الأحد، 15 فبراير 2026

بيتي بين الأموات: الفكرة المُجردة وخنق العالم الإبداعي!

من أين تأتي براعة الكاتب السردية؟ وما الذي يجعل كاتبا أكثر مهارة وتميزا في صياغة النص الإبداعي وإحكامه على نظرائه من الكتاب الآخرين؟ وأين يكمن وجه الاختلاف بين سارد وآخر يتناول كل منهما فكرة واحدة، لكن أحدهما يستطيع الارتفاع بها إلى آفاق إبداعية رحبة بالغة السلاسة في مُقابل آخر يميل بها باتجاه الجفاف، والذهنية، مما يُشعر القارئ بالفتور وبالرغبة في الانصراف عن إكمال قراءة النص السردي؟ وما الذي قد يجعل نصا سرديا بالغ الرحابة والاتساع في مُقابل نص آخر شديد الضيق والاختناق حتى أنه قد يؤدي إلى شعور مُتلقيه بدوره بهذا الاختناق؟

مثل هذه الأسئلة وغيرها الكثير هي ما شكلت حالتنا النفسية أثناء قراءة نوفيلا[1] "بيتي بين الأموات" للقاص السوداني محمد سليمان الفكي الشاذلي، حتى أنها ظلت تُترى على ذهننا طوال فترة القراءة، بل واستمرت معنا بعد الانتهاء منها.

إن براعة أي سارد لنصه الإبداعي تتأتى، في جوهر الأمر، من التجربة، والتجربة هنا ليس المقصود بها التجربة الحياتية في شكلها الواقعي، أي بمُمارستها ومُعايشتها، بل تتأتى من التجربة في شكليها- سواء المُكتسب من القراءة وتحصيل المعرفة، أو مُعايشتها على أرض الواقع- فالمُهم هنا هو كيفية صهر هذه التجربة- بأي شكل من شكليها- وإعادة تشكيلها، وصياغتها في عالم سردي مُقنع، وجمالي قادر على إكسابها لفرادتها، وحيويتها، وديناميكيتها القادرة على إقناع مُتلقيها بها، بل والاستمتاع بها- وهو الهدف الأساس للعملية السردية.

لكن، أن يعتمد السارد هنا على الفكرة المُجردة فقط- مُنطلقا منها باعتبارها محور العالم السردي، محاولا النسج عليها، وإكسابها حياتها الخاصة من دون مُعايشتها بشكل يتيح له جعلها تجربة ديناميكية تمتلك روحها المُنطلقة، القادرة على سلب القارئ من حياته الخاصة، واندماجه في العالم القصصي- فهو من قبيل تجريد العالم السردي، وإكسابه من الجفاف واللامعنى- أو وجود المعنى داخل ذهن سارده فقط- ما يجعل قارئه مُنصرفا عنه، غير راغب في إكماله، أو حتى مُجرد التعاطي معه- أي موت العالم السردي وسكونه، وجفافه لصالح الفكرة المُجردة التي تتعارض مع التجرية الحياتية بحيويتها المُميزة لها.

موت العالم الذي ذهبنا إليه في هذه الحالة من شأنه دفع السارد إلى اصطناع المواقف الحدثية داخل القصة من أجل محاولة تحريك الحدث القصصي وإكسابه شيئا من الحيوية، ورغم أن الحدث هنا قد يتحرك إلى حد ما مع الموقف المُصطنع، لكنها تكون حركة من قبيل ليّ عنق النص، ومحاولة الدفع به إلى الأمام بثقل بيّن خالٍ من الفنية، أي حركة شكلانية، لا جوهر، ولا روح فيها؛ مما يؤدي إلى عدم تعاطي المُتلقي مع النص، وبالتالي الشعور بالفتور والرغبة في الانصراف عنه.

إذن، فالنص الإبداعي في جوهره ليس مُجرد فكرة جميلة قد تبزغ في ذهن السارد، وبما أنه يشعر بالإعجاب تجاهها فمن الضروري أن يلجأ إلى تحويلها إلى نص أدبي لمُجرد هذا الإعجاب؛ فالأفكار من حولنا بالملايين، وليست كل فكرة جميلة صالحة للسرد الفني لمُجرد جمالها المُجرد في ذاتها، والعملية السردية في الحقيقة أكثر تعقيدا، وتشابكا من هذه البساطة التي قد يفكر بها بعض الساردين، أي أنه في حاجة ضرورية لمُعايشة هذه الفكرة أولا، والمزيد من الخيال المُنطلق الموازي للفكرة ثانيا، ثم العمل على صهر هذه الفكرة مع الخيال من أجل صياغة عالم إبداعي جديد، ومُفارق قادر على خلق ديناميكيته من داخله، غير مُعتمد على اختلاق المواقف الحدثية، أو نحتها بصعوبة تبتعد بها عن التلقائية والسلاسة اللتين لا غنى عنهما من أجل إنشاء عالم سردي جديد.

سلب العالم القصصي من سلاسته وانسيابيته السردية هو ما نُلاحظه في قصة "بيتي بين الأموات"، فرغم أن الكاتب يبدأ عالمه الفني بسلاسة وانسيابية بالغتين مصحوبتين بلغة ثرية في دلالاتها وإحالاتها مما يحرك خيال المُتلقي ومقدرته على رؤية ما يقرأه في ذهنه وكأنه يدور أمام عينيه، إلا أننا سنُلاحظ أن القاص لم ينجح في الحفاظ على هذه الوتيرة السردية البالغة الثراء؛ مما أوقع النص السردي في الجفاف، والابتعاد به عن السرد القصصي إلى التفكير المُجرد الذي يتناسب مع حقول ثقافية ومعرفية ودلالية أخرى لا علاقة لها بفن القصة. ولنتأمل الفقرة السردية الأولى من قصته للتدليل على سلاسة السرد وثرائه؛ يبدأ الفكي الشاذلي قصته بكتابته: "موتوا قبل أن تموتوا! هكذا ارتفعت الصيحة التي يطلقها من حين إلى آخر عبد الغفار، ساكن المقابر، حيث كانت تعلو صيحته وتصبح أكثر حدة في الليالي التي لا يمكنك أن ترى فيها شيئا سوى النجوم البعيدة! محمود عبد الكريم، جارنا من ناحية الشرق، ظل يحكي على الدوام أن "بركات" عبد الغفار الذي يقول أهل الحي إنه "سكير عتيد" هي بركات لا تنتهي، وأن سره لم يعد خافيا، والدليل أن وحيدته "مريم" تمشي الآن على قدميها، بل وتهرول وتجري إن شاءت، بعد أن كانت مُقعدة! يقول محمود عبد الكريم لكل من يلقاه: بعد أن عجز الأطباء والفقراء والشيوخ عن علاج ثمرة فؤادي "مريم" التي أقعدها الكساح ؛ شرد مني الذهن، وتغيرت حالي، وأدمنت الخمر. وذات سحر، وأنا أتقيأ وأترنح من فرط السُكر في أزقة الحي الضيقة، سمعت هاتفا يهتف بي! كانت في يدي قنينة فجرعت منها جرعتين، وضحكت لما قال لي الشيطان: اذهب لعبد الغفار في راكوبته التي في وسط المقابر، واسقه لعله ظامئ لقلة المال! نادمه حتى تأتيا على القنينة، وما بقي فيها، فالدنيا عذاب لك وله. ضحكت على عبد الغفار؛ غريب الأطوار، لأن سُمعته كسكير قد بلغت كل الشياطين! سلكت الدرب صوب المقابر، وأصدقكم القول: بحق الله إني رأيت الرجل يصلي بتلاوة كأنها تأتي من الجنة، ووجهه يضيء عقب كل ركعة، وعقب كل سجدة. انتظرته، لكن صلاته طالت؛ فطفقت أشرب من قنينتي، وأتأمله حتى أتيت عليها! قبيل الفجر قال: السلام عليكم. نظر إليّ وقال: خير إن شاء الله؟ فقلت له بأني أتيت لمُنادمته، لكنه أعاد السؤال، ثم أردف قائلا: ولماذا أنت على هذه الحال؟! فحكيت له حكاية ابنتي "مريم"؛ فقال: تعال يا محمود، تعال اجلس إلى جانبي، ولنرفع أكفنا للمولى- عز وجل- شريطة النية والإخلاص، ونسأله العافية لها. ضحكت شديد الضحك، لكني على كل حال فعلت ما قال! ثم إني بغتة رأيت حشدا من "الديوك" قد استيقظت وأتت، لا أدري من أين، فوثبت على شواهد القبور، فنفضت أجنحتها وأعرافها، وأخذت تصيح في جلبة مروّعة؛ فارتعت، وهنا سألني: أتدري لِمَ تصيح الديكة سحرا؟ وتُكرر نواحها في كل فجر؟ فقلت: لا أدري. قال: إنها تبكي، تبكي حالها، لأنها سترى في مرآة الصبح خيال الليلة التي انقضت من عمرها، فخسرتها دون أن تملك من الأمر شيئا. والتفت عني وجعل يدعو الله ويتضرع إليه".

ربما لاحظنا في الاقتباس السابق- الذي بدأ به السارد قصته- أنه قد اتخذ من الجملة السردية "موتوا قبل أن تموتوا" مُنطلقا أساسيا له في السرد، بمعنى أنه كلما أراد تغيير وجهة السرد من جهة إلى أخرى ساق لنا هذه الجملة التي تُمثل عمود السرد القصصي لديه، وهو ما سنراه فيما بعد حينما يحاول تغيير وجهة السرد على لسان الراوي؛ فرغم أن السارد هنا قد بدأ القص عن عبد الغفار- ساكن المقابر- وعلاقته بمحمود عبد الكريم ليسوق لنا كراماته وبعض الحكايات المنسوجة والمتداولة عنه، إلا أنه بعدما ينتهي من بعض هذه الحكايات عن عبد الغفار يرغب في توجيه السرد باتجاه مشاعره هو وحكاياته ومُشاهداته لعبد الغفار مُنذ كان طفلا، وبالتالي يبدأ السرد مرة أخرى بجملته المحورية التي يتكئ عليها "موتوا قبل أن تموتوا"، وهي الجملة التي اعتمد عليها حينما رغب في تعريفنا بالمزيد عن عالم عبد الغفار وما يُروى عنه؛ فاتكأ عليها بسوقها مرة أخرى: "موتوا قبل أن تموتوا. تناهت الصيحة، صيحة عبد الغفار. إنها تعلو في أي وقت، أحيانا في الفجر، وأحيانا في النهار، وأحيانا أخرى في الأصائل، لكنها تكون أكثر حدة في العشيات التي تضيؤها النجوم، وأحيانا تشق حلكة الليل، أو تمزق السحر. موتوا قبل أن تموتوا. عبد الغفار كان على الدوام وحيدا، وكان يعيش في راكوبته التي نصبها من (القنا والخيش) وسط المقابر. مُنذ أن فتحنا أعيننا على الدنيا وجدناه على ذات سمته، كأن تغيرات الكون لا تمسه. البعض يقول: إنه في الستين، والبعض الآخر يقول: لا، هو في السبعين هو، لكنه كان في أعيننا هو هو ، قدماه حافيتان في الصيف وفي الشتاء! جلبابه من الدبلان الأبيض، رأسه حليقة، شاربه بني خفيف! وكذلك لحيته بنية خفيفية. عيناه كانتا واسعتين صافيتين، لكنه كان نادرا ما يرفعهما عن الأرض، كأنه كان يعرف ما فيهما من سحر هائل، وجاذبية لا تُقاوم. النسوة كن يقلن: مسكين عبد الغفار، عين وأصابته، فقد كان نابغة الحي، ودخل كلية العلوم في "جامعة النصارى" في البندر الكبير، لكن أصابته العين، والعين تُدخل الرجل القبر، والجمل القدر! وعبد الغفار دخل المقابر، لكنه بقي على ظهرها حيا".

إذن، فلقد استخدم السارد هنا جملته المحورية التي اختارها كجملة مفصلية وجوهرية للسرد لتعريفنا بتاريخ عبد الغفار، وما كان عليه، وما آل إليه فيما بعد، ورغم أنه قد بدأ بها سرده القصصي في البداية ليفضي إلينا بكراماته، ومُعجزاته، وقصته مع محمود عبد الكريم، أي الإفضاء بجانب من حياة عبد الغفار، فلقد عاد لاستخدامها والاتكاء عليها مرة أخرى لتغيير وجهة السرد وإعادة تنظيمه.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لعلنا لاحظنا أن القاص هنا يقتحم العالم القصصي من قلبه، فلا تمهيد، ولا مُقدمات قد تعطل من السرد القصصي، وهو ما جعله يعتمد على هذه الجملة السردية باعتبارها جملة جوهرية ومحورية في العالم السردي بالكامل لينطلق منها إلى عالم عبد الغفار، وتعريفنا به وبحكاياته التي لا تنتهي، والتي تلوكها ألسنة أهل القرية جميعا؛ فعبد الغفار هنا- بالنسبة لجميع شخصيات أهل القرية- بمثابة اللغز، الشخصية الغامضة التي ينظر إليها الجميع راغبين في معرفة سرها، لكنهم لا يجرؤون على الاقتراب منه أو اقتحام عالمه الخاص الذي اختاره لنفسه وحيدا بين المقابر.

إذن، فشخصية عبد الغفار كما قدمها القاص في فقرته السردية الأولى هي شخصية بالغة الثراء، من المُمكن للقاص الاعتماد عليها في بناء عالم قصصي دينامي مُتخم بالأسطورة التي تتوالد وتتضخم على ألسنة الآخرين من الغوغاء الذين يلوكون تفاصيل حياته ليل نهار باهتمام بالغ وكأنهم لا يجدون ما يشغل بالهم سواه، بل ويبدأون في اتخاذه كمثال في العديد من المواقف وضرب الأمثال به، ولنتأمل قول السارد: "حينما دنت مني أمي وفي يدها طاسة مليئة بالحليب الدافئ سألتني: لِمَ تتقلب في رقدتك؟ قلت لها: لا شيء، لا شيء على الإطلاق. قالت: من يوم ما نويت دخول "جامعة النصارى" وأنت في حال غير الحال! هل تريد أن تكون مثل عبد الغفار؟!". فإذا ما عرفنا أن عبد الغفار كان يدرس العلوم في "جامعة النصارى" سابقا قبل هجرها، واتخاذه للمقابر محلا لسكنه وحيدا؛ تبيّن لنا الرابط، ومدى ثراء هذه الشخصية القصصية في العالم الذي يخوض فيه السارد، ومقدرة هذه الشخصية القصصية على توليد الحكايات العديدة إذا ما نجح القاص في استغلالها الاستغلال الفني الأمثل.

عبد الغفار، الشخصية الغامضة، الذي ترك الحياة وكل ما فيها ليختار العزلة في المقابر جعل جل أهل القرية مُنشغلين به، راغبين في هتك ستره، وهو ما أدى إلى ابتكار العقل الجمعي للعديد من المرويات التي يتم تناقلها من شخص إلى آخر، ومع هذا الانتقال من لسان لغيره يتم التحريف في الحكايات، والتزيد، أو القص منها والنقصان مما يؤدي في نهاية الأمر إلى نشأة الأسطورة بآلياتها المعهودة عنها؛ لذا نجد أن القاص كان ماهرا إلى حد بعيد، وبالغ الدقة في اختيار المُفردات الدالة على القول، والحكاية، وتناقلها من شخص لآخر: "كانوا يقولون لنا: في راكوبة عبد الغفار لا توجد غير الفروة والأباريق، والكتب، والصندوق العجيب، والاسطوانات السوداء! البعض يهمس: "وبرمة الشراب". وكنت أسأل: ولماذا الكتب؟ فيجيبونني: لا تنس أنه كان نابغة جيله، وأنه دخل كلية العلوم في جامعة النصارى، فهو إن أراد رطن بلغة الخواجات، بل وكتب بها، وبها أيضا إن أراد قرأ".

لاحظ في هذا الاقتباس أن السارد يمعن في اختيار مُفرداته بدقة: "كانوا يقولون"، "يهمس"، "يجيبون"، وهي مُفردات دالة على تناقل الحكايات وتشويهها بالزيادة والنقصان لنشأة الأساطير، ولنتأمل: "قالوا اعترته نوبات غامضة أوان الصبا؛ فهجر الدراسة، وعاد للحي مُتخذا من مقابره مسكنا، ثم إنه أدمن الخمر، فكان لا يفيق منها ليلا ولا نهارا! قالوا: وكان يكثر الصلاة على فروته حتى وهو سكران! البعض قال: إنه توقف عن تعاطي الحرام. والبعض الآخر قال: لا، لكنه قلل والله أعلم. قالوا: كل ما عاد به من جامعة النصارى زينة البندر، التي هي من طوب أحمر، وحجر أبيض، وتطل على النيل، كتب بلغة النصارى، وأخرى بلسان العرب، وصندوق مُستدير يضع عليه اسطواناته السوداء؛ فتنبعث منها أصداء لمُوسيقى غريبة لم يألفها أهل الحي! قالوا: لما يبلغ منه السُكر مبلغه كان يصيح: هذه هي السيمفونية التاسعة التي خلق الله الكون من أجل أن تُكتب! ومرة يصيح: اسمعوا كيف تسيل الشاعرية من مُوسيقى "غوستاف مالر"، أو يصيح: هل أُسمعكم "فرانز" ليست في قصيده السيمفوني؟ أم أُسمعكم "بيلا بارتوك"؟ أم تراكم تحبون "دفايا وديفورجاك"؟! ويضحك: تالله أنتم قوم لا تعلمون، أنتم قوم لا تعلمون! أهل الحي قالوا: علم الخواجات أفسده، كان رجلا غامضا على كل حال".


إذن، فالعديد من الاقتباسات السابقة تؤكد لنا على مهارة السارد في انتقاء مُفرداته الدالة على نشأة الأسطورة وتضخيمها، ولعلنا لاحظنا في الاقتباس الأخير وفرة هذه المُفردات: "قالوا"، و"قالوا"، و"البعض قال"، و"البعض الآخر قال"، و"قالوا"، و"قالوا"، و"أهل الحي قالوا"، فإذا ما كان القاص هنا قد حرص على سوق سبع مُفردات دالة على القول ولوك الحكايات في هذا الاقتباس القصير؛ فهو من قبيل رغبته في التأكيد على أسطرة الشخصية القصصية والارتفاع بها إلى مصاف عجائبية- غير موجودة فيه في جوهر الأمر- لكنها باتت لصيقة به لفرط تداول الحكايات على الألسنة، ورغم أن مُعظم الحكايات تؤكد لنا على مُعاقرته الدائمة للخمر، وإدمانه لها، إلا أننا لم نجده على طول القصة يتناول الخمر ولا مرة واحدة، كما لم يذكر أنه كان يتناولها من قبل، حتى أن محمود عبد الكريم بعد شفاء ابنته مريم قد عاد إليه مرة أخرى ليشكره ويتبرك به، ولرغبته في معرفة حقيقة تناوله للخمور سأله: "يقولون إنك تنادم وتشرب الخمر و... فقاطعني: أي خمرة قالوا بإني أشرب؟ قال محمود عبد الكريم: فصمتُ وأخذت طريقي مُبتعدا من جهة المقابر".

ألا نُلاحظ هنا براعة القاص محمد سليمان الفكي الشاذلي في صياغة عالمه القصصي بإحكام وسلاسة واضحين، بل ومقدرته على انتقاء المُفردات الدالة على ما يرغب في توجيه السرد إليه بدقة؟

إن الشخصية القصصية التي اختارها السارد هنا كعمود أساسي لقصته تحمل من الثراء والدلالات والإسقاطات ما يوحي لنا بعالم قصصي مُستغرق في الخيال، مُتشابك في الأحداث، قادر على توليد الحكايات، لا سيما مع كثرة المرويات التي يسوقها حول الشخصية القصصية الرئيسية، لكن، يبدو أن القاص- رغم امتلاكه لآلياته السردية، ولغته الموحية، وسلاسته وانسيابيته في القص- قد وقع في أسر الفكرة المُجردة؛ مما أحال العالم السردي بالكامل إلى مُجرد تهويم حول الفكرة المُجردة التي استحوذت عليه، مما أفقدها سلاستها واتجه بها باتجاه الجفاف، والرمزية، وسيطرة السؤال والجواب على العالم القصصي في نموذج أقرب إلى التصوف الذي نرى فيه المُريد أمام شيخه، راغبا في سؤاله للعديد من الأسئلة المعرفية؛ ليبدأ الشيخ في ريّ عطش المُريد بالمزيد من أجوبته المُستغرقة في الماورائيات الميتافيزيقة ذات الدلالات الرمزية.

الاستغراق في الحديث الرمزي داخل القصة نكاد أن نلحظه من بداياتها، لكننا كلما تقدمنا في السرد سنُلاحظ أنه يزداد تعقيدا وجفافا، وفتورا بوتيرة مُتصاعدة مما يخرج العملية السردية بالكامل من عالمها الإبداعي إلى أي مجال معرفي آخر لا علاقة له بالسرد القصصي، ولنتأمل حينما شُفيت مريم ابنة محمود عبد الكريم: "عدوت صوب المقابر وأنا أصرخ: يا شيخ عبد الغفار، يا شيخ عبد الغفار، البنت صارت تمشي، البنت صارت تمشي. ولما وصلت إليه؛ أجلسني بقربه، وقال: يا محمود، ما الغريب والله قريب؟! ثم ما الإنسان إلا دعاء، والدعاء إخلاص، والإخلاص قوة لا حد لها، ثم إن ابنتك من آدم، وأنت منه، وأنا منه، وقد نفخ الله فيه من روحه، فمن منا لا يجيب ذاته؟ فقط الصدق والإخلاص".

لكن، إذا ما كانت الفقرة السابقة تكاد أن تكون مقبولة إلى حد ما، فالكاتب يبدأ- مع استرساله في السرد- في المزيد من الترميز والغموض على لسان عبد الغفار، وهو ما يسلب السرد القصصي حيويته وينحو به باتجاه سرمدية سردية تتماهى تماما مع ما يتفوه به، وهو ما يتجلى لنا حينما يحكي السارد عن نفسه حينما كان صغيرا وضاع منه القرش الذي أعطاه له أبوه؛ فيقول: "ولما لم أعثر له على أثر؛ جلست وبكيت. حينها أحسست بكف خفيفة تمسح على رأسي، وبكلمات غامضة لم أفهمها آنذاك. سألني: لِمَ تبك؟ فقلت له: ضاع قرش الأسبوع. ابتسم ونظر إليّ حتى شعرت أن شعاعا وقد جهر عينيّ. قال لي: هذا لا يدعو للبكاء. صحت به: قرشي، قد ضاع قرشي. ضاعت البسمة من شفتيه، وقال بنبرة ثقيلة: لا بد من إدراك المظهر الزائل لكل شيء، سواء كان مُفرحا أو مُؤلما. صحت فيه: أريد قرشي، أريد قرشي. فقال لي بذات النبرة الثقيلة: لِمَ التألم عند فقدان شيء لا يدوم إلا لحظة، في حين أن الأبدية تنعشنا؟!".

هذه اللغة الرمزية التي يتحدث بها عبد الغفار للجميع؛ تجعل أطفال الحي يسخرون منه، فهو يتحدث إليهم بلغة لا يفهمها أحد، ولنتأمل: "جاءنا عبد الغفار من عزلته المجيدة في المقابر القريبة. هتف فينا: أوَلا توقفون اللعب، وتصغون للغة الريح والألوان؟! ضحكنا ولعبتنا لا تقف؛ فدخل علينا الميدان الصغير، وصرخ: الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا! قلنا له: يا عبد الغفار، اخل الميدان فنحن نريد أن نلعب. فصاح فينا: لا تربوا عضلاتكم، فهي من دم ولحم، لكن ابدأوا بتربية الإرادة. ثم أخذ يغرب في كلامه، إذ قال: التطور الحقيقي لا يأتي إلا من الداخل، والوهم لا ينقشع إلا بتربية الإرادة، اسهروا الليل، وارقبوا نجمة الصباح، واعلموا أن عليكم أن تموتوا في هذه الحياة. أوقفنا كرة الشراب وسألناه: وما هي الإرادة؟ أجاب: هي الإرادة. سألناه ونحن نغرق في الضحك: وكيف نربيها، هل نعطيها ماء وبرسيما؟ قال في أناة: تربية الإرادة تتم بالإرادة يا أولاد!".

إن اللغة السردية المُستغرقة في تصوفها الشكلاني التي لجأ إليها السارد، وساقها على لسان عبد الغفار، جاعلا إياه يُحادث بها أطفال الحي لا تتناسب تماما لا مع القص، ولا مع المنطق العام؛ فالمتصوف من البدهي لن يتحدث مع أحد- لا سيما مع الأطفال- بمثل هذه اللغة، اللهم إلا إذا ما كان لديه قصور إدراكي يجعله يلجأ إليها، وبالتالي فلن يفهمه أحد، ولن يوصل لأحد أي شيء مما يرغب في إيصاله، أي فقدان اللغة لمعناها التواصلي الأساس- سواء بالنسبة للشخصيات القصصية أو بالنسبة للمُتلقي- وهو ما رأيناه في هذا الاقتباس، وفي الاقتباس السابق عليه حينما تحدث مع السارد/ الطفل بنفس اللغة حينما ضاع منه قرش الأسبوع، مما يجعلنا نذهب إلى قولنا بأن القاص هنا قد انساق من خلف الفكرة المُجردة- الشخصية التي تزهد الحياة تماما، وتبدأ في تصوفها- لكنه مع انسياقه للفكرة وتجريديتها استغرق فيها استغراقا كاملا؛ مما أحال العالم القصصي بالكامل إلى مجموعة من الترميزات التي سلبته روحه الإبداعية وحيويته!

لكن، هذا الثقل السردي المُتعمد من السارد بسبب استغراقه في الفكرة وغرقه الكامل فيها أدى إلى صعوبة لغة القص للدرجة التي قد تجعل المُتلقي راغبا في الانصراف عن العمل برمته، ولنتأمل: "بعد ذلك بأعوام، وفي بواكير المُراهقة سكننا الخوف من الموت. قلنا: نسأل عبد الغفار الذي يكثر من ذكر الموت، عندما ينزل علينا في الحي. وبعد أحد عشر يوما، هلّ علينا عبد الغفار؛ فركضنا صوبه نصرخ قائلين: نحن نخاف الموت. ابتسم بسمة قديس وقال: الموت لا يعني الفناء، ربما نندثر جسدا، لكن من المُؤكد أن روحنا لن تندثر، الموت لا يعني الفناء، المخلص يتخلص من الخوف، من الموت، في حين أنه يظل هاجسا لمن يعيش مع عقليته، ولا يريد أن يفكر في الموت لأنه يظن أنه سيندثر جسدا وروحا. يا أولاد، الموت مُنقذ، إنه مرحلة في تطور الحياة، مثلما خرجنا من محدودية الرحم، نخرج من محدودية الدنيا، الموت يعني استمرارية السير الروحي صوب الكيان، لذا يكون الموت هو الهدف المنشود، وعليكم أن تموتوا قبل أن تموتوا! سألناه: ماذا تعني بأن نموت قبل أن نموت؟! أجاب: أعني أن تُميتوا هواجس النفس ليزول هذا التفكير الذي يسجنكم بصورة نهائية من خلال موتكم! وقبل أن تموتوا تستطيعون أن تتحرروا من الخوف، تستطيعون أن تحيوا ميلادا ثانيا يفتح لكم ما هو كوني وأبدي، ويسمح لكم بالوصول إلى تلك الطاقة التي نتوفر عليها جميعا، ألا وهي القدرة على الخروج من العالم المحدود والمُغلق بعقليتنا وفكرنا، لأجل الوصول إلى الروح المُتجلية في كل شيء. بموتكم قبل أن تموتوا تغيرون القيمة والمعيار والوزن وتدركون شيئا فشيئا جوهر الحياة. ثم غمغم: إن الحاضر الأبدي هو الحي الباقي. سألناه وقد عاودتنا شقاوة الصبا الساخرة: وهل تعلمت ذلك عندما كنت في كلية العلوم، أم بعد أن شربت الخمر؟! فابتسم ولم يجب".

سنُلاحظ في الاقتباس السابق أن السارد هنا قد بدأ في تحويل السرد القصصي إلى مُجرد مجموعة من التساؤلات التي تليها مجموعة من الأجوبة الرمزية من قبل عبد الغفار، وهو ما يسلب السرد الكثير من روحه باتجاه الغموض، والتفلسف التصوفي الشكلاني الذي لا معنى فني له في القصة، وهو ما يعود إليه السارد بشكل أكثر تكثيفا واستغراقا حينما يشعر السارد- بعدما تقدم به العمر وبات شابا- بالكثير من الأرق والقلق والفوضى الفكرية التي تسود ذهنه؛ مما دفعه إلى التوجه باتجاه المقابر للقاء عبد الغفار، ليبدأ في سؤاله: "قلت له: عندما كنت طفلا، قلت لي لما ضاع مني القرش: لِمَ التألم عند فقدان شيء لا يدوم إلا لحظة، في حين أن الأبدية تنعشنا، ماذا كنت تعني بالتحديد؟ صمت ثم قال: عنيت أننا عندما نكف عن التشبث بما هو عارض، فإننا نستطيع أن نرى ذواتنا في عالم أكثر اتساعا وكونية، ولن نشعر بذاتنا كصدفة، ولن نشعر كذلك بالأشياء التي من حولنا، كواجب أو ضرورة، لن نخضع للأشياء، ولن تعود هناك أية ضغوطات تستوجب الألم لأننا ببساطة نكون قد سلكنا شعاب الأبدية المُنعشة. ثم إن كل عارض هو في جوهره مادي".

ألا نُلاحظ هنا أن لغة السرد القصصي قد تحولت إلى لغة مقالية جافة خالية من الروح تماما باتجاه التجريدية التي تتناسب مع الفكرة المُجردة في حد ذاتها؟

إن الإشكالية السردية الجوهرية في قصة "بيتي بين الأموات" للروائي السوداني محمد سليمان الفكي الشاذلي تعود إلى انسياقه من خلف الفكرة في شكلها المُجرد، ورغم أن العالم القصصي هنا يبدو لنا للوهلة الأولى بالغ الثراء، والسلاسة، والتلقائية، والمقدرة على توليد الحكايات السردية مما يكسبه المزيد من الثراء الفني، إلا أن السارد هنا لم يستغل هذه المُميزات السردية لصالح العمل الفني، بل تغافل عنها في سبيل الانسياق من خلف تجريدية الفكرة، وهو ما أدى إلى هدم العالم الفني، وسلبه لكافة مقوماته السردية لصالح التجريد؛ مما أكسبه لغة مقالية جافة صالحة للصحافة في غالب الأمر أكثر من صلاحيتها للسرد القصصي.

اللغة المقالية- القريبة إلى حد ما من الخطابية أحيانا، ومن التصوف الشكلاني في أحيان أخرى- تتجلى لنا في لقائه بالسارد داخل المقابر ليلا، وهو اللقاء الذي استمر قرابة نصف عدد صفحات القصة تقريبا، أي نصف المساحة السردية مما أفسدها بتحويل القصة إلى مُجرد أسئلة تليها إجابات غامضة جافة، ولنتأمل المقطع التالي: "دمعت عيناي وأنا أهمس له: إن ذهنك يبدو صافيا للغاية بينما أشعر أن ذهني مشوش مُضطرب! أنا أقرأ كثيرا، هل صحيح أنك قرأت كثيرا؟ حدق في طويلا، وقال بصوت عميق، وضوء النجوم يزرق كما لم يزرق أبدا: القراءة ليست هي المُشكلة، ولكنا- وحسب العادة- فإن ذهننا يكون مشوشا تماما بمخاوف متوهمة، وبمشاغل مادية، أو بإحساسات مُختلفة، كالحب، والكراهية، والفرح، والألم، والرغبة، والمُستقبل، والخوف نفسه، والشك، والغضب. وصمت حينا، ثم استأنف في بطء كأنما يعلك علكة مُرة: إن ذلك يُشكل مجموعة من العوائق التي تعيقنا في مجال تصرفنا، ما يحتم علينا احتمال العديد من الاختبارات لكي نغيّر عقليتنا، ولكي لا نسمح لها بعد بالتشبث بالأشياء بهذا المقدار من القوة والمُعاناة! وإذا استطعنا اجتثاث كل تلك المعوقات الصنمية، فإننا نستطيع شيئا فشيئا فتح دهاليز الروح المُغلقة، وبولوجنا فيها نكون قد تجاوزنا العقل والنفس، فنصبح أكثر هدوءا واتزانا، وتجلب لنا بقعة النور الجديدة مُسالمة دمثة، ومُصالحة مع الذات، وراحة لا تُحد، لذا من أجل أن نعيش ذاتنا الإنسانية؛ فإنه يتعيّن علينا أن ندرك حجم المجهودات الكبيرة التي يتعيّن علينا بذلها، علينا القيام ببعض الأشياء وهجر أخرى، أنت تعلم أن الإنسان لا يحب التكاليف، ولا المسؤوليات، بل يرغب في الحصول على كل شيء بلا تعب أو ضنى، لكن رسالة الإنسان في جوهرها ما هي إلا الكدح والضنى".

ماذا لو اقتطعنا هذا المقطع من سياقه القصصي المذكور فيه لنضعه مُنفردا في صحيفة ما؟ ألا يصلح أن يكون مقالا ذهنيا جافا لا علاقة له بالفن السردي القصصي؟


هذا ما قصدناه من انسياق السارد هنا خلف فكرته المُجردة، والاستغراق فيها مما أفسد السرد القصصي في نهاية الأمر، ولنتأمل مرة أخرى: "قال بهيمنة غامضة: ما وُجد من قبل إلا الملائكة، وهي كائنات من نور لا يمكنها الفتور عن التسبيح لله- عز وجل- ولا الوقوع في المعاصي، وكان في المُقابل الشيطان الذي تُحركه دوما روح سلبية، وهو عبد للشهوة، ويعيش في الظلام، فالملك كائن من نور، والشيطان كائن من ظلمة، وكلا الاثنين يعيش في انسجام تام في عالمه، في حين أن الإنسان توجد فيه جميع المُتضادات المُتناقضة، فيما الكائنات الأخرى التي تعيش على هذا الكوكب لا تنطوي على هذه التناقضات، ولا على هذه الثنائية، ولا تستطيع أن تعرف مثل الإنسان في آن واحد الحب والكراهية، السرور والألم، اليقين والشك، وهي لا تعبأ بالمُستقبل. المخلوقات جميعها تعيش في تناغم تام مع عالمها، وإن تغذى النبات على المعدن، وتغذى الحيوان على النبات! في النهاية التوازن تام، والاستثناء الوحيد هو الإنسان. قلت له: إنني أتخبط بين السالب والمُوجب، إنني أقاسي. قال: هوّن عليك، واعلم أن السالب والمُوجب ليسا خيرا، ولا شرا، لكنهما أمر واقع ببساطة. سألته بلهفة صادقة: ما العمل إذن؟ قال: علينا بالبحث عن الجزء الأبدي الموجود في ذواتنا، وذلك لا يكون دون التعرف على العنصر الدنيوي المعيق والمحدود، الذي يعرقل تفتح طبيعتنا الحقيقية، فالغاية هي إيجاد الطريق الوسط، ولا وجود لهذا الطريق إلا من منظور الولادة الثانية، حيث يفنى فينا الإنسان المُتخبط، ولكي تكون هذه التجربة كاملة، فيجب أن تتم هنا في هذا العالم، وبقالب جسدي بكل تناقضاته ولذاته، ومسؤولياته، وشهواته، وكل ما يميزنا ويجعل منا كائنات استثنائية. إن الأمر برمته منوط بصدق النية وسلامة القلب، وإذا توفر ذلك، فإننا سنرى ونسمع بعمق أكثر وبدون ظلمات، لا يمكن لأحد أن يعرف النور. قلت له: والقراءة، هل أوقفها؟ بماذا تنصحني؟ ضحك: لماذا تخاف القراءة؟ إنها أداة فاعلة. سألته: حتى تلك التي تقول بالعدم؟ قال: في العلوم نعرف أن المصل الواقي هو من ذات الميكروبات، وذات الجراثيم، وهو يُعطى لنا لكي يقينا من ذات المرض الذي حينما يهاجمنا ويجد بعضا منه، فإنه لا يفتك بنا، بل يضع ذيله بين رجليه، مثل كلب مسكين ويمضي".

ألا نُلاحظ هنا المزيد من التخبط ما بين السرد القصصي بفنيته التي نعرفها عنه وسلاسته وانسياله، واللغة المقالية التأملية الجافة، البعيدة البون تماما عن اللغة السردية؟

إن السارد هنا قد أحال عالمه القصصي بالكامل إلى مجموعة من التأملات التي يسوقها في شكل أسئلة مُلحة وضرورية من المُريد إلى شيخه، ومن ثم انهالت إجابات الشيخ في شكل تقريري جاف، يزيد من سلب روح النص القصصي ويحوله إلى مُجرد مقال، أو تأملات في الحياة والموت. يتبدى لنا ذلك في هذا المقطع التأملي الأخير: "قلت له: أرى عندك القليل جدا من الطعام. قال: إنه أكثر من كافٍ، ثم إننا أُعطينا هذا الجسد ليخدمنا، لكن الأغلبية منا تقضي حياتها في خدمته! نحن نعتني به ونكسوه، ونعزه؛ فينتهي بنا الأمر إلى استعبادنا، ونصبح أسارى لهذا الغطاء اللحمي! في حين أنه لم يعط لنا في الحقيقة إلا لخدمة الروح، لكننا- وللأسف- نقوم بعكس هذا الأمر! إننا نفرض على الروح العبودية الجسدية! وإذا امتلكنا العزم والصدق والمُثابرة فلن نقايض الأبدي بكسب مُؤقت. علينا بتطوير اليقظة والوعي، ويوما بعد يوم سيكبر المجهود، وسنكون أول من يجني الثمار، لأن كل شجرة محتواة في بذرتها، فعلى الإنسان إذن أن يتعهد ويسقي هذه الحديقة الباطنية".

إذن، فالقاص السوداني محمد سليمان الفكي الشاذلي هنا يمتلك من الأدوات السردية، والحيّل الفنية ما يجعله بارعا في صياغة عالم فني مُكتمل، يساعده في ذلك لغته السردية الهادرة والسلسة والمُعبرة عما يرغب في الذهاب إليه، لكنه هنا وقع في شرك تجريدية الفكرة مما أفسد لغته السردية لصالح التجريد، والجفاف، واللغة المقالية التي تتناسب مع الفكرة، لكنها تبتعد به عن انسيابية اللغة القصصية، ولعلنا لاحظنا أن السارد هنا لم يصل بنا إلى أي شيء في نهاية الأمر، بل حبسنا معه في الفراغ الذي استساغه؛ فالراوي الذي نستمع إلى صوته مُنذ بداية القصة حتى نهايتها يتحدث عن عبد الغفار مُنذ كان يراه وهو طفل، والحكايات التي تُنسج من حوله، وتداول هذه الحكايات على ألسنة أهل القرية مع ما يلحق بها من تغيرات، وسُرعان ما ينتقل إلى مرحلة شبابه، والتهامه للكتب من أجل المعرفة، وهو ما أصابه بالكثير من القلق، وبالتالي توجه إلى عبد الغفار ذات ليلة ليبدأ بينهما حوار لا ينتهي، تسوده الكثير من الرمزيات، والحديث الميتافيزيقي، ليعرف الراوي بأن عبد الغفار لديه مقبرة من الكتب التي دفنها وتخلص منها مُنذ وقت طويل، فيطلب الراوي منه هذه الكتب، وهو ما يوافق عليه عبد الغفار، لكنه مع شروق الشمس يطلب من الفتى العودة إلى بيته حتى لا تقلق عليه أسرته: "عد الآن إلى أهلك، ولكن يمكنك أن تعود إليّ عندما تلمع النجوم في آخر العشي"، وهي الجملة التي أنهى بها القاص قصته الطويلة، حتى لكأنه قد بدأ السرد القصصي بالكامل، وأنشأ هذا العالم فقط لمُجرد أن يسوق تأملاته التي أتى بها على لسان عبد الغفار المتصوف شكلانيا، أي أن الكاتب هنا كان أسيرا للفكرة، مُنساقا لها انسياقا كاملا مما خنق العالم الإبداعي بشكل كامل، رغم أن نفس هذه الفكرة إذا ما تم تناولها بشكل آخر- مع كل هذه الآليات السردية التي يمتلكها القاص- لكانت قد استحالت إلى عالم قصصي أكثر ثراء مما رأيناه في هذه القصة. ولعلنا لاحظنا هنا العنوان الذي اختاره القاص لقصته "بيتي بين الأموات" وهو العنوان الحامل لدلالة الرفض المُبطن للحياة بين البشر، وما يدور فيها، مما يؤكد لنا على زهده لهم، ولصراعاتهم التي لا تنتهي، لكنه للأسف لم يبيّن لنا سبب هذا الرفض، وما الذي دفعه لاتخاذ هذا السبيل طريقا للحياة، في حين أنه كان من المُمكن له الاعتماد سرديا على سبب هذا الرفض للمزيد من إثراء العمل القصصي، لكنه فضل في النهاية تجريدية الفكرة التي سلبت العمل القصصي روحه بالكامل؛ فخنقته، وحولته إلى محاولة قصدية للتفلسف في شكل قصصي يحمل بذور انهياره بداخله.

إنه التفلسف الذي نلمحه على سبيل المثال في: قلت له: لكنك في ذلك اليوم كنت تعمل في بيت "أمينة" القوادة، ولا بد أنك أخذت منها نقودا نظير عملك و... فقاطعني قائلا: لقد ردمت لها حوشها، حتى لا يدخل السيل، ويهدم حجراتها التي تعبت وشقيت في بنائها. قلت له: ولكن تلك الحجرات تكتظ بالعاهرات! قال: علينا أن نكون على صورة البحر الذي تصب فيه الجداول والأنهار والوديان عند المستوى الأكثر انخفاضا، تأتيه جميع المخلوقات، لأنه موجود بها، ويرى نفسه في كل واحدة منها، إنه ملاذ الجميع، سواء كانوا صالحين أم طالحين، فالأمر هو اختلاف مقدار، وليس اختلافا في الطبيعة، ثم إن الطبيعة هيأت بعض الكائنات لتتلقى أكثر من الآخرين. الطريق مرسوم من قبل، ونحن لا نعمل إلا على اتباعه. سألته: وحرية الاختيار، أليست هي موجودة؟ أجاب: نعم موجودة، لكنها تتحقق عندما تتبع. قلت له: لا أفهم. قال: بعد أن تنتهي من اختيار ما يضرك؛ سينشأ لك انفتاح على عالم جديد هو عالم الاتباع، الذي يوجد جذره ها هنا، وأشار إلى قلبه وتأوه: النفس تختار دوما ما يضرها، لأنها تؤثر العمل بمعزل عن الروح، وكلما قلّ خضوع النفس للروح؛ ازداد ألمها إلى أن تستسلم فتجد الطمأنينة، وهذا الأمر شبيه بالمطرقة التي تسوي المعادن، فإذا كانت الخيارات شديدة الصلابة فإنها تسلك في نار الروح حتى تصبح أكثر مرونة. الجسد يسود بدءا، ثم تتأمر فيه النفس، وأخيرا يأتي سلطان الروح. وفي هذه المرتبة الأخيرة يكون الأمر عجبا! فحفيف الروح يكون كلاما وتفهمه، وزقزقة الطير تكون كلاما وتفهمه، وعوي الريح يكون كلاما وتفهمه، والظلام يكون كلاما وتفهمه، وصراخ الصمت يكون كلاما وتفهمه، والنور يصير لغة تتحدثها". أي أن القاص هنا لديه من الإصرار ما أدى به إلى خنق عالمه القصصي بالكامل، وإحالته إلى مجموعة من الرمزيات الميتافيزيقية التصوفية بهيئتها الشكلانية القشرية البعيدة عن التصوف بشكله الجوهري الأعمق؛ فخسر السرد القصصي، وخسر التفلسف معا!

 

 محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".

عدد فبراير 2026م.


 

 

 



[1] Novella الرواية القصيرة، هي عمل أدبي نثري سردي، أقصر من مُعظم الروايات، لكنها أطول من مُعظم القصص القصيرة جدا. كلمة Novella الإنجليزية مُشتقة من الكلمة الإيطالية Novella التي تعني قصة قصيرة مُرتبطة بوقائع حقيقية، أو تبدو كذلك.

الجمعة، 30 يناير 2026

الديكتاتور العظيم: الكوميديا كأداة ساخرة من التاريخ!

من أين تأتي القوة الجامحة الكامنة في فيلم The Great Dictator الديكتاتور العظيم للمُخرج والسيناريست والمُنتج والمُمثل الإنجليزي Charlie Chaplin تشارلي تشابلن، للدرجة التي تجعل منه من أهم الأفلام على مر التاريخ، بل ومن أهم أفلام Hollywood هوليوود في هذه الحقبة المُبكرة من تاريخ السينما الأمريكية؟

لم تكن المكانة التي اكتسبها فيلم تشارلي تشابلن- وما زال يمتلكها- عائدة إلى تميز الفيلم الفني فقط- وهو ما لا ننكره، ويبدو لنا واضحا على طول الفيلم- كما لم يكن سببها المكانة والسُلطة المعنوية الضخمة، وشبكة العلاقات المُتداخلة التي يمتلكها تشارلي تشابلن في مُجتمع السينما العالمي- وهو ما يُكسبه احترامه وحظوته في أي مكان- بل تعود قوة الفيلم المتوهجة حتى اليوم إلى إنسانيته في المقام الأول، رفضه لانهيار الأخلاق البشرية، تحديه العارم، والواضح، والمُباشر للزعيم النازي Adolf Hitler أدولف هتلر، والسُخرية المُتهكمة منه، ومن حزبه، ومن ألمانيا النازية نفسها في حقبة زمنية لم يكن من المُمكن فيها لمثل هذا التحدي أن يحدث، أو يُعلن عنه مهما كانت الظروف، ومهما كانت مكانة من يقوم به!

لكن، كيف استطاع تشارلي تشابلن التفكير في ذلك الفيلم، بل وأصر على تنفيذه رغم كل الاعتراضات التي واجهته، والأكثر من التحذيرات، وهو ما أدى إلى منع عرض الفيلم في جل العالم تقريبا للوهلة الأولى؟

لم تأتِ إرادة تشابلن الصلبة، وإصراره وتحديه على صناعة الفيلم من فراغ؛ فهو أشهر مُمثل على ظهر الكوكب في ذلك الوقت، وأكثرهم استساغة وقبولا لدى الجمهور العالمي بشخصية "المُتشرد الفقير" ذي الخصال الإنسانية الطيبة، التي طالما قدمها في أفلامه السابقة.

لكن، بالتأكيد لن يكون قبول الجمهور العالمي لتشابلن هو جواز المرور الوحيد له من أجل تحدي العالم بأكمله، بل والسُخرية من قائد دولة كبرى- قادرة على انتهاك العالم- مثل ألمانيا النازية، بل ساعده على هذا الصمود أيضا استقلاله المادي، ومقدرته على صناعة الأفلام التي يرغبها، مُتحديا في ذلك أي اعتراضات على ما يقوم بصناعته، لا سيما أنه كان يمتلك الاستديوهات التي يصور فيها أفلامه، وهو الذي كان يقوم بالإنفاق عليها، أي أن الاستقلالية المادية لتشابلن قد منحته في نهاية الأمر الحرية المُطلقة، والسُلطة التي تعينه على فعل ما يعن له، حتى لو كان واثقا من أن مشروعه مآله الفشل، أو حتى التضييق عليه، أو منعه ومحاولة وأده؛ فهو في النهاية المُتحكم في كل شيء، وهو الذي ينفق من ماله الخاص، لا سيما أنه كان يقوم أيضا بكتابة أفلامه، وإخراجها، والتمثيل فيها مما يعني أن تشارلي تشابلن لم يكن- في جوهره- سوى مُؤسسة سينمائية مُتكاملة، قادرة على فعل ما ترغبه في أي وقت شاءت.

هذه السطوة التي امتلكها تشابلن بسبب مكانته الفنية، واستقلاله المادي، وعلاقاته الواسعة جعلته يُعلن- من دون خشية أو مواربة- في عام 1938م عن بدء تصويره لفيلمه "الديكتاتور العظيم"، وهو الفيلم الذي يسخر من أدولف هتلر، وحزبه النازي؛ مما أدى إلى احتجاج القنصل الألماني Georg Gyssling جورج جيسلينج، الناطق بلسان Joseph Goebbels جوزيف جوبلز لدى هيئة الرقابة على الأفلام الأمريكية PCA، وتضامن معه في ذلك Joseph Breen جوزيف برين- الرئيس التنفيذي لهيئة الرقابة الأمريكية- بينما وعدت هيئة الرقابة في انجلترا بعدم عرضها للفيلم، كما حذر الكثيرون تشارلي تشابلن مما هو مُقدم عليه، وبأن فيلمه سيتم مُحاصرته ومنعه في جميع دول العالم، لكنه لم يهتم بكل هذه الظروف المُحيطة به واستمر في تصوير فيلمه؛ واثقا مما يقوم به، لا يعنيه في هذا سوى الأخلاق الإنسانية التي تحركه، ويرغب في تصديرها للعالم.


بالطبع كانت المحاذير السياسية التي اتبعتها الولايات المُتحدة الأمريكية في هذه الحقبة الزمنية تؤكد على استحالة تنفيذ هذا المشروع الفني؛ ففي الفترة الزمنية السابقة لما قبل Pearl Harbor بيرل هاربور كانت الولايات المُتحدة بقيادة الرئيس الأمريكي Roosevelt روزفلت تُفضل سياسة الانعزال وعدم التدخل، وهو ما جعل إدارة قانون الإنتاج PCA، ورئيسها التنفيذي جوزيف برين تقوم بمُراقبة أي تصوير سلبي للدول الأخرى أو قادتها للحفاظ على مكانة الولايات المُتحدة الانعزالية، لكن تشارلي تشابلن لم تعنه هذه الرقابة، ولا تلك التحذيرات، ولا رفض الكثيرين لما يقوم به؛ فلقد كان الأمر بالنسبة له بمثابة صرخة إنسانية في وجه الظلم، والشر المُطلق، والجنون الذي يمارسه رجل مُختل عقليا، شديد السادية والدموية، حريص على تدمير العالم بالكامل- وهو ما أدى إلى منع الفيلم من العرض بالفعل في مُعظم دول العالم في ذلك الوقت، لكنه تحول فيما بعد، وحتى الآن، إلى أيقونة سينمائية، بل وأهم فيلم من أفلامه السينمائية التي قدمها على مر التاريخ.

كان فيلم "الديكتاتور العظيم" هو الفيلم الأول الناطق بالكامل لتشارلي تشابلن، صحيح أنه استخدم بعض المقاطع الصوتية الناطقة فيما قبل في فيلمه Modern Times الأزمنة الحديثة 1936م، لكنه في فيلمنا هذا كان هو الفيلم الأول له الناطق بالكامل، ومن ثم فالفيلم من الناحية الفنية يُمثل أيضا أهمية ذات خصوصية في المسار الفني للمُخرج، باعتباره بداية السينما الصوتية بالنسبة له، وهو المُخرج الذي قدم عشرات الأفلام في مرحلة السينما الصامتة.


بدأ تشارلي تشابلن فيلمه في مرحلة الحرب العالمية الأولى مُحددا التاريخ بشكل واضح 1918م، كما يكتب على الشاشة: مُلاحظة: أي تشابه بين الديكتاتور هينكل والحلاق اليهودي هو محض مُصادفة. هذه قصة مرحلة بين حربين عالميتين، حيث ساد الجنون محل الحرية والإنسانية.

ثمة مُلاحظتان هنا تخصان ما حرص المُخرج على كتابته على الشاشة: أولهما: أن تشابلن حريص كل الحرص مُنذ البداية على السُخرية، بل والإمعان فيها إلى أقصى درجة، وهي السُخرية التي من شأنها أن تعمل على تفكيك أسطورة وعنف ودموية الديكتاتور للدرجة التي تؤدي إلى انهيار مشاعر الخشية منه داخل المُتلقي، واستبدالها بمشاعر التهكم، وربما الشفقة من غبائه وحماقته- فهو يتهكم منه ليصل من ذلك إلى تصويره باعتباره شخصية كاريكاتورية هزلية، ليست بتلك الخطورة التي يشعر بها المُشاهد تجاهه، أو يشعر بها العالم- إنها السُخرية المُتمثلة لنا في تأكيده على نفي التشابه ما بين الديكتاتور "هينكل" المُعادل الموضوعي لهتلر، والحلاق اليهودي- قام بدوره المُمثل الإنجليزي Charlie Chaplin تشارلي شابلن، كما قام بدور الحلاق اليهودي أيضا- مما يعني أن تشابلن كان على يقين من أن السُخرية من هتلر هي السبيل الوحيد الذي قد يؤدي إلى انهياره- على الأقل انهيار حاجز الخوف والخشية تجاهه- في نفوس الآخرين؛ ومن ثم رؤيته على صورته الحقيقية التي لا تعني سوى الجنون، والدموية، والسطحية، والحماقة، واهتزاز الشخصية، بل والدونية، وهي الخصال التي يتمتع بها في جوهر الأمر، ومن ثم اتبع تشابلن هنا أسلوبية Vaudeville Burlesque الفودفيل الهزلي على طول الفيلم، وهي الأسلوبية المُميزة إلى حد بعيد بخفة الظل. لكن، ربما لا يفوتنا أن السُخرية هنا لم تتوقف على ذلك فقط، بل تعدته إلى عنوان الفيلم نفسه؛ فإضافة وصف "العظيم" إلى الديكتاتور يحمل في مضمونه قدرا هائلا من المُفارقة الساخرة، فالديكتاتور- بالنسبة للعقل الجمعي- لا يمكن وصفه بالعظمة، ومن هنا تنشأ السُخرية التي ذهبنا إليها.


أما المُلاحظة الثانية فسنجدها في كتابته: "هذه قصة مرحلة بين حربين عالميتين، حيث ساد الجنون محل الحرية والإنسانية"؛ فهذه الجملة التي يحرص تشابلن على تصديرها لنا على الشاشة قبل بداية الفيلم تحمل في طياتها الكثير من التبرير والحذر، وكأنما كثرة التحذيرات التي تم توجيهها له طوال مُدة صناعته لفيلمه، ورفض الكثيرين لما يقوم به، فضلا عن مكانة ألمانيا النازية المُتنامية من حول العالم، وسطوتها الدموية المُرعبة؛ كل هذا قد جعله حذرا، ومن ثم حاول تصدير الفيلم بهذه الجملة، وكأنها مُبرر لما قام به، أو شارح للفيلم وتأكيد منه على أن الإنسانية التي يؤمن بها في قرارة نفسه كانت هي الدافع الرئيس لصناعته للفيلم.

ربما نُلاحظ هنا محاولة تشارلي تشابلن الالتفاف إلى حد ما على كل ما يحيط به من مُمانعات على صدور هذا الفيلم، وهو ما جعله لا يذكر اسم هتلر بشكل مُباشر، بل رمز له باسم الديكتاتور الأخنف هينكل، كما أنه رمز لوزير الدعاية النازية Joseph Goebbels جوزيف جوبلز باسم جاربيتش، ولوزير الحربية Hermann Wilhelm Göring هيرمان فيلهلم جورينج باسم هيرينج، بل وللديكتاتور الفاشيستي الإيطالي Benito Mussolini بينيتو موسوليني باسم بنزينو نابالوني، وجعله يحكم دولة البكتيريا المجاورة لهينكل، فضلا عن حرص المُخرج على إظهار أن رمز دولة "تومينيا"- البديل لألمانيا- كان الصليب المزدوج كبديل للصليب المعقوف، أي أنه يحاول الهروب من الإشارات المُباشرة تماما بالالتفاف عليها، لا سيما أن المُباشرة في الإشارة كان ممنوعا منعا باتا في هذه الحقبة الزمنية التي منعت السُخرية من أي من الحُكام أو دولهم.

إذن، يبدأ تشابلن فيلمه في ساحة المعركة في الحرب العالمية الأولى، وهو يحاول إحاطتنا بالمرحلة التاريخية وما يدور فيها من خلال اللجوء إلى صوت الراوي الخارجي- الشبيه بالمُذيع الإخباري في نشرات الأخبار- الذي نستمع إليه يقول بجهامة وكأنه يبث لنا تقريرا: في نهاية الحرب العالمية، تومينيا صارت أضعف، اندلعت الثورة، والتمس الساسة السلام، بينما واصل جيش تومينيا الكفاح، واثقا من أن آلته العسكرية ستُحطم خطوط العدو، مدفع بيرثا الكبير قادر على الانطلاق حتى مئة ميل، كان مُجرد ظهوره على الجبهة الغربية يبث الرعب في صفوف العدو، على بُعد 75 ميلا كان الهدف هو كاتدرائية نوتردام.


نُشاهد الحلاق اليهودي المُدافع عن وطنه تومينيا، وهو شخصية تقترب إلى حد ما من "المُتشرد الفقير"- التي طالما رأيناها في أفلام تشابلن- في إنسانيته وطيبته وسذاجته، وإن كانت تختلف عنه في نفس الوقت، حيث يقوم الحلاق الساذج بإنقاذ حياة الضابط- الطيار التوميني- شولتز- قام بدوره المُمثل الإنجليزي Reginald Gardiner ريجينالد جاردينر- حينما يجده جريحا على أرض المعركة، ويطلب منه الضابط، مُستنجدا، إنقاذه، وبالفعل يقوم الحلاق بإنقاذه، وإعادته إلى الطائرة، بل والطيران معه إلى أن تسقط بهما، ويتم إنقاذ الضابط الذي يُفاجأ بأن الحرب قد انتهت وهُزمت تومينيا فيها، بينما يفقد الحلاق اليهودي ذاكرته، ويتم إيداعه المشفى لمحاولة إعادة الذاكرة له، مما يعني أن قيام الحلاق بإنقاذ حياة شولتز هنا لم يكن سوى واجب إنساني ووطني قام به تجاه بلده تومينيا- بما أن هذا الفعل سيترتب عليه العديد من الأحداث المُهمة.

لكن، ربما لا بد لنا من تأمل مشهد سقوط الطائرة في الهواء- بينما يُحادث شولتز الحلاق اليهودي- نظرا لما يحتويه المشهد من سُخرية ضمنية بالغة، يقول شولتز: بأي شهر نحن؟ إبريل، الربيع في تومينيا، هيلدا ستكون في الحديقة ترعى أزهار النرجس، إنها تحب أزهار النرجس، هي لا تقطعهم أبدا خوفا من إيذائهم، إنه أمر مثل إنهاء الحياة أن تقطع زهور النرجس، هيلدا اللطيفة الحلوة.

إذا ما تأملنا المونولوج السابق من قبل شولتز، والذي كان يتحدث به أمام الحلاق اليهودي؛ فلا بد أن تنتابنا الكثير من السُخرية البالغة- المشهد نفسه ساخر- فالضابط ذو الرتبة العالية/ شولتز الذي يخوض غمار الحرب العالمية الأولى بضراوة ووحشة، حريصا على قتل الآخرين باسم الوطن، ورغم تخلصه من الكثيرين في غمار المعركة بوحشية وبساطة وعادية وكأنه لا يفعل شيئا، نراه في نفس الوقت يتحدث بقدر غير هيّن من المشاعر والرهافة، واللطف عن زهور النرجس التي يعني قطفها إنهاء الحياة والإيذاء، وهو ما يثير المزيد من الدهشة نتيجة للمُقابلة ما بين فعل قتل البشر باسم الوطن، وما بين الامتناع عن قطع زهور النرجس باسم الرحمة وعدم الإيذاء!


سُرعان ما ينتقل المُخرج إلى المُستقبل- بعد حوالي 20 سنة- حيث يسيطر هينكل على تومينيا حاكما إياها بقبضة من حديد، ويفرض إرادة حزبه على الشعب التوميني، فضلا عن تطلعاته الاستعمارية التي تجعله يحلم بحُكم العالم بالكامل بعد الاستيلاء الدموي عليه، بينما نرى أن الحلاق ما زال باقيا في المشفى حتى اليوم، غير قادر على استعادة ذاكرته، وكل ما يذكره أنه قد ترك محل حلاقته مُنذ أيام فقط، ولا بد أن يعود إليه. لذا نستمع مرة أخرى إلى الراوي من خلف الكادر: يتسلم هينكل السُلطة بينما الجندي اليهودي يعاني من فقدان الذاكرة، وبقي في المُستشفى لسنوات جاهلا بالتغييرات في تومينيا، حكم هينكل الأمة بقبضة حديدية تحت شعار الخيانة تعاقب الحرية، لم يُسمع سوى صوت هينكل فقط.

نرى هينكل يقوم بإلقاء خطبة طويلة من خطبه، ولعل السُخرية الموغلة في التهكم من قبل المُخرج تتبدى لنا هنا في أنه لا يجعل هينكل ينطق باللغة الألمانية، بل يجعله يُصدر مجموعة من الأصوات المُتشنجة التي يُفهم منها أنها اللغة الألمانية، وهي الأصوات التي تنتهي بشخير عالٍ، يعقبه مجموعة من التجشؤات، لكننا نفهم ما يقوله بواسطة الصوت من خارج الكادر: قال هينكل الأخنف: تومينيا هُزمت، لكنها اليوم تُشرق، الحرية مُقرفة، حرية الكلام مكروهة، تومينيا تمتلك أعظم جيش في العالم، أعظم سلاح بحرية، لكن، لنبقى عظماء يجب أن نُضحي، يجب أن نشد أحزمتنا. وهو ما يجعل المُخرج يقطع بالكاميرا على وزير الحربية هيرينج- قام بدوره المُمثل الأمريكي Billy Gilbert بيلي جيلبرت- الذي يقدمه الفيلم بشكل كاريكاتوري واضح البدانة، حيث يحاول طاعة الزعيم هينكل بشد الحزام على وسطه، لكنه بمُجرد ما يجلس ينفك الحزام مرة أخرى، وكأنه انفجر من حول كرشه السمين.

حينما ينتهي هينكل من خطبته الحماسية التي تقوم جميع إذاعات العالم ببثها، يبدأ في التجول، وأثناء استعداده لركوب سيارته يتوقف هنيهة لتناول الزهور من الأطفال، بينما نستمع إلى صوت المُعلق في الإذاعة: صاحب السعادة يبدو مسرورا، بينما يحييه أطفال تومينيا. يتوقف الآن من أجل امرأة وطفلها- لنراه يتناول الرضيع من يديّ أمه، حاملا إياه من أجل تصويره، بينما صوت المُعلق يستمر بقوله- حتى الطفل الرضيع مُبتهج، ويبدو الكل مُبتسما في انتباه!


إن أهمية المشهد هنا لا تنحصر في تهكمه أو سُخريته من الزعيم النازي الذي يتناول الزهور من الفتيات الصغيرات، وكأنه يحمل داخله الكثير من المشاعر واللطف، ولا تتوقف على حمله للرضيع من بين يديّ أمه، بل تأتي هذه الأهمية من أن المهشد ما زال حتى اللحظة الآنية- التي نعيش فيها- صالحا لكل الحُكام الشموليين في العالم، وما زال يتكرر بنفس الآلية التهكمية التي رأيناها فيه- فحتى الرضيع يبدو مُبتهجا، كما قال المُعلق! مما يعني أن الديكتاتوريات يُعاد إنتاجها، وفرضها طوال الوقت، وهي لا تختلف في كيفيتها سواء في الماضي، أو في الوقت الآني.

يسأل هينكل جاربتش/ وزير دعايته- قام بدوره المُمثل الإنجليزي Henry Daniell هنري دانييل- حينما يستقل السيارة إلى جواره مُنطلقين إلى القصر الجمهوري: كيف كانت؟ ليسأله: الخطبة؟ جيدة جدا، لكن، نزعتك إلى اليهود يمكن أن تكون أكثر عنفا. يتساءل هينكل: ماذا؟ يرد جاربيتش: للتنفيس عن غضب الناس، العنف ضد اليهود قد يجعل الناس ينسون جوعهم. يرد هينكل مُقتنعا: أنت مُحق، الأمور هادئة في الجيتو مُؤخرا.

إذن، فتشابلن يُشير هنا إلى استخدام اليهود كأداة من أجل تخفيف الاحتقان الذي يعاني منه المُجتمع الألماني بسبب الانهيار الاقتصادي نتيجة للحرب التي لا تتوقف، وهو ما يجعل الحزب النازي يضطهد اليهود، في محاولة للتضييق عليهم، ونهبهم، وقتلهم، وسوقهم إلى مُعسكرات الاعتقال من أجل محاولة تهدئة الشعب الألماني من جهة، ولأن هينكل يرغب في تصفية اليهود، وذوي البشرة السمراء حتى لا يبقى سوى الجنس الآري النقي من جهة أخرى، وربما كانت المُفارقة الحقيقية هنا هي أن فيلم "الديكتاتور العظيم" حينما تم عرضه في دور السينما؛ انتقده الجمهور في أنه يبالغ إلى حد بعيد في موقف هتلر من الجيتو اليهودي واضطهادهم، فسياسات هتلر باتجاه اليهود لم تكن قد اتضحت بعد في الوقت الذي عُرض فيه الفيلم، مما يعني أن تشارلي تشابلن هنا قد تنبأ بما سيقوم به هتلر من مذابح ومحارق باتجاههم.


يتابع المُخرج على الجانب الآخر المُجتمع/ الجيتو اليهودي الذي يعاني من بدايات الاضطهاد على يد "فرقة العاصفة" بقيادة الضابط شولتز، حيث يقوم الجنود بخطف سلعهم، ومُنتجاتهم، وسرقتهم، والسُخرية منهم، والاعتداء عليهم، بل وتمييزهم بكتابة كلمة Jew يهودي، على بيوتهم ومحلاتهم، وبالتالي حينما اعترضت هانا- قامت بدورها المُمثلة الأمريكية Paulette Goddard بوليت جودار- الفتاة اليهودية الفقيرة على ما يقوم به جنود فرقة العاصفة من سرقة وسلب ونهب؛ يقوم الجنود بقذفها بالطماطم التي كانوا قد سلبوها لتوهم من أحد البائعين الذين لا حول لهم لا قوة.

يهرب الحلاق اليهودي من المشفى ليعود مرى أخرى إلى الجيتو، ومن ثم يُعيد فتح دكان حلاقته، لكنه يُلاحظ أحد جنود فرقة العاصفة يقوم بطلاء زجاج محله، كاتبا عليه مُفردة يهودي، وهو ما يجعل الحلاق يحاول إزالة ما كتبه الجندي، لكن الجندي يعتدي عليه بالضرب، ولا ينقذه من جنود فرقة العاصفة إلا هانا التي تضربهم على رؤوسهم بإحدى أواني الطعام مما يؤدي إلى تغيبهم عن الوعي، لكن فرقة العاصفة تعود مرة أخرى للبحث عن الحلاق الذي أهان بعض أفرادها بالاعتداء عليهم، وحينما يقاومهم يحاولون تعليقه من رقبته على أحد العواميد في الشارع في وضع الشنق، ويتصادف مرور الضابط شولتز- رئيس الفرقة- في نفس اللحظة ليتوقف بسيارته مُتسائلا عمن أعطاهم الأوامر بتعليق الناس على عواميد الإنارة؛ فيخبره أحدهم بأن الحلاق حاول الاعتداء عليهم، هنا ينزل الضابط شولتز ليرى ذلك اليهودي الذي حاول الاعتداء على رجاله، لكنه يُفاجأ بأنه الجندي الذي سبق له أن أنقذه من الموت في الحرب العالمية الأولى، ويسأله: أنت؟ هل تتذكرني؟ لقد أنقذت حياتي. يتساءل الحلاق مُندهشا: أنا؟ يرد شولتز: غريب، طالما اعتقدت بأنك آري. ليرد الحلاق ببديهية وسذاجة غير فاهم: أنا نباتي- المزيد من الإيغال في السُخرية والتهكم- ومن ثم يأمر شولتز رجاله بعدم التعرض له مرة أخرى؛ فهو صديقه الذي أنقذ حياته، كما يأمرهم أيضا بعدم التعرض لأصدقاء الحلاق من اليهود.

هنا تعود الذاكرة بالكامل إلى الحلاق، وبالفعل يسود الكثير من الهدوء في الجيتو اليهودي بعد أوامر الضابط شولتز بعدم التعرض للحلاق اليهودي أو أي من أصدقائه وأحبائه.


 نعرف أن هانا فتاة فقيرة تعمل كخادمة في بيت مستر جيكل- قام بدوره المُمثل الروسي الأصل، الأمريكي الجنسية Maurice Moscovich موريس موسكوفيتش- الذي يرحب بعودة الحلاق اليهودي مرة أخرى بعد مرور كل هذه الفترة الزمنية، كما ينصح الحلاق ذات مرة- حينما يُدرك أن ثمة كسادا في عمله- أن يعمل كمُصفف شعر للسيدات، وطلب منه أن يجرب على هانا، فهي تحب التجميل.

بالفعل يقوم الحلاق بتجريب الأمر على هانا، التي تُفاجأ بجمالها الذي أبرزه، ومن ثم تنشأ بينهما- مع مرور الوقت- قصة حب، لكن أثناء خروجهما ذات مرة يحاول أفراد فرقة العاصفة الاعتداء على الحلاق اليهودي، بعدما اقتنع هينكل بفكرة أن الاعتداء على اليهود، والتضييق عليهم هو من أهم أدواته التي لا بد له أن يستخدمها لامتصاص الغضب الشعبي، ومن ثم أصدر أوامره بالاعتداء عليهم، لكن أحد الضباط يمنعهم من الإساءة إليهم مُؤكدا لهم على أن القائد شولتز قد حذر من التعرض لصديقه الحلاق، أو أي من أصدقائه.


يبدو لنا هينكل لا يكل لحظة واحدة من مُتابعة كل شيء بنفسه؛ لذا حينما يُلاحظ الكثير من المصروفات يسأل جاربتش: ماذا يعني هذا؟! 25 مليونا لمُعسكرات الاعتقال؟! نحتاج تصنيع الذخيرة. لكن جاربتش يرد ببساطة: قمنا ببضعة اعتقالات. يسأله هينكل: كم العدد؟ يقول جاربتش: خمسة أو عشرة آلاف، في اليوم. يندهش هينكل: في اليوم؟! يقول جاربتش بهدوء: فقط بضعة مُعارضين. يسأل جاربتش: ماذا يعارضون؟ يرد جاربتش: زيادة ساعات العمل، تخفيض الأجور، الغذاء الصناعي، نوعية نشارة الخشب في الخبز. يقول هينكل مُندهشا: ماذا يريدون أكثر من هذا؟! إنها أجود أنواع الأخشاب. يقول جاربتش: رغم ذلك، فالشعب مُرهق، في حاجة للترفيه، ربما نطور الأمر مع اليهود، نحرق بعض بيوتهم، اعتداء على الجيتو. يشعر هينكل بالسعادة فيقول: شيء أكثر إثارة، متى نكون مُستعدين لغزو أوسترليتش؟

إن السُخرية المريرة هنا تتبدى لنا واضحة في الحوار، لا سيما من اندهاش هينكل نتيجة لاعتراضهم على نوعية نشارة الخشب التي توضع لهم في الخبز؛ فهو يرى أنه يقدم لهم معروفا بوضع النشارة في خبزهم، خاصة أنه يراها من أجود أنواع الأخشاب! كما أن إحدى العميلات التي تنقل أخبار العمال لهيرينج/ وزير الحرب تخبره أمام هينكل: إضراب في مصنع الأسلحة. يسألها هينكل: من يقودهم؟ ترد: خمسة. يسأل: هل قُتلوا؟ تقول: كلهم. يسألها: كم عدد من أضرب؟ ترد: ثلاثة آلاف. يقول: أطلقوا النار عليهم جميعا، لا أريد عمالا مُستائين. يتدخل جاربتش: هؤلاء الرجال حرفيون ماهرون، دعنا نُدرب غيرهم أولا ثم نُطلق عليهم النار. يرد هينكل بطفولية وحماقة: لا أستطيع تحمل أن أكون مُتساهلا. ليقول جاربتش مُبررا عدم رغبته في التخلص من العمال في الوقت الآني: إيقاع الإنتاج سيتأثر.


إذن، فالتخلص من البشر المُعارضين، أو الذين يحاولون إبداء آرائهم بدموية قد تبدو لنا خيالية، هو من الأمور العادية التي لا بد من حدوثها حتى لا يتفاقم الوضع، ويظهر غيرهم من المُعارضين الذين من المُمكن أن يكون لهم رأي فيما يدور من حولهم؛ فالديكتاتور لا يتحمل أن يفكر من هم حوله، ولا أن يعترضوا، ولا أن يقولوا رأيهم في الأوضاع. هو يرغب في شعب خانع، مُتقبل لكل ما يجود عليه به، مهما كان سيئا، فهو ينتظر منهم الشكر، والتسبيح بحمده طوال الوقت مهما فعل معهم، مما يعني أنه لا يبتغي سوى العبيد.

لكن، هينكل يظل مُتأملا لصور العمال الخمسة الذين قادوا الإضراب قبل التخلص منهم بقتلهم، ليقول لجاربيتش: زعماء الإضراب كلهم من السُمر، لا أشقر واحد. ليرد جاربيتش بهدوء ويقين: مُثيرو الشغب أسوأ من اليهود. يقول هينكل: إذن، عليك بإبادتهم. ليقول جاربيتش: مهلا: سنتخلص من اليهود أولا، ثم نُركز على السُمر. فيقول هينكل: لن ننعم بالسلام حتى نمتلك جنسا آريا صافيا، كم هو رائع، تومينيا، أمة من الشُقر، الزرق العيون.

هنا، ومن خلال هذا الحوار ما بين جاربيتش وهينكل يلوح لنا المزيد من التهكم الذي يحرص عليه تشارلي تشابلن في فيلمه؛ فهينكل/ هتلر الراغب في التخلص من السُمر- من أجل الجنس الآري النقي بعيونه الزرقاء وشعره الأشقر- هو نفسه أسمر ولا يتمتع بهذه الصفات الآرية الملونة، وهو ما يعني أن عنصريته التي يتبعها مع اليهود والسُمر لا مُبرر عقلاني لها سوى رغباته الطفولية الحمقاء، وجنونه الذي لا يوقفه أي شيء من أجل امتلاك العالم، وأفكاره التي ما أن ترد على ذهنه إلا ويفعلها من دون أي تفكير.

إنها الرغبات الحمقاء التي يعمل جاربيتش على تنميتها داخله بكافة الوسائل، مُؤكدا له على ضرورة أن يكون ديكتاتور العالم بغزوه بالكامل وامتلاكه، وهو ما يجعل هينكل يتناول بالونا أمامه، مرسوما عليه الكرة الأرضية بالكامل، ويبدأ في الحلم بامتلاكه للكوكب وما عليه، لذا نراه يحمل البالون/ العالم على إصبعه ليديره مُتأملا إياه بإعجاب باعتباره مالكه، ويبدأ في الرقص، قاذفا البالون إلى أعلى ليعود إلى يده مرة أخرى، بل ويدفعه برأسه مرة، وكفه مرة أخرى، بل وبمُؤخرته أيضا في مشهد من المشاهد المُهمة المُعبرة عن مدى جنونه، ورغبته الدموية في الامتلاك الكامل للكوكب. لكن، بمُجرد انتهاء أحلامه وتأمله في آماله ينفجر البالون في يده لنراه يبكي بشكل كاريكاتوري ساخر يؤكد لنا على طفوليته الحمقاء؛ فهو هنا يبدو مُجرد طفل يلهو بلعبته- الكرة الأرضية- لكنها بمُجرد ما تعطب، أو تنكسر يبدأ في البكاء عليها.


يحلم هينكل بغزو أوسترليتش المجاورة له، وهو يرغب في فعل ذلك قبلما يسبقه إلى غزوها جاره، ديكتاتور البكتيريا، بنزينو نابالوني- قام بدوره المُمثل الأمريكي Jack Oakie جاك أوكي- لكن الأزمة الاقتصادية الطاحنة الواقعة فيها تومينيا تجعله عاجزا عن التسريع بالأمر؛ لذا يتفق مع جاربيتش على أن يستدينوا المال من أحد المُرابين اليهود الأثرياء، وهو ما يجعل هينكل يصدر أوامره بعدم التعرض للجيتو حتى حين موافقة المُرابي اليهودي بإقراضهم للمال، ثم يعود الاضطهاد، والقتل للتخلص منهم مرة أخرى، لكن جاربيتش يعود إليه بالأخبار السيئة: أخبار سيئة، غزو أوسترليتش يجب أن يؤخر. يتساءل هينكل مُندهشا: ماذا؟! يرد جاربيتش: إبستاين يرفض إعارتنا المال. يتساءل بدهشة أكبر: إبستاين يرفض؟! اطلب شولتز، ماذا قال؟ يقول جاربيتش: اشتكى من الاضطهاد، وقال: إنه لن يستطيع التعامل مع معتوه من العصور الوسطى. ليرد هينكل غاضبا بحماقة: سيتعامل مع معتوه من العصور الوسطى أكثر مما يتخيل، أولا سأتعامل مع شعبه.

هذه الحماقات في التصرف من دون إعمال عقله تجعله يستدعي شولتز- قائد فرقة العاصفة- ليطلب منه المزيد من الاضطهاد، والقتل للتخلص من اليهود في الجيتو، لكن شولتز يرد عليه بأن هذا الفعل لا يتناسب مع هذا التوقيت، لأنه سيسيء للحزب، وللدولة، لكن هينكل يثور عليه ثورة عارمة، ويتهمه بالخيانة والتواطؤ مع اليهود، ومن ثم يأمر بإلقائه في أحد مُعسكرات الاعتقال باعتباره خائنا!

إذن، فكل من يقف أمام إرادة الزعيم/ هينكل هو خائن لا بد من التخلص منه حتى لو كان مُجرد ناصح له، وليس رافضا لما يرغبه، وهو ما يجعل شولتز- رغم أهميته بالنسبة لهينكل كقائد عسكري، وإخلاصه للدولة- نزيلا في مُعسكرات الاعتقال كخائن، ومتواطئ مع اليهود. لكن شولتز يهرب من المُعتقل ويختفي، وهو ما يجعل جميع الصحف والإذاعات تذيع أن شولتز الخائن قد هرب من المُعتقل، وأن الديكتاتور يظن بأنه يختبئ في الجيتو اليهودي، حيث صديقه الحلاق اليهودي الذي جعله متواطئا معهم.

يختفي شولتز بالفعل في الجيتو اليهودي، حيث يلجأ إلى بيت مستر جيكل، وهناك يطلب الاجتماع باليهود، محاولا إقناعهم بضرورة اغتيال هينكل وتفجير القصر، لذا يضع عملة معدنية واحدة في الحلوى التي سيتناولونها على العشاء، ويخبرهم أن من سيجد العملة في الحلوى سيكون هو المتطوع لاغتيال الديكتاتور.


إن مشهد اجتماع شولتز باليهود من الأهمية بمكان ما يجعلنا نتوقف أمامه من أجل تأمله؛ فمدام جيكل- قامت بدورها المُمثلة الإنجليزية Emma Dunn إيما دن- تسأل هانا أثناء إعدادهما للعشاء: ماذا يريد هذا الشولتز منا؟ لتقول هانا: يريدنا أن نُفجر القصر. تتساءل مدام جيكل مُرتاعة: ماذا؟! نحن شعب يهودي، يجب ألا نتورط في مثل هذه الأعمال.

ألا يبدو لنا المشهد هنا- لا سيما مع قول مدام جيكل- فيه الكثير من المُبالغة الراغبة في التعبير عن إنسانية اليهود، ومُسالمتهم، وطيبتهم التي تجعلهم لا يفكرون في الإقدام على اغتيال الديكتاتور مهما فعل فيهم، أو نكل بهم، أو تخلص منهم بالقتل أو الحرق، أو الاعتقال؟! إنهم يبدون لنا هنا في مثل هذا المشهد وكأنهم ملائكة- وربما مازوخيين يرغبون في المزيد من الاضطهاد، والتعذيب، والتنكيل بهم- فهم مهما فعل بهم الديكتاتور لا يجب عليهم الشعور بالغضب، أو الرغبة في الانتقام، أو الرفض، أو التخلص منه، فهم "شعب يهودي، يجب ألا يتورطوا في مثل هذه الأعمال" كما ذهبت مدام جيكل بملائكية غير مُقنعة لأحد.

لكن، من جهة أخرى- ومع المزيد من تأمل هذا الاجتماع- سنرى شولتز يقول لليهود المُجتمع بهم: أعرف أنها أمنية كل منا أن يقع عليه الاختيار هذه الليلة للموت من أجل تومينيا، ورغم إني أود المُشاركة بشدة في هذه المحنة، لكني لا أستطيع. وهو ما يجعل السيد مان يسأله بتلقائية وواقعية: لماذا؟ ليرد عليه السيد جيكل غاضبا: ألا تفهم؟! إنه معروف جدا، لا بد أن يكون شخصا ما مثلنا. لكن السيد مان يقول: لا يمكنني رؤية الأمر كذلك.


إن سؤال السيد مان وإبداء اندهاشه، وتشككه في محله تماما؛ فشولتز هنا لا يختلف مُطلقا في رغبته عن هينكل الديكتاتور الراغب في تحقيق أحلامه، وتطلعاته، وآماله في السُلطة بالتضحية بالآخرين، أي أن طريق الأحلام هنا لا بد أن يكون مُعبدا بالمواطنين التومينيين من أجل وصول القادة إلى سُدة الحُكم، رأينا ذلك فيما يقوم به الديكتاتور هينكل الذي يبطش بالجميع إذا ما اعترضوا على إراداته وما يقوم به، مُستخدما الجميع كأدوات من أجل تحقيق أحلامه، وها نحن نراه مرة أخرى من خلال شولتز الطامع في السُلطة بالتخلص من الديكتاتور ليحل محله، وهو من أجل تحقيق هذا الحلم لا يمتلك الرغبة في تحقيقه بنفسه؛ لأن تحقيقه يعني مقتل من يقوم به؛ لذا فهو يزيّن الفعل للآخرين من أجل القيام به بالنيابة عنه، أي أنه يقوم بتحقيق أحلامه من خلال التضحية بالآخرين تماما مثل الديكتاتور الراغب في التخلص منه، وهي سمة الديكتاتوريات على مر التاريخ، حتى لكأنما كل ديكتاتور من هؤلاء يرى نفسه مُنزلا من السماء، أو أنه المُصطفى الذي لا بد للبشر من طاعته وتحقيق ما يحلم به، بل والحفاظ عليه في مُقابل التضحية بحيواتهم من أجله، ومن أجل سعادته، مما يجعل هذا المشهد- فضلا عن الفيلم بالكامل- ما زال صالحا حتى وقتنا الآني، فالديكتاتوريات كما سبق لنا أن ذهبنا تعمل على إعادة إنتاج ذواتها بأشكال مُختلفة لتعود إلينا أكثر ضراوة مما كانت عليه فيما قبل.

تتبدى لنا هنا عبقرية هذا المشهد حينما يستعرض لنا المُخرج محاولة كل شخص من هؤلاء اليهود التخلص من العملة المعدنية التي يجدها في قطعة الحلوى التي تخصه- لا سيما أن هانا قد شاهدت شولتز يضع العملة في إحدى القطع، وهو ما جعلها تضع عملة في كل القطع من أجل إفساد الأمر عليه- فهم لا يعنيهم التضحية بحياتهم من أجل الوطن التوميني كما ذهب شولتز في حديثه الحماسي لهم، وهم غير راغبين في التخلص من الديكتاتور في مُقابل حياة أي منهم- أي أن الحديث عن الوطنية والتضحية محض هراء لا معنى له في الواقع، لا يؤمن به حتى شولتز الذي يحاول إقناعهم به- وبالتالي فكل منهم يحاول وضع العملة المعدنية خفية في طبق من يجاوره إلى أن يكتشفوا بأنهم جميعا لديهم عملات معدنية في أطباقهم، وحينما يبدي السيد جيكل دهشته من الأمر؛ تخبره هانا بأنها من فعلت ذلك، لأنهم كيهود لا يجب عليهم التورط في هذا الفعل، بقدر ضرورة اهتمامهم بأنفسهم والبقاء في بيوتهم- المزيد من الملائكية غير المُقنعة.


إن هروب شولتز من مُعسكر الاعتقال يجعل قوات العاصفة تبحث عنه بتفتيش كل بيت يهودي في الجيتو، بل ويكثفون من بحثهم بالضرورة عن الحلاق اليهودي بدوره بما أنه صديق شولتز الذي جعله يدافع عن اليهود، ويتم اعتقالهما معا، وإلقائهما في مُعسكر الاعتقال.

ينتقل المُخرج مرة أخرى إلى هينكل لمُتابعته، فنراه يستعد مع وزير حربيته من أجل غزو أوسترليتش التي يحلم بالسيطرة عليها، لكنه يصله نبأ حشد نابالوني لقواته على حدود أوسترليتش، بل ويهاتفه نابالوني طالبا منه التفاوض عليها، مما يجعل هينكل يرحب به كضيف في تومينيا من أجل التفاهم.

يصور لنا تشابلن طريقة تعامل كل من الديكتاتورين- هينكل ديكتاتور تومينيا، ونابالوني ديكتاتور البكتيريا- مع بعضهما البعض، ورغبة كل منهما في أن يبدو هو الأعلى، والأفضل، والأكثر سيطرة ومكانة وتميزا من الآخر، ومن ثم يتفنن كل منهما في إظهار ميزاته التي يتفوق بها على الآخر مما يؤكد لنا بأننا أمام طفلين، يحاول كل منهما التفوق على زميله، أو أننا بالأحرى أمام مريضين نفسيين، كل منهما في حاجة ماسة إلى علاج من هواجسه.

لذا نرى جاربيتش- على سبيل المثال- يتحادث مع هينكل في مكتبه داخل القصر الرئاسي بقوله: لن نناقش مسألة أوسترليتش، هذه المُقابلة غرضها أن تؤكد له قوة شخصيتك، تجعله يحس بتفوقك، نابالوني عدواني، مُستبد، يجب وضعه في مكانه. فيسأله هينكل: لكن كيف؟ يقول جاربيتش: بواسطة علم النفس، نجعله يشعر بالنقص، يمكن أن يتم هذا بشكل مُهذب، على سبيل المثال، رتبت لقاءكما بحيث ينظر نحوك لأعلى، وستنظر نحوه لأسفل، مقعده سيكون دون مستواك، ثم سنجلسه هنا بجانب تمثالك النصفي حتى تكون دائما ساطعا عليه، رتبت أن يكون دخوله من النهاية البعيدة للغرفة، انتصار نفسي آخر، سيكون مُحرجا وهو يمشي هذه المسافة الطويلة.


إن تشابلن هنا لا يُقدم لنا كوميديا ساخرة، أو تهكمية بقدر تقديمه لمجموعة من الأمراض النفسية الخطيرة المُتحكمة في مجموعة من الأشخاص الذين يرون أنفسهم سادة العالم، وأعلى من البشر، وأكثر أهمية منهم، وهو ما يجعلهم قادرين على التضحية بالعالم أجمع من أجل تحقيق ما يصبون إليه، مما يعني أن فيلم "الديكتاتور العظيم" في جوهره هو فيلم شديد الجدية، والخطورة، والتحذيرية مما يحدث في العالم أجمع، وما سيحدث أيضا لاحقا، لكن مُخرجه قدمه هنا في شكل هزلي ساخر من أجل السُخرية من هؤلاء الأشخاص؛ فالسلاح الأخطر في يد تشابلن هو السُخرية التي يعلم تماما مقدرتها السحرية على القضاء على أساطير الديكتاتوريات، وتفكيكها بالمزيد من السُخرية منهم، ووضعها في مواقف هزلية لبيان حماقاتهم، وغبائهم، وأنانيتهم المُفرطة، وطفوليتهم.

لكن، نابالوني يخالف أفق التوقعات والترتيبات التي رتبها جاريتش بدخوله أولا من أقرب باب للمكتب الذي يجلس عليه هينكل، فضلا عن أنه يضربه على ظهره كشكل من أشكال التحية المازحة بين ديكتاتورين زميلين، وحينما يجلس على المقعد المُنخفض أمام مكتب هينكل لا يشعر بالراحة مما يجعله يجلس فوق المكتب نفسه أمام هينكل، بل ويشعل عود الثقاب بحكه في تمثال هينكل، أي أنه في هذا المشهد- وبشكل شديد العفوية- يشعر هو بتفوقه على هينكل بدلا من حدوث العكس، مما يُشعر هينكل بالمزيد من الضآلة النفسية- فهو يشعر بالضآلة الجسدية أمام نابالوني ضخم الجثة.

هذه الكوميديا التهكمية توغل في سُخريتها من الطاغيتين مرة أخرى حينما يذهبا إلى الحلاق الخاص بهينكل، حيث نراهما جالسين كل على مقعده إلى جوار الآخر، وحينما يرغب هينكل الشعور بالتفوق على نابالوني برفع مقعده ليكون في مستوى أعلى منه؛ يرفع نابالوني بدوره مقعده أعلى من هينكل، ويظلا على هذه الوتيرة إلى أن يسقط المقعدان بهما، ولعل المشهد الأكثر تهكما وسُخرية هو المشهد الذي رأيناهما فيه في الحفل داخل القصر الديكتاتوري لهينكل، حيث ينفردا مع جاربيتش من أجل التفاوض على أوسترليتش، فيطلب نابالوني من هينكل التوقيع على مُعاهدة عدم دخوله أوسترليتش في مُقابل أن يسحب نابالوني قواته المُحتشدة على حدودها ويتعهد بدوره بعدم دخولها، لكن هينكل يرفض بضراوة التوقيع، ويطلب من نابالوني الانسحاب أولا قبل التوقيع على المُعاهدة، وهو ما يؤدي إلى غضب كل منهما، وتوجيه الاتهامات والتهديدات لبعضهما البعض إلى أن يفرد جاريتش بهينكل قائلا: وقع، وقع. يرد هينكل رافضا: سيكون مُتقدما علينا- لاحظ الطفولية في الأمر- لكن جاربيتش يقول له: إنها مُجرد قصاصة ورق، عندما تنسحب قواته من الحدود؛ نستطيع نحن التحرك إليها.


إن تشارلي تشابلن هنا، ومن خلال السُخرية والفكاهة يرغب في التأكيد على عدم أمانة أي منهما، فكل منهما خائن للآخر، ومُخادع، وأناني، ولا يرغب سوى في تحقيق أحلامه ومطامعه الاستعمارية التوسعية، وبالتالي فهينكل الذي سيوقع على اتفاقية عدم غزو أوسترليتش في مُقابل انسحاب قوات نابالوني، إنما يفعل ذلك في نفس الوقت الذي ينتظر فيه انسحاب القوات البكتيرية من أجل مُخالفة المُعاهدة التي اتفقا عليها، ومن ثم غزوها؛ لذا يتفق هينكل مع جاربيتش على خطة الغزو التي ستحتم عليه أن يتنكر في زي صياد بط، بينما القوات التومينية جاهزة، وفي انتظار وصوله المُتنكر من أجل اقتحام أوسترليتش.

لكن، في نفس التوقيت ينجح كل من الضابط شولتز والحلاق اليهودي- الشديد الشبه بالديكتاتور هينكل- في الهروب من مُعسكر الاعتقال في ثياب عسكرية، لذا تنطلق من خلفهما القوات العسكرية من أجل اعتقالهما وإعادتهما للمُعسكر مرة أخرى، إلا أن قوات الاعتقال تقابل أثناء بحثها الديكتاتور هينكل المُتنكر في زي صياد بط، ومن ثم يلقون القبض عليه باعتباره الحلاق اليهودي، بينما يستمر كل من شولتز والحلاق اليهودي في طريق هروبهما، حيث يراهما العديد من الجنود، ويظنوا أن الحلاق اليهودي هو الديكتاتور، وفد عفا عن شولتز، وأخذه معه في طريقه من أجل غزو أوسترليتش.


تنجح القوات العسكرية بالفعل في الاستيلاء على أوسترليتش، ويدخلها الحلاق اليهودي معهم، ومن ثم يكون من الواجب عليه أن يقوم بإلقاء خطبته للمواطنين بمُناسبة هذا الغزو الجديد، ولعله من اللافت للنظر والمزيد من السُخرية أن المنصة التي من المُفترض أن يلقي من فوقها الحلاق اليهودي خطبته باعتباره هينكل كان مكتوبا عليها Liberty الحرية، وهي المُفردة التي تتناقض تماما مع رغبات، وآمال، وطموحات، وما يؤمن به هينكل، كما أنها تتناقض مع الكلمة التي ألقاها جاربيتش قبل الحلاق اليهودي، والتي قال فيها: النصر حليف من يستحق، اليوم الديمقراطية، والحرية، والمساواة هي كلمات لخداع الناس، لا توجد أمة تستطيع التقدم بمثل هذه الأفكار، من يقفون في طريق التقدم سنبيدهم، في المُستقبل كل رجل سيخدم الدولة بالطاعة المُطلقة، وعلى من يرفض الحذر، الجنسية ستُسحب من كل اليهود، وغير الآريين؛ فهم دون المستوى وأعداء للدولة، واجب على كل الآريين الحقيقيين كراهيتهم واحتقارهم، هذه الدولة ضُمت لامبراطورية تومينيان، وسيطيع ناسها القوانين التي سنها زعيمنا العظيم، ديكتاتور تومينيا، فاتح أوسترليتش، الامبراطور المُستقبلي للعالم!

 ألا نُلاحظ هنا الجنون الذي يؤمن به كل من هو في هذه الامبراطورية الديكتاتورية- ألمانيا النازية في الواقع؟

إنه الجنون الذي يحاول المُخرج التركيز عليه حتى أن الكاميرا تقوم بتصوير جاربتيش من منسوب مُنخفض لتعظيمه، وظهوره في الكادر وكأنه عملاق- أي ليس في حجمه الطبيعي.


هنا، كان لزاما على الحلاق اليهودي الصعود إلى المنصة من أجل إلقاء كلمته كديكتاتور وإلا تم كشفه هو وشولتز؛ ومن ثم سيتم اعتقالهما وإعادتهما إلى مُعسكر الاعتقال، أو التخلص منهما بالقتل، فنراه يقف هنيهة أمام الميكروفونات في حيرة من أمره، لكنه يستقر فجأة لينطلق في قوله: آسف، لكني لا أريد أن أكون امبراطورا، ذلك ليس عملي، لا أريد أن أحكم أو أغزو أي شخص، أود مُساعدة كل الناس، يهودي، غير يهودي، أسود، أبيض، كلنا نريد مُساعدة بعضنا البعض، هكذا الإنسانية، نريد العيش مع بعضنا البعض في سعادة وليس في بؤس، لا نريد كراهية أحدنا للآخر في هذا العالم، إن الأرض الطيبة غنية، ويمكنها إطعام كل شخص، الحياة يمكن أن تكون حرة وجميلة، لكننا فقدنا الطريق، لوّث الطمع أرواح الرجال، حصّن العالم بالكراهية، خطونا كالحمقى نحو إراقة الدماء، طورنا السرعة لكننا جمدنا أنفسنا، الآلات جعلتنا بلا عمل، معرفتنا جعلتنا مُتهكمين، ذكاؤنا صعب وقاسٍ، نفكر كثيرا، ونشعر قليلا، نحتاج الإنسانية أكثر من الآلات، نحتاج الشفقة واللطف أكثر من الذكاء، بدون هذه القيم ستكون حياتنا عنيفة ونفقد كل شيء، الطائرة والراديو قاربا بيننا، هذه الاختراعات تنادي الطيبة في الرجال، تنادي الأخوة العالمية لوحدتنا جميعا. حتى الآن، صوتي يصل للملايين، ملايين اليائسين من الرجال والنساء والأطفال، ضحايا نظام يعذب الرجال، ويسجن آخرين أبرياء، إلى أولئك الذين يسمعونني أقول: لا تيأسوا، البؤس فوقنا، لكن الطمع سيزيل مرارة الرجال الذين يخافون طريق التقدم الإنساني، كراهية الرجال ستزول، والطغاة سيموتون، والقوة التي سلبوها ستعود للناس، الرجال يموتون، لكن الحرية لن تموت. أيها الجنود، لا تمنحوا أنفسكم للوحوش، هؤلاء الذين يحتقرونكم ويستعبدونكم، الذين نظموا حياتكم، وأملوا عليكم مُعتقداتكم ومشاعركم، هؤلاء الذين يعاملونكم كالماشية، ويستغلونكم كوقود للحرب، لا تعطوا أنفسكم لهؤلاء الرجال، كرجال آليين بعقول آلية وقلوب آلية، أنتم لستم آلات، ولستم ماشية، أنتم رجال، حب الإنسانية داخلكم، لا تكرهوا إلا الكراهية والحقد غير الطبيعي. أيها الجنود، لا تحاربوا من أجل العبودية، حاربوا من أجل الحرية، يقول القديس لوقا: مملكة الإله داخل الرجل. ليس في رجل واحد، ولا مجموعة رجال، لكن في كل الرجال، فيكم. عندكم القوة لصُنع الآلات، القوة لخلق السعادة، لديكم القوة لجعل هذه الحياة حرة وجميلة، لجعل هذه الحياة مُغامرة رائعة، باسم الديمقراطية دعونا نستعمل تلك القوة، دعونا نتحد، دعونا نُكافح من أجل عالم جديد. عالم سيعطي الرجال فرصة للعمل، سيعطي الشباب المُستقبل والأمن في الشيخوخة، بتلك الوعود وصل الطغاة للسُلطة، لكنهم يسترخون، ولا ينجزون ذلك الوعد، ولن يفعلوا أبدا، الطغاة يحررون أنفسهم، لكنهم يستعبدون الناس، الآن، دعونا نحارب لإنجاز ذلك الوعد، دعونا نحارب لتحرير العالم للتخلص من الحواجز الوطنية، للتخلص من الطمع والكره والتعصب، دعونا نكافح من أجل عالم عاقل، عالم حيث العلم والتقدم سيؤديان إلى سعادة الجميع. أيها الجنود، باسم الديمقراطية دعونا نتحد.


دعنا نقتطع هذا الخطاب- كما جاء تماما- من السياق الفيلمي، والسياق الزمني الذي صُنع فيه الفيلم، وننتقل به إلى أي سياق آخر في عصرنا الآني، هل ستختلف قيمة الخطاب، وما يدعو إليه من قيم سامية وإنسانية لا بد من الالتزام بها؟

بالتأكيد لا، فهو صالح لأي زمان ومكان، بل هو صالح لزماننا أكثر من صلاحيته للزمن الذي صُنع فيه- فما أشبه اليوم وما يدور فيه بالبارحة- ومن هنا تأتي أهمية هذا الخطاب الأيقوني في نهاية الفيلم كخطاب أخلاقي يدعو البشرية بالكامل من أجل التزامها الأخلاقي تجاه هذا الكوكب، وتجاه بعضهم البعض.

لكن، هل هذا الخطاب الأخلاقي- الأكثر قربا وشبها بالتفلسف، والذي استمر لست دقائق من زمن الفيلم- صالح على المستوى الفني من أجل تقديمه في فيلم سينمائي؟

إن تقديم خطاب الحلاق اليهودي كنهاية للفيلم بدا لنا في جوهره كمُحاضرة فلسفية في علم الأخلاق وما يجب أن تتحلى به الإنسانية في مثل هذه اللحظة الزمنية الراهنة، وتحدياتها، سواء على المستوى العلمي- أي ما وصل إليه العلم- أو المستوى السياسي، أو المستوى الإنساني، وهي مُحاضرة مُنفصلة تماما عن الجسد الفني للفيلم السينمائي الذي سبقها، بمعنى أن تشارلي تشابلن هنا قد أفسد فيلمه على المستوى الفني بسبب مُحاضرته/ خطبته الطويلة التي ألقاها، فضلا عن أنه طوال أحداث الفيلم لم يقدم لنا شخصية الحلاق اليهودي باعتباره مُهتما بأي مما تحدث عنه، ولم يبد عليه أي شيء من ذلك، أو حتى مقدرته على إلقاء المواعظ، بل بدت عليه البلاهة والطيبة والسذاجة أكثر مما بدا عليه النضج، وهو ما يجعل ظهوره لنا في الختام كمُفكر أو فيلسوف، أو أخلاقي من الأمور التي لا يمكن لها أن تقنعنا على المستوى العقلاني أو المنطقي، فما بالنا بالمستوى الفني الخاص بالفيلم.


 كما أن ثمة مُلاحظة لا يمكن لنا تجاوزها في مثل هذا المشهد الطويل، فحينما بدأ الحلاق اليهودي في إلقاء خطبته الأخلاقية الطويلة لم يحاول التماهي مع شخصية الديكتاتور هينكل- باعتباره هو في مثل هذا الموقف- كما لم يتماهى مع شخصيته الفيلمية كحلاق، بل رأينا أمامنا على الشاشة تشارلي تشابلن نفسه، تشابلن الحقيقي الذي نعرفه على أرض الواقع كإنسان ومُمثل ومُخرج، حتى أن قسمات وجهه، ونظرات عينيه، بل ونبرة صوته الطبيعية هم ما رأيناهم أمامنا على شاشة العرض، ومن ثم فلقد انفصل تشارلي تشابلن تماما عن جسد الفيلم في مشهد الختام، ولم يعنه الفيلم وما يرغب في تقديمه بشكل فني، بل عاد إلى طبيعته الواقعية، مُتحدثا عما يؤمن به، مُعبرا عن موقفه الأخلاقي الشخصي في هذه اللحظة التاريخية المفصلية من تاريخ البشرية، وهو ما أدى إلى إفساده للفيلم على المستوى الفني- كسر الحائط الرابع، أو التواطؤ المُفترض وجوده ما بين صانع العمل الفني والمُتلقي.

إن الفيلم الأمريكي "الديكتاتور العظيم" للمُخرج الإنجليزي تشارلي تشابلن من أهم الأفلام التي تحدثت عن هذه اللحظة المفصلية والكارثية من تاريخ البشرية بتناوله لشخصية أدولف هتلر ومحاولة السُخرية منه، والتهكم عليه من أجل تفكيك شخصيته الأسطورية المُخيفة- فالسُخرية والتهكم قادران على هدم الأساطير وإسقاطها بسهولة بإزالة القداسة عنها- وهو ما نجح فيه بالفعل على طول الفيلم حيث أننا كنا- في جوهر الأمر- نضحك على هينكل/ هتلر في كل المشاهد التي رأيناه فيها، أي أننا كنا نسخر منه ومن أنانيته، وطفوليته، وحمقه، واندفاعه، ونوبات غضبه غير المُبررة والفجائية، في حين أننا كنا نضحك مع الحلاق اليهودي في المشاهد التي رأيناه فيها، أي أن تشارلي تشابلن هنا- كمُخرج- كان مُدركا تمام الإدراك الهدف الراغب في الوصول إليه من صناعته لفيلمه- سقوط القداسة المُحيطة بهتلر بالكامل لتسهيل تفكيك شخصيته، وأسطورته التي نجح في صناعتها وتخويف العالم بأكمله منها.

صحيح أنه حينما قام بصناعة فيلمه لم يكن هتلر قد قام بجنونه الذي قام به فيما بعد- أي أن الفيلم هنا حينما نشاهده اليوم نُدرك أنه كان فيلما استشرافيا لما سيحدث في المُستقبل- لكنه بتأمله للمُقدمات التي كان يقوم بها هتلر- وأي ديكتاتور مثله- استطاع اليقين من أن كل هذه الجرائم التي قام بها فيما بعد ستحدث لا مُحالة، وهو ما تم على أرض الواقع فيما بعد.


فيلم "الديكتاتور العظيم" في جوهره ليس فيلما عن أدولف هتلر والنازية، ولا عن موسوليني والفاشية، بل هو فيلم عن كل الديكتاتوريات على مستوى العالم، هو فيلم يحمل في باطنه بذور نجاحه ومُناسبته لكل العصور وما يدور من حولنا حتى هذه اللحظة الراهنة التي نعيش فيها- فاليوم لا يختلف إطلاقا عن الأمس إن لم يكن أكثر سوءا- ومن ثم يصبح هذا الفيلم من الأفلام الصالحة لكل زمان ومكان، حتى أنه ما زال يبدو لنا شديد النضج والطزاجة وكأنه قد صُنع اليوم للتعبير عن الواقع الذي نعيش فيه، لولا الدقائق الست الختامية من الفيلم التي بدت لنا مُنبتة الصلة تماما عنه- على المستوى الفني- مما جعلها تُفسد المُشاهدة رغم أهمية الخطبة الأخلاقية التي ألقاها المُخرج، وصلاحيتها حتى اليوم، وانطباقها على ما يدور من حولنا، لكنها صالحة أكثر لبطون الكتب، والمُلتقيات الثقافية والفكرية أكثر من مُناسبتها لفيلم سينمائي يُقدم الفن، والأسلوبية وعدم المُباشرة على السطحية والفجاجة.

 

 

 محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".
عدد يناير 2026م.