زفياجينتسيف- الذي يبدو لنا كمُصلح اجتماعي- يمارس السينما بفرادة وأسلوبية وجمالية تختلف عن غيره من المُخرجين الآخرين، هو في ذلك مثله كمثل المُخرج الروسي الراحل Andrei Tarkovsky أندريه تاركوفسكي، الذي كان بمثابة النبي، صاحب الرسالة الإنسانية الخالدة التي تحاول تحذير البشرية من الدمار المادي الهائل المحيق بهم، والذي لن يؤدي بهم في النهاية إلا إلى الدمار الكامل بموت أرواحهم فيهم وتشويههم، ومن ثم انصبت سينماه بالكامل على الدعوة إلى الروح، والابتعاد عن الانسياق خلف كل ما هو مادي- فهو نبي يحاول إيصال رسالته من خلال الأفلام- كذلك المُخرج المجري Béla Tarr بيلا تار الذي لم يكن- في جوهره- سوى فيلسوف حقيقي، أداته الأولى في هذه الفلسفة- التي يتوغل مُتأملا فيها- هي السينما من خلال أسلوبيته المُتميزة والفريدة التي جعلت أفلامه- رغم ميلها الكبير إلى التفلسف التشاؤمي- من أهم السينمات في العالم، سواء من حيث الموضوع/ الفلسفة، أو الشكل/ السينما البطيئة، ومُميزاتها الفريدة التي لا تخفى على أحد، وهو ما يعني أن كل مُخرج منهم مُنشغل طوال حياته بأمر ما، لكنه ضل سبيله إلى السينما؛ فاتخذها وسيلته الأساس من أجل التعبير عن رسالته، وثقافته، وهمه المُنشغل به.
إذن، فسينما زفياجينتسيف هي، في
جوهرها، سينما ذات رسالة، مُؤمن بها، مُنغمس فيها تماما، مُتشربا إياها، لا يرى
إنقاذا للمُجتمع إلا من خلالها، وبما أن الأسرة هي النواة الأساسية لأي مُجتمع-
ينصلح بصلاحها، ويفسد بفسادها- فلقد انصب كل ما قدمه من أفلام سينمائية- الطويلة
منها والقصيرة- على موضوع الأسرة- موضوعه الأثير- وهو ما أدى إلى أن باتت سينماه
ليست سوى مجموعة من التنويعات الأسلوبية والجمالية على هذا الموضوع الذي لا يحيد
عنه، بقدر ما يحاول اجتذاب أي موضوع آخر يفكر فيه إليه، فينكب على إعادة تشكيله
للدرجة التي تؤدي به إلى ابتلاعه داخل عالمه الأسري، مُكيفا إياه، ليصلح الحديث من
خلاله عن ضرورة استقرار الأسر، والابتعاد بها عن الخلافات والتفسخات والانهيارات
التي يراها من حوله- سواء في المُجتمع الروسي، أو المُجتمع العالمي- وإن كان يعنيه
المُجتمع الروسي في المقام الأول لارتباطه العميق بثقافته- لاحظنا محاولة التكييف
والابتلاع هذه في فيلمه الروائي القصير Mystery سر 2011م على سبيل المثال، الذي كان عبارة عن تجربة سينمائية
اشترك فيها خمسة من المُخرجين الروس، وهي التجربة التي أُطلق عليها اسم 5IVE، حيث تجمع خمس روايات سينمائية
من خلال مُقدمة واحدة مُشتركة. كانت المُقدمة عبارة عن شخص ما يُغلف صورة Polaroid بولارويد[1]
لا نعرف محتواها في ظرف كحلي اللون، ومن ثم يبتكر كل مُخرج من هؤلاء المُخرجين
الخمسة قصته الخاصة المبنية، والمُنطلقة من هذه المُقدمة- خمسة أفلام روائية
قصيرة.
إذا ما تأملنا هذه التجربة السابقة؛
لتبيّن لنا أن المُقدمة المفروضة على جميع المُخرجين فيها، تفرض عليهم شكلا من
أشكال السرد البصري البوليسي، أو المُغامرة، أو أفلام الحركة، لكن، بما أن هذه
المُقدمة مع مُخرج مثل زفياجينتسيف الذي لا يعنيه سوى عالم الأسرة، واستقراره،
ومحاولة إنقاذه من الانهيارات الحادثة فيه؛ فلقد ابتلع المُخرج هذه المُقدمة،
عاملا على تكييفها، وإعادة تفسير
دلالاتها، ورموزها وإسقاطاتها؛ ومن ثم عبر من خلالها عن عالم أسرى كاد أن ينهار
بسبب هذه الصورة الغامضة الموضوعة في المظروف الكحلي اللون، بمعنى أنه ابتلع
المُقدمة المُوحية بالمُغامرة، والحركة داخل عالمه السينمائي الخاص، ومن ثم خرج
لنا بفيلم يعبر عن الكيان الأسرى بشكل يكاد أن يكون مُكتملا، ومُعبرا عما يفكر فيه
طوال الوقت.
إذن، فزفياجينتسيف مُخرج صاحب عالم، وهو ما يجعلنا إذا ما شاهدنا أي فيلم من أفلامه من دون وجود اسمه عليه- بافتراض ذلك- سيتأكد لنا بأن هذا الفيلم يخصه، أو أنه فيلم لأحد المُخرجين الذين يحاولون التماهي معه، وتقليده في عالمه الأثير، وأسلوبيته الفنية البينة.
ثمة علائق قوية تربط زفياجينتسيف
بالمُخرج الروسي الراحل Andrei Tarkivsky أندريه تاركوفسكي؛ فكل منهما أعاد للسينما الروسية مجدها،
وتميزها، وفرادتها، وانتشارها من حول العالم بما قدمه من أفلام، ومن ثم بات كل
منهما رمزا مُهما من رموزها، وكل منهما فاز فيلمه الروائي الأول بجائزة Golden
Lion الأسد الذهبي-
أكبر جائزة يمنحها مهرجان Venice البندقية السينمائي- وهي الجائزة التي لم يحصل عليها مُخرج روسي سوى
تاركوفسكي عن فيلمه الأول أيضا Ivan’s Childhood طفولة إيفان 1962م، والمُخرج الروسي Nikita Mikhalkov نيكيتا ميخالكوف عن فيلمه Urga أورجا[2]
1991م، ثم زفياجينتسيف عام 2003م عن فيلمه الروائي الأول The Return العودة. وكل منهما جعله فيلمه
الروائي الأول في مُقدمة أهم المُخرجين من حول العالم، ومُرحبا به في كافة
الفعاليات السينمائية باحترام واقتدار خاص نتيجة لفرادة سينماه، وكل منهما اختار
التعبير- في فيلمه الأول- عن عالم الطفولة، وما يحيط به من أسباب قادرة على هدم
هذا العالم، وتفتيته تماما لينتهي الأمر بهذه الطفولة إلى مأساة مروعة، وكل منهما
رأى- في نفسه- أنه يحمل رسالة لا بد من تأديتها من خلال السينما التي يقدمها-
العودة إلى الحياة الروحية في مُقابل الحياة المادية الغالبة لدى تاركوفسكي،
والتوعية بضرورة استقرار الأسر، والتعامل الصحي داخل إطارها، منعا لانهيارها مما
سيؤدي إلى نشأة مُجتمع مشوه، شديد التفسخ واللاأخلاقية في حالة انهيار الأسرة لدى
زفياجينتسيف.
لكن هل اقتصرت
العلائق التي تربط المُخرجين معا على ما سبق فقط؟
لم يتوقف الأمر على ما ذكرناه، بل تعداه إلى شكل حياة كل منهما؛ فتاركوفسكي الذي كان ابنا للشاعر الروسي Arseny Tarkovsky أرسيني تاركوفسكي قد مر بتجربة مريرة في بداية حياته حينما هجر الأب الأسرة وهو ما زال بعد صغيرا؛ مما جعل الأم تتولى رعايته هو وشقيقته Marina Tarkovskaya مارينا تاركوفسكايا، وتنتقل بهما إلى Moscow موسكو لتعمل في إحدى المطابع من أجل توفير المال الشحيح، واستمرار الحياة، كما أن الأم حرصت على عدم الزواج مرة أخرى؛ وهو ما جعل تاركوفسكي يكبر شاعرا بالكثير من الذنب تجاه الأم التي رأى بأنها لم تعش حياتها كما ينبغي لها بسببه هو وشقيقته، مما دفعه في النهاية إلى إخراج فيلمه السيري المُهم Mirror المرآة 1975م الذي عبر فيه عن كل مشاعره، وهواجسه تجاه ما حدث في حياته- سواء باتجاه الأب، أم باتجاه الأم- وتأثير كل ذلك عليه، وعلى تشكيل شخصيته.
إنه نفس الأمر
الذي نراه في حياة زفياجينتسيف الذي هجر والده الأسرة بدوره وهو ما زال في السادسة
من عمره، بل وخيّره ما بينه وبين الأم؛ ليختار زفياجينتسيف البقاء مع أمه، لكن
الكارثة الحقيقية تجلت في علم زفياجينتسيف بأن أباه- في أسرته الجديدة- قد أنجب
طفلا ذكرا، وأطلق عليه اسم "أندري" أيضا، وهو ما يفيد بأن الأب قد اعتبر
أندري لا وجود له على ظهر هذا الكوكب، أو أنه اعتبره قد مات؛ مما ترك بأثره
المأساوي على زفياجينتسيف الذي لم يفهم لِمَ فعل به الأب هذا الفعل، ومن ثم فلقد
أصر على أن يتحداه، وأكد على أنه سيكبر ويثبت للأب بأنه لا يوجد سوى أندري
زفياجينتسيف واحد فقط. هذه الواقعة القاسية الأثر على زفياجينتسيف، فضلا عن عدم
زواج أمه أيضا، كانت هي الدافع الأساس لإخراج فيلمه المُهم Loveless مُجرد من الحب 2017م، وهو
الفيلم الذي عبّر فيه خير تعبير عن مشاعر الطفل في فيلمه، والذي كان هو المُعادل
الموضوعي لزفياجينتسيف الطفل الذي تحولت حياته إلى مأساة بسبب فعل الأب.
هذه الواقعة
الأسرية القاسية في حياة زفياجينتسيف دفعته إلى التفكير الطويل المتروّي في
العلاقات الأسرية، وأسباب انهيارها، وأثر هذه الانهيارات والتفسخات على الأطفال،
بصناعة كائنات شديدة التشوه والهشاشة، لا ذنب لها في الحياة سوى أن هناك أبوين
رغبا في مُمارسة فعل المُتعة الذي نتج عنه هؤلاء الأطفال، لكنهما قبل مُمارستهما
لمُتعتهما الجنسية لم يفكرا في النتيجة، وما سيترتب عليها بالضرورة من مسؤولية
أخلاقية تجاه الأبناء الناتجين عن هذه العلاقة برعايتهم، والحنو عليهم، وتوجيههم،
وتنشئتهم في بيئة آمنة، خالية من العراكات، والنزاعات، والرفض، والخوف، والهلع
الوجودي، بل والتخلي عنهم، ليتركانهم في الفراغ الذي لا يعرفون كيفية التعامل معه،
وبالتالي ينشأ لنا- على المدى الطويل- مُجتمع شديد التفسخ، غاص بالتشوهات،
والأمراض النفسية التي تسبب فيها الأبوان اللذان لم يتحملا مسؤوليتهما الأخلاقية
تجاه أبنائهما، ولم يُفكرا- للحظة واحدة- قبل الإقدام على إنجابهم، أو يحاولا طرح
السؤال الجوهري والوجودي: هل نحن على قدر هذه المسؤولية، وهل لدينا المقدرة على
توفير بيئة آمنة لهذه الكائنات الهشة قبل جلبها للحياة، وهل نحن في حاجة إليهم في
هذه اللحظة الراهنة، أو في أي لحظة قادمة؟
عادة ما يؤكد
زفياجينتسيف على أن الآباء لا يطرحون مثل هذه الأسئلة، ولا يفكرون فيها، ولا ترد
على بالهم بقدر انشغالهم بأنفسهم، وحيواتهم الخاصة، ومُتعهم السريعة واللحظية؛ ومن
ثم يجلبون المزيد من الكائنات البريئة إلى هذا العالم، وهي الكائنات التي يعملون
على تشويهها، وتعذيبها، بل والتنكيل بها لمُجرد أنهم رغبوا في مُمارسة فعل المُتعة
بأنانية مُطلقة من دون اللجوء إلى السؤال الأخلاقي الأهم، أو حتى محاولة التطرق
إليه قبل الإقدام على أفعالهم!
إذن، فهذه الواقعة الأسرية المُبكرة والقاسية في حياة زفياجينتسيف جعلت من أسئلته الأخلاقية تتنامى لتتضخم بداخله، ومع تنامي هذه الأسئلة، ووفرتها، وطول التفكير فيها؛ تحول العالم بالكامل إلى سؤال أخلاقي ووجودي ضخم لا يمكن الهروب منه أو تجاهله، ومن ثم نشأ عالم المُخرج الفني بالكامل على هذا التأمل الطويل في مثل هذه الأسئلة.
هذه التأملات الطويلة في مثل هذه
الأسئلة الأخلاقية، وسطوتها على عالم المُخرج في حاجة ماسة إلى أسلوبية سينمائية
خاصة من أجل التعبير عنها بوضوح، وبما أن المُخرج الإيطالي Michelangelo Antonioni مايكل أنجلو أنطونيوني كان هو
السبب الرئيس في شغف زفياجينتسيف بعالم السينما- التي لم يدرسها، ودرس بدلا منها
المسرح والتمثيل- لا سيما فيلمه المُهم L’Avventura المُغامرة 1960م الذي يراه
زفياجينتسيف أهم فيلم في تاريخ السينما، وهو الفيلم الذي غيّر وجهة نظره، وميله
للتمثيل والمسرح باتجاه الإخراج السينمائي، وبما أن مايكل أنجلو أنطونيوني من أهم
رواد Slow Cinema السينما البطيئة التي تمتاز على غيرها من السينمات الأخرى بالعديد
من الجماليات المُختلفة، لا سيما حركة الكاميرا البطيئة المُتمهلة، المُتأملة،
المُتفحصة، وهو ما يُعطي الفرصة للمُشاهد بدوره من أجل المزيد من التأمل والتفكير،
وطرح الأسئلة؛ فلقد اختار زفياجينتسيف أسلوبيته السينمائية في كل ما قام بصناعته
من أفلام سينمائية، ولم يخرج عن أسلوبية السينما البطيئة، عاملا على تطوير هذه
الإمكانيات الأسلوبية بالشكل الذي يُكسبه فرادة، واختلافا عن غيره من المُخرجين
المُنخرطين في هذا المجال من أمثال تاركوفسكي، وأنطونيوني، وبيرجمان، وتار،
وبريسون، ونوري جيلان، ولاف دياز، وبيدرو كوستا وغيرهم من مُخرجي هذا التيار
المُهم في تاريخ السينما العالمية.
لكن، رغم إخلاص
زفياجينتسيف لهذا التيار السينمائي، وهو ما جعل جميع أفلامه لا تخرج عنه، ورغم
إجادته وتميزه بالعديد من الجماليات التي حملت اسمه وحده، بمعنى أننا لا نراها في
أفلام غيره- سيطرة تدرجات اللون الأزرق على الكادر، وغيره من الألوان الرمادية
الشاحبة، وولعه باستخدام تناقضات السطوع والظل في الإضاءة، وأثرها على الصورة بخلق
تكوينات جمالية أكثر شبها باللوحات التشكيلية- إلا أن زفياجينتسيف حاول التنصل من
معرفته بتيار السينما البطيئة، بإنكار علمه بوجود مثل هذا التيار في السينما، بل
والسُخرية والتهكم أيضا من النقاد الذين يفكرون مثل هذا التفكير، ويعملون على هذا
المُسمى الغريب: "ها أنا ذا أعيش، لا أعلم أن دوائر دراسات السينما، على ما
يبدو، تبحث في أمور غامضة كهذه. أرجو أن تخبروني لاحقا بالنتيجة التي يتوصل إليها
باحثو السينما"[3]!
بالتأكيد
لزفياجينتسيف أسبابه الخاصة- التي لم يُصرح بها- والتي جعلته ينكر معرفته بمثل هذا
التيار في السينما العالمية رغم أنه لم يحد عنه طوال حياته، بل وكثيرا ما تحدث عن
مُميزاته وجمالياته في العديد من اللقاءات والمُقابلات، لكن سواء اعترف المُخرج
بإدراكه لمثل هذا التيار أم لا، فهو يُمثل مُخرجا من أهم مُخرجي هذا الاتجاه
السينمائي، وأفلامه جميعها تُدلل على ذلك.
لكن، رغم فرادة عالم زفياجينتسيف، وأسلوبيته السينمائية التي أدت إلى جمالياته الخاصة، إلا أن العلائق التي تربطه بتاركوفسكي لم تقتصر على ما سبق ذكره، بل تعدته إلى أن فوز فيلمه الأول بجائزة Golden Lion الأسد الذهبي في مهرجان Venice البندقية السينمائي؛ قد دفع الرئيس الروسي Vladimir Putin فلاديمير بوتين إلى أن يهنئ المُخرج بنفسه على هذا الفوز الفني المُهم في رسالته التي جاء فيها: "إن الجوائز الرفيعة التي حصدتموها في مهرجان Venice البندقية السينمائي ليست مُجرد انتصار مهني لكم، بل هي شهادة على الإمكانات الإبداعية الهائلة للسينما الروسية وتطورها الديناميكي اليوم"[4]، وهو ما رأيناه سابقا أيضا مع فوز تاركوفسكي بنفس الجائزة على فيلمه الأول؛ حيث وضعه هذا الفوز في مكانة مُتميزة داخل المُجتمع الروسي، وبات من أهم العلامات في السينما الروسية، ومحل تقدير من السُلطات السوفيتية. إلا أن هذا الوفاق- شهر العسل- بين كل من السُلطات السياسية وبين المُخرجين لم يدم طويلا؛ بل سُرعان ما تحول إلى حالة عدائية، ورفض تام، وقاطع من قبل السُلطة تجاه كل من المُخرجين؛ فتاركوفسكي يتحدث عن الروح، والمعاني الإيمانية، والخلود، والسمو، وهي المعاني التي تتعارض تماما مع المادية التي يقرها النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي، فضلا عن أن السُلطة لم يرق لها طريقة تصوير تاركوفسكي لفنان العصور الوسطى Andrei Rublev أندريه روبليف[5] في الفيلم الذي حمل اسمه 1966م، ورأت أن الفيلم يُسيء للمواطن الروسي وتاريخه- بما أن تاركوفسكي قد ذكر الكثير من الحقائق كما جاءت في التاريخ، ولم يسع إلى إخفائها أو تزويرها وتجميلها من أجل الإعلاء الزائف من القومية السلافية- وهو ما حدث مع زفياجينتسيف بطريقة أخرى، لا سيما بعد إخراجه لفيلمه المُهم Leviathan ليفياثان 2014م، ووصفه للفساد الهائل الدائر في المُجتمع الروسي المُعاصر، وأثر هذا الفساد، وتبعاته على الأسرة الروسية وانهيارها التام في نهاية الأمر، وهو ما جعل النظام السياسي الروسي بالكامل- بداية من الرئيس الروسي الذي سبق له تهنئته على فوز فيلمه الأول، حتى قاعدة هذا النظام- في حالة عدائية، ورفض لزفياجينتسيف وسينماه، بل ووصفه بأنه "يهوذا"، أي خائن لوطنه، بل واتهامه بأنه يتبع أجندات خارجية، وحريص على انتقاد النظام الروسي، وتشويهه في المحافل الدولية، وهو ما أنكره المُخرج غير مرة، مُؤكدا على أنه ليس بسياسي، ولا رغبة لديه في مُمارسة السياسة، أو مُعاداة النظام الحاكم في روسيا.
صحيح أن النظام
السياسي كان مُحتقنا تجاه زفياجينتسيف مُنذ فيلم الروائي الثالث Elena إيلينا 2011م، الذي وصف فيه
شكل المُجتمع الروسي المُتناقض والمُنهار على المستوى الاقتصادي بسبب السياسات
الاقتصادية التي يتبعها النظام الروسي، فضلا عن سيطرة الأوليجارشية على هذا النظام
بمُباركة السُلطات، بالإضافة إلى تصويره لما قد يوحي برفضه لنظام التجنيد
الإجباري، لرغبة الحفيد والأبوين في الهروب من التجنيد بعد انتهائه من الدراسة
الثانوية- داخل الفيلم- لكن هذا الاحتقان لم يتصاعد للوصول إلى مرحلة الغضب والرفض
التام إلا بعد فيلم "ليفياثان"، لا سيما أن وزراة الثقافة الروسية كانت
قد ساهمت بنسبة 35% من قيمة إنتاج هذا الفيلم الذي انتقد بوضوح الفساد الدائر في
روسيا الحديثة، وأثر ذلك على تكوين الأسرة- النواة الأولى والأساس للمُجتمع- مما
يعني في نهاية الأمر- من الناحية الشكلانية- أن وزارة الثقافة- وهي مُؤسسة رسمية
من مُؤسسات الدولة- توافق بالضرورة على ما ورد في الفيلم؛ مما وضع وزير الثقافة
الروسي آنذاك Vladimir Medinsky فلاديمير ميدينسكي في موضع شديد الحرج أمام الرئيس الروسي
فلاديمير بوتين؛ ومن ثم هاجم الفيلم بضراوة- لإحساسه بمُخادعة زفياجينتسيف له-
وكان من أكثر المُعادين لزفياجينتسيف، بل ومنع تمويل أي من أفلامه من قبل وزارة
الثقافة مرة أخرى، ووصل به الأمر إلى إصدار العديد من القرارات والقوانين المُقيدة
لصناعة السينما في روسيا بسبب هذا الفيلم، وهي القوانين التي كان منها قانون حظر
الشتائم في الأفلام، وعدم طرح أي وجهة نظر سلبية باتجاه المواطن الروسي في صناعة
السينما!
إذن، فلقد غضب النظام الروسي على المُخرجين ورفضهما، واتهمهما بالعمالة وتشويه المواطن الروسي، وبات وجودهما غير مرغوب فيه، وتم منع تمويل أفلامهما؛ وهو ما دفع بالمُخرجين في نهاية الأمر إلى اختيار المنفى، والحياة بعيدا عن روسيا، رغم انغماسهما في الثقافة الروسية، وعشقهما لوطنهما، وشعورهما بالكابوسية، والانغماس داخل حالة أشبه بالحمى التي تؤدي بهما إلى الهذيان بعيدا عن الوطن، وهو ما عبر عنه تاركوفسكي ببراعة في فيلمه المُهم Nostalghia الحنين 1983م، الذي رأينا فيه بطل الفيلم "أندريه"- المُقابل الموضوعي لتاركوفسكي- يعيش في حالة أقرب إلى الجنون بسبب ابتعاده عن الوطن، وهو ما أدى إلى موته بأزمة قلبية في نهاية الفيلم.
إذا ما كانت
الفرصة قد أُتيحت لتاركوفسكي من أجل التعبير عن مُعاناته النفسية بعيدا عن وطنه،
فهي لم تحن بعد لزفياجينتسيف من أجل التعبير عن نفس الحالة؛ بسبب انقطاعه الإجباري
والقدري عن الحياة بالكامل لعدة سنوات، ففي يونيو 2021م تلقى زفياجينتسيف لقاح Sputnik V سبوتنيك في، المُضاد لكوفيد-
19، لكنه أُصيب بحمى شديدة، ونُقل إلى المُستشفى، حيث أُدخل العناية المُركزة،
وخلال إقامته في المُستشفى أُصيب بتسمم الدم نتيجة عدوى مقاومة المُضادات الحيوية
التي أُصيب بها هناك. وُضع زفياجينتسيف في غيبوبة صناعية في مُستشفى ألماني، لكنه
أُصيب بعد ذلك باعتلال الأعصاب المُتعدد الذي تسبب في فقدانه القدرة على المشي،
ولفترة طويلة أيضا، لم يستطع الجلوس أو الكلام، وفي المُستشفى أُصيبت أربطة حلقه،
وحتى مايو 2022م كان لا يزال يتلقى العلاج في مُستشفى Wiesbaden, Germany فيسبادن، ألمانيا. وهو ما يعني
أن السبب الرئيس في توقف المُخرج كل هذه الفترة الطويلة عن مُمارسة السينما- الفن
الأقرب إليه من الحياة- كان سببا قدريا بحتا جعل زفياجينتسيف أقرب إلى الموت من
الحياة لعدة سنوات، إلى أن استرد قواه مرة أخرى، وبات قادرا على مُمارستها بشكل
طبيعي كما كان يفعل من قبل، وبما أنه قد صرح بعمله على فيلم جديد سيعبر عن
المُجتمع الروسي وما يدور فيه أيضا- وهو الفيلم الأول له في المنفى- فقد يكون فيه
ميلا للتعبير عن افتقاده الكبير للوطن، وربما لم يحن الوقت بعد للتعبير عن هذا
الحنين، وقد يميل زفياجينتسيف إلى الإمساك عن التعبير عن هذا الإحساس في نهاية
الأمر، ودفنه داخله.
إن الأسلوبية الجمالية التي عرفناها عن أندري زفياجينتسيف تعود في المقام الأول إلى عدم ميله للعمل مع العديد من الأشخاص؛ فهو مُنذ بدايته المُبكرة الأولى، والحلقات التليفزيونية الثلاث التي قام بإخراجها في بداية حياته الفنية[6] غير راغب في العمل سوى في سياق فريق فني، ورغم أنه كان في بدايته يرغب في تصوير هذه الحلقات الثلاث بالتعاون مع ثلاث فرق فنية، وتصويرية- للبحث عن أسلوب يستطيع الاستقرار عليه- إلا أنه بمُجرد ما بدأ العمل- في الحلقة الأولى- مع المصور السينمائي الروسي Mikhail Krichman ميخائيل كريشمان، تأكد بأنه قد وجد أسلوبيته الفنية، وشريكه الفني الدائم، ومن ثم لم يفكر في تغيير الفريق الفني طوال مسيرته السينمائية، وهو ما سنُلاحظه في أن جميع أفلامه كانت من تصوير كريشمان، المُبدع في التصوير السينمائي، والماهر تماما في الانسجام مع ما يرغبه زفياجينتسيف والتعبير عنه، كما أنه لا يميل إلى تغيير كاتب السيناريو المُشارك Oleg Negin أوليج نيجين، فضلا عن أن مُعظم مُمثليه سنراهم في جميع أفلامه السينمائية يتبادلون الأدوار فيما بينهم، وهو ما يجعل المُخرج قادرا على التعبير عن عالم فني مُتماسك، وجمالي، لا سيما أن العمل في فريق يجعل جميع أفراد هذا الفريق قادرين على الانسجام مع بعضهم البعض، وقادرين على فهم ما يدور في ذهن المُخرج، وبالتالي التعبير عنه بصورة تقرب من الاكتمال- كما يريده هو.
رغم كل التضييقات
والعراقيل التي وُضعت في طريق المُخرج السينمائي الروسي أندري زفياجينتسيف، فهو لم
يتوقف عن صناعة السينما. صحيح أنه قد رضخ في نهاية الأمر إلى الابتعاد عن الوطن/
روسيا والبقاء في المنفى/ فرنسا- مع عدم التعاطي مع عالم السياسة الذي يُصرّ على البقاء
بعيدا عنه- إلا أنه ما زال يعمل، ويُعد للعديد من المشاريع الفنية التي أعلن عنها
مُؤخرا، والتي عمل على تصوير أحدها Minotaur مينوتور، وانتهى منه في نهاية عام 2025م: "وفقا لتقرير جديد
من Arte France Cinéma. الفيلم الذي شارك في كتابته
المُخرج مع Simon Liashenko سيمون لياشينكو سيتناول قصة Gleb جليب، مُدير شركة روسي على وشك
تسريح موظفيه، ويكتشف أن زوجته على علاقة غرامية. من المُقرر أن يبدأ إنتاج الفيلم
في سبتمبر المُقبل في Riga, Latvia ريجا، لاتفيا، ويُوصف بأنه دراما حميمية ستُصور في المنفى في سياق
روسيا المُعاصرة، وتُجسد نفسها كقصة سياسية تجمع بين إثارة الجريمة والمأساة
الكلاسيكية، ويحظى الفيلم بدعم كل من فرنسا، ولاتفيا، وألمانيا"[7]،
أي أن زفياجينتسيف- مع الابتعاد عن السينما كل هذه الفترة من 2017م حتى الآن-
حينما فكر في عودته الجدية، وصناعة فيلم جديد؛ لم يخرج من عالمه الأثير الذي يفكر
فيه- عالم الأسرة وتصدعاتها وانهياراتها- والذي يطرح من خلاله أسئلته الأخلاقية
والوجودية التي تتعملق لتغطي العالم بأكمله، فارضة وجودها على العالم الفيلمي،
والمُشاهد معا من أجل التفكير والتأمل الطويل فيها. وهو الفيلم الذي نال عنه
المُخرج الجائزة الكبرى Grand Prix في مهرجان Cannes كان هذا العام 2026م.
يُعد المُخرج
الروسي أندري زفياجينتسيف حالة خاصة من بين المُخرجين الروس المُعاصرين، ومُخرج له
أسلوبيته الخاصة جدا في تيار السينما البطيئة، لذا كانت عودته هذا العام، وحصوله
على الجائزة الكبرى في مهرجان "كان" ضرورة لإعادة تناول أعماله، وإلقاء
الضوء عليها، والاحتفاء به في هذا العدد.
[1] المقصود بها الصور الفوتوغرافية الفورية.
[2] المقصود بعنوان Urga هو فيلم Close to Eden قريب من عدن 1991م.
[3] للمزيد انظر حوار كل من Maria Trakovsky ماريا
تراكوفسكي، وDoug Cummings دوج كامينجز بعنوان: An Interview With Andrey Zvyagintsev: Leviathan
and Loveless
مُقابلة مع أندري زفياجينتسيف: ليفياثان ومُجرد من الحب/ cineaction.ca/ بتاريخ
أكتوبر 2018م.
[4] للمزيد انظر الخبر المكتوب بعنوان President Vladimir
Putin congratulated Russian director Andrey Zvyagintsev, who had won the Golden
Lion and the Best Debut award at the Venice Film Festival هنأ الرئيس فلاديمير بوتين المُخرج الروسي أندري
زفياجينتسيف لفوزه بجائزة الأسد الذهبي، وجائزة أفضل عمل أول في مهرجان البندقية
السينمائي/ en.kremlin.ru/ بتاريخ 10 سبتمبر 2003م/ من دون ذكر اسم الكاتب.
[5] Andrei Rublev أندريه روبليف. وُلد حوالي 1360م، وتوفي حوالي
1430م. كان فنانا روسيا، يُعتبر من أعظم رسامي الأيقونات واللوحات الجدارية
المسيحية الأرثوذكسية في العصور الوسطى. يُبجل كقديس في الكنيسة الأرثوذكسية
الشرقية، ويُحتفل بعيده في 29 يناير. لا توجد معلومات كثيرة عن حياته، حتى مكان
ميلاده غير معروف. يُرجح أنه عاش في Trinity- St. Sergius Lavra دير الثالوث- القديس سرجيوس لافرا، بالقرب من Moscoe موسكو
تحت إشراف Nikon of Radonezh نيكون رادونيج، الذي أصبح رئيسا للدير بعد وفاة Sergius of
Radonezh سرجيوس
رادونيج عام 1392م. ذُكر روبليف لأول مرة عام 1405م عندما زيّن الأيقونات واللوحات
الجدارية لكاتدرائية Cathedral of the Annunciation of the Moscow Kremlin البشارة
في الكرملين بموسكو، برفقة Theophanes the Greek ثيوفانيس اليوناني، وProkhor of Gorodets بروخور
من جوروديتس. كان اسمه هو آخر اسم في قائمة الأساتذة، باعتباره الأصغر رتبة وعمرا.
وكان ثيوفانيس أستاذا بيزنطيا بارزا، انتقل إلى روسيا، ويُعتقد بأنه درب روبليف.
[6] أخرج زفياجينتسيف ثلاث حلقات تليفزيونية في المُسلسل
التليفزيوني الروسي The Black Room الغرفة السوداء 2000م، مُدة كل منها خمس وعشرون
دقيقة.
[7] للمزيد انظر ما كتبه Jordan Raup جوردان
راوب بعنوان: Andrey Zvyagintsev Sets Next Feature with Minotaur أندري زفياجينتسيف يُطلق فيلمه الجديد
"مينوتور"/ thefilmstage.com/ بتاريخ 24 مارس 2025م.

.webp)
.webp)
.webp)
.webp)


.webp)

















