الخميس، 16 يوليو 2026

الماموث: شكلانية الفن وحقيقته

ثمة تساؤل جوهري يطرحه الفيلم الروائي القصير "الماموث" للمُخرج والسيناريست المصري حسام محمد رستم، وهو تساؤل من الأهمية والضرورة بمكان لطول ما تردد على أذهان من يتناولون مفهوم الفن- سواء على المستوى الفلسفي، أو الجمالي، أو حتى على أرض الواقع: من هو الفنان؟ ومتى يكون الشخص فنانا حقيقيا؟

هل من المُمكن لنا إطلاق مفهوم، وتوصيف الفنان على الإنسان لمُجرد ادعائه الفن، وتشبهه بالفنانين من الناحية الشكلانية، كما قال نادر- قام بدوره المُمثل أحمد أبو النصر- لياسر، صاحب ورشة النجارة- قام بدوره المُمثل ياسر عبد القوي: تعرف، إنت لو لميت شعرك، وحلقت دقنك، مُمكن شكلك يدي على فنان، وساعتها مُمكن تعرف اشمعنى- يقصد السبب في اختيار نادر للماموث كنموذج فني.

هل من المُمكن ذلك؟ ما زال السؤال هنا مطروحا، يستحق المُتابعة وانتظار الإجابة عليه، أو توليد المزيد من الأسئلة منه: هل شكلانية الفنان تعطيه أحقية أن يكون فنانا حتى لو كان جاهلا سطحيا؟

فالدكتور نادر معه شهادة الدكتوراه في الفن، وقد يكون مُدرسا للطلاب في كلية الفنون الجميلة- أي أنه من المُفترض به تربية أجيال فنية، ومنحهم المعرفة- لكننا على أرض الواقع نراه بالغ السطحية والجهل والتفاهة. صحيح أننا نراه مُطلقا لشعره، وقد ربطه من الخلف، وارتدى ملابس أنيقة، ويُطعم حديثه بالعديد من المُفردات الإنجليزية، وربما غيرها من اللغات- كإحساس داخلي منه بالضآلة والجهل، يحاول تعويضه بهذه الأسلوبية في الحديث- لكنه في الحقيقة ليس بفنان، ولا يمكن له أن يكون بأي حال من الأحوال.

هل الفنان هو من يكون ضيفا دائما على المُؤتمرات، والفعاليات الفنية، الموجود في كافة المُناسبات، المُتحدث الدائم عن نفسه، وعظمة إنجازاته، ونُدرتها؟


بالتأكيد هذا ليس بفنان، بقدر ما هو مُدعٍ- شاعر بضآلته وبحجمة الحقيقي المُخجل؛ لذا يثرثر كثيرا- فالفنان الحقيقي ليس في حاجة إلى الحديث الدائم عن إنجازاته، وما يقوم به من أعمال جليلة، ومُعاناته التي لا يعرفها الآخرون، وحرمان نفسه من حقوقه كإنسان من أجل الفن، وربما احتراقه لإضاءة الطريق للآخرين، ورهبنته بعيدا عن البشر من أجل فنه. فالفن الحقيقي له لسان يتحدث به، وأجنحة يحلق بها من مكان لآخر، وضجيج واضح يُحدث صخبا لا يمكن تجاهله أينما حلّ، ومن ثم تصبح الثرثرة الفارغة التي يحرص عليها الكثيرون للحديث عن إنجازاتهم العظيمة- تحت دعوى الفن- هي من قبيل الفراغ الحقيقي، والإحساس العارم بالضآلة والسطحية، فهذا ليس بفن.

إنه المفهوم الذي يحمل في جوهره معنى الحرية. الحرية في الفن، والإرادة، والاختيار، ومُمارسة الفن بحرية مُطلقة- بعيدا عن الإملاءات، والشروط، أو حتى وضع المُتلقي لهذا الفن في ذهنية خالق الفن، فيحرص على مُراعاة طريقة تلقيه لفنه، أو مفهومه، أي فرض القيود على نفسه- وهو ما تجلى لنا بشكل بيّن في حديث ياسر الرافض مع الدكتور نادر حينما رغب ياسر في مُرافقة الدكتور نادر إلى المُؤتمر الذي سيعلن فيه عن منحوتته الفنية الجديدة/ الماموث، وهي المنحوتة التي صنعها ياسر، فاعترض نادر مُبررا له هذا الرفض بقوله: كمان لو عايز اعتراف مني إن إنت فنان؛ فأنت فنان يا عم. لكن ياسر يرد عليه بإباء: والنبي يا أخويا متقولش الكلمة دي الله يبارك لك. فيسأله نادر مُندهشا: هي فنان بقت شتيمة اليومين دول؟! ليرد ياسر بيقين: الفنان بيعمل اللي هو عايزه. فيسأله نادر: وإنت؟ يقول: أنا راجل صنايعي، يعمل اللي الناس عايزاه. ليسأله نادر: وإنت إيه اللي يمنعك تعمل اللي إنت عايزه؟!


ربما نُلاحظ هنا أن الدكتور نادر قد بلغ من السطحية ما جعله غير قادر على فهم ما يدور من حوله، فهو- نتيجة لادعائه الذي اعتاده قد بلغ درجة من الغباء الذي يجعله غير قادر على تفسير الأمور، أو فهمها- لذا لم يفهم أن ياسر حينما شرع في تشكيل الماموث، أو حينما يشرع في تشكيل أي منحوتة أو مُجسم فني آخر؛ فهو يفعل ذلك بناء على طلب مُدعي الفن من أمثال نادر- العاجزين عن الفعل، غير القادرين على مُمارسة الفعل الفني- وبما أنه في حاجة إلى العمل، والمال الذي سيتكسبه بناء على الفعل فهو هنا لا يمتلك حريته الفنية، هو في الحقيقة لا يمتلك حرية الفعل في أي شيء، بل هو أسير، وخاضع تماما لرغبات وأموال وإملاءات الآخرين نتيجة حاجتة المادية، وعدم امتلاك رفاهية حرية الفعل، وهو ما قد يجعله مُستعدا لفعل أشياء غير مُقتنع بها من الناحية الفنية لمُجرد أن "الزبون"/ الفنان راغب في ذلك، أو يرى أن ما يرغبه هو الصحيح!

لكن، كيف حاول المُخرج حسام محمد رستم التعبير عن هذه الفكرة الجوهرية في شكلها الفني لتكون فيلما سينمائيا؟


يفتتح المُخرج فيلمه للوهلة الأولى على مكان تم تجهيله تماما، وإن كان أشبه بالأدغال، بينما نُلاحظ أن الضباب يحيط بكل شيء- كإيغال في تجريد المكان والزمان وتجهيلهما- يبدو الأمر- أمامنا على الشاشة- وكأننا قد عدنا إلى بداية التاريخ والإنسان البدائي؛ لذا نلمح ياسر- بملامح طيبة، متوترة، شاعرة بالكثير من القلق الذي يجعله يلتفت خلفه غير مرة، أي استشعار الخطر- سائرا بصعوبة، وبخطوات بطيئة بسبب قدمه العرجاء، مُرتديا أسمالا تشبه إلى حد بعيد الإنسان البدائي بينما نستمع إلى صوته في الخلفية مُرددا لقصيدة ما.

يقطع المُخرج على نادر الذي يتعقبه مُمسكا بسهمه- في أسمال تُدلل على بدائيته بدوره- وقد بدا على ملامحه، ولغة جسده إصراره على الإيقاع به، أو إيذائه بشكل ما، وهو ما يتضح لنا من الوتر والسهم اللذين يحملهما في يديه.

إذن فياسر هنا بمثابة الصيد الذي لا بد من الإيقاع به كفريسة، أو هابيل الذي يصر قابيل على القضاء عليه- ربما كي لا يترك أثرا من خلفه يُدلل على زيفه، أو لغيرته مما يمتلكه ياسر/ هابيل "الموهبة"- وبمُجرد ما يشد نادر وتره، ويستعد لإطلاق الرمح يقطع المُخرج مُونتاجيا مُباشرة على شاشة سوداء، لنقرأ عليها العنوان "الماموث".


لِمَ فكر المُخرج في هذه البداية التي كانت بمثابة المُقدمة الفيلمية، أو الجملة المُختصرة لمفهوم الفيلم بالكامل؟

يبدو لنا أن المُخرج هنا قد أمعن التفكير في فكرته ومفهومها إلى أقصى حد، وهو ما جعله يحاول شرحه، والتأكيد على هذا الشرح المفهومي للمُشاهد مُنذ البداية- باعتبار أن المعنى قد لا يصل مُباشرة للمُشاهد- لذا كانت القصيدة التي يرددها ياسر في هذه المُقدمة بمثابة المشهد الشارح لما سيأتي فيما بعد، فنستمع إليه يقول: على الجميع، بأي كلمة، أو نص كلمة، بأي حرف، أو حتى نقطة، أو نص همزة، وبدون كلام. فين المقص؟ هنقص حتة، مش أي حتة، خليك معايا، بقولك إيه، هاتها بحالها، خد المقص، هات اللي عندك، كل اللي عندك، ملمة واحدة، هات المقص، مش عايز أعيش، أعيش، أعيش، آكل، وآكل، وأطلع، وأنزل، ومختشيش، أروح، وأرجع، وتروح وترجع، ونروح ونرجع، على مفيش.

إنها الكلمات التي ظل يرددها أثناء سيره وحيدا- فيما يشبه الغابة الضبابية- شاعرا بالقلق، مُلتفتا خلفه، مُتطيرا بين الفينة والأخرى، إلى أن جذب نادر وتره، وشد رمحه للخلف، ليقطع المُخرج مُباشرة على التيترات.


إذن، فلقد كان هذا المشهد الشارح بمثابة المُقدمة المُباشرة للفيلم، صحيح أننا نستطيع اعتبارها بمثابة المشهد التأسيسي الأول- أو مشهد ما قبل التيترات Avant Titre- لكنه في جوهر الأمر لم يكن في صالح السياق الفيلمي؛ فالفيلم- كفن- ليس في حاجة إلى مشاهد شارحة قد تؤدي به إلى المُباشرة والسطحية، بل هو في حاجة إلى التفاعل معه من قبل الجمهور، ومحاولة تفسيره خارجيا- وليس داخليا من قبل صانع العمل نفسه الذي حاول التدخل، والإشارة بافتراضه عجز الجمهور عن الاستيعاب للمفهوم الذي يسعى من خلفه.

بعد انتهاء تيترات المُقدمة مُباشرة- التي لم تكن سوى عنوان الفيلم- يقطع المُخرج على نادر- قابيل في المشهد التأسيسي- واقفا أمام إحدى ورش النجارة مُتحدثا في هاتفه، لنفهم بأنه يتحدث إلى زوجته بقوله: هفاجئك، بالإنستليشن Installation آرت- يقصد العمل الفني التركيبي- أنا؟ أنا في الأتلييه يا حبيبتي، آه، هحط بس الفينيش وأخلص، وهاجي لك على طول، أوكي، باي.

ألا نُلاحظ هنا- في هذا المشهد الافتتاحي التالي للمُقدمة- أن الدكتور نادر/ الفنان- أو بالأحرى مُدعي الفن- ليس إلا مُجرد نصاب مُدعي، وأنه يمارس هذا الادعاء على الجميع من حوله حتى أقرب الناس إليه/ زوجته؟


هو هنا راغب في إثارة إعجابها، رؤية انبهارها به في عينيها، ارغامها على الاعتراف بموهبته التي لا مثيل لها- رغم انتفائها- حينما ترى النموذج الفني الجديد له: هفاجئك، بالإنستليشن Installation آرت. لذا- وبما أنه مُجرد مُدعٍ- فهو يوغل في ادعائه بأنه في الأتلييه الخاص به لوضع اللمسات النهائية على مُجسمه الفني، رغم أنه في ورشة النجارة الخاصة بياسر لاستلام المُجسم الذي صنعه ياسر بنفسه، ووضع فيه روحه الفنية.

روح الفنان، تلك هي المُعضلة الأساسية لمُمارسي الفن، وهي المُعضلة التي لا يُدركها مُدعو الفن، إنها الروح التي يضعها الفنان فيما يصنعه ليستحيل في النهاية جزءا لا يتجزأ منه، وبالتالي فحينما تبتعد هذه القطعة الفنية الخاصة بالفنان عنه، يشعر وكأنما ثمة من سلبه روحه الحقيقية، قضى عليه، أصابه في مقتل، هدد وجوده بمفهومه الوجودي الأعمق، وهو ما دفع ياسر لشرح مدى تعلقه بما يصنعه لنادر حينما قال له، مُشيرا إلى لوحة فنية على حائط الورشة: بص الحتة دي كدا، تفتكر مين اللي عملها؟ لينظر إليها نادر ببرود قائلا: قصدك اللوحة، مش فارق معايا.


إنه هنا لم يحاول حتى تأمل اللوحة على الأقل، بل ألقى مُجرد نظرة عابرة، بالغة البرودة عليها ليرد برده الجاف المُعبر عن شخصيته، ومدى جهله، لكن ياسر يستمر في حديثه مُتجاهلا أسلوبية الرد: ولا أنا أعرف مين اللي عاملها- رغم إمكانية أن يكون هو من صنعها- بس حسيت فيها حاجة حقيقية. فيسأله نادر: ازاي يعني؟ يقول ياسر: حاجة مقدرش أشرحها، بس كأن فيه حد حط فيها روحه. ليقول نادر ساخرا: روحه؟ التاريخ مبيفتكرش بقى المشاعر والحقيقة والعبط دا، التاريخ بيفتكر بس اللي مكتوب، وأنا بعمل حاجة تدوم.

ربما لا يمكن لنا هنا إنكار وجاهة ما تفوه به نادر رغم سخافته؛ فالواقع ما فتئ يؤكد لنا على أن التاريخ غالبا ما يكتبه المنتصرون، أي الأقوى، أي من هم في مكانة نادر الزائفة، ومن ثم فهو تاريخ زائف بدوره في العديد من الوقائع المُسجلة، بينما الوقائع الحقيقية غالبا ما تندثر وكأنها لم تحدث لأن أصحابها دائما ما يكونون في موقع الضعف، أو قلة الحيلة- تماما كياسر الفنان صاحب ورشة النجارة الذي لا يمتلك قول الحقيقة، والمُجاهرة بامتلاكه الفعلي لهذه القطعة الفنية "الماموث" بما أنه هو من قام بنحتها، والسهر عليها، والتفكير فيها طوال الوقت.


إن مُعاناة الفنان فيما يقوم به، وارتباطه الوجداني، والفكري بأعماله الفنية التي تخرج من بين يديه هو ما عبر عنه ياسر بشكل فني، بالغ الصدق حينما اتجه إلى أحد أركان ورشته ليرتدي قميصا جديدا فوق ملابس عمله المُتسخة قائلا: إيه رأيك يا دكتور نادر؟ مُرددا لنفسه بإعجاب: فِخم، ألاجة. ليقول نادر بلامُبالاة: حلو، كان نفسي أقولك هيبقى حلو عليك أوي في فرح بنتك. يقول ياسر مُتجاهلا تلميحات نادر- حتى لكأنما اختياره عدم الزواج قد بات نقيصة وُصم بها: دا أنا جايبه أروح بيه المُؤتمر. هنا يتساءل نادر مُدهشا: مُؤتمر إيه؟ يسأل ياسر: يعني مش هروح معاك المُؤتمر؟! يقول نادر مُتهكما: مسموش مُؤتمر. ليسأل ياسر: أومال اسمه إيه؟ فيرد نادر ضائقا: اسكت، اسكت. فيسأل ياسر مُلحا: يعني مش هاجي معاك؟! ليتساءل نادر مرة أخرى: تيجي فين؟! هنا يقول ياسر مُفضيا بمشاعره العميقة، مُشيرا إلى مُجسم رأس الماموث: أنا بقالي شهور معاه، مش من حقي حتى آجي مُؤتمر أشوفهم وهما بيصقفوا له؟! أنا ليا فيه زيي زيك. لكن نادر يقول ببجاحة: دا فكرتي، تصوري، أنا اللي عملته، أنت مُجرد نفذت.

هذا الحوار السابق بين كل من ياسر- الفنان الحقيقي- والدكتور نادر- مُدعِ الفن- هو الإسقاط المُباشر، والتعبير بالصورة على ما سبق لنا أن رأيناه في مشهد ما قبل التيترات الذي كان بمثابة تلخيص للفيلم وعالمه؛ فنادر/ قابيل يحاول هنا قتل ياسر/ هابيل، وسلبه لكل حقوقه في موهبته، بل وأحقيته في الفرح والفخر بهذا المُجسم الذي خرج من بين يديه. وهذا أمر طبيعي، فهو أولا مُجرد مدعٍ سيعرض الماموث على الجميع مُعلنا عن تحفته الفنية الجديدة، ليرى الإعجاب والتقدير في عيون الجميع، وهو ثانيا لا يستطيع اصطحاب ياسر النجار البسيط، الفقير، وربما غير المُتعلم معه إلى حفل الإعلان عن هذا المُجسم الفني الجديد، فليس ثمة رابط عقلاني أو منطقي أو اجتماعي أو طبقي من المُمكن له أن يربط بين الدكتور الجامعي الفنان المُتعلم، وبين النجار البسيط غير المُتعلم، أي أن وجود ياسر في مثل هذه المُناسبة سيكون بمثابة الفضيحة لنادر، وربما يتسبب ذلك في كارثة كشف زيفه أمام الجميع.


لذا، وخشية من محاولة ياسر كشف زيفه أمام الجميع، وكمحاولة منه للحفاظ على صرحه الفني الزائف الذي اجتهد في بنائه بالكذب والادعاء على الجميع، نراه يخرج تنازلا عن حقوق الملكية ليناوله لياسر، طالبا منه التوقيع عليه، لكن ياسر يقول له بهدوء، بالغ الانكسار: ملهاش لازمة الورقة دي يا دكتور. فيقول نادر بإصرار: لا، هتمضي، وهحتاج منك كمان التصميمات.

هنا لا بد لنا من التوقف  لطرح السؤال الأكثر أهمية وبلاغة: هل مُجرد توقيع ياسر على التنازل عن حقوق ملكيته لمُجسم الماموث من شأنه أن يحيل هذه الملكية الفنية إلى الدكتور نادر؟ يبرئ ساحته أمام الجميع إذا ما اكتشفوا الأمر؟ هل الفن مُجرد أوراق يتم تجهيزها بالكيفية التي يرغب صاحبها- حتى لو كانت خادعة؟

بالتأكيد لا يمكن لأي كان هنا إنكار أن مُجسم الماموث هو ملك أصيل، وحقيقي لياسر الذي قام بصناعته ونحته، فليس مُجرد كونه فكرة، أو تصورا لنادر- كما سبق له أن أخبر ياسر- يعطيه الحق في امتلاكه الفني له؛ فهو لم يفعل أي شيء سوى التصور والاقتراح، أي أنه- في جوهر الأمر- قد يمتلك الفكرة، لكنه خالٍ تماما من أي موهبة تُتيح له تنفيذ هذه الفكرة، وتجسيدها على أرض الواقع بشكل مادي، وبالتالي فامتلاكه للفكرة لا يمكن لها أن تصنع منه فنانا، ومن هنا يكون الفنان الحقيقي هو ياسر الذي يمتلك الموهبة التي تساعده على تحويل الأفكار إلى مُجسم فني ملموس على أرض الواقع- تماما مثل شخص مُدعٍ لكتابة فن الرواية، فهو قد يمتلك الكثير من الأفكار التي يرويها للآخرين بشكل شفوي، لكنه يفتقد تماما للموهبة، واللغة، والأسلوبية، طريقة البناء التي تتيح له، وتساعده على تحويل هذه الأفكار إلى بناء روائي من المُمكن للآخرين قراءته.


لكن، بما أن نادر لا يفهم الأمر على هذا النحو، وبما أنه بالغ السطحية والمُباشرة في أفكاره، وثقافته، فهو غير قادر على استيعاب سبب الحزن العميق الذي يشعر به ياسر لمُفارقته للماموث- الذي ترك فيه جزءا من روحه- فضلا عن حزنه وانزعاجه البالغين بسبب إصرار نادر على توقيعه التنازل؛ ومن ثم يقول لياسر: يا عم ياسر والنبي متعملش فيها متأثر أوي كدا، إنت قابض تمنه- وكأنما تلقيه للأموال مُقابل تنفيذه للماموث ينزع منه أحقيته في امتلاكه له، أو ارتباطه العاطفي البالغ به- فيسأله ياسر: اشمعنى المرا دي؟ ليرد نادر: المرة اللي فاتت كان تصور فني ومكملش. فيقول ياسر بثقة وواقعية: لو مضيت الورقة دي، تشهد إنك كنت هنا، وإن المُجسم دا له حد عمله، خده، وخد التصميمات، واللي هتقول لهم عليه هيبقى الحقيقة.

ألا نُلاحظ هنا أنه ليس ثمة صراع حقيقي ناشئ بين كل من الاثنين على امتلاك الماموث كعمل فني- على الأقل من ناحية ياسر/ الفنان الحقيقي للعمل؟

إن ياسر/ هابيل ليست لديه النية في إفشاء السر، ولم يفكر لوهلة واحدة في الادعاء بامتلاكه للمُجسم الفني، كل ما هنالك أنه مُرتبط به ارتباطا عاطفيا قويا- وهو أمر طبيعي يشعر به الفنان تجاه عمله الفني- وكانت لديه الرغبة في الفرحة بالعمل لحظة الإعلان عنه في المُؤتمر الذي ظنه، أي الفرح به في لحظة ميلاده وإعلان تواجده في العالم.


إذن، فالصراع الحقيقي هنا ناشئ- في المقام الأول- من قبل نادر الذي يظن برغبة ياسر في إفشاء سره، أو فضحه، أو التقليل من مكانته المُزيفة التي وصل إليها بموهبة ياسر- تماما كقابيل الذي افتعل الصراع مع أخيه هابيل، ومن ثم قضى عليه لمُجرد رغبته فيما بين يديه.

من الطبيعي أن يظن نادر السوء بياسر، ويتطير منه، ويتربص به؛ فمن خصاله الكذب، والنفاق، والادعاء- لاحظ كذبه مُنذ المشهد الأول حينما تحدث مع زوجته وادعى لها بأنه في الأتلييه الخاص به لوضع اللمسات النهائية للمُجسم- وبالتالي تكون رغبته في الإضرار بياسر أمرا طبيعيا، فضلا عن إحساسه العارم بأن ياسر أفضل منه، ليس لامتلاكه الموهبة الفنية فقط- رغم افتقاده للتعليم والمكانة الاجتماعية- بل لأنه أكثر صدقا منه، وتمسكا بالقيم التي يفتقدها نادر، أي أنه يكشفه أمام نفسه، يعريه، يشعره بالخجل والنقص والعار، وهو ما أكد عليه المُخرج في المشهد الذي سأله فيه ياسر: هو فيه حد يعرف إنك إنت عندي هنا لمؤاخذة؟- وهو مُمسك بمنشاره وكأنه يُهدده بإمكانية القضاء عليه داخل الورشة بما أنه يخفي عن الجميع مكان تواجده بادعائه بأنه في الأتلييه- فيسأله نادر، وقد لمح شيئا من التهديد الضمني: اشمعنى؟ ليقول ياسر: أصل أنا لمؤاخذة سمعتك، من غير قصد يعني، وإنت بتكلم الجماعة في التليفون، وبتقول لها إنك في الأتلييه، يعني مخبي إنك إنت عندي هنا. ليرد نادر: آه. إنت ليه متجوزتش؟ فيرد ياسر ردا بالغ السُخرية والإيغال في التعرية: مبعرفش أكدب. فيسأله نادر بتهديد مُبطن بدوره: إنت بقى حد يعرف إنك هنا؟- في إشارة منه إلى وحدة ياسر وعدم زواجه الذي يجعل وجوده كعدمه بالنسبة للآخرين، بما أنه لا يوجد من يهتم به.


إن عدم امتلاك نادر للموهبة، أو حتى المعرفة يجعله غير قادر على تبرير السبب في خياراته، فما يقوم بالتفكير فيه، أو اقتراحه، مُجرد فكرة قد ترد على ذهنه في لحظة ما، وربما تكون فكرة سمعها من الآخرين، أو قرأ عنها، أو رآها في مكان ما، وبالتالي فهو لا يمتلك المقدرة على تبرير خياراته الفنية التي يطرحها، وشرحها. من هنا فهو لا يمتلك الإجابة المُقنعة حينما يسأله ياسر: اشمعنى الماموث؟ ليرد عليه: بحب شكله. ليسأل ياسر مُندهشا: بس؟!

ربما كان الدكتور نادر لا يعرف شيئا عن الماموث من قبل على الإطلاق، وربما لم ير شكله أيضا ليجيب مثل هذه الإجابة، وهي احتمالية يعضدها جهله، وادعائه، وكذبه، فضلا عن إجابته التي لا معنى لها. إلا أننا سنتيقن بأن نادر ربما لم يقرأ عن الماموث من قبل حينما يقول له ياسر مُعلقا على وقوف نادر أمام المُجسم للوهلة الأولى من دون أن يدور من حوله ليراه من كافة الزوايا: لمؤاخذة إنت لو مشفتنيش من الناحيتين، هتعرف ازاي إن أنا ليا ايدين اتنين؟ فيسأل نادر مُندهشا: So?. يقول ياسر: بص عليه كدا يا أستاذ، يمكن فيه ناب ناقص ولا حاجة. ليقول نادر مُدعيا المعرفة: قصدك Metaphor استعارة يعني؟ يقول ياسر بلامُبالاة: ناب واحد أحلى. يسأل نادر مُندهشا: تفتكر؟! يقول ياسر: أكيد، آخر ماموث على وش الأرض، لما البشر حاصروه بالسهم، عمل حاجة غريبة أوي، هرب منهم في ممر ضيق، وعند آخره قعد يحفر في الأرض، يحفر في الأرض، لحد ما ناب من نيابه اتكسر، آخر مرة شافوه كان ماشي بناب واحد، واختفى في الضباب. يسأله نادر مُنجذبا: و...؟ يقول ياسر ببساطة: وبس. ليقول نادر ساخرا: ودي بقى حدوتة جدتك كانت بتحكيها لك، ولا ألف ليلة وليلة؟ يقول ياسر: مش مصدقني؟ دي الحقيقة.


لِمَ لا نتوقف هنا أمام هذا المشهد هنيهة؟

إن المُخرج في هذا المشهد يحاول استباق النهاية بأسلوبية فنية بالغة الرهافة، مُفضيا إلينا بأن ياسر هنا هو الماموث  الأخير على وجه الأرض، وهو ما يتبيّن لنا في قوله: آخر مرة شافوه كان ماشي بناب واحد، واختفى في الضباب. وهو ما سنراه بالفعل في المشهد الختامي للفيلم حينما نرى ياسر سائرا فيما يشبه الغابة التي يحيط بها الضباب من كل جهاتها، بينما يحمل في يساره ناب الماموث الذي خلعه من المُجسم، ليختفي فجأة في الضباب.

هذه الرمزية البلاغية لا يمكن لنا إنكارها، فالفيلم نجح في تقديمها بصريا في نهايته، كما أن المفهوم الفيلمي هنا مفتوح على كافة التأويلات الصالحة لتفسيره، لا سيما أنه مال إلى حد بعيد باتجاه الرمزية في أحداثه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فسواء كانت قصة ياسر التي رواها عن آخر ماموث صحيحة وواقعية من عدمها أم لا- لا سيما أن كافة الأبحاث العلمية ترجح بأن السبب الأساس في انقراض الماموث لم يكن الإنسان الذي ساهم بجزء من انقراضه، بل كان السبب الرئيس هو التغير المناخي الهائل الذي غيّر بيئته الطبيعية، وقضى على موارده الطبيعية للتغذية، باعتباره حيوانا عاشبا، ورفع من درجة حرارة الأرض من حوله مما أدى إلى انقراضه- فياسر كفنان قد ساق هذه القصة في محاولة منه لإقناع نادر بأن مُجسم الماموث إذا ما كان بنابٍ واحد سيكون أفضل- كرؤية فنية مُختلفة لها فرادتها ووجاهتها- لكن، بما أن نادر هنا مُجرد جاهل مُدعٍ يسير على قدمين؛ فهو لم يفهم الحكاية التي رواها ياسر، والمغزى منها- سواء على المستوى الواقعي، او حتى على المستوى الرمزي، بل وسخر منه في نهاية حديثه.


ربما كانت هذه السُخرية من قبل نادر، هي ما جعلت ياسر يرد له السُخرية صاعين حينما يخبره نادر بأنه من المُمكن أن يكون فنانا إذا ما أطلق شعره، وحلق لحيته، فيرد ياسر ساخرا: تعرف احنا لو قصينا جناحات النسر، وطولنا رجليه، وطلعنا له عرف، وعلمناه ينقر، احتمال يدي على فرخة.

إذن، فثمة عدائية طبيعية ومنطقية هنا ما بين الجهل والمعرفة، الادعاء والموهبة، الشر والخير، قابيل وهابيل. إنها الثنائية التي تم تأسيس الفيلم بالكامل عليها بشكل بالغ الرمزية، وإن لم يفتقد فيها الشكل الفني، والأسلوبية البارعة.

إنها الرمزية التي نتبينها مرة أخرى حينما يقوم ياسر بمُساعدة سائق التروسيكل- قام بدوره المُمثل عمرو رمضان- في حمل الماموث لوضعه على ظهر التروسيكل ونقله للخارج، فنرى نادر واقفا مُتأملا للوحة المُعلقة على جدار الورشة، والتي سبق لياسر أن لفت انتباهه إليها، وأخبره بأن ثمة روحا غريبة فيها. فوقوف نادر أمام اللوحة في نفس اللحظة التي يقوم فيها ياسر بنقل المُجسم إلى الخارج والانفصال النهائي عنه، هو بمثابة الإسقاط المُباشر على أن نادر- بخروج المُجسم للخارج، واستيلائه عليه- يأخذ في الحقيقة روح ياسر كفنان معه، وليس المُجسم، أي أنه هنا يسلبه روحه، وفنه، ونفسه أيضا، وربما مفهوم البقاء على وجه الأرض.


لكن، يبدو أن ياسر كفنان غير قادر على التخلي عن منظوره الفني مهما كانت العواقب، صحيح أنه يمارس الفن بناء على الطلب، أي مُقابل من يدفع له المال، وصحيح أن هذا الفن في النهاية لا يُنسب إليه بقدر نسبته إلى المُدعين من أمثال الدكتور نادر، لكنه لا يستطيع- تحت مُسمى المال الذي يتقاضاه- التخلي عن وجهة نظره الفنية- فليس معنى القصة التي رواها أنه لا بد أن يكون الماموث مُطابقا لها بناب واحد، لكن رؤيته الفنية ترى أن الماموث بناب واحد هو الأجدى، والأكثر إيحاء وإسقاطا ورمزية، وتفسيرا للعديد من الأمور، أي توليد المعنى الفني، وهو ما لم يقتنع به نادر، لكن ياسر أصر على رؤيته الفنية، وقام بقطع الناب الثاني من دون علم نادر الذي فوجئ بالناب المقطوع بعد انصراف ياسر، لذا يبتسم، محاولا تكييف الوضع الجديد الذي وجد نفسه فيه مع المُجسم، ومن ثم يتبنى الحكاية التي حكاها له ياسر- بنسبتها إلى نفسه بالتأكيد- ليقول مُتمتما: حلوة، ميتافور حلو، أنا عرفت أحكي لهم إيه.

لاحظ هنا أنه لم يفعل أي شيء في سبيل هذا المُجسم الفني اللهم إلا اقتراح الفكرة على ياسر الذي قام بتصنيعه، بل لم يكن في ذهنه أي تفسير من المُمكن له طرحه على الآخرين حينما يعلن لهم عن مُجسمه الفني الجديد، وهو ما رأيناه سابقا حينما سأله ياسر عن السبب في اختيار الماموث، ورد نادر بأنه مُعجب بشكله- وهو رد لا معنى له- وهو ما تأكد لنا أيضا في هذا المشهد الأخير حينما قال جملته الأخيرة التي أكدت لنا بأنه لم يكن يعرف ما الذي عليه قوله مع إعلانه عن المُجسم، أي ما هو مفهومه الفني لهذا المُجسم، ولِمَ اختاره، ولِمَ بات بناب واحد؟


هنا يقطع المُخرج على ياسر يسير وحيدا بخطوات مُتثاقلة بسبب ساقه العرجاء- وربما ثقل وزنه أيضا، أو حزنه البالغ بعد فقدانه لجزء من روحه، وسلبه إياها- فيما يشبه الغابة المُحاطة بالضباب من كافة الجهات، بينما نُلاحظ في يده اليسرى ناب الماموث الذي قطعه من المُجسم، وسُرعان ما يبتلعه الضباب داخل الغابة، وهو ما يردنا مرة أخرى- بشكل مُباشر-إلى القصة التي رواها ياسر عن آخر ماموث رآه البشر سائرا بناب واحد، وابتلعه الضباب. أي انقراضه، وهو ما حدث لياسر تماما؛ فلقد تغير الطقس من حوله- الظروف الاجتماعية بالكامل- وتم سلب روحه الفنية مع قطعه الفنية التي يقوم بصناعتها للغير من مُدعي الفن، الذين يتباهون بما يقوم هو به، وبالتالي كان من الطبيعي انقراضه بدوره، فهو في زمان ومكان غير مُتناسبين معه، مما يجعل توازي عالمه مع حكاية آخر ماموث مُنقرض مُتطابقة تماما، وأكثر تناغما، وتناسبا.

ربما كان فيلم "الماموث" للمُخرج المصري حسام محمد رستم من الأفلام الروائية القصيرة البالغة الأهمية من حيث أسلوبيتها، فالفيلم في جوهره مُستغرق في رمزيته مُنذ اللحظة الأولى، وهذه الرمزية تُدلل على تجريدية الفكرة التي رغب المُخرج في تقديمها، أو الحديث الفني عنها- فكرة مفهوم الفن وجوهريته- مما يجعل تحويل الأفكار المُجردة إلى صورة سينمائية أكثر صعوبة- لو لم يمتلك صانع العمل موهبته الفنية بدوره- لكن، لعل تجريدية الفكرة، وربما غموضها إلى حد ما، وتفكير المُخرج البالغ فيها قد أوقعه في خطأ المُقدمة التي حاول فيها تفسير الفيلم إلى حد ما، أو تقريبه من المُشاهد بتسطيح الفكرة، وجعلها أكثر مُباشرة، فالفيلم في الحقيقة لم يكن في حاجة إلى هذه المُقدمة التي لم تهدمه- وإن كانت قد أخذت من رصيده الفني بالسلب- لا سيما أن مشهد النهاية البالغ الرمزية- الذي اختفى فيه ياسر داخل الضباب كآخر ماموث فني بدروه على وجه الأرض- كان أكثر تأثيرا، ونافيا لضرورة وجود المُقدمة التي رأيناها في البداية، حيث أشعرنا مشهد النهاية بثقل هذه المُقدمة والتأكيد على عدم ضرورتها الفنية.


لكن، ربما لا تفوتنا المُوسيقى التصويرية البالغة التأثير، والتي لعبت دورا لا يقل أهمية عن باقي العناصر الفيلمية للمُوسيقية: ياسمين الصباغ، وهي المُوسيقى التي عبرت عما يرغب المُخرج في طرحه، لا سيما في مشهدي البداية، والنهاية حيث أشعرتنا ببدائية الرغبات، والتفكير ووحشيتهما، فضلا عن الأداء التمثيلي البارع للمُمثلين الثلاثة على طول الفيلم.

 

 

 محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".
عدد يونيو 2026م.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الاثنين، 29 يونيو 2026

الصديقات: هشاشة البرجوازية الإيطالية وخواءها

ربما ستُهيمن أحداث الفيلم الإيطالي Perfect Strangers غرباء تماما 2016م، للمُخرج Paolo Genovese باولو جينوفيز، على أذهاننا للوهلة الأولى التي سنرى فيها فيلم Le Amiche الصديقات 1955م للمُخرج والسيناريست الإيطالي Michelangelo Antonioni مايكل أنجلو أنطونيوني. تأتي محاولة الربط البديهية هذه- في ذهن المُشاهد- من الشكل الفيلمي الذي اعتمده أنطونيوني لفيلمه، وليس بسبب موضوعه الذي يدور في فلكه الفيلم بشكل عام، مما يعني أن ثمة رابطا شكلانيا يربط بين كلا الفيلمين، وهو ما يدفعنا كمُشاهدين إلى تذكر أحداث الفيلم الأحدث.

فأنطونيوني في فيلمنا هذا- الصديقات- حاول بنائه اعتمادا على مجموعة من الأصدقاء الذين يجتمعون معا، بينما تدور بينهم العديد من الأحداث، واللقاءات،  والأحاديث، وتناول الشراب، وما يتخلل ذلك من مرح، لتبدأ الأحداث رويدا في الانقلاب والتداعي والتصدع، ومن ثم يكتشف كل فرد من أفراد المجموعة بأن ثمة ضغائن وأحقاد، وغيرة، وخيانات قد تسللت إلى قلوب العديد من أفراد المجموعة، وهي الضغائن التي تبدأ في الطفو على السطح تدريجيا مع تنامي الأحداث؛ مما يؤدي إلى انكسار العلاقة بينهم جميعا، لكنهم في نهاية الأمر يحاولون تجاوز هذه الأمور والأحقاد لتعود الصداقات مرة أخرى- ليس كما كانت في البداية، لكنها على الأقل لا تنتهي، بل تستمر بينهم، وإن باتت أكثر حذرا وحيطة- أي أن أفراد المجموعة يكتشفون تدريجيا أنهم لا يعرفون بعضهم البعض بالقدر الكافي الذي كانوا يظنونه، بل ثمة جدارانا هائلة وخفية تفصل بينهم؛ فالنفس الإنسانية تمتلك من المناطق المُعتمة، والمُخيفة ما لا يمكن لنا تخيله إذا ما حاولنا التوقف أمامها وتأملها.

هذا النوع من الأفلام- أفلام الصداقات وتطورها مع ما يتخللها من انتقادات وإسقاطات اجتماعية- تناولتها السينما العالمية في العديد من الأفلام، والتي كان منها- على سبيل المثال- فيلم Abigail’s Party حفلة أبيجيل 1977م للمُخرج الإنجليزي Mike Leigh مايك لي، الذي انتقد- ساخرا- في فيلمه تطلعات الطبقة الوسطى الجديدة التي ظهرت في بريطانيا وتفكيرها السطحي خلال سبعينيات القرن الماضي.


إن الحديث، أو محاولة الربط بين هذين الفيلمين، وفيلم أنطونيوني تأتي في المقام الأول من بعض التقاطعات بين فيلم أنطونيوني والفيلمين السابقين، فكل من الفيلمين الآخرين يتحدثان عن مجموعة من الأصدقاء يجتمعون، ومن ثم يبدأون في اكتشاف ما لم يعلمونه من قبل عن بعضهم البعض مع تنامي الحدث، أي التعري رويدا أمام بعضهم.

لكن، ربما لم يكن هذا الرابط هو الرابط الوحيد بين فيلم أنطونيوني وبين الفيلمين، فثمة رابط آخر لا يمكن لنا تجاهله في هذا السياق، لأننا إذا ما دققنا جيدا سنُلاحظ أن الأفلام الثلاثة تتحدث باستفاضة غير مُباشرة عن مفاهيم العزلة، والاغتراب، والوحدة، وهي المفاهيم الأثيرة لدى مُخرجنا أنطونيوني في عالمه الفيلمي بالكامل، حيث يؤكد دائما في أفلامه عن عجز الإنسان عن التواصل، وفهم الآخر- حتى في علاقات الحب- ورغم أنه ردها في أفلامه إلى التطور الهائل في التكنولوجيا، والشعور القلق الذي سيطر على أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، لكنه في جوهر الأمر التعبير المُباشر عن ذلك الفراغ الوجودي الذي تشعر به شخصياته الفيلمية؛ مما يمنعها من التواصل، أو معرفة الآخر بشكل جيد، ومن ثم يقعون في براثن القلق، والعزلة، والاغتراب، وربما البلاهة والسطحية. كما لا يفوتنا أن فيلم "الصديقات" لأنطونيوني لم ينصب اهتمامه في المقام الأول على التعبير عن مشاعر العزلة والاغتراب بقدر ما اهتم بانتقاد البرجوزاية الإيطالية الفارغة في هذه الفترة الزمنية التي صنع فيها فيلمه، وبيان مدى هشاشتها، وسطحيتها، وضحالتها التامة، أي أن ثمة رابطا قويا بين فيلم "الصديقات" لأنطونيوني، وفيلم "حفلة أبيجيل" الذي انتقد بدوره الطبقة الوسطى البريطانية من خلال تجمعات الأصدقاء، وإن كان قد تميز فيلم "الصديقات" بأنه الفيلم الأسبق زمنيا على هذين الفيلمين.


كعادة مايكل أنجلو أنطونيوني الذي سنعرفه بشكل أعمق وأفضل في أفلامه التالية على فيلم "الصديقات" 1955م، لا سيما بداية من فيلمه المُهم L’Avventura المُغامرة 1960م الذي يُعد أول أفلام ثلاثيته- يعتبرها بعض نقاد السينما رباعية وليست ثلاثية بإضافة فيلم Red Desert الصحراء الحمراء 1964م إليها والذي كان أول أفلامه السينمائية بالألوان- وهي الثلاثية التي ثناها بفيلم La Notte الليل 1961م، ثم فيلم L’Eclisse الكسوف 1962م، يتناول المُخرج مفاهيم الفراغ الوجودي، والعزلة، والشعور بالوحدة، والعجز عن التواصل مع الآخرين رغم ظنهم العكس، بل وقلق وتعاسة النساء اللاتي لا يعرفن ما هو الهدف الحقيقي من حياتهن في فيلم "الصديقات"، مُقدما لنا خمس صديقات تربط بينهن علاقة صداقة، مُعتقدات بأنهن يعرفن كل شيء عن بعضهن البعض، في حين أن الواقع يؤكد لهن بأن ثمة عزلة عميقة ضاربة بينهن، وبالتالي فهن لا يعرفن بعضهن البعض كما ينبغي، بل سيكتشفن بأنهن يكدن أن يكن غرباء عن بعضهن بالكلية- تماما كما اكتشفت مجموعة الأصدقاء والأزواج نفس الأمر في الفيلم الإيطالي الذي ذكرناه، "غرباء تماما" 2016م.

إذن، فأنطونيوني الذي شارك في كتابة سيناريو فيلمه- بالتعاون مع كاتبي السيناريو Suso Cecchi d’Amico سوسو سيتشي داميكو، والكاتبة Alba de Céspedes ألبا دي سيسبيديس- قدم لنا فيلما يكاد أن يكون نسويا من الناحية الشكلانية المُباشرة- أي مُعتمدا على تأمل عالم النساء وما يدور فيه، وأفكارهن التي تشغلهن في المقام الأول- مُعتمدا في ذلك على اقتباس رواية Among Women Only بين النساء فقط للروائي الإيطالي Cesare Pavese تشيزاري بافيزي، الصادرة عام 1949م.


لذا يفتتح فيلمه على مشهد بانورامي لمدينة Turin تورينو الإيطالية، ليقطع مُباشرة على غرفة في فندق نرى فيها كليليا- قامت بدورها المُمثلة الإيطالية Eleonora Rossi Drago إليونورا روسي دراجو- العائدة لتوها إلى تورينو- مسقط رأسها- من Rome روما- حيث تعمل في أحد أهم بيوت الأزياء هناك "فيراري" كمُديرة- للإشراف على الانتهاء من تأسيس صالون أزياء جديد قررت الشركة تأسيسه في تورينو للتوسع في أعمالها، لكنها أثناء استعدادها لتفريغ حقيبتها، ودخول حمامها الساخن تُفاجأ بعاملة الفندق تستأذن منها لدخول الغرفة المجاورة لها من خلال الباب المُشترك: أريد دخول الغرفة 12، لا أحد يرد، ومفتاحي الرئيس لا يعمل؛ لأن مفتاحهم في القفل، أتمانعين؟

ربما لاحظنا هنا- للوهلة الأولى- اهتمام أنطونيوني بمفهوم الأزياء، وصالوناتها المُنتشرة في إيطاليا في هذه الفترة الزمنية، وهو بمثابة إسقاط مُباشر على المفهوم الطبقي، أي البرجوازية، وغيرها من الطبقات الأعلى- بالتأكيد لن يهتم بصالونات الأزياء سوى هذه الطبقات؛ فطبقة البروليتاريا ليس لديها رفاهية الذهاب إلى هذه الصالونات، أو الاهتمام بها- مما يعني أن المُخرج هنا يؤسس لفيلمه بتؤدة وتمهل، ويسوق المُفردات المُناسبة للعالم الفيلمي الذي هو على وشك الخوض فيه، وعرضه، فضلا عن أن صالونات الأزياء هنا بمثابة الواجهة البراقة للأجواء البرجوازية، والمُعبر الرئيس للطبيعة السطحية للشخصيات الفيلمية التي سنراها.

تسمح كليليا لعاملة الفندق بدخول الغرفة المجاورة، لكنها سُرعان ما تُفاجأ بالعاملة تصرخ، لتخبرها بأن الفتاة المُقيمة في الغرفة المجاورة ميتة. تتجه كليليا إلى الغرفة المجاورة وتُهاتف إدارة الفندق طالبة طبيبا لمحاولة إنقاذها.

سنعرف أن الفتاة/ روزيتا- قامت بدورها المُمثلة السويسرية Madeleine Fischer مادلين فيشر- من بنات الطبقة الثرية في إيطاليا، وأنها قد حاولت الانتحار لسبب مجهول بتناول كمية كبيرة من المنوم، لكن الطبيب استطاع إنقاذها بإرسالها إلى المشفى وإجراء غسيل معدة لها.


في هذه الأثناء تتجه مومينا- قامت بدورها المُمثلة الفرنسية Yvonne Furneaux إيفون فورنو- إلى الفندق للسؤال عن روزيتا؛ لتُفاجأ بما حدث لها، ومن ثم تتعرف على كليليا التي حاولت إنقاذ روزيتا من الموت.

ربما نُلاحظ هنا أن أنطونيوني يحاول الزج بكليليا- القادمة من روما- مُنذ اللحظات الأولى في دائرة الصديقات اللاتي لا تعرف عنهن أي شيء، ومن ثم تورطها معهن، والانخراط في علاقة صداقة أيضا، وهو ما نراه حينما تهبط كليليا من الفندق مُسرعة للحاق بموعدها مع المُهندس المُشرف على الانتهاء من صالون الأزياء المسؤولة عنه، تشيزاري- قام بدوره المُمثل الإيطالي Franco Fabrizi فرانكو فابريزي- فتقابلها مومينا الهابطة بدورها وتسألها عما حدث مع روزيتا، كما تعرض عليها إيصالها للمكان الراغبة فيه- فهي لديها سيارتها، وهي الشيء الوحيد الذي تركه لها زوجها المُنفصلة عنه، كما قالت لكليليا.

لِمَ لا نتوقف هنا لتأمل ما سبق من أحداث؟

إن أنطونيوني يحاول في هذه المشاهد التأسيسية لعالمه الفيلمي زج كليليا في عالم مجموعة من الصديقات الثريات، وربطها بهن، وتورطها الكامل معهن مُنذ الوهلة الأولى، وسيزيد هذا الارتباط بينهن أنها ستكتشف بأن المُهندس المُشرف على صالون الأزياء الذي تُديره هو الحبيب الجديد لمومينا- أي أن دائرة الصداقات هنا ستتسع أكثر- كما أن هذه الدائرة تُمثل الطبقة البرجوازية الإيطالية، وهي الطبقة التي تسيطر عليها السطحية في التفكير، والأنانية، ولا يعنيها أي شيء في حياتها سوى العالم الذي تدور في فلكه، وبالتالي يصبح كل ما هو خارج هذا العالم مُجرد هراء لا قيمة لها، وكأنه ليس من هذا العالم، وهو ما أكدته إحدى السيدات الثريات اللاتي يرتدن صالون الأزياء لاقتناء الجديد في عالم الموضة حينما حدثت مُشادة في نهاية الفيلم بين كل من كليليا ومومينا بسبب انتحار روزيتا، وبدأت كليليا- باكية- في تعرية مومينا أمام نفسها والتأكيد لها على أنانيتها وشرها، وبأنها كانت السبب الرئيس في انتحار روزيتا بسبب تشجيعها على دخول علاقة عاطفية مع لورينزو المُرتبط بصديقتهما نيني، مما يعني أنها لا يعنيها سوى نفسها، هنا تقول السيدة الثرية مُندهشة لسيدة أخرى مُرافقة لها: إنهما من عالم آخر- تقصد في ذلك مومينا وكليليا- لكن كليليا ترد عليها بصرامة بمُجرد استماعها لها: لا، إنه نفس العالم.


إذن، فأنطونيوني هنا راغب في التأكيد على خواء البرجوازية الإيطالية، وهي الطبقة التي لا يعنيها سوى عالم الأزياء، واختيار الجديد من الفساتين لارتدائها، وغيرها من الحقائب والأحذية، والاهتمام البيّن بنعومة البشرة، أو انتفاخ الوجه من عدمه بعد الاستيقاظ من النوم، وهو ما تبدى لنا في الحوار الذي دار بين كل من مومينا وكليليا حينما ذهبت مومينا إليها في الفندق، لنرى مومينا تقول لكليليا: ألاحظ أنك تلبسين بأناقة، عادة مصممو الأزياء لا يهتمون بذلك. لتقول كليليا: ليس صحيحا. لكن مومينا تستمر في حديثها أثناء تأملها المُتلصص على الأشياء الخاصة بكليليا: تستخدمين الكريم الليلي. لترد كليليا ببساطة: نعم، النساء يفضلن عادة المُنتجات الغالية، لكني أفضل العادية. فتسألها مومينا: مثل؟ تقول كليليا: مُصممنا في روما يبيع "تشينيت"، إنه للتجميل، أسمعت به؟ تقول مومينا: لا. لتستمر كليليا في حديثها شارحة: ادهنيه على وجهك، ثم امسحيه بمنديل حار، ثم مُباشرة بمنديل بارد، سينعش بشرتك. تقول مومينا: هذا ما أحتاجه، أحيانا أصحو وأجد وجهي مُرعبا، إذا تأخرت بالنوم ينتفخ وجهي. الحياة يمكن أن تكون صعبة.

ثمة مُلاحظتين جوهريتين هنا لا يمكن لنا تجاوزهما في الحوار السابق: أولاهما: الخواء التام، والسطحية والفراغ الذين تعيش فيهم الطبقة البرجوزاية الإيطالية، والتي تمثلها للوهلة الأولى هنا مومينا، فهي لا يعنيها أي شيء في الحياة سوى هذا الحديث الفارغ عن بشرتها، واستخدام مُستحضرات التجميل، وليس أدل على ذلك إلا أنها تظن بأن الحياة تكون صعبة لمُجرد أنها تصحو من النوم بينما تظن بأن وجهها مُنتفخا! كما أنها تثرثر بهذا الحديث الفارغ مع كليليا في الوقت الذي تم نقل صديقتها روزيتا التي حاولت الانتحار إلى المشفى، أي أنها لا يعنيها ما حدث لروزيتا التي كانت على شفا الموت بقدر عنايتها بذاتها وبشكلها، وبمُستحضرات التجميل. أما المُلاحظة الثانية فهي اختلاف كليليا تماما عن هذه الطبقة المُرفهة رغم أنها تمتلك أدوات الرفاهية، والكثير من المال الذي جمعته بكدها في روما، فضلا عن أنها تعيش حياتهم الثرية تماما، لكنها في جوهرها تختلف عنهم للعديد من الأسباب التي كان من أهمها أنها ابنة الأحياء الفقيرة لعمال تورينو، وبالتالي فهي لم تدخل في نسيج هذه الطبقة المُرفهة، وتعيش حياتها إلا بعد الكثير من الجهد الذي بذلته من أجل الوصول إلى هذه المكانة الاجتماعية، لكنها رغم وصولها لهذا الثراء لم تتحول إلى مُجرد امرأة سطحية تافهة، بل حملت معها أخلاقياتها المُؤمنة بها، والتي كان من أهمها مقدرتها على التعاطف مع الآخرين، ومحاولة مُساعدتهم.

تتأكد لنا هذه السطحية الفارغة في المشهد الذي رأينا فيه أم روزيتا الباكية في المشفى بينما تلوم ابنتها على ما فعلته بقولها:  انظري لوجهك، كنت قلقة عليك طوال الليل. لا بد أن وجهي.. انظري لهذا. ثم تقوم بإخراج مرآتها من حقيبتها لتأمل وجهها الذي تظن بأنه قد أُرهق وفسد بسبب قلقها على ابنتها! أي أن وجهها المُرهق هو ما يعنيها أكثر من محاولة انتحار ابنتها؛ لذا فهي تلومها على ما سببته لها.


إنه الفراغ، والمزيد من السطحية اللذين تؤكدهما روزيتا في حديث لها مع كليليا على متن قطار حينما تقول: لا أعلم لِمَ فعلتها، فكرت بذلك كثيرا: "يوما ما سأضع حدا لذلك"، ثم بدأ والداي وأصدقائي بسؤالي: لماذا، لماذا، لماذا؟ لكني لم أعد أعرف السبب، لأن الجميع على حالهم، لقد رأيتهم، أصدقائي وحياتي، أيامي. لِمَ عليّ أن أعيش؟ كي أقرر أي فستان أرتديه؟ ومتى قررت ذلك؟ ما هو مُستقبلي؟ هل تشعرين بالأسى تجاهي؟ لترد كليليا: نعم، لا أعلم بم أفكر حينما أرى الحياة تُختزل في فستان، الحياة تشمل أشياء متنوعة، جيدة وسيئة، لكن هناك العديد من الأشياء المُهمة، التعاطف، الحب.

هنا يتمثل لنا الفارق الضخم، والهوة الفاصلة بين هذه الطبقة الفارغة السطحية، التي يجد أفرادها أنفسهم يعيشون في الفراغ المُطلق، مما يتسبب لهم في أزمة وجودية عارمة، ومن ثم تنشأ العديد من الأسئلة عن جدوى هذه الحياة التي لا معنى لها، وبالتالي يدفعهم هذا الوضع إلى التفكير في الانتحار، وبين الطبقة الآتية منها كليليا التي تعيش حياتهم، وتتحلى بكل ما يتحلون به، لكنها لم تنس مفهوم المسؤولية والعمل، والتعاطف، والأخلاق، والحب، والاهتمام بالآخرين، وهي المفاهيم التي تُكسب حياتها المزيد من المعنى والمسؤولية، والرغبة في المزيد من الاجتهاد والعمل، فالحياة لديها تحمل العديد من المعاني المُفتقدة لدى هذه الطبقة.

هذه التفاهة التي تعيش فيها البرجوزاية الإيطالية تتبدى لنا بشكل أعمق حينما تجتمع الصديقات الخمس في منزل مومينا، وتحاول نيني- قامت بدورها المُمثلة الإيطالية Valentina Cortese فالنتينا كورتيز- مُساعدة مومينا، فتقول مارييلا بسُخرية- قامت بدورها المُمثلة الإيطالية Anna Maria Pancani أنا ماريا بانكاني: لم أعرف أنك تجيدين عمل المنزل. لترد عليها نيني بهدوء: وماذا تجيدين أنت؟ فتقول مارييلا ضاحكة: اسألي الرجال. لكن نيني ترد بقولها: حمقاء.


فمارييلا هنا فتاة لعوب لا يعنيها أي شيء في حياتها سوى اصطياد المزيد من الرجال والتلاعب بهم، ومُمارسة الجنس معهم، وبالتالي فالفراغ الكامل هو ما يمثل حياتها، وسطحية التفكير وضحالته هما ما يميزانها- بما أنها لا تفكر إلا في كيفية اصطياد المزيد من الرجال، والاهتمام بجمالها فقط، ومحاولة جذب نظر الجميع في أي مُجتمع لتكون هي الوحيدة محط أنظار الجميع- ولعلنا لا ننسى مشهدها في المطعم حينما سألت النادل: أهناك فتيات في المطبخ أجمل مني؟ ليرد النادل مُندهشا: عجبا، يا له من سؤال!

فهي غير راغبة في رؤية أي امرأة جميلة في مُحيطها، وتريد أن يهتم بها الجميع باعتبارها الأنثى الأجمل والأوحد في أي اجتماع، مما يُدلل على مدى الفراغ والضحالة اللذين تعيش فيهما هذه الطبقة الثرية.

حينما تتجه كليليا إلى شارع روما لمُتابعة الانتهاء من صالون الأزياء؛ تُفاجأ بأن العمل فيه ما زال لم ينته كما سبق أن أخبرها المُهندس تشيزاري قبل قدومها من روما، كما لا تجد المُهندس هناك مما يثير غضبها، ومن ثم تطلب من مُساعده كارلو- قام بدوره المُمثل الإيطالي Ettore Manni إيتوري ماني- الاتصال به واستدعائه، وحينما يصل يحاول تهدئتها، لكنها تظل على غضبها، وبالتالي حينما يسألها مُلاطفا: ألديك أطفال؟ ترد عليه بحسم: دع الكلام المعسول، ليس لدي أطفال، وبإمكاني إنجابهم، أما أنت فلا. هنا يتساءل مُندهشا: ماذا تعنين؟ لتقول: كي تنجب أطفالا يجب أن تتحلى بالمسؤولية.


إنها أخلاقيات المسؤولية التي لم تنسها كليليا حتى بعدما باتت من الطبقة المخملية الإيطالية التي تتناسى تماما أي فعل يتعلق بالمسؤولية لمُجرد أنهم يمتلكون الكثير من المال، بل يتناسون حتى التعاطف مع غيرهم من البشر، ولعل تمسك كليليا بأخلاقياتها القديمة، وعدم انسياقها من خلف الثراء، والمكانة الاجتماعية اللتين وصلت إليهما كانا هما السبب الرئيس في انجذابها إلى كارلو- مُساعد تشيزاري- ابن الأحياء الفقيرة في تورينو، والذي ما زال يعمل بجد واجتهاد من أجل مُستقبل أفضل له، أي أنه ابن طبقة البروليتاريا التي وُلدت، ونشأت فيها كليليا قبل انتقالها إلى روما، بل وسيُفاجآ معا فيما بعد بأنهما كانا أبناء نفس المنطقة الفقيرة في تورينو.

تحاول مومينا- الراغبة في معرفة كل شيء عن الآخرين- بذل الكثير من الجهد لمعرفة رقم الهاتف الذي هاتفته روزيتا مرارا قبل إقدامها على الانتحار، وهو ما يجعلها تلجأ لكليليا في الفندق لتساعدها في استدراج عاملة الهاتف، ومعرفة رقم الهاتف منها قائلة: لقد اكتشفت شيئا مُهما جدا، علينا معرفة رقم هاتف، أنت وحدك من يمكنه المُساعدة.

هنا تقدم مومينا لعاملة الهاتف 3000 ليرة- بما أنها ترى مع أبناء طبقتها أن كل شيء، وكل شخص في الحياة له ثمن، وبالتالي فهي تستغل امتلاكها للمال، وحاجة عاملة الهاتف إليه- ومن ثم تتوصل إلى أن روزيتا قد هاتفت لورينزو- قام بدوره المُمثل الإيطالي Gabriele Ferzetti جابرييل فيرزيتي- عدة مرات قبل إقدامها على الانتحار، وبما أن لورينزو هو فنان تشكيلي صديق للمجموعة لارتباطه بعلاقة حب مع صديقتهن نيني؛ فلقد أسرعت مومينا إلى معرض الفن التشكيلي الخاص بلورينزو ونيني مُصطحبة معها كليليا، وهناك حاولت مواجهته واتهامه بأنه السبب الرئيس من وراء محاولة انتحار روزيتا، ورغم أن لورينزو أكد لها مرارا على أنه لا توجد أي علاقة عاطفية بينه وبين روزيتا قد تدفعها للتفكير في الانتحار بسببه، وأن كل ما بينهما أنه قد قام برسم لوحة لها، حتى أنه لم يتقاض ثمنها من والديها حتى الآن، إلا أن مومينا تقول لكليليا أمامه: إنه يريد امرأة لتحبه، وحتى لتفرش أسنانه- رغم ارتباطه بالفعل بصديقتها نيني، فنانة الخزف الناجحة، والعاشقة له- أي أن مومينا تُصرّ على تصورها بأن لورينزو كان هو السبب الرئيس لمحاولة انتحار روزيتا.


هذا التصور الذي تُصرّ مومينا عليه، هو ما تحاول الإيحاء به لنيني أيضا لتتبناه بدورها، لذا تحاول التأكيد على فكرتها أمام نيني التي ترد عليها بالتأكيد على أن لورينزو قد تغير في الفترة الأخيرة، فتقول مومينا: إنه يغار من نجاحك، هذا ما في الأمر. لتقول نيني بقلق: وهذا ما يقلقني، سيكرهني في آخر المطاف، أتفهمين؟

لكن، هل ثمة علاقة عاطفية بالفعل تربط بين كل من لورينزو وروزيتا مما دفعها لمحاولة الانتحار، وهل أغواها لورينزو للوقوع في حبه ثم تركها؟

في الواقع ليس ثمة علاقة عاطفية أو غير عاطفية تربط بين كل من روزيتا ولورينزو، وكل ما في الأمر- كما سنعرف فيما بعد- أنها كفتاة لا يشغلها أي شيء في حياتها، وتمثل البرجوازية الفارغة بصورتها الأمثل- فهي لا ترى هدفا من حياتها سوى في اختيار الفستان الذي سترتديه كما سبق أن أخبرت كليليا- قد وقعت في عشق لورينزو لمُجرد أنه رسم لوحة لها، وهو ما أخبرت به لورينزو حينما سعى إلى مُقابلتها؛ رغبة منه في معرفة السبب من وراء اتصالها به قبل إقدامها على الانتحار، حيث قالت له: بدأت أحبك بعد رسمك لتلك اللوحة، لم أشعر هكذا سابقا، عندما كنت ترسم وجهي شعرت أنك تلمسه، وأنت حتى لم تلاحظ، كيف يمكن أن أخبرك؟ كنت ستتزوج.  


لاحظ هنا أن روزيتا صديقة نيني، وهي تعرف جيدا أن نيني مُرتبطة، وواقعة في عشق لورينزو، ورغم معرفتها تلك فلقد وقعت في عشق لورينزو، بل وصرحت له بحبها، وبدأت علاقة عاطفية بينهما، مُتجاهلة في ذلك مشاعر نيني حينما تكتشف العلاقة بينها وبين حبيبها، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فلورينزو رغم أنه فنان تشكيلي إلا أنه فنان فاشل، لم يحقق أي نجاح في حياته العملية، كما أنه يعيش على أموال نيني الناجحة في عملها، وهو ما يوغر صدره، ويشعره بالكثير من الغيرة والحقد على نيني لتضاؤله النفسي، وافتقاد مفهوم الرجولة بمفهومها الاجتماعي أمامها- كرجل من المُفترض له الإنفاق على حبيبته، وليس العكس- ولعل هذا الإحساس بالنقص أمام نيني، وغيرته من نجاحها كانا هما السببان الرئيسان في سعيه من خلف روزيتا لإقامة علاقة عاطفية معها رغم حبه وارتباطه بنيني، فمعنى ارتباطه بروزيتا السطحية، الضعيفة، الهشة، التي لا ترى أي أفق في المُستقبل، والتي هي في حاجة نفسية ماسة إليه يشعره بالتفوق، وبأهميته، وبأن ثمة امرأة في حاجة إليه لتستمر في حياتها- بمعنى الاعتماد عليه على المستوى السيكولوجي على الأقل- وليس العكس كما نرى الأمر بينه وبين نيني.

تتفق الصديقات الخمس على الخروج معا إلى الشاطئ في نهاية الأسبوع، ويدعون لورينزو، وكارلو، وتشيزاري معهن، لنرى الجميع على شاطئ البحر، وقد بدأت شخصياتهم في التعري أمام بعضهم البعض، ومن ثم تبدأ الصديقات في مُلاحظة الغيرة، والحقد المُستشريين بينهن، وهو ما لم يلتفتن إليه من قبل.

هنا تبدأ النميمة في الانتشار بين الصديقات، فتتحدث مومينا إلى مارييلا وكليليا عن روزيتا بشكل استعلائي، فيه الكثير من الاحتقار وعدم التعاطف، وبأنها لا تستحق الحياة ما دامت قد فشلت في كل شيء حتى في الانتحار، وحينما تعترض مارييلا على حديث مومينا تقوم مومينا بصفعها أمام الجميع بغضب؛ مما يوغر صدر مارييلا، ومن ثم تبدأ في إغواء تشيزاري- حبيب مومينا الجديد- على الشاطئ نكاية في مومينا التي صفعتها، لنراهما في حالة من العناق والتقبيل. أي أن الغيرة والحقد اللذين كانا مُستقرين في الباطن قد بدآ في الطفو على السطح، وبدأت جميع الشخصيات تتعرى أمام بعضهن البعض، وهو ما يؤكد لنا على انتفاء التواصل الحقيقي بين الصديقات؛ فهن على المستوى الشكلاني صديقات حميمات، تربط بينهن الصداقة بقوة، ويشعرن بحاجات كل واحدة منهن، ويظهرن التعاطف مع بعضهن البعض، لكنهن في الحقيقة- على المستوى الواقعي- عاجزات عن التواصل الحقيقي، ومن ثم يتضح لنا أنهن يكدن لا يعرفن بعضهن البعض في حقيقة الأمر.


إذن، فثمة غربة، وعزلة، وعجز عن التواصل الحقيقي بين الصديقات رغم أنهن من الناحية الشكلانية يبدون غير ذلك، وبما أن لورينزو قد بدأ علاقة جديدة مع روزيتا في الخفاء، ستُفاجأ نيني به مُنشغلا برسم صورة لروزيتا على ورق أعواد الثقاب، وهو ما سيشعرها بالكثير من الصدمة والحزن، لكنها لن تُصرح له بأي شيء.

إن عدم تعاطف الصديقات مع بعضهن البعض، وشعورهن بالغيرة من بعضهن يتبدى لنا بشكل أكثر جلاء حينما يجتمعن في بيت مومينا، حيث تحاول مومينا قدر استطاعتها إقناع روزيتا بالسير قدما في علاقتها العاطفية مع لورينزو، مُتجاهلة في ذلك مشاعر نيني، وأثر الصدمة عليها حينما تعلم بتفاصيل الأمر، ورغم غضب كليليا مما تقوله مومينا، ورفضها لما توعز به لروزيتا، إلا أنها لن تبذل المزيد من الجهد في رفض ذلك، لذا تقول مومينا لروزيتا: لا تقلقي بشأن نيني، أظنها تعرف، وإن لم تكن، فهي غبية وغير محظوظة، لأن المرأة الموهوبة أكثر من زوجها غير محظوظة. تقول روزيتا مُترددة: غير صحيح. لترد مومينا: أنت تعرفين ذلك، المُهم الآن أنك تحبي لورينزو، ولذا عليك أن تكوني معه.

إن إشفاق كليليا على روزيتا يدفعها إلى توظيفها معها في صالون الأزياء الذي تُديره رغم عدم حاجة روزيتا للعمل أو المال، ورغم افتقادها لتحمل المسؤولية، لكنها ترى أن محاولة توظيفها وشغلها بأي عمل ربما سيعطي لحياتها معنى أو هدفا، ويمنعها من محاولة الانتحار مرة أخرى، أو الشعور بفراغ الحياة ولا جداوها، وهو ما اتضح لنا من قول كليليا لروزيتا: لِمَ لا تتزوجين؟ لتسألها روزيتا: ممن؟ أتزوج ممن أشعر تجاهه بالحب؟ لا أؤمن بذلك. تقول كليليا: ربما لا تريدي أن تؤمني بذلك، يجب أن تريدي ذلك، أنا مثلك تقريبا فيما يتعلق بهذا الأمر، لكن على الأقل أوجدت اهتمامات أخرى، لِمَ تظنينني أعرض عليك وظيفة معي؟ كي تري خارج فقاعتك، القليل من الناس سُعداء بالعيش وحدهم، لكن، لا يمكننا العيش بدون الآخرين، لا فائدة من مُخادعة أنفسنا.


ربما يُبرر لنا هذا الحوار السبب في تفكير كليليا لتوظيف روزيتا معها في صالون الأزياء الذي تُديره، لكنه من جهة أخرى يؤكد لنا على مدى هشاشة الفرد في المُجتمع، ومدى حاجته الماسة للآخرين كي يستطيع الحياة بشكل طبيعي، بعيدا عن القلق الوجودي الذي يلازمه طوال الوقت، ومحاولة التفكير الدائم في لا جدوى الحياة من حوله، وهو الشعور الذي غالبا ما يسيطر على بنات وأبناء الطبقات المُرفهة الذين يرون أن الحياة فارغة، لا أهمية فيها سوى اختيار الفستان الذي سترتديه، أو وجهها المُنتفخ بعد استيقاظها، أو حتى أنها لا بد أن تكون أجمل مع جميع نساء الأرض قاطبة- كما ترى مارييلا دائما.

لكن، ربما يتضح لنا لا جدوى هذا التفكير من كليليا تجاه روزيتا- توظيفها- فهي كابنة من بنات الطبقة البرجوزاية الثرية ليست في حاجة إلى عمل، ولن تحترمه، وستعجز بالفعل عن تحمل المسؤولية، وهو ما صرح به كارلو لكليليا حينما قال لها: الذي لا يحتاج للعمل، ولم يعمل من قبل، لا يبدو لي جادا.


فهو ابن طبقة البروليتاريا التي تُقدر قيمة العمل وتحترمه، وبما أنه مُنخرط بين أبناء الطبقة البرجوزاية الإيطالية التي لا يعنيها العمل كثيرا، ولا يفكرون فيه؛ فهو يُدرك جيدا عدم حاجة أبناء هذه الطبقة للعمل من أجل شغلهم بشيء ذي فائدة، لأنهم لا يرون أي شيء في حياتهم، أو يتعاملون معه بالجدية اللازمة. وهو ما تبيّن لنا بالفعل حينما ذهبت روزيتا إلى أول موعد لها في العمل مع كليليا مُتأخرة، وكررت الأمر أكثر من مرة بتغيبها؛ فالعمل الذي عرضته عليها كليليا لا معنى، ولا قيمة له لدى روزيتا.

لكن، ربما لا يفوتنا أن روزيتا التي سبق لها أن صرحت لكليليا بأنها غير مُقتنعة بالزواج ممن تحبه: "أتزوج ممن أشعر تجاهه بالحب؟ لا أؤمن بذلك"، هي مُجرد فتاة مشوشة، قلقة، هشة، لا هدف حقيقي لحياتها؛ لذا فهي مُترددة طوال الوقت، مُتناقضة في كل خياراتها وقراراتها، ومن ثم تقول للورينزو في أحد لقاءاتهما السرية لمُمارسة عشقهما في أحد الفنادق: أريد أن أكون زوجتك. ليرد مُتأففا: أنتن النساء لا تفكرن بشيء آخر، زواج، زواج، وماذا بعد؟ هل ستكوني سعيدة؟ لتقول: لكني أحبك. فيرد بقوله: أعلم، لكن هذا غير كافٍ، نيني تحبني أيضا، وها أنا هنا. تقول: لأنك لم تعد تحبها. ليرد بقوله: لم أعد أحبها؟ أنت تبسطين كل شيء، لندع الحديث عن ذلك.


ربما نُلاحظ هنا أن الخيانة والخداع بين الصديقات قد وجدا الطريق بينهن ببساطة؛ فبنات تلك الطبقة غير جديات في أي شيء، حتى في العلاقات العاطفية، ورغم أنهن يلتقين يوميا، ويبدين الكثير من الحب  والتعاطف لبعضهن البعض، إلا أننا نراهن يخن بعضهن، ويختطفن رجال بعضهن البعض- مارييلا سبق لها عناق وتقبيل وإغواء تشيزاري انتقاما من مومينا رغم ارتباط مومينا به، وروزيتا تختطف لورينزو وترغب في الاستحواذ عليه لنفسها رغم عشق نيني له- بينما لا نرى أي فتيات جديات بين المجموعة سوى نيني- فنانة الخزف الناجحة، التي تضع هدفا أمام عينيها- وكليليا- الناجحة في حياتها، والتي استطاعت تحقيق قدرا كبيرا من الثراء من خلال عملها في روما رغم أنها من بنات طبقة البروليتاريا الفقيرة في تورينو.

إن ظهور هذه الخيانات والأحقاد والغيرة على السطح، وتعري الشخصيات رويدا أمام بعضها البعض يقود إلى انهيار الجميع في نهاية الأمر، فنيني تتأكد من العلاقة بين كل من لورنزو وروزيتا حينما اجتمعت المجموعة في بيت مومينا، وحينما بحثت عن عود ثقاب، ولم تجده؛ تعطيها روزيتا- مُتناسية، أو عامدة- الثقاب الذي كان لورينزو قد رسم صورتها عليه، فتُصدم نيني من الأمر، وتتأكد بأنها تلتقي بلورينزو سرا، لكنها تلتزم الصمت مُعانية.


لذا سُرعان ما تبدأ العلاقات في الانهيار في القسم الثاني من الفيلم- قسم أنطونيوني فيلمه إلى قسمين، حيث بدا القسم الأول كمُقدمة تعريفية، أو تمهيد للعلاقات بين الصديقات وما يدور بينهن، بينما بدا القسم الثاني كنتيجة لانكشاف حقيقة هذه العلاقات التي كان مغمورة في القاع، وأثرها عليهم جميعا- فنرى نيني تحاول الانفراد بروزيتا لمُصارحتها، ونقاشها في أمر العلاقة بينها وبين لورينزو، لنرى نيني تقول لها: لورينزو يحب عمله كثيرا، لكنه ليس سعيدا، مُؤخرا أصبح حزينا ويمر بأزمة، إن عدم نجاح هذا المعرض- تقصد معرض الفن التشكيلي الذي أقامه بالشراكة معها- مُجرد صدفة، إنه ليس مُحبطا بسببه، وإن كان واثقا بنفسه فلن يهتم، لكن الإخفاق أكد شكوكه، ذلك كان فظيعا وضايقه جدا، لقد بدأ حتى يغار من عملي.

إذن، فنيني تُصرح لروزيتا بأنها تعرف كل شيء، بل وتمادت في الأمر بتصريحها لروزيتا بأنها ستنسحب من المشهد تماما، وستترك لها لورينزو، وستسافر إلى نيويورك، حيث جاءها عرض للسفر هناك، وعرض أعمالها الفنية الخزفية في نيويورك، لكنها تقول بصرامة: لو كان لدينا أطفال لما استسلمت، كنت سأبقى، لكن شخصين وحيدين سواء تزوجا أم لا، لا يمكنهما البقاء معا فقط بسبب الحب، وبسبب الحب أنا مُغادرة.


قد تبدو نيني هنا شخصية قوية، مُتماسكة، تعرف هدفها من الحياة جيدا، بل وعقلانية إلى حد بعيد، وهو ما جعلها تتنازل عن حبها، وعلاقتها بلورينزو حينما تأكدت بأنه قد بات مُتعلقا بروزيتا، لكن الأمور ليست دائما كما تبدو لنا بالضرورة من الناحية الشكلانية؛ فنيني بدروها شخصية بالغة الضعف، هشة المشاعر، مُتعلقة بلورينزو تعلقا مرضيا حتى أنها تقبل منه أي شيء، حتى لو كانت خيانته لها مع صديقتها، لذا فحينما تنتحر روزيتا في نهاية الأمر يعود لورينزو إلى نيني، طالبا منها المغفرة ومُسامحته على كل شيء، ويرجوها ألا تتركه وحيدا، فهو لا يستطيع الحياة من دونها- بالتأكيد ليس بسبب الحب كما يحاول أن يُظهر لها، ولكن لأنه يعتاش على نجاحها وأموالها بسبب فشله في كل شيء، فضلا عن اعتماده السيكولوجي عليها طوال الوقت، وهو ما يخلق توازنا سيكولوجيا وهميا داخله- فيقول لها: نيني، لا تسافري، لا تتركيني. لترد بقولها: لا، أنت تعلم أنني لن أغادر إلا إذا هجرتني. ليقول: أحبك نيني، لِمَ لا زلت تحبينني؟ فتقول باستسلام: ربما لأنك تجعلني أعاني!

ألا نُلاحظ هنا أن كل من الشخصيتين تكادا أن تكونا مريضتين، وفي حاجة ماسة للعلاج النفسي؟

فنيني الناجحة في عملها، المجروحة في مشاعرها كامرأة بسبب خيانة حبيبها لها مع صديقتها ترفض السفر إلى نيويورك- رغم أهمية هذا السفر لمُستقبلها العملي- وتُقرر البقاء مع لورينزو الخائن المُكتئب، ربما لأنها تحبه حبا مرضيا، وربما أيضا لأنها تُدرك بأنها ليست في جمال رفيقاتها من الصديقات، ومن ثم فارتباط لورينزو بها كامرأة يعطيها شيئا من الثقة في أنوثتها، أي أنها تعتمد عليه سيكولوجيا لتعويض نقصها الذي تشعر به.


لكن، على الجانب الآخر ثمة اعتماد سيكولوجي مُضاف- بل ومادي- من قبل لورينزو باتجاه نيني؛ فهو يعتمد على وجودها لتعويض النقص الذي يشعر به وفشله في مجال العمل كفنان- بما أنها لا تراه فاشلا- فضلا عن اعتماده المادي عليها أيضا، أي أن كل من الشخصيتين يعتمد على الآخر بشكل سيكولوجي مُتبادل، ومن ثم فهما في حاجة ماسة للانفصال والعلاج النفسي من هذه العلاقة المُدمرة لكليهما.

إن لورينزو في واقع الأمر شخصية غير صالحة للنساء، فهو فظ، غير قادر على التعامل معهن، ولعل خداعه لروزيتا بإبداء حبه لها كان واضحا للوهلة الأولى؛ فقلد سعى للارتباط العاطفي بها بسببب إدراكه لهشاشتها وضعفها، وبما أنه يشعر بالضعف، والضآلة أمام نيني الناجحة، فلقد لجأ إلى هذه العلاقة مع روزيتا للشعور بأنه رجل طبيعي، وأن ثمة امرأة في حاجة إليه، أي انها مُجرد علاقة تعويضية من الناحية النفسية، لذا حينما عرف أن نيني ستتركه وتسافر إلى نيويورك نفر من هذه العلاقة الناشئة بينه وبين روزيتا، بل وتعامل معها بفظاظة حينما قالت له: لا داعي لأن تعاني بعد الآن، أنت تحتاجني. لكنه يرد عليها: روزيتا، أريد أن أخبرك بالحقيقة. لتسأله متوجسة: أي حقيقة؟ فيقول ببرود: أنا لا أحتاج أحدا.

إنه الرد الذي كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ومن ثم قطع أنطونيوني مُباشرة على مشهد استخراج جثة روزيتا من نهر بو Po River، حيث لم تحتمل تصريح لورينزو لها بحقيقة أنه لا يحبها، وليس في حاجة إليها.


لكن، هل كان تصريح لورينزو لروزيتا بأنه ليس في حاجة إلى أحد صحيحا، أم مُجرد ادعاء؟

إذا ما تأملنا في أحداث الفيلم بالكامل لاتضح لنا أن مايكل أنجلو أنطونيوني يرغب في التعبير عن هشاشة جميع شخصياته الفيلمية- حتى الناجحة منها، والتي قد تبدو لنا قادرة على الاعتماد على ذواتها- يرغب في التعبير عن عزلة البشر، وشعورهم بالوحدة القاسية، بل وعجزهم عن التواصل الاجتماعي فيما بينهم حتى لو بدا لهم أنهم قادرون على فهم بعضهم البعض؛ فنيني، على سبيل المثال، كانت عاجزة طوال الوقت عن التواصل بمواجهة لورينزو بمعرفتها بأمر خيانته لها مع صديقتها، فضلا عن خشيتها وعجزها عن مواجهته بأنها ستسافر إلى نيويورك من أجل عملها، ومن ناحية أخرى فلورينزو بدوره كثيرا ما رأيناه يعد روزيتا بأنه سيواجه نيني، ويصرح لها بأنه على علاقة عاطفية مع روزيتا، لكنه كان دائما ما يقوم بتأجيل ذلك لعدم مقدرته على التواصل والاعتراف لها.


كليليا كذلك التي تبدو طوال الوقت في هيئة المرأة القوية، التي تعرف ما ترغبه من الحياة كانت تشعر بالكثير من الوحدة والعزلة الاجتماعية، والعجز عن التواصل، وهو ما تبدى لنا في قولها لمومينا في بداية الفيلم: يصعب شرح ذلك، تركت تورينو في طفولتي، وكنت أعمل دائما، لذا لم أحظ بأصدقاء، وأظن علينا الوثوق ببعضنا.

أي أنها في حاجة ماسة للأصدقاء بسبب شعورها العارم بالوحدة، وهو ما يرغب أنطونيوني في التركيز عليه، وانتقاد أساليب الحياة العصرية الحديثة التي توقع المرء في غياهب العزلة، والوحدة القاسية، والعجز عن التواصل الاجتماعي؛ فكليليا كي تكتسب مكانة اجتماعية لائقة- وضعتها هدفا أمام عينيها- لم تمتلك أي أصدقاء، بل لم يكن لها علاقة عاطفية حقيقية، وربما هذا أيضا هو ما جعلها تنجذب للوهلة الأولى إلى كارلو حينما قابلته؛ فهو ابن طبقة البروليتاريا مثلها، بل وستكتشف معه فيما بعد بأنه ابن نفس الحي الفقير الذي نشأت فيه في الماضي، وهو ما عرفناه حينما ذهبت مع كارلو لشراء أثاث صالون الأزياء الذي تُديره، حينما تقول له أثناء تجوالها معه في الحي الفقير، وتُلاحظ إحدى السيدات هناك: لست مُتأكدة، لكن أظن أن تلك المرأة ما زالت هنا مُنذئذ، نعم، كانت قد تزوجت للتو، لقد كانت جميلة. ليرد عليها: بينما أنت ما زلت جميلة، وأنيقة، ولا تعيشين في مكان كهذا. لو أنك لم تغادري أبدا، وبقيت هنا، ربما كنا سنلتقي، وربما كنت سأقع في حبك، وربما كنا سنتزوج ونعيش في أحد هذه الأحياء، لأنه لا يمكنني تحمل أحياء أغلى، لكن طبعا أنت مُحقة.


إذن، فرغم وقوع كليليا في عشق الرجل المُناسب لها- على الأقل من الناحية السيكولوجية، والعملية- إلا أن ثمة كارثة تواجههما، وهو الفارق الطبقي الضخم القائم بينهما، أي أن أنطونيوني يحاول التأكيد هنا على أن الفوراق الاجتماعية من شأنها أن تُدمر أي علاقة عاطفية إذا لم يتناسب الطرفان في نفس المكانة الاجتماعية؛ لذا تقرر كليليا في نهاية الأمر العودة إلى عملها في روما، مُتخلية عن إدراة صالون الأزياء في تورينو بعدما انهارت العلاقات بين الجميع بسبب انتحار روزيتا، لا سيما أن مُديرتها في العمل- قامت بدورها المُمثلة الإيطالية Maria Gambarelli ماريا جامباريللي- قد أكدت لها على أن عملها في روما ما زال محفوظا لها، ومن ثم تتخلى كليليا عن حبها لكارلو بعقلانية عملية، مُبررة له ذلك بقولها: كان علينا أن نتزوج عندما كنا أصغر. فيسألها: والآن؟ تقول: الآن لست مُتأكدة، لقد فات الأوان بالنسبة لي كارلو، أنا جزء من بيئة مُختلفة تماما، وسأفتقدها، أنا مُتأكدة، لقد اعتدت على استقلاليتي لدرجة إني لا أتخيل نفسي زوجة هادئة في بيت وادع، عملي هو أيضا جزء من كوني امرأة، ومُرتبط بحبي، وجزء من حياتي، أتفهمني؟ ربما سأكون محظوظة يوما ما، وأجد شخصا أعيش معه بدون أن يضطر أي منا ليضحي لأجل الآخر، لكن، لو أصبحنا معا كارلو فأنا مُتأكدة أن أحدنا سيكون غير سعيد. ليرد مُستسلما: ربما، لكني لا أظن بأني سأكون حزينا معك، مع ذلك لن أطلب منك المُخاطرة.


إذن، فجميع شخصيات أنطونيوني في هذا الفيلم- وغيره من الأفلام- تعاني من الوحدة، والعزلة، والعجز عن التواصل الإنساني، ورغم أن كليليا قد وجدت أخيرا حبها، إلا أنها تتخلى عنه من أجل مكانتها الاجتماعية وعملها، فأسلوب الحياة المُعاصرة يدفع المرء في هذا العالم إلى المزيد من العزلة، والوحدة، والأكثر من القلق الوجودي.

لكن، ربما كانت كليليا هي أكثر الشخصيات الفيلمية هنا اتزانا، وعقلانية، وقوة، فهي قادرة على السيطرة على حياتها، وتوجيهها كيفما شاءت، وهي أكثر الشخصيات القادرة على اتخاذ القرارات في توقيتها المُناسب، وهي الأكثر قدرة على التعبير عن نفسها، والإفضاء برأيها للجميع مهما كانت مكانته الاجتماعية، وفي أي مكان، ولعلنا رأينا ذلك بعد انتحار روزيتا، حينما واجهت كليليا مومينا بقسوة، حريصة على تعريتها تماما أمام نفسها بقولها: تتلاعبين بمشاعر الآخرين وكأنهم مثلك، أنت لا تعرفي حتى ما هي المشاعر، لو هجرك عشيق  تذهبي بكل بساطة لعشيق آخر، أنت قاتلة، أتفهمين؟ لقد قتلتها بلسانك القذر- في إشارة منها إلى تشجيع مومينا لروزيتا للمضي قدما في علاقتها مع لورينزو واختطافه من نيني، بل وإعطائها مفتاح شقتها لروزيتا لتكون مكانا لهما للعشق المُستتر عن عيون الآخرين، بل وفي إشارة مُهمة إلى سُخرية مومينا من ضعف وهشاشة روزيتا، ولجوئها إلى الانتحار وفشلها فيه أول مرة- ولعلنا لا ننسى قول مومينا لكليليا حينما عرفت بأن كليليا ستوظفها: لماذا تريد العمل؟ فتقول كليليا: كي تشغل نفسها. لكن مومينا تقول: هذا غير مُقنع. لترد كليليا: مومينا، أنت تغضبينني أحيانا، كوني جدية، من المُهم أن يشتري المرء طعامه بنفسه. لترد مومينا ردا مُعبرا بصدق عن سطحية، وسخافة، وضحالة البرجوازية الإيطالية التي ينتقدها أنطونيوني: لدي طعامي، ماذا أفعل؟ إنه لدي.


كما لا يفوتنا أن كليليا هي أكثر الشخصيات الفيلمية مقدرة على فهم الطبقة البرجوزاية التي انتمت إليها، لذا فهي الأقدر على انتقاد هذه الطبقة الهشة بقولها لرئيستها في العمل: في روما ينفقون القليل ليبدون أغنياء، هنا ينفقون الكثير، لكنهم يحبون الظهور ببساطة. وحينما تسألها مُديرتها عن السبب مُندهشة، ترد كليليا ببساطة: دبلوماسية اجتماعية.

ريما يبدو لنا فيلم "الصديقات" للمُخرج مايكل أنجلو أنطونيوني مُختلفا إلى حد كبير عن أسلوبيته الإخراجية التي نعرفها عنه؛ فهو من أقل أفلامه شهرة على سبيل المثال، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أنه كان من أفلامه المُبكرة التي أنجزها قبل شهرته عالميا مع بداية ثلاثيته الفيلمية، لكن رغم أن هذا الفيلم كان من أفلامه المُبكرة سنلحظ أن بذور أسلوبية المُخرج كانت تبدو لنا واضحة في هذا الفيلم، حيث التعبير عن مفاهيم الوحدة، والعزلة، والعجز عن التواصل التي يعانيها الإنسان مع نمط الحياة الحديثة؛ مما يؤدي إلى المزيد من القلق الوجودي، وربما الرغبة في الانتحار، كما لا يفوتنا تأكيده في هذا الفيلم- كغيره من أفلامه التالية- على العائق الطبقي الذي يؤدي في جوهره إلى تدمير العلاقات بين الأحباء، بالإضافة إلى انتقاده الدائم للبرجوازية الإيطالية الهشة بمفاهيمها الضحلة والسطحية، وإن كان الفيلم يختلف كثيرا إلى حد كبير عن أسلوبية أنطونيوني التي نعرفها في الحوار الكثيف الذي اختلف في أفلامه التالية، والتي كان حريصا فيها على التقشف الشديد في الحوارات الفيلمية، لذا فهذا الفيلم من الأفلام المُختلفة، والتي تبدو غريبة على أنطونيوني الذي يميل في أفلامه إلى الإيحاء والإيماء أكثر من اللجوء إلى الحوار الطويل، كما لا يفوتنا أن الفيلم قد يبدو للوهلة الأولى بالغ الصعوبة في التلقي بسبب ازدحامه بالشخصيات الفيلمية مما يؤدي إلى الكثير من الالتباس، وعدم فهم الشخصيات، وتداخلها في ذهن المُشاهد، ومن ثم فهو من الأفلام التي هي في حاجة ماسة إلى مُشاهد مُدرب على مُشاهدة الأفلام والصبر عليها للوصول إلى جماليات أسلوبيتها الحقيقية، لكن رغم أي شيء يبقى فيلم "الصديقات" من الأفلام المُهمة في مسيرة المُخرج، ومن أكثر أفلامه المظلومة بسبب جهل جمهور المُخرج بها باعتبارها أقل شهرة عن أفلامه الأخرى بدءا من ثلاثيته.

 


محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".

عدد يونيو 2026م