مُصادفة
تاريخية بحتة لعبت دورها الجوهري في حياة المُخرج الروسي Andrey
Zvyagintsev أندري زفياجينتسيف، ومن ثم امتلكت المقدرة
على تحويل مسار حياته تماما من التمثيل، والمسرح إلى السينما، ولولا هذه المُصادفة
البحتة لما كنا قد عرفنا مُخرجا من أهم مُخرجي السينما العالمية، والأكثر بروزا في
تاريخ روسيا الحديثة، وهو الذي كثيرا ما تتم مُقارنته بالمُخرج الروسي الراحل Andrei
Tarkovsky أندريه تاركوفسكي- الذي لعبت المُصادفة
التاريخية السياسية، The Khrushchev Thaw ذوبان
خروتشوف،
وإصلاحاته السياسية، دورها أيضا في تحويل مسار حياته، وسلوكه لمسلكه السينمائي
الذي عرفناه عنه، وهما المسلك والأسلوبية اللذان أثرا على الكثيرين من المُخرجين
وصُناع السينما من حول العالم.
فلقد
"وُلد Andryusha Zvyagintsev أندريوشا
زفياجينتسيف في عائلة لمُعلمة وشرطي، والتحق بمدرسة عادية جدا في Novosibirsk نوفوسيبيرسك.
في عمر الخامسة،
عانى الصبي من ضغوط شديدة؛ فقد ترك والده العائلة وانتقل إلى مدينة أخرى. لم يستطع
الصبي مُسامحة والده قط، ولعل هذا هو سبب الدور المُميز الذي تلعبه النساء في
أفلام زفياجينتسيف، ففي فيلم Elena إيلينا
2011م يُبرر المُخرج قتل الشخصية الرئيسية لزوجها، من أجل حفيدها، بمهمة الأم في
الحفاظ على سلالة العائلة"!
هذا الدور
النسائي المُهم لدى زفياجينتسيف، سنُلاحظه في جميع أفلامه التي قدمها، وليس في
فيلم Elena إيلينا 2011م فقط، ففي فيلم The
Return العودة 2003م أول أفلامه السينمائية سنُلاحظ أنه لولا وجود الأم
والجدة، وعنايتهما بالطفلين اللذين تركهما الأب واختفى؛ لكانت الأسرة قد تلاشت،
حتى أن اهتمام زفياجينتسيف بدور المرأة في الأسرة قد تخطى أفلامه الروائية الطويلة
إلى القصيرة منها، ولعل فيلم Mystery سر 2011م خير مثال على ذلك؛ فالمرأة- الزوجة أو الحبيبة- في
الفيلم كانت هي الوحيدة التي لديها إمكانية استمرار العلاقة/ الأسرة أو انتهائها؛
لذا فلقد اختارت استمرار العلاقة بالقضاء على ما استلمته من تحرٍ خاص، كانت قد
استأجرته لشكه في حبيبها/ زوجها، ورغبتها في معرفة ما يخفيه، لكنها بعدما استلمت
منه التقارير التي ستخبرها بما ترغب في معرفته، قررت عدم الاطلاع عليها، أو فتحها،
وأسرعت لإتلافها والتخلص منها، مُفضلة في ذلك جهلها بما يخفيه عنها في مُقابل
استمرار علاقتهما معا. آخذة بنصيحة التحري التي بدت كحكمة لا غنى عنها: "إذا
ما كنت تحبين شخصا بالفعل؛ فدعيه يخفي ما يخفيه". ومن ثم كانت هذه الجملة هي
السبب الأساس في التخلي عن فضولها تجاه ما يخفيه رفيقها، لا سيما أن معرفتها بما
يخفيه عنها ستؤدي بالضرورة إلى انتهاء، أو انكسار العلاقة بينهما.

إذن، فثمة
واقعة أسرية تركت بأثرها النفسي العميق على زفياجينتسيف مُنذ الصغر، وهي الواقعة
التي ستتوارى بعيدا في لاوعيه باعتبارها قد انتهت، أو أن أثرها قد التئم في نفسه،
وإن كنا سنُلاحظ أنها دائما- وطوال الوقت- ما تطل برأسها في كل ما يقدمه من أفلام
سينمائية؛ مما يؤكد لنا على أنها قد تركت بأثرها الغائر الذي لم يُمح مع مرور
السنوات، حتى بعد نجاحه المدوي من حول العالم، وتقدير الجميع له في كل مكان، لما
يقدمه من سينما مُختلفة تترك بأثرها على كل من يشاهدها.
هذه الواقعة
القاسية على الطفل، وما يمكن لها أن تُسببه من ندوب عميقة هي ما يتحدث عنها
المُخرج- الذي لا يحب، عادة، الحديث عن حياته الشخصية- حينما تسأله Rebecca
Davies ريبيكا ديفيز في حوارها معه بقولها: "تلعب العلاقات الأسرية
دورا مُهما في فيلميك الأولين، ما الذي يجذبك في ديناميكيات الأسرة"؟ ليرد
بقوله: "في كلا الفيلمين كنت أبحث عن موضوع يلامسني. حدث هذا مع فيلميّ The
Return العودة 2003م، وThe Banishment النفي 2007م بمُجرد قراءتي للسيناريو. ربما يكون من قبيل الصدفة
أن تكون القصص التي أثرت في تدور حول العائلات، ولكن ربما ينطوي هذا على عنصر
الاستبدال أيضا، لأنني أشعر بأني لم أمتلك عائلة كاملة. تركني والدي وأنا في
السادسة من عمري، ومُنذ ذلك الحين وأنا أنتقل من مكان إلى آخر. شعرت وكأنني أعيش
في فندق".
ألا يُدلل لنا
هذا التأثر العميق بما حدث للمُخرج في طفولته، وطغيانه على جميع ما قدمه من أفلام
حتى الآن، على أن الإنسان- عادة- هو ابن تجاربه الحياتية، وثقافته الخاصة، وهي
التجارب والثقافة اللتين تحملان جيناتها الفريدة بحيث لا يمكن لها أن تتشابه مع
تجربة أو ثقافة الآخرين؟
لكن، ثمة
مُلاحظة أخرى جوهرية، لها دلالتها، لا بد من تأملها هنا: فالتجربة القاسية المريرة
التي مر بها زفياجينتسيف في صغره- والتي ظلت كامنة كالجرح في ذاكرته، لا تغادره
رغم نجاحاته المُتتالية ومرور الزمن- تكاد أن تتطابق تماما مع نفس التجربة المريرة
التي مر بها المُخرج الروسي الراحل Andrei Tarkovsky أندريه تاركوفسكي حينما هجر والده الشاعر الروسي Arseny
Tarkovsky أرسيني تاركوفسكي
الأسرة، تاركا أندريه وشقيقته Marina Tarkovskaya مارينا تاركوفسكايا صغارا مع أمهما الشابة التي انتقلت بهما إلى Moscow موسكو، وعملت في العديد من المجالات- كمُدققة لغوية في إحدى
المطابع على سبيل المثال- ولم تتزوج مرة أخرى، حريصة على رعاية الطفلين، وتنشئتهما
كما ينبغي، وهو الأمر الذي ترك بأثره العميق داخل تاركوفسكي، وضخم في داخله من
إحساسه بالذنب تجاه أمه- حيث رأى بأنها لم تعش حياتها كما ينبغي لها، وحرمت نفسها
من الحياة من أجله هو وشقيقته- ومن ثم لم يستطع الهروب من هذا الإحساس المروع، أو
التخلص منه طوال حياته إلا بعد تقديمه لفيلمه المُهم Mirror المرآة 1975م الذي كان بمثابة السيرة الذاتية للمُخرج، حيث قدم
فيه كل هواجسه، ومشاعره، وإحساسه بالذنب تجاه الأم، وغير ذلك من الأمور التي جعلته
في النهاية يتخلص من شعوره الضخم بالذنب تجاهها- وهو ما لم يكن له يد فيه- بل
ويقدم فيلما يُعد من أهم الأفلام السينمائية في تاريخ السينما الروسية، والعالم-
كما أكد على ذلك العديد من المُخرجين وصُناع السينما من حول العالم.

إنها نفس
التجربة- تقريبا- التي مر بها زفياجينتسيف، حتى لكأن المُخرجين الروسيين هنا يربط
بينهما العديد من الروابط الحياتية، فضلا عن روابطهما الفنية، ونجاحهما في
مسيرتيهما، وتمثيلهما للسينما الروسية- كل في عصره- بل واضطهادهما فيما بعد،
والتضييق عليهما، وصولا إلى هروبهما من روسيا إلى المنفى، والشعور بالكثير من
العذاب بعيدا عن وطنهما، وإذا ما كان المُخرج الروسي السابق- تاركوفسكي- قد تخلص
من هذا العبء بالتعبير البارع عنه في فيلمه Mirror المرآة 1975م، فلقد سعى زفياجينتسيف بدوره للتعبير عن هذه التجربة
القاسية في كل أفلامه، لا سيما فيلمه المُهم، والأكثر تأثيرا وتعبيرا عن هذه
التجربة المريرة Loveless مُجرد من الحب 2017م، حينما رأينا الطفل
"أليوشا" المُنصت لعراك والديه الراغبين في الانفصال، بينما كل منهما
غير راغب في الاهتمام بالطفل، أو رعايته، بل التخلص منه، أو إيداعه إحدى المدارس
الداخلية ليتفرغ كل منهما لحياته مع شريك جديد، فتلتقط الكاميرا المُتأملة أليوشا
المُختبئ من خلف باب الحمام، وقد ارتسمت على وجهه كل علامات الألم، والخوف، والذعر
التي يمكن تخيلها، حتى أن وجهه قد بدا لنا مشوها تماما لمحاولته كتم صرخة قهر قد
تنفلت منه رغما عنه أثناء بكائه المُخيف لمن يراه- حرص المُخرج هنا على تعميق أثر
المشهد بجعل الطفل يظهر لنا فيه مُرتديا لفانلته الداخلية فبدا لنا هزال جسده كفرخ
صغير- أي أن أليوشا كان يقف خلف باب الحمام مُستمعا إلى أبويه غير الراغبين فيه،
ولعل الألم الحقيقي الذي يشعر به الطفل هنا لا يعود إلى أنه سيكون وحيدا في الحياة
لا يعرف أحدا من المُمكن له أن يهتم به، أو يكون ذا صلة به، أو يعتمد عليه، بل
يعود الألم الحقيقي إلى الشعور العميق بالمهانة، والتقزم والازدراء من قبل
الوالدين رغم أنه لم يكن له أي ذنب في وجوده على ظهر هذا الكوكب، بل كان الذنب
ذنبهما هما حينما رغبا في الاستمتاع الجنسي الذي أدى في النهاية إلى وجوده، مما
يعني أن زفياجينتسيف هنا يرغب في التأكيد على- والتوقف الطويل أمام- المعنى
الأخلاقي للإنجاب، وتحمل مسؤولية هذا الفعل، والتفكير فيه مرارا قبل الإقبال عليه.

هذا الزلزال
المدوي في حياة زفياجينتسيف من المُمكن لنا فهمه بشكل أعمق- نظرا لأهميته، والأثر
العميق الذي تركه على سينما المُخرج- حينما نقرأ ما قالته Lyubov
Saleeva ليوبوف ساليفا- مُعلمة في مدرسة نوفوسيبيرسك
رقم 21: "درست أندري التاريخ. أنهى تسعة صفوف دراسية بتقدير "ج"
واحد فقط في الفيزياء؛ وذلك لأن علاقته بالمُعلمة لم تكن على ما يرام. ترك انفصال
والده عن العائلة مُبكرا، وزواجه من أخرى أثرا كبيرا على أندريوشا. لكن الأمر
الأكثر حزنا هو أن الأب، في عائلة أخرى، أطلق على ابنه اسم Andrey أندري أيضا! اتضح أنه اسم مُشابه تماما. لم يسع الأب للقاء عائلته
السابقة، ولم يأتِ قط. شعر أندريوشا بقلق شديد، وتساءل: لِمَ فعل أبي هذا؟! سيعرف
يوما عن أمري، وسيدرك أن هناك أندري زفياجينتسيف واحد فقط. بالمُناسبة لم تتزوج
والدة أندري مرة أخرى بعد الطلاق، ولم يتمكن أندري من تحسين علاقته بوالده حتى
وفاته- خلافا لتاركوفسكي الذي نجح في علاج الرأب بينه وبين أبيه، وتخطي الماضي-
ويعيش شقيق زفياجينتسيف في سيبيريا، وقد اصطحب أندري والدته إلى Moscow موسكو".

هذه الندبة
الروحية العميقة التي عانى منها المُخرج صغيرا؛ باتت كعائق أمامه، جبلا عملاقا
يمنعه من الاستمتاع بحياته الطبيعية، أو مُمارستها من دون أن تطل برأسها بين الحين
والآخر فيما يقدمه من أفلام- سواء كان الأمر عن وعي منه، أم من دون وعي- وهو ما
يتجلى لنا بشكل أكثر وضوحا في حواره مع Neil
MacFarquhar نيل ماكفاركوهار الذي كتب: "كان في
الرابعة من عمره
عندما أعلن والداه انفصالهما؛ فنظر إليه والده في عينيه، وطلب منه اختيار أحد
والديه- أصر على أن هذا لم يُحدث المشهد المروع عندما أدرك الجمهور أن أليوشا يعلم
أنه غير مرغوب فيه في فيلم Loveless مُجرد من الحب- قال: إن والدته- مُعلمة
الأدب الروسي- أثبتت أنها الخيار الأمثل: لطالما دعمت خياراته، بينما والده- الذي
ظهر- ضرب على الطاولة عدة مرات، وصرخ عندما اكتشف أن ابنه المُراهق كان في مدرسة
المسرح. انتقل السيد زفياجينتسيف إلى موسكو لمواصلة تدريبه، وعمل لمُدة ثلاث سنوات
كحارس مباني dvornik. في الحقبة السوفيتية كانت هذه الوظيفة تجذب
الفنانين لما توفره من شقة شاغرة، ووقت فراغ وافر".

ربما نُلاحظ
هنا أن زفياجينتسيف يحاول إنكار علاقة المشهد الفيلمي للطفل/ أليوشا في فيلمه Loveless مُجرد من الحب بما حدث له في حياته المُبكرة- وهي حيلة نفسية
دفاعية- مما يعني أن زفياجينتسيف لا يمتلك نفس السيكولوجية المُتصالحة، والجريئة
التي تمتع بها تاركوفسكي حينما أدلى بكل هواجسه، وآلامه، وعذاباته، ومشاعره تجاه
أسرته في فيلمه السيري Mirror المرآة، لكن، سواء اعترف المُخرج بهذه
العلاقة ما بين المشهد الفيلمي الذي قدمه وحياته المُبكرة، أم لم يعترف بها؛
فالأمر واضح وبيّن أمامنا، ليس في هذا الفيلم فقط، بل في كل أفلامه السينمائية
التي قدمها، حتى الروائية القصيرة منها، ولعله لا يمكن لنا نسيان بطل فيلمه
الروائي القصير Apocrypha أبوكريفا
2009م الذي قدمه المُخرج كابن لأبوين مُنفصلين، فضلا عن مُتابعة الشاب المُراهق
لقصة حب، أو زواج ما على وشك الانهيار، وقيامه بتصوير الشخصين اللذين يعنيهما
الأمر أثناء شجارهما، أو نقاشهما، أو عتابهما الغامض فوق الجسر، حتى لكأنه يتأمل-
من خلالهما- حياته الأسرية التي انهارت بانفصال الأبوين عن بعضهما البعض.

إذن، فلقد عشق
زفياجينتسيف التمثيل والمسرح مُنذ الصغر، وانتابته الكثير من الأحلام في أن يكون
مُمثلا شهيرا كالعديد من النجوم الذين يشاهد أفلامهم، لا سيما المُمثل الأمريكي Al
Pacino ألباتشينو،
وربما كانت هذه الأحلام هي السبب الأساس في تفضيله لدراسة المسرح- وهي الدراسة
التي أدت إلى انفجار أبيه بالغضب حينما علم بالأمر- وبما أن زفياجينتسيف يعيش في
سيبيريا، أي بعيدا عن المركز الثقافي الأساس Moscow موسكو؛ فلقد فكر في ضرورة النزوح إليها من أجل استكمال دراسته
المسرحية، وبناء مُستقبله الفني كمُمثل: "بعد أن غادر زفياجينتسيف إلى
العاصمة Moscow موسكو ودخل معهد GITIS؛ وقع في حب طالبة شابة في عامها الأول تُدعى Inna إينا. أحب أندري إينا، قالت المُمثلة Alisa
Bogart أليسا بوجرت:
كانت تبدو كالجنيّة. لم تصبح الفتاة مُمثلة قط. تخرجت في كلية الطب، وتعمل الآن
طبيبة توليد. هكذا وصفت Inna Mishukova إينا
ميشوكوفا هذه العلاقة: عندما التقينا، كنت في السابعة عشرة من عمري، وكان أندري في
الرابعة والعشرين. يصعب عليّ شرح سبب إعجابي بأندري. أدركت حينها أنه رجلي. بعد
عام من لقائنا، في عام 1988م، تزوجنا. ولأنني بلا والدين؛ أقيم حفل زفافنا في منزل
جدي وجدتي في ضواحي موسكو، لو لم يُمارسا الضغط علينا، لا أعتقد أننا كنا سنتزوج.
بدأنا من الصفر: لدينا طعام، ونحن سُعداء. وللحصول على سكن مُؤقت على الأقل؛ حصل
أندري على وظيفة عامل نظافة بالقرب من مسرح Mayakovsky
Theater ماياكوفسكي.
لقد منحني الكثير: علمني قراءة الكتب المُناسبة، ومُشاهدة الأفلام بانتقائية. كان
أندري يكتب دائما شيئا ما بنفسه: قصصا قصيرة، وسيناريوهات. انفصلنا، ليس بسبب
الخيانة. كان لدى أندري رغبة عارمة في الانفصال، وأنا أفهمه. عندما لا يكون لديك
أبوان، تتوقع أن يحل رجل ما محل والديك، لكن الزواج والمسؤولية عبء على أي شاب. في
النهاية تركته بنفسي. بعد سنوات فقط، عندما قابلت زوجي الحالي Volodya
Mishukov فولوديا ميشوكوف؛ تقدمت بطلب الطلاق".

مما سبق تتبيّن
لنا المُعاناة التي عاناها زفياجينتسيف مع انتقاله إلى موسكو، لكن، بما أن دراسة
المسرح، والرغبة في التمثيل مُسيطرتين عليه؛ فقد احتمل الأمر من أجل الوصول إلى
هدفه الرئيس- التمثيل: "في طفولته، في سيبيريا، كان يُعجب بأل باتشينو، ويحلم
بأن يصبح مُمثلا. عند وصوله إلى Moscow موسكو عمل
في وظائف مُتفرقة. كان ينظف المنازل، وينفخ أوراق الأشجار، ويجرف الثلج في مستودع
بضائع. يقول: إن آخر وظيفة كانت هي الأسوأ، فصول الشتاء في روسيا قارسة جدا،
وطويلة جدا. كان هناك الكثير من الثلج الذي اضطررت إلى جرفه من مكان إلى آخر. وهذا
أمر جيد، لم يكن الثلج سيئا. المُشكلة كانت في الجليد، كنت أضربه بشفرة لساعات،
فقط لأكسره. لذلك لا أفتقد الجليد. كاد الجليد أن يقتلني. لاحقا، حصل زفياجينتسيف
على أدوار في مُسلسلات تليفزيونية، وإعلانات أثاث. أما الآن، فهو لا يفتقد التمثيل
كثيرا. يقول: إنه لم يقف أمام الكاميرا مُنذ أن صوّر فيلمه الأول: لقد نسيت تجربتي
في التمثيل مُنذ زمن طويل، هناك من يستطيعون ذلك أفضل مني بكثير".
مما يعني أنه لولا حلم زفياجينتسيف في التمثيل، والرغبة في استكمال دراسته للمسرح،
لما كان قد نزح إلى موسكو، وهو النزوح الذي أدى إلى زواجه السابق من إينا
ميشوكوفا؛ والمواجهة مع ضرورة العمل في أي مجال- مهما كان هذا العمل- من أجل توفير
سكن له مع زوجته، واستمرار الحياة.

لكن، أين هي
الصدفة التاريخية التي أدت إلى تحوّل زفياجينتسيف من مجال التمثيل والمسرح إلى
مجال الإخراج السينمائي- رغم عدم دراسته للإخراج السينمائي- ومن ثم ربحته السينما
العالمية كمُخرج من أهم المُخرجين في العالم؟
تتبدى لنا هذه
المُصادفة التاريخية البحتة في تحويل مسار حياته حينما نُلاحظ الفرص الضئيلة التي
حصل عليها أندري في بعض المُسلسلات- والنادر من الأفلام- للتمثيل فيها، مثل دوره
في المُسلسل التليفزيوني القصير New Year in November رأس السنة في نوفمبر 2000م للمُخرج الروسي Ivan
Popov إيفان بوبوف،
لكنه سُرعان ما التقى بالمُنتج الروسي Dmitry
Lesnevsky ديمتري ليسنيفسكي
الذي عرض عليه تصوير ثلاث حلقات من المُسلسل الروسي The Black Room الغرفة السوداء 2000م، ولنتأمل: "بدأ أندري مسيرته- التي لا
يزال يسلكها حتى اليوم- كان مشروعه الإخراجي مشروعا تليفزيونيا صغيرا يتألف من
ثلاث حلقات قصيرة، مُدة كل منها خمس وعشرون دقيقة: في عام 2000م اقترح ديمتري
ليسنيفسكي إنتاج سلسلة من الحلقات. قررت تصوير كل سيناريو من السيناريوهات الثلاثة
التي قدمها لي المُنتج مع مصورين مُختلفين، أردت تجربة الأسلوب، وتجربة فِرق عمل
مُختلفة. ثم في مارس 2000م التقيت بـMikhail
Krichman ميخائيل كريشمان.
كانت مُصادفة بحتة، عرّفنا أحد أصدقائي، وعملنا معا مُنذ ذلك الحين. تخليت عن فكرة
إنتاج ثلاث حلقات بثلاثة طواقم مُختلفة، فقط لأنني فوضت أولها إلى ميخائيل. بعد
أربعين يوما من التصوير، أدركت أنني لا أرغب في العمل مع أي شخص آخر، أدركت أنني
وجدت شريكا إبداعيا"،
أي أن المُخرج الذي لم يدرس الإخراج السينمائي، ولا التليفزيوني، بمُجرد ما دخل
مجال الإخراج، راغبا في امتلاك أسلوبية فنية تخصه وحده- وهو ما جعله يفكر في تجربة
التصوير مع أكثر من طاقم للاستقرار على أسلوبيته- سُرعان ما استقر على هذه
الأسلوبية التي سنراها فيما بعد في كل ما قدمه من أفلام سينمائية بالتعاون مع
مصوره الوحيد، والذي لم يتغيّر قط- حتى في فيلميه الروائيين القصيرين- ميخائيل
كريشمان، وهو ما يُدلل على أهمية العمل في فريق؛ فالفريق الفني غالبا ما يكون على
درجة كبيرة من الهارمونية الفنية التي تُتيح لجميع أفراده المزيد من الإبداع، وهو
ما يجعلهم قادرين على فهم بعضهم البعض، وما يرغبه كل فرد من أفراد الفريق، ولعل
ميخائيل كريشمان بالتعاون مع زفياجينتسيف كثيرا ما قدم لنا المئات من الكادرات
المُتميزة، التي نستطيع معرفتها للوهلة الأولى بمُجرد رؤيتها باعتبارها علامة
تجارية مُميزة وفنية لكل من المُخرج والمصور، ولعل إشباع كريشمان كادراته
السينمائية بالدرجات المتفاوتة للونين الأزرق والرمادي في كل الأفلام التي صورها
مع زفياجينتسيف يُدلل خير دلالة على وعي المصور بما يرغبه المُخرج، ومقدرة كريشمان
على الانسجام، وفهم العالم الفني الذي يقدمه زفياجينتسيف- سواء على المستوى
الشكلاني، أو المستوى السيكولوجي، أو حتى المستوى الفكري- بل إن مُجرد تشغيل
كاميرا كريشمان- حتى لو كانت ساكنة، غير مُتحركة- قادرة على التعبير عن العالم
الحزين، القاتم، الشديد الكآبة الذي يعبر عنه المُخرج في أفلامه التي رأيناها.
إذن، فلقد كانت
المُصادفة التاريخية البحتة التي نقلت زفياجينتسيف من الوقوع في أسر المسرح،
والوقوف أمام الكاميرا، إلى السينما والوقوف من خلف الكاميرا هي لقائه بالمُنتج
السينمائي ديمتري ليسنيفسكي الذي لولاه لما فكر أندري في أن يتحول إلى مُخرج
سينمائي، قادر على تقديم هذه التحف السينمائية التي رفعت من شأن السينما الروسية
الحديثة مرة أخرى، وجعلته رمزا لها، بعد مرور سنوات طويلة على رحيل تاركوفسكي الذي
أعلى بدوره من شأن السينما السوفيتية.

لكن، الصدف
القدرية لا بد أن تُساهم فيها العديد من الأمور الفرعية التي تتكاتف مع بعضها
البعض من أجل اتخاذ المرء لقراره، ومن ثم الانسياق من خلفه، وهو ما حدث بالفعل مع
زفياجينتسيف- وإن لم يقف كثيرا أمام تفسير السبب- حينما بدأ اهتمامه بالمسرح
والتمثيل يخفت فجأة ليحل محله ولهه الشديد، وعشقه للسينما، وهو ما نُلاحظه في:
"نشأ أندري في Novosibirsk, Russia
نوفوسيبيرسك، روسيا، وهو قادر على تحديد الفيلم الدقيق الذي أشعل شغفه بالسينما،
وهو فيلم L’Avventura المُغامرة
1960م للمُخرج الإيطالي Michelangelo Antonioni مايكل أنجلو
أنطونيوني.
وصف مُشاهدته للفيلم بأنها نقطة تحول في مسيرته الإبداعية غيّرت قناعاته حول ماهية
السينما، ولغتها: خرجت من السينما وكأنني لا أستطيع الحركة. كنت في الشارع مع
صديقي، وكان يتحدث بصوت عالٍ قائلا: هيا، أسرع، دعنا نذهب. لكن، كل ما استطعت قوله
هو: يوري، اهدأ، امنحني دقيقة واحدة فقط. أنا مُقتنع- ولكن هذا مُجرد رأي- بأن Tarkovsky تاركوفسكي تأثر بشدة بأنطونيوني. لم يتحدث عن ذلك قط، لكني أعتقد
أن ذلك واضح من أفلامه، لأن الستينيات كانت فترة نهضة سينمائية عالمية، وكان ظهور
الواقعية الجديدة، وتحديدا النسخة الإيطالية من الواقعية الجديدة لأنطونيوني
بمثابة انفجار هائل، كان له تأثير كبير على كل شيء".

لكن، دعنا
نتوقف هنا أمام الاقتباس السابق الذي صرح فيه زفياجينتسيف بظنه الخاص بأن
تاركوفسكي قد تأثر بشدة بأنطونيوني؛ صحيح أن جميع المُخرجين من حول العالم يتركون
بآثارهم الفنية والأسلوبية والأيديولوجية على بعضهم البعض، وهو ما يؤدي في نهاية
الأمر إلى تشكل الأسلوبيات المُختلفة، أو الاتجاهات الفنية المُتسقة مع بعضها
البعض- السينما البطيئة كمثال بما أن من نتحدث عنهم هنا يمثلون تيار السينما
البطيئة: أنطونيوني، وتاركوفسكي، وبيرجمان، وزفياجينتسيف- وصحيح أن الانفصال عن
الإرث السينمائي الذي تم تقديمه فيما قبل لا يمكن له أن يُنشئ مُخرجا جيدا، أو فنا
مُتميزا؛ فالسينما في جوهرها بناء قائم على التراكم والتجارب الفنية، ولو لم يتم
الانتباه إلى مثل هذا التراكم، وهضمه بشكل كافٍ، والاستفادة المُتبادلة منه- بعيدا
عن التقليد- لما نشأت اتجاهات سينمائية جديدة ومُبتكرة، وهو ما يؤكد عليه
زفياجينتسيف نفسه في قوله: "المُخرج أشبه بشجرة تمتد جذورها إلى أسفل لتستمد
العناصر الغذائية التي تحتاجها، Tarkovsky تاركوفسكي، وAntonioni أنطونيوني، وBergman بيرجمان،
وBresson بريسون
هم أصدقائي، ولم أحاول الابتعاد عن هذا التراث الفني في أفلام Elena إيلينا 2011م، أوLeviathan ليفياثان 2014م، أو Loveless مُجرد من الحب 2017م التي صنعتها لاحقا، سلكت هذا الطريق لأني
كبرت، وتغيرت، واستقرت الأمور على حالها"،
نقول: إنه لولا هذا التلاقح ما بين الأساليب الفنية والسينمائية المُختلفة لما
نشأت التيارات السينمائية.
لكن، هل تأثر
حقا Andrei Tarkovsky أندريه
تاركوفسكي مثل هذا التأثر العميق بسينما المُخرج الإيطالي Michelangelo
Antonioni مايكل أنجلو أنطونيوني كما ذهب زفياجينتسيف
في ظنه الشخصي؟

لا يمكن إنكار
أن تاركوفسكي كان على علاقة طيبة ووطيدة بالمُخرج الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني،
وهي العلاقة التي بدت لنا واضحة بشكل جلي في فيلم تاركوفسكي الوثائقي الوحيد Voyage
in Time رحلة في الزمن 1983م حينما تواصل أنطونيوني
هاتفيا مع السيناريست والمُخرج الإيطالي Tonino Guerra تونينو جويرا-
كما رأينا في الفيلم- ليطمئن عليه، وعلى تاركوفسكي، ويسألهما عن كيفية صيرورة
الفيلم الوثائقي الذي يعملان عليه، بل وشجعهما على المضي فيه قدما، مُخبرا إياهما
بأنه سيزورهما، لكننا في ذات الوقت لا يمكن لنا نسيان الانتقادات الفنية الحادة
التي وجهها تاركوفسكي لأفلام مايكل أنجلو أنطونيوني، لا سيما فيلمه The
Red Desert الصحراء الحمراء 1964م، "ولنتأمل قوله
عن المُخرج الإيطالي- الذي كان مُعاصرا له- Antonioni أنطونيوني: "The Red Desert الصحراء الحمراء هو أسوأ أفلامه بعد Il Grido الصرخة 1957م. اللون طنان على عكس أنطونيوني عادة، والتحرير خاضع
لفكرة اللون. كان من المُمكن أن يكون فيلما رائعا وقويا للغاية لو أنه تم عرضه
بالأبيض والأسود. لو كان فيلم "الصحراء الحمراء" بالأبيض والأسود لما
كان أنطونيوني قد اهتم بجماليات التصوير، ولما كان مُهتما جدا بالجانب التصويري
للفيلم، ولما كان ليصور تلك المناظر الطبيعية الجميلة، أو شعر Monica
Vitti مونيكا فيتي
الأحمر ضد الضباب. كان سيركز على الحدث بدلا من التقاط صور جميلة. في رأيي أن
اللون قتل الشعور بالحقيقة. إذا ما قارنت "الصحراء الحمراء" بـLa
Notte الليل 1961م، أو L’Eclisse الكسوف 1962م فمن الواضح أنه أقل جودة".
إن من يستمع إلى حديث تاركوفسكي السابق بالتأكيد سينساق معه فيما ذهب إليه، ولا
يمكن له أن يرى تاركوفسكي مُتحاملا على أنطونيوني في رأيه، لا سيما مع تأمل
الأسباب المنطقية التي ساقها تاركوفسكي للتدليل على السبب الذي جعله يرى في فيلم
أنطونيوني الكثير من الضعف؛ فالألوان قد دفعته لارتكاب الكثير من الأخطاء في تقديم
الصورة السينمائية، كما جعلته مُلتفتا إلى الجماليات بشكل مُبالغ فيه على حساب
الحدث الفيلمي، أي المضمون، وهو الأمر الذي لم يكن من المُمكن له أن يقوم به، أو
يلتفت إليه لو كان الفيلم بالفعل باللونين الحياديين"،
فلقد كان تاركوفسكي- كعادته التي نعرفها عنه- شديد الصلابة في انتقاده لغيره من
المُخرجين الذين يستخدمون الألوان بشكلها العادي في أفلامهم، لا سيما أنه لديه
يقين بأن المُشاهد العادي لا يلتفت إلى الألوان في الفيلم كما يظن المُخرج،
وبالتالي فالاهتمام البيّن باللون يؤدي إلى إفساد الفيلم.
إلا أنه إحقاقا
للحق؛ فتاركوفسكي مع قسوته النقدية الشديدة تجاه مايكل أنجلو أنطونيوني، لا ينكر
أنه قد تأثر بما قدمه من سينما- ليس بالشكل الذي يظنه زفياجينتسيف- لكنه لا يمكن
له بأي حال من الأحوال تجاهل الأثر الفني للسينما التي قدمها المُخرج الإيطالي،
وإذا ما كان زفياجينتسيف قد ظن بأن تاركوفسكي قد تأثر بأنطونيوني، ولم يتحدث عن
ذلك قط- كما ذهب في حديثه السابق- فنحن لا يمكن لنا نسيان تلك القائمة الطويلة
التي وضعها تاركوفسكي للمُخرجين الذين أثروا على تشكيل وعيه الفني والسينمائي:
"أتذكر ذلك اليوم الرطب الرمادي من أوائل إبريل 1972م جيدا، كنا نجلس بجوار
نافذة مفتوحة، ونتحدث عن أشياء مُختلفة عندما تحول الحديث إلى فيلم Otar
Loseliani أوتار لوسيلياني
Once Upon a Time There Was a Singing Blackbird ذات مرة عاش
طائر شحرور يغني 1970م. إنه فيلم جيد. قال تاركوفسكي، وأضاف على الفور وهو يستخرج
كلماته: رغم أنه، حسنا، قليلا أيضا.. أيضا. صمت عند انتهاء نصف الجملة وعيناه
مُغمضتين، وبعد لحظة من التفكير العميق قضم أظافره، وتابع بحزم: لا، لا، إنه فيلم
جيد جدا. في هذه المرحلة سألت تاركوفسكي عما إذا كان سيجمع قائمة بأفلامه العشرة
المُفضلة. لقد أخذ اقتراحي على محمل الجد، وجلس لبضع دقائق مُستغرقا في التفكير
ورأسه مُنحنيا فوق قطعة من الورق، ثم بدأ في كتابة قائمة بأسماء المُخرجين Buñuel بونويل،
وMizoguchi ميزوجوتشي،
وBergman بيرجمان، وBresson بريسون، وKurosawa كوروساوا،
وAntonioni أنطونيوني،
وVigo فيجو.
واحد آخر Dreyer دراير،
تبعه عن توقف. بعد ذلك قام بإعداد قائمة بالأفلام، ورتبها بعناية بترتيب مُرقم،
يبدو أن القائمة كانت جاهزة، ولكن فجأة، وبشكل غير متوقع أضاف تاركوفسكي عنوانا
آخر City Lights أضواء
المدينة 1931م، وهذه هي النسخة النهائية من القائمة التي قام بإعدادها: Journal
d’un Cure de campagne يوميات كاهن البلدة 1951م، وWinter
Light ضوء الشتاء 1963م، وNazarin نازارين 1959م، Wild
Strawberries الفراولة البرية 1957م، وCity
Lights أضواء المدينة 1931م، وUgetsu
Monogatari يوجيتسو مونوجاتاري 1953م، وSeven
Samurai الساموراي السبعة 1954م، وPersona شخصية 1966م، وMouchette موشيت 1967م، وWoman
of the Dunes (Teshigahara) امرأة في الكثبان الرملية (تيشيجاهارا)
1964م.
إذا ما نظرنا إلى القائمة اليوم بعد مرور 20 عاما، يذهلني مدى وضوح اختياراته التي
ميزت تاركوفسكي الفنان".
وهو ما يعني أن تاركوفسكي لم ينكر بأن مايكل أنجلو أنطونيوني كان من المُخرجين
العالميين الذي ساهموا في تشكيل ثقافته السينمائية، ووعيه السينمائي- مثله مثل
غيره من المُخرجين- ولكن التأثير الحقيقي على تاركوفسكي- وهو ما سبق أن صرح به غير
مرة- يعود إلى المُخرج الياباني Akira Kurosawa أكيرا كوروساوا، لا سيما فيلمه الأيقوني- على الأقل بالنسبة
لتاركوفسكي- Seven Samurai الساموراي
السبعة 1954م الذي ترك فيه أكبر الأثر الذي لم ينكره، وأكد عليه مرارا.

ثمة فيلم
أيقوني، إذن، لدى كل مُخرج يترك بأكبر الأثر على حياته الفنية، أو يعمل على تغيير
مساره من شكل إلى آخر، وإذا ما كان تاركوفسكي قد أكد على أن هذا الفيلم بالنسبة
إليه هو فيلم "الساموراي السبعة"، فهو بالنسبة للمُخرج الجورجي Sergei
Paradjanov سيرجي باراجانوف
يتمثل في فيلم Ivan’s Childhood طفولة إيفان
1962م للمُخرج الروسي أندريه تاركوفسكي، وهو يتمثل لدى زفياجينتسيف في فيلم L’Avventura المُغامرة 1960م للمُخرج الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني، ولعلنا
إذا ما بحثنا خلف كل مُخرج من مُخرجي العالم سنجد لديه هذا الفيلم الأيقوني الذي
حدد مساره السينمائي، أو بات الفيلم الذي لا يمكن له الاستغناء عنه، أو نسيان
تفاصيله، ومن ثم يحاول دائما السعي إلى مُشاهدته، والحديث عنه.
لذلك إذا ما
عدنا إلى حديث زفياجينتسيف مرة أخرى عن بداية التفاته إلى السينما، وبزوغ فتوره
باتجاه المسرح أو التمثيل، وعزوفه عنهما لقرأنا رده حينما يسأله Benoit
Pavan بينوا بافان: "ما الفيلم الذي ترك بصمته عليك كشاب شغوف
بالسينما؟ فيرد زفياجينتسيف: فيلم L’Avventura المُغامرة 1960م لمايكل أنجلو أنطونيوني، شاهدته لأول مرة على
شاشة كبيرة في معهد السينما بموسكو عام 1988م. كنت في الخامسة والعشرين من عمري،
وفي سنتي الثانية من دراسات المسرح. تسلل بي صديق يعمل في مجال التصوير إلى الغرفة
عبر باب سري، وهكذا شاهدت فيلم Trial المُحاكمة
1962م لـOrson Welles أورسون ويلز،
وفيلم Psycho سايكو- شخصية- 1966م لـAlfred
Hitchcock ألفريد هيتشكوك
أيضا. لم أسمع عن أنطونيوني قبل أن أشاهد الفيلم لأول مرة، وقد أسرني ما شاهدته من
البداية إلى النهاية. سبق لي أن شاهدت أفلاما لمُخرجين على نفس نهج أنطونيوني مثل Bergman بيرجمان، وTarkovsky تاركوفسكي،
لكن فيلم "المُغامرة" هو ما غيّر حياتي تماما".
لكن، هل كانت
المُصادفة التاريخية التي تمثلت في لقاء المُخرج بالمُنتج Dmitry
Lesnevsky ديمتري ليسنيفسكي، بالإضافة إلى بداية
انتباهه إلى السينما وسحرها بعدما شاهد سينما مايكل أنجلو أنطونيوني، وتماهيه
معها، هما السببين الرئيسيين لعزوفه عن المسرح والتمثيل، والشغف بالسينما؟
يقول
زفياجينتسيف: "بعد أن أنهيت دراستي للمسرح، وجدت نفسي أرفضه كأنه شيء مُنفر.
كلما شاهدت أفلاما أكثر؛ زاد عشقي للشاشة الفضية. أدركت حينها رغبتي في صناعة
الأفلام. أتذكر عرضا سينمائيا حين فُتح الستار فشعرت وكأنني المُخرج، قلت لنفسي:
قد يكون هذا فيلمي الذي سنشاهده. كنت في مرحلة من حياتي أمر فيها بنوع من التحول
الشخصي".
ألا يؤكد لنا ذلك على أن افتقار زفياجينتسيف للمعرفة بعالم السينما وسحرها في
بداية حياته هو ما جعله يُقبل على دراسة المسرح، والرغبة في التمثيل، ومن ثم
فحينما بدأ يُقبل على مُشاهدة السينما، وفهمها، وإدراكها، والوقوع في سحرها الخاص،
انصرف كلية عن المسرح والتمثيل ليقع في أسر السينما الذي لم يستطع الفكاك منه؟
إذن، فهذا
التحول التاريخي البحت- المُعتمد على المُصادفة- قد أكسبنا مُخرجا من أهم مُخرجي
السينما العالمية الحالية، لكن هذه المُصادفة تضافرت مع الكثير من الحظ الوافر، لا
سيما أن زفياجينتسيف لم يُعانِ مثل غيره من المُخرجين من أجل البحث عن مُنتج، أو
تمويل لأفلامه، بل توافرت له سُبل الإنتاج بسهولة، وهو ما يؤكد عليه المُخرج غير
مرة، ولنتأمل قوله: "أنا خارج النظام، مُنتجي هو من يجد المال، وهذا يجعلني
مُخرجا سعيدا للغاية"،
ليُدلل لنا على أنه لا يشغل باله كثيرا بالتفكير في كيفية إنتاج أفلامه، بقدر ما
ينصب كل اهتمامه على كيفية تجويدها، وتقديم أفلام فنية تستحق التأمل والتقدير.
إنه ما يعود
إليه المُخرج مرة أخرى في حواره مع بينوا بافان عندما يسأله: "هل كان إنتاج
فيلم The Return العودة
2003م، أول فيلم روائي طويل لك، صعبا؟ ليرد زفياجينتسيف بقوله: لم تكن هناك أي
عقبات أمام إنتاج الفيلم، التقيت بالمُنتج Dmitry
Lesnevsky ديمتري ليسنيفسكي، وصورت ثلاث حلقات من
مُسلسل The Black Room الغرفة
السوداء، مُدة كل منها 25 دقيقة. هو من حفزني على البدء. رأى إمكانياتي، واقترح
عليّ إنتاج فيلم روائي طويل معا. استغرقنا بعض الوقت لإيجاد سيناريو. كانت
ميزانيتنا محدودة للغاية، لكننا نجحنا في إنتاج الفيلم الذي أردناه. قي تلك الأيام
لم يكن إنتاج الأفلام صعبا. من ناحية أخرى، كان توزيعها صعبا. كانت روسيا قد بدأت
للتو في استعادة عافيتها، وكانت المُؤسسات في حالة يرثى لها. لم يكن هناك توزيع
عالمي للأفلام، وخاصة الأفلام الروسية".
ألا نُلاحظ هنا
أن السينما التي أوقعت زفياجينتسيف في أسرها، ومن ثم لم يستطع التخلص من سحرها
فيما بعد كانت هي السينما التي تُعرف باسم "السينما البطيئة"؟
إنها السينما
الساحرة التي لا يعنيها الجمهور بقدر ما يعنيها التأمل في الموضوع الفيلمي،
وجمالياته، وإضفاء المزيد من السحر عليه. السينما التي تعمل على أنسنة الكاميرا،
وإكسابها شخصيتها الفريدة وروحها، ومن ثم تضحى شخصية مُضافة إلى الشخصيات الفيلمية
التي لا يمكن الاستغناء عنها، ولا عن تأملاتها، أو وجهة نظرها الخاصة التي تطرحها
طوال مُدة عرض الفيلم. في هذا النوع من السينما تصبح الأسلوبية الجمالية هي الهدف
الأساس من صناعة الفيلم، صحيح أن هذه الأسلوبية لا يمكن لها الطغيان على الموضوع
الفيلمي الذي يتناوله المُخرج- الذي يكون موضوعا غير سردي في الغالب، بمعنى عدم
اتباع القصة أو الحكاية الخطية بشكلها الكلاسيكي- لكنها تظل في المُقدمة من أجل
خدمة الأحداث التي غالبا ما تكون ساكنة، شديدة البطء، غير قابلة للحركة في مُقابل
إعطاء الفرصة للمُشاهد، وللكاميرا، وللشخصيات الفيلمية من أجل المزيد من التأمل
والتفكير، والمُلاحظة. فهو حينما أكد على وقوعه في أسر السينما كان من خلال
المُخرج الإيطالي Michelangelo Antonioni مايكل أنجلو
أنطونيوني- أحد أهم رواد السينما البطيئة في العالم- كما لا يفوتنا حديثه غير مرة
عن المُخرج الروسي Andrei Tarkovsky أندريه
تاركوفسكي، والمُخرج السويدي Ingmar Bergman إنجمار بيرجمان، وغيرهما من علامات، ورواد هذا النوع من السينما،
باعتبارهم قد تركوا أكبر الأثر الفني فيه.
لكن، لعل وقوع
زفياجينتسيف في أسر هذا الشكل الفيلمي يعود في المقام الأول إلى تناسبه الكامل مع
سيكولوجيته التي تميل إلى الهدوء، والكثير من التأمل، وهو ما تؤكد عليه Ksenia
Kolodina كيسنيا كولودينا- إحدى زميلات زفياجينتسيف
في معهد GITIS: "بما أن أندري لم يكن معروفا بشُرب
الخمر وسهره، لم نكن مُهتمين بحياته الشخصية. لم يكن بطلا في صفه، فهو هادئ، يعدل
نظاراته باستمرار. لطالما تميز أندريوشا بعزلته، وليس من قبيل الصدفة أن المُمثل Aleksei
Serebryakov أليكسي سيربرياكوف،
الذي لعب دو الشخصية الرئيسية في فيلم Leviathan ليفياثان 2014م، قد قال له ذات مرة: أندري، أنت تُحب السينما أكثر
من الحياة"،
وهو ما يعني جديته الشديدة في صناعة الأفلام، وانغماسه كلية فيما يقوم به، فضلا عن
أن المُخرج هنا قد مال إلى النوع الفيلمي الأكثر تناسبا مع شخصيته، وهو النوع
الفيلمي الذي أوقعه في عشق السينما للدرجة التي تجعله يضحي من أجلها بأي شيء حتى
لو كان حياته، تبعا لمُلاحظة أليكسي سيربرياكوف- ضحى أندريه تاركوفسكي بحياته أيضا
من أجل السينما حينما أصر على تصوير فيلمه Stalker المُطارد 1979م في منطقة ملوثة كيميائيا، ورغم معرفته بأمر التلوث
إلا أنه رأى المنطقة هي الأكثر تناسبا مع روح الفيلم الذي يرغب في تصويره؛ مما أدى
إلى موته بسرطان الرئة، بل وموت مُمثله الرئيسي Anatoly
Solonitsyn أناتولي سولونيتسين،
فضلا عن موت زوجة تاركوفسكي مُصابين بالسرطان كأثر من تداعيات تصوير الفيلم في هذه
المنطقة.

جدية
زفياجينتسيف في صناعة فيلمه السينمائي، حتى أنه ينغمس فيه وكأنه قد تناسى كل ما
يدور من حوله، وبات غارقا في عالمه الفيلمي فقط هو ما يدعوه إلى تحري الدقة
الشديدة في الإعداد للفيلم- يُشارك المُخرج دائما في كتابة أفلامه مع السيناريست
والروائي الروسي Oleg Negin أوليج نيجين-
فضلا عن دقته المُتناهية أثناء التصوير، وهو ما أكد عليه مصوره السينمائي Mikhail
Krichman ميخائيل كريشمان في: "أثناء تصوير فيلم
Loveless مُجرد من الحب 2017م، كرر أندري زفياجينتسيف
كل مشهد تقريبا- مرارا وتكرارا: 12 لقطة في المتوسط وفقا لمصوره السينمائي،
وأحيانا ما يصل العدد إلى 28 لقطة- قال المصور السينمائي ميخائيل كريشمان: إن
الاختلافات بين اللقطات غالبا ما كانت خفية على الآخرين، حتى على الطاقم الأساسي
الذي عمل على جميع أفلامه الخمسة، لكن المُخرج سعى إلى إضافة لمسة سحرية عابرة.
قال السيد كريشمان: إن ذلك قد يكون أوراقا ترفرف على شجرة في الخلفية، أو زاوية
تساقط رقاقات الثلج على النافذة. قال كريشمان عن السيد زفياجينتسيف: هذه الأشياء
تُضفي سحرا على المشهد، ويستخدمها ليقرر إذا ما كان سيصوره أم لا. هذا ما يجعله
مُختلفا تماما عن غيره من المُخرجين"،
إنها الدقة المُتناهية في صناعة الأفلام للخروج بالفيلم في صورة أقرب إلى الكمال
الفني؛ فهذه التكرارات التي يصرّ عليها في إعادة التصوير لا يمكن أن ينتبه إلى
الفارق بينها، وبين ما قبلها سواه، ورغم أنه يعمل- غالبا- مع فريق واحد لا يغيره-
بمعنى أن هذا الفريق شديد الانسجام معه، ومن ثم قادر على فهم ما يرغبه- إلا أن
الفريق لم يكن ينتبه إلى السبب في رغبته العارمة من أجل إعادة التصوير، مما يجعلنا
نُطلق على سينما زفياجينتسيف- إذا ما جاز لنا التعبير- سينما التفاصيل الدقيقة،
فهو من خلال هذه التفاصيل الخافية على الآخرين قادر على التعبير الفني المُكتمل عن
العالم الفيلمي الذي يتحدث عنه، والمُنغمس فيه بالكلية حتى أنه لا يرى، أو يلاحظ
أي شيء خارج عالمه المُنغمس فيه.
محمود الغيطاني
مجلة :نقد 21".
عدد أغسطس 2026م
من كتاب
"سينما السؤال الأخلاقي: أندري زفياجينتسيف" للمُؤلف/ بوملحة للنشر
والتوزيع
Luis Buñuel Portolés لويس بونويل بورتوليس، من مواليد 22 فبراير 1900م، وتوفي في 29
يوليو 1983م. كان مُخرجا إسبانيا. صانع أفلام عمل في فرنسا، والمكسيك، وإسبانيا،
وقد اعتبره العديد من نقاد السينما والمُؤرخين والمُخرجين واحدا من أعظم صانعي
الأفلام، وأكثرهم تأثيرا على الإطلاق. اشتهرت أعماله بسيرياليتها الطليعية، والتي
كانت مليئة أيضا بالتعليقات السياسية. وغالبا ما ارتبطت مسيرة بونويل المهنية
بالحركة السيريالية في عشرينيات القرن العشرين، وقد امتدت من عشرينيات القرن
الماضي حتى سبعينياته. تعاون بونويل مع الرسام السيريالي غزير الإنتاج Salvador Dali سلفادور دالي في Un Chien Andalou كلب أندلسي 1929م، وL’Age d’Or العصر الذهبي 1930م، ويُعتبر كلا الفيلمين من روائع السينما
السيريالية. من عام 1947م إلى عام 1960م صقل مهاراته كمُخرج في المكسيك، حيث أنتج
ميلودراما إنسانية مثل Gran
Casino الكازينو الكبير 1947م، وLos Olvidados المنسي 1950م، وÉl هو 1953م، وهنا
اكتسب أساسيات رواية القصص.