزة، كان ليختلف الأمر مع رجال القانون، كانوا لينجزوا مهمتهم ويستحقوا فرصة، لكن ليس صائدو الجوائز!

أي أنه ربما كان سيتعامل مع رجال القانون بطريقة أخرى مُختلفة عما تعامل بها مع الرجال الثلاثة الذين حاولوا النيل منه، والقبض عليه ليستحقوا مُكافآت إيقاعه في يد العدالة! وهو ما يثير داخلنا التساؤل: هل يحاول كيت هنا أن يبدو أمام هولي بمظهر الرجل الناضج المُتعقل الذي يحترم المبادئ والأخلاقيات التي كانت ستجعل تعامله مع الأمر مُختلفا إذا ما كان الرجال من رجال الشرطة؟ أم أنه مُختل اختلالا عميقا من الناحية النفسية؟


بالتأكيد هو يعاني من اختلال نفسي واضح لا يمكن إنكاره، فضلا عن عدائيته للجميع، واعتبار القتل وسيلة عادية وضرورية للاستمرار في رحلته الهروبية، أو الاستمرار على قيد الحياة، فهو لا يحترم الأخلاقيات، ولا المبادئ، ولا القانون، والدليل على ذلك أنه بمُجرد هروبه مع هولي من الغابة باتجاه منزل صديقه القديم كاتو للاختباء لديه، وبمُجرد ما انتابه الشك في أن صديقه قد يبلغ عنه السُلطات؛ قام بقتله مُباشرة، ومن دون أي تردد، بل ومن الخلف أيضا- كما فعل مع الرجال الثلاثة في الغابة- وهي الرصاصة التي اخترقت ظهره لتصيب معدته، صحيح أن كيت قد انخدع في بداية الأمر، وانساق للحكاية الوهمية التي حكاها له كاتو حينما أخبره بقوله: ذات يوم، كان يحرث رجل الحقل هناك، فوجد قطعا نقدية قديمة، بعض القطع النقدية الإسبانية. فيسأله كيت باهتمام: هذا ما أخبرك به، صحيح؟ لكن كاتو يقول مُؤكدا: لا، لا، أراني واحدة. فتسأله هولي: كيف كانت تبدو؟ يقول كاتو: حسنا، مُستديرة هكذا وذهبية. يقول كيت: أين؟ فيشير كاتو إلى الأراضي الشاسعة أمامهم قائلا: في ذلك الحقل هناك، سأريكما أين إن أردتما. لكن كيت يرد بهدوء: دعني أنهي عشائي.

إذن، فكيت أبعد ما يكون عن احترام المبادئ أو الأخلاقيات كما حاول إيهام هولي بذلك، أو كما حاول أن يبدو أمامها- باعتباره رجلها الذي تعتمد عليه في كل شيء، وتراه رجلا مثاليا- لا سيما أنه سارع إلى قتل صديقه لمُجرد الشك فقط، ومن دون إعطائه الفرصة للتحقق من هذا الشك، أو نفيه، كما أنه سارع إلى إطلاق النار على الزائرين اللذين وصلا إلى بيت كاتو ليسألا عنه، ورغم أنه قد أخبرهما- الفتى والفتاة- بأنه سيغلق عليهما القبو فقط ليتسنى له الهروب، لكنه بمُجرد ما أغلق عليهما القبو سارع بإطلاق النار عليهما داخله، أي أنه لم يلتزم بوعده إياهما بأنه سيتركهما على قيد الحياة.


لذا يبدأ كيت وهولي في رحلة طويلة عبر السهول الهائلة والمُمتدة في أراضي مونتانا، وهي الأراضي الخربة تماما، غير الصالحة لأي شكل من أشكال الحياة، في الوقت الذي تحولت فيه الولاية بالكامل إلى ما يشبه الثكنات العسكرية للبحث عنهما، ولعل تأملنا هنا لهذه المشاهد التي قدمها المُخرج تيرينس ماليك، والمُعبرة عن حالة الخوف الشديد والذعر اللذين انتابا جميع سُكان الولاية، ورجال الشرطة أيضا يُدلل على أسلوبية ماليك الماهرة، وذكائه في التعبير عما يرغب فيه، لا سيما أن هذه المشاهد لجأ المُخرج فيها إلى تقديمها باللونين الحياديين لإكساب الحدث إيحاءه الوثائقي والواقعي، والإحساس بمدى خطورته وجديته، ومن ثم رأينا أثناء التعليق الصوتي لهولي ما يحدث في الولاية: كان البلد بكامله يبحث عنا، من كان يدري ما هي خطوة كيت التالية، كانت الأرصفة خالية، والمتاجر أقفلت أبوابها وأسدلت الستائر، تم تشكيل لجان أهلية ومجموعات مُكافحة للمُجرمين من تكساس إلى داكوتا الجنوبية، كان الأولاد يذهبون إلى المدرسة تحت حراسة مُشددة، تم إحضار مُتحرٍ مشهور من بوسطن، ولم يتمكن من معرفة شيء، كان الناس يتركون الأضواء مُضاءة عند نومهم، قال أستاذ العزف على الكلارينيت: إني لم أكن مسؤولة، لكن الآخرين قالوا: إنني كذلك، يوم الخميس، أرسل حاكم أوكلاهوما الحرس الوطني ليحموا بنك الاحتياط الفيدرالي في تولسا لأن كيت أراد سرقته، وكأن هناك اجتياحا روسيا.


بالتأكيد تبدو لنا المشاهد المُوحية بالوثائقية هنا شديدة المُبالغة، فضلا عن الرعب الذي اجتاح الولاية بأكملها، وربما كان الذعر الشديد بسبب جرائم القتل التي ارتكبها كيت هو السبب في اللجوء إلى هذه المُبالغات التي لا داعي لها من قبل المسؤولين؛ فحماية بنك الاحتياط الفيدرالي في تولسا بزعم أن كيت رغب في سرقته، وانتشار الحرس الوطني في كل مكان حتى لكأنما هناك "اجتياحا روسيا" كما قالت هولي، وغيرها من الأحداث الحادثة في الولاية تُدلل على محاولة تحميل كيت، وتوريطه في العديد من الأمور التي لا علاقة فعلية له بها؛ فهو غير راغب في سرقة البنك، ولا غيره من البنوك، بل هو لا يعنيه المال مُطلقا في هذه الرحلة الدموية، وكل ما هنالك أنه راغب في الهروب بعيدا بسبب جرائمه التي تتابعها الآن جميع وسائل الإعلام الأمريكية، ولعل ماليك هنا قد أشار ببراعة استباقية بالغة الفنية والبساطة إلى أن الجميع سيلجأون إلى تحميله كافة المصائب التي من المُمكن لها أن تحدث، وهو ما رأيناه بشكل عابر- لم ينتبه إليه سوى المُشاهد اليقظ- حينما انطلق بسيارته مع هولي بعدما قتل الفتى والفتاة في القبو، وأثناء انطلاقه على الطريق يلحظ إحدى السيارات المُهشمة على جانبه، مما يجعله يقول لهولي: انظري، لعلهم سيلقون مسؤولية هذا عليّ أيضا، سفلة.

نتيجة لأن الولاية بالكامل تكاد تكون قد تم تجنيدها للبحث عن هولي وكيت؛ فهو لم يجد أي مكان آمن من المُمكن الهروب إليه للوهلة الأولى، ومن ثم رغب في القليل من الوقت لالتقاط الأنفاس والتفكير فيما يمكن أن يفعله، وهو ما جعله يلجأ إلى أحد البيوت البالغة الأناقة لأحد الأثرياء للاختباء فيه لحين التفكير في خطوته التالية، فنراه يدق الباب بهدوء مُخرجا مُسدسه ليدخل على صاحب البيت الثري سكاربورو- قام بدوره المُمثل الأمريكي John Carter جون كارتر- قائلا له بهدوء تام حتى لكأنما الأمر لا يعنيه، ولا خطورة فيه: هل هذا منزلك؟ ليرد الرجل: أجل. يقول كيت: المعذرة لاقتحام المكان، هل من أحد هنا غيركما- قاصدا الرجل الثري وخادمته الصماء- ليرد الرجل: لا. يقول كيت: هذا جيد، نحن فاران من العدالة، ونود البقاء هنا لفترة، ربما لبضع ساعات، ما رأيك؟ ليرد الثري: ابقيا بقدر ما تشاءان.


ربما تتبدى لنا هنا في هذا الحوار السابق المزيد من أسلوبية تيرينس ماليك، وحرصه على أن تبدو شخصياته الفيلمية بالغة الهدوء والغرابة؛ فكيت هنا يتحدث مع صاحب البيت بأدب مُبالغ فيه والكثير من الاحترام: "المعذرة لاقتحام المكان، هل من أحد هنا غيركما". هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهو يسأله بتأدب أيضا- وكأنه يستأذنه، رغم أنه ليس في موقف الاستئذان فعليا: "نحن فاران من العدالة، ونود البقاء هنا لفترة، ربما لبضع ساعات، ما رأيك؟"

بالتأكيد سيثير السؤال الأخير الكثير من الدهشة غير المتوقعة؛ فالسؤال نفسه غير متوقع، ويبدو غير منطقي- تماما كسؤال كيت لوالد هولي في بداية الفيلم: لنفترض إني قتلتك، كيف سيكون ذلك؟- أي أن السؤال هنا لصاحب البيت الثري يحمل في باطنه بدوره الكثير من الذهنية، والنظرة المائلة باتجاه التفلسف، أي إثارة المزيد من الأسئلة الفلسفية في ذهن المُشاهد؛ فهل يمتلك صاحب المنزل هنا رفاهية الرفض بينما يرى المُسدس في يد كيت؟ وهل من المُمكن لصاحب البيت الثري إبداء رأيه كما سأله كيت في ذلك؟!

إن غرابة كيت السيكولوجية، وانفصاله الشعوري الكامل عن كل ما يقوم به من أفعال، يُدللان على عدائيته العميقة للجميع من حوله، بل إن الأفعال الدموية التي تورط فيها، والاستمرار فيها محاولا الهروب إلى اللاجهة، وتناول جميع وسائل الإعلام لها طوال الوقت قد جعلته مهووسا بالشهرة باعتباره نجما يتابعه الجميع، وينتظرون أي رد فعل منه، ومن ثم فلقد تحول الأمر بالنسبة إليه من مُجرد فعل هروبي بسبب جرائمه الدموية، إلى الاستمتاع بما يقوم به بسبب هوس الشهرة، ومُتابعة الجميع له كنجم بطل- كما يظن في نفسه- هذا الهوس قد دفعه إلى الظن بأن الجميع ينتظرون منه مقولاته، أو نصائحه، أو تنظيره، أو أي شيء قد يبدر منه، فالجميع في  انتظاره- كما يظن- وهو ما عبر عنه ماليك ببراعة حينما رأينا كيت جالسا في بيت الرجل الثري وقد تناول المُسجل قائلا، وكأنه يبث نصائحه للشباب الناشئ باعتباره بطلا: اصغوا إلى أهلكم ومُدرسيكم، يفهمون الأمور، وليسوا أعداء، هناك دائما احتمال بأن تتعلموا منهم، حاولوا أن تبقوا مُنفتحي الذهن، حاولوا أن تفهموا وجهات نظر الآخرين، أعيروا انتباها لرأي الأقلية، لكن حاولوا التماشي مع رأي الأغلبية ما أن يصبح مقبولا، بالطبع استمتعت بوقتي مع هولي رغم العجلة، حتى الآن نبلي حسنا، ولم يقبضوا علينا، اعذروا أصول القواعد لديّ.


بالتأكيد هذه النصائح الصادرة من كيت مُثيرة للكثير من الدهشة والتساؤل: فإذا ما كان يمتلك هذه المقدرة على تحليل الأمور، وإذا ما كان يعرف أن الآخرين ليسوا أعداء طوال الوقت، ولا بد من التعلم منهم؛ فلِمَ يعادي المُجتمع بمثل هذا الشكل الدموي، ولِمَ يرفض الجميع، والاندماج معهم.

إن هوس الشهرة، والظن في نفسه بأنه قد بات نجما بالفعل هو ما عبر عنه ماليك بصراحة جلية، وبشكل أكثر براعة حينما تم القبض على كيت في نهاية الفيلم، حيث نراه مُصفدا بالأغلال أمام عدد كبير من رجال الشرطة الذين يتعاملون معه باعتباره بطلا قوميا، أو نجما سينمائيا سيحكون عن لقائهم به كثيرا ويتباهون، وليس مُجرما ارتكب العديد من الجرائم الدموية، فيسأله أحد رجال الشرطة: كيف حالك؟ ليرد كيت مُختالا: بخير كما هو متوقع، أنا مُقيد، ولا يمكنني الحراك. فيقول رجل شرطة آخر: معطفك جميل. ليسأله كيت: أتظن؟ إنه من الجلد. ثم يمد يده إلى جيب سترته ليخرج قداحته قائلا: انظروا إلى هذه، هذه جائزة فعلية، أحتفظ بها مُنذ عشر سنوات، من يريدها؟ ليقول أحدهم: أعطني إياها. ليلقيها كيت باتجاهه قائلا: خذ. يسأله رجل شرطة ثالث: من أين أنت؟ يقول كيت: من داكوتا الجنوبية، وأنت؟ يرد الشرطي: من هنا. يسرع كيت بإخراج مشط من جيب سترته ليسأل الشرطي: أتريد مشطا؟ ثم يلقيه باتجاهه، ويسأله رجل شرطة آخر: من مُغنيك المُفضل؟ يقول كيت: إيدي فيتشر، وأنت؟ يرد الشرطي: إيدي فيتشر. يقول  كيت: اللعنة، أتريد قلما؟ يسأله رجل آخر: أذهبت يوما إلى كنساس؟ بينما يسأله غيره: ما عمرك؟ ليرد كيت باختيال أكبر: ألا تقرأ الصحف؟ يسأل شرطي: هل تزوجت؟ يقول كيت: لا، لم أفعل. يسأل غيره: كيت، هل تخاف الموت؟ يرد كيت: لم أفكر في الأمر كثيرا. فيسأله مرة أخرى: هل فعلت عندما كنت فارا؟ يرد كيت: أجل.

بالتأكيد قد يبدو لنا الأمر هنا- في هذا المشهد- بالغ العبثية، لكنه مُوغل في فنيته، مُدللا على براعة تيرينس ماليك الفنية، ومقدرته على التعبير عن رؤيته السينمائية؛ فكيت هنا قد تحول به الأمر بالفعل من مُجرد الرغبة في الهروب من يد العدالة بسبب جرائمه، إلى هوس الشهرة بالقتل، والهروب من أجل تداول أخباره إعلاميا، والاهتمام به، أي أن ماليك هنا يكاد أن يحذر المُجتمع الأمريكي بالكامل- بفنية بعيدة تماما عن المُباشرة والقصدية، وبسلاسة واضحة- من خطورة تداول أخبار القتلة المُتسلسلين بسبب مكانتهم في الثقافة الشعبية الأمريكية، فمثل هذا التداول الإعلامي يصنع منهم في نهاية الأمر أساطير يتبعها المزيد من الشباب، راغبين أن يكونوا مثلهم، ومن ثم يقومون بتقليدهم لينتشر المزيد من القتل، والأكثر من الدموية في المُجتمع الأمريكي العنيف في جوهره.


لكن، يبدو أن الهروب من مكان إلى آخر، والشعور العارم بالوحدة الذي قد يؤدي إلى الملل أحيانا- لا سيما أنهما يهربان طوال الوقت في سهول مونتانا الشاسعة الخربة التي لا يشاهدا فيها أي كائن حي، أو أي معلم من معالم الحضارة والإنسانية- قد زرع بذور التمرد داخل هولي رويدا لتبدأ في النمو فيما بعد، هذا التمرد بدأت تتبدى لنا مظاهره في العديد من المشاهد المبثوثة في طيات رحلتهما الدموية؛ فحينما وصلا إلى بيت الرجل الثري، وتسللت هولي إلى الخارج لإلقاء نظرة من حول المنزل، تقول من خلال التعليق الصوتي: كان العالم أشبه بكوكب بعيد لا أستطيع العودة إليه، فكرت كم هو مكان جميل مليء بالأشياء التي يستمتع بها الناس.

فرغم أنها هنا تعبر عن مدى اشتياقها إلى الحياة الطبيعية بين البشر، وهو الاشتياق الذي عبرت عنه ببلاغة حينما وصفت العالم "بكوكب بعيد" لا تستطيع الوصول إليه، إلا أن هذا التعليق، وهذا التعبير البليغ عن مشاعرها يحمل في عمقه بداية تمردها على الوضع الدموي العالقة فيه مع كيت.

إن بذور التمرد تلك كانت قد بدأت في التسلل داخلها حينما هربا إلى الغابة ليعيشا فيها لفترة من الوقت، وهو ما لاحظناه حينما بدأت تتأمل في جهاز والدها الذي يعرض العديد من الصور بينما تقول: ذات يوم، عندما كنت أنظر إلى المشاهد من فانوس أبي السحري، شعرت أنني تلك الفتاة التي كان والدها رسام يافطات، ولديه سنوات كثيرة ليعيشها، بعث في ذلك قشعريرة، وفكرت في المكان الذي كان من المُمكن أن أتواجد فيه في هذه اللحظة لو إني لم ألتق بكيت، أو قتل أحدا، في هذه اللحظة بالذات، ولو أن أمي لم تلتق بوالدي يوما، ولو أنها لم تمت يوما، وكيف سيكون الرجل الذي سأتزوج به؟ وماذا كان ليفعل في هذه اللحظات؟ هل هو يفكر بي الآن بفعل الصدفة رغم أنه لا يعرفني؟ هل هذا ظاهر على وجهه؟


إذن، فلقد بدأت هولي في الانفصال عن التعلق الخاضع لكيت رويدا من دون أن تدري، وهو ما تبدى لنا من خلال هذه التعليقات المُتأملة، والتساؤلات المُتتالية مشهدا بعد الآخر، لكن، يبدو أن هذا الانفصال قد بدأت تتزايد وتيرته كلما أوغلا عميقا في السهول الخربة المُعبرة عن الطبيعة القاحلة، وهي الطبيعة التي كانت مُتجانسة تماما، وتتناسب مع سيكولوجيتهما، حتى لكأنها انعكاس طبيعي ومُباشر لهما، لذا حينما يهربا من منزل الرجل الثري تقول في تعليق آخر: كان- تقصد كيت- بحاجة إليّ أكثر من ذي قبل، لكن شيئا ما نشأ بيننا، توقفت عن إعارته انتباهي، جلست في السيارة، وقرأت الخريطة، وتفوهت بالجُمل، وكان لساني عند سقف حلقي بحيث لا يستطيع أحد أن يسمعني.

أي أن هولي هنا قد قاربت على الانفصال الشعوري الكامل عن كيت- تماما كانفصالها عن جرائم القتل الدموية التي تتم أمام عينيها من دون الاهتمام بها، أو الالتفات إليها، أو حتى التعاطف مع الضحايا- إنه الانفصال الكامل الذي تجلى لنا في تعليقها المُهم: شعرت بأشياء كثيرة من خلال النظر إلى الأضواء، الأهم من ذلك، قررت عدم التسكع مُجددا مع رجل مُهمل حتى إن أحببته.

إذن، فلقد اتخذت هولي قرارها الحاسم أثناء انطلاقهما في السهول الشاسعة التي لا تنتهي. ومن خلال تأملاتها فيما حولها من فراغ، بزغ القرار فجأة كحقيقة لا بد منها، وكخطوة لا بد من اتخاذها بحسم.


لعل بعض التصرفات الطفولية التي كانت تصدر من كيت بدوره كانت سببا مُساعدا ومُساهما لهولي في التخلص من خضوعها السيكولوجي الكامل لكيت؛ فهو كثيرا ما يأخذ العديد من الأشياء من أي مكان يصل إليه كتذكار لهذا المكان، لكنه سُرعان ما يقوم بالتخلص منه مرة أخرى. إن مثل هذه التصرفات كانت موجودة بالفعل لدى كيت مُنذ عرفته، لكن يبدو أنها لم تنتبه إليها في اللحظة المُناسبة، أي أنها لم تنتبه إلى تصرفاته الطفولية الغريبة التي قد تؤكد لها أنه غير صالح للاعتماد الكامل عليه، ولنتأمل في بداية علاقتهما حينما رغب في الاحتفاظ بالحجر الضخم الذي أراد أن يسحق به يديهما كتخليد لأول مرة مارسا فيها الجنس، وهو ما يُدلل على عدم نضجه الكافي، ولنتأمل أيضا حينما وضع بعض حاجياتهما في منطاد وأطلقه باعتباره ذكرى لحبهما، ولنتأمل مرة ثالثة حينما خرجا من بيت الرجل الثري بعدما أخذ العديد من الأشياء معه كتذكار، فضلا عن سطوه على سيارة الرجل الكاديلاك، فتقول هولي مُعلقة بينما نشاهد ما تتحدث عنه: قبل أن نرحل، أطلق النار على كرة قدم اعتبرها أمتعة فائضة، ثم طمرنا بعض أغراضنا، قال: إن أحدا لن يعرف أين سنضعها، لكننا سنعود ذات يوم، وستكون لا تزال هنا كما هي، لكننا من سيكونا قد اختلفنا، وإن لم نعد أبدا، فقد ينبشها أحدهم بعد سنوات، وسيتساءلون بشأنها.

إن كيت هنا لديه رغبة استعراضية هوسية بما يقوم به، وبما يخصه، فضلا عن تعلقه السريع بالأشياء، بنفس السرعة التي يتخلى عنها زاهدا فيها، وهو ما يُدلل- بالنسبة لسيكولوجية الأنثى المائلة إلى الاستقرار أكثر- على عدم الأمان في كنف سيكولوجية مثل سيكولوجية كيت المُتقلبة، والتي لا تشعر بفداحة ما ورط نفسه فيه، ولا بخطورته، حتى أن درجة انفصاله التام عن الواقع وما يقترفه قد دفعته إلى التفكير في العمل في مجال الشرطة، وهو ما لاحظناه من قوله لها: يمكنني الحصول على وظيفة مع شرطة الخيالة، شرطة الشمال الغربي، لدي كل المؤهلات، بوسعي امتطاء الأحصنة، وإطلاق النار، ولا أمانع البرد، أحب البرد- يبدو لنا الفتى هنا وكأنه غير مُنتبه لخطورة الجرائم التي ارتكبها، أو أنه يعتبرها مُجرد أفعال عادية، وطبيعية كان لا بد منها!


مع انطلاق كيت المُستمر في السهول الخربة لمونتانا من دون جهة مُحددة لهذا الهروب الأبدي، يُلاحظ وجود إحدى الكبائن في الصحراء بجانبها فنطاس بترول، وبما أنه في حاجة إلى الوقود لتزويد سيارته، فلقد توقف ليطلب من الرجل إعارته بعض الوقود، لكن الرجل يرفض، وفي اللحظة التي يفكر فيها كيت في إطلاق النار عليه، يُفاجأ بمروحية تجول في المكان، وهو ما جعل هولي تختبئ بجوار فنطاس الوقود، بينما يحاول كيت الهروب، فيطلب منها الإسراع معه باتجاه السيارة، لكنها كانت قد اتخذت قرارها النهائي بالتوقف عن الاستمرار في هذا الهروب الأبدي إلى اللاجهة، أي الانفصال الشعوري الكامل عنه، ومن ثم تخبره بأنها غير راغبة في الاستمرار، لكنه يقاوم الشرطيين في المروحية، ليقتل أحدهما ويسرع هاربا، بينما تسلم هولي نفسها للشرطي الآخر.

يستمر كيت في رحلته الأبدية وحيدا، وحينما يتوقف في إحدى محطات الوقود يلاحظ مرور سيارة شريف البلدة؛ مما يجعله يسارع بالهروب، لكن شريف البلدة- قام بدوره المُمثل الأمريكي Garry Littlejohn جاري ليتلجون- يبدأ في مُطاردته، بل ويصر على القبض عليه، وبما أن كيت قد شعر بأنه لا بد له من التوقف؛ فالوقود على وشك النفاد، فضلا عن أن رصاصات مُسدسه قد نفدت منه بالفعل، مما يعني أنه لا طائل من الاستمرار في الهروب؛ فلقد اتخذ قراره بتسليم نفسه، ومن ثم يتوقف بسيارته ليقف بجانبها في انتظار وصول سيارة الشريف الذي يلقي القبض عليه، لنرى مُساعد الشريف يسأله سؤالا بالغ الجوهرية لصلته البالغة بالسياق الفيلمي: كيت، لدي سؤال لك، هل تحب الناس؟ ليقول كيت بلامُبالاة: لا بأس بهم. فيسأله مُساعد الشريف مرة أخرى: إذن، لِمَ فعلت ذلك؟ يقول كيت: لا أعلم، لطالما أردت أن أكون مُجرما، لكن ليس لهذه الدرجة، لكنني أتقبل كل الأنواع. هنا يلتفت مُساعد الشريف للشريف قائلا: هل تعرف من يشبه؟ تعرف أليس كذلك؟ يقول الشريف: لا. فيقول مُساعده: سأقبل مُؤخرتك إن كان لا يشبه جيمس دين.


ربما تأتي أهمية هذا السؤال المطروح على كيت من دلالته على بيان مدى اضطرابه النفسي، فضلا عن مدى تأثير وسائل الإعلام على تشكيل مثل هذه الهويات المُضطربة؛ فكيت لديه الرغبة العميقة في أن يكون قاتلا مُنذ البداية، ولعل هذه الرغبة قد تكونت لديه بسبب تداول وسائل الإعلام أخبار القتل الدموية بصورة براقة قد تجعل من أصحابها نجوما يتابعهم المُجتمع الدموي في جوهره، المائل باتجاه العنف الشديد، ومن ثم تصبح وسائل الإعلام هنا رافدا مُهما في صناعة المزيد من القتلة!

لكن، لعلنا لاحظنا أن تيرينس ماليك هنا قد حرص على تقديم شخصية كيت، غريبة الأطوار، باعتبارها من الشخصيات الجذابة اللافتة للنظر مُنذ البداية، فهو لديه الموهبة في التعامل بشكل آسر مع الآخرين مما يجعلهم يقعون في أسر شخصيته، والإعجاب بها، أي أنه يمتلك المهارة الاجتماعية للتواصل مع الغير رغم عدائيته باتجاه المُجتمع، وهو ما لاحظناه في انبهار مُعظم رجال الشرطة به وبأسلوبه بعد القبض عليه، كما لاحظناه بشكل أوضح من التعليق الأخير لهولي حينما قالت: تمت إعادتنا إلى داكوتا الجنوبية، وضعوه في سجن مُنفرد لئلا يتمكن من التعرف على سُجناء آخرين، كان يعرف أنهم سيحبونه، لا سيما المُجرمين، أما أنا، فخرجت مع تعليق عقوبة والكثير من نظرات الشذر، لاحقا، تزوجت بابن المُحامي الذي دافع عني.


إنها المهارة الاجتماعية التي رأيناها في المشهد الأخير للتدليل على مدى جاذبية شخصيته حينما يسأل الضابط المُرافق له في الطائرة أثناء إعادته: سيدي، أنى لك بهذه القبعة؟ ليرد الضابط: من الولاية. يقول كيت: أود شراء واحدة لي. فيقول الضابط بإعجاب: أنت شخص مُميز يا كيت. فيسأله كيت: أتظنهم سيأخذون هذا بعين الاعتبار؟

تلك الجاذبية تجعلنا نتساءل: لِمَ لمْ يستغلها كيت في حياته الاجتماعية بدلا من عدائه للجميع، ,دمويته المُفرطة؟ ربما كان ماليك- كمُخرج- قد قصد إلى إيصالنا لمثل هذا التساؤل، وزج بنا للتفكير فيه، فهو- في واقع الأمر- يتأمل معنا، ويفكر في تفاهة الشر، ولا جدواه، وربما عدميته، فهو لم يعد على كيت في النهاية سوى بالحُكم عليه بالإعدام.

لكن، ألا نُلاحظ أن تقديم ماليك لكيت بمثل هذه الجاذبية والمهارة الاجتماعية التي تجعل الآخرين واقعين في أسر شخصيته لا تختلف كثيرا عن مُغازلة الأفلام الدموية الأخرى التي تم تقديمها في السينما الأمريكية للثقافة الشعبية المائلة باتجاه العنف والدموية؟

إن شخصية كيت بمثل هذا الشكل أدت إلى ميل المُشاهد نفسه إليه، وتعاطفه معه، بل وإعجابه به أيضا، وهو ما يجعل نموذجه- كقاتل- من الشخصيات المُحببة بالنسبة للمُشاهدين، لا سيما أنه يتمتع- بدوره- بلامُبالاة بالغة باتجاه كل شيء، وهو ما رأيناه أيضا في النهاية حينما تقول هولي مُعلقة: استسلم كيت للنوم في المحكمة بينما كانوا يقرأون له اعترافه، وحُكم عليه بالموت على الكرسي الكهربائي، في ليلة دافئة من الربيع، وبعد ستة أشهر، وبعد أن وهب جسده للاختبار العلمي توفي.


رغم أن فيلم "الأراضي الخربة" للمُخرج الأمريكي تيرينس ماليك كان هو الفيلم الروائي الأول له الذي قدم به نفسه لجمهور السينما، إلا أنه كان خير بداية من المُمكن لنا التعرف من خلالها على هذا المُخرج الذي امتلك فيما بعد أسلوبية بالغة الخصوصية، وأكثر تعقيدا وتشابكا في تقديم عالمه السينمائي، ورغم أن أسلوبية التعليق الصوتي التي انتهجها في أفلامه كانت من الأسلوبيات الغريبة على مجال السينما؛ مما دفع العديد من النقاد إلى الهجوم عليه، والانقسام من حوله، واعتباره مُخرجا كسولا، إلا أنها تحولت فيما بعد- ومع تقديم المزيد من الأفلام- إلى بصمة خاصة تُميز المُخرج عن غيره من المُخرجين- بل وسار على نهجه العديد منهم- ومن ثم سنراه فيما بعد يعمل على تجويدها بشكل يقترب بها من الأسلوبية الأدبية الرفيعة في أفلامه التالية، تماما كبصمته الفريدة في الاهتمام بالمناظر الطبيعية في جل أفلامه، وهو الاهتمام الذي قد يكون السبب فيه أنه من أبناء ولاية تكساس، ومن ثم فحياته في هذه المناطق الشاسعة، وقربه من المناظر الطبيعية قد جعلها أحيانا بمثابة المتن في بعض أفلامه، بينما الحدث والمُمثلين هم الهامش، مع الحفاظ على فنية الفيلم الذي يقدمه.

 

 محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".
سبتمبر 2026م.