الأحد، 22 مارس 2026

2046: هونج كونج مدينة الذكريات البائسة

هل يحتمل العمل الفني، على اتساع مفهومه، أو العمل السينمائي، بوجه خاص، مفهوم الكمال؟ بمعنى هل من المُمكن أن نُطلق على أحد الأعمال الفنية توصيف الاكتمال؛ ومن ثم يكون هذا العمل- المقصود بالتوصيف- غير خالٍ من أي عوامل النقص؟

بالتأكيد لا يوجد عمل فني كامل؛ لأن الوصول للكمال- إذا ما تحقق- يحمل في داخله معنى الموت، وتلك حقيقة لا يمكن الخلاف عليها؛ فإذا ما وصل الفنان إلى اكتمال عمله فهو لن يصنع أي عمل تالٍ لهذا العمل المُكتمل؛ حيث وصل إلى أقصى ما يستطيع في مجاله الفني، وبالتالي لم يعد أمامه ما يفعله أو ينشده من أجل الاستمرار في العمل الفني مرة أخرى، أي أن الشعور الدائم بالنقص أو عدم الاكتمال هو ما يعطي الفنان المزيد من الطاقة من أجل الإقبال على المزيد من الأعمال الفنية، عله يحقق فيما هو قادم من أعمال المزيد من الاكتمال الذي ينشده.

كذلك فإن النقد في حد ذاته لا يمكن له احتمال قبول أي توصيف بالاكتمال؛ لأن توصيف الاكتمال يحمل في أحد أوجهه اليقين الكامل، وهو ما يتعارض مع المُهمة النقدية التي تقوم دائما على الاحتمالية والشك، والترجيح، وعدم اليقين المُطلق.

إذن، فاكتمال أي عمل فني من الصعوبة بمكان ما يجعلنا نتشكك في وصف أي عمل فني بمثل هذا التوصيف، لكن المُشاهد للفيلم الصيني 2046 للمُخرج الهونج كونجي Wong Kar- Wai وونج كار واي بالتأكيد لن يجد من مُفردات اللغة التي من المُمكن لها أن تتناسب مع ما رآه أمامه على الشاشة من جماليات فنية سوى مُفردة الكمال، أو الاكتمال التي سيرفضها النقد بالضرورة، أو يحاول تقبلها على مضض رغم ميل هذا النقد إلى صدق ما ذهب إليه المُشاهد في هذا التوصيف الذي قد لا يفتقر إلى الدقة!


في فيلم أشبه ما يكون بالفسيفساء التي حاول المُخرج تجميعها إلى بعضها البعض من أجل صناعة لوحة سينمائية ذات مشهد كلي عن الذكريات التي لا يمكن للإنسان أن يتخلص منها؛ حيث تُشكل تاريخه بالكامل؛ ومن ثم هويته، يدور فيلم كار واي- 2046- مُستغرقا في ذكرياته والتلاعب بالمُشاهد غير القادر على إمساك الحقيقة من خلال الأحداث أو الوصول إلى يقين ثابت، أي أن المُخرج هنا كان يمارس لعبة فنية شديدة المُتعة؛ وبالتالي لم يكن يعنيه سوى مُتعته في اللعب في المقام الأول بعيدا عن تقديم فيلم له سيناريو مُتنامٍ، أو مُتصاعد الأحداث، وربما كانت هذه المُتعة التي يمارسها المُخرج هي ما جعلته يترك مصائر شخصياته جميعها مُعلقة في الفراغ من دون إيجاد أي حل أو نهاية لها، بل وجعل العديد من الشخصيات في الفيلم غامضة، مُثيرة للكثير من الالتباس لدى المُشاهد؛ حيث لم يكن يعنيه سوى جماليات وجود هذه الشخصيات في حد ذاتها، والأثر التي تتركه على أحداث فيلمه، بدلا من تفسير منطقية وجودها، أو تاريخها السابق.


يعمل وونج مُنذ بداية فيلمه على إيهام المُشاهد بوجود عالم خيالي- سواء على مستوى الزمان أو المكان- أشبه بعالم الخيال العلمي- رغم أن الفيلم في حقيقته لا يحقق فكرة الخيال العلمي بشكلها المألوف بقدر واقعيته المُنغلقة على ذاتها- فيدعي أن شبكة السكك الحديدية قد انتشرت حول العالم في 2046، وثمة قطار غامض يغادر إلى هذا العام من فترة لأخرى ناقلا الركاب الراغبين في استرداد ذكرياتهم الضائعة؛ حيث كل شيء هناك باقٍ على حاله لم يتغير، كما يؤكد أن فكرة بقاء الذكريات على حالها هناك ليست أمرا يقينيا، أي لا يمكن لأحد تأكيد مدى صحة هذه المعلومة من كذبها؛ حيث لم يسبق لأحد ممن ذهب إلى هناك أن عاد مرة أخرى ليخبرنا بالحقيقة- لعل المُخرج من خلال هذه الزاوية يكاد أن يقترب بشكل فلسفي من فكرة الموت وما بعده التي تؤكد على أن ثمة عالما آخرا بعد الموت، لكن لا يمكن لأحد ممن يؤمنون به، أو ممن ينكرونه الإقرار بيقينية الفكرة؛ نظرا لأنه لم يعد إلينا أي شخص ممن عبر إلى العالم الآخر، المزعوم، وأخبرنا بحقيقة ما بعد الموت.


هل يُعد ذهابنا بالفيلم إلى مثل هذا المذهب- مُقاربة ما بعد الموت- من قبيل المُبالغة، أو محاولة تحميل الفيلم أكثر مما يحتمل، أو أكثر مما يقصده المُخرج نفسه؟

أظن أن هذه المُقاربة ليست من قبيل المُبالغة؛ لا سيما أن من يعرف سينما وونج كار واي جيدا سيكون مُدركا للفلسفة التي يعمل على تحميلها لأعماله السينمائية، والتي تحتمل الكثير من التأويلات المُختلفة في تفسيراتها.

ألا تذكرنا فكرة ومشاهد القطارات السريعة جدا في المُستقبل أثناء ذهابها وإيابها إلى 2046، والتصوير الذي تمت من خلاله هذه المشاهد بألوانها المُختلفة بسينما المُخرج الأمريكي ستانلي كوبريك؟ ربما يكون وونج مُتأثرا بالأسلوب الكوبريكي في حديثه عن 2046، لكنه لا ينقل منه أو يحاول اتباعه، بل يكتفي بروح كوبريك فقط، مُستخدما أسلوبيته السينمائية التي تخصه وحده، وهي الأسلوبية التي قد يجوز لنا تسميتها بالأسلوبية الوونجية- إذا ما جاز لنا التعبير.


صحيح أن المُخرج يؤكد للمُشاهد مُنذ اللقطات الأولى على أن كل من ذهب إلى 2046 لم يستطع العودة منها مرة أخرى، إلا أنه يستثني بطل الفيلم الذي يروي الأحداث، هذا الراوي الذي يؤكد على أنه الوحيد الذي استطاع العودة من 2046، وكلما كان يسأله أحدهم عن سبب عودته كان يرد عليه بكلام غامض فحواه: إن الناس قديما حينما كانوا يرغبون أن يخفوا أسرارهم التي لا يريدون للآخرين أن يعرفونها، كانوا يصعدون إلى قمة الجبل حيث الأشجار، ويحفرون حفرة في الشجرة يهمسون إليها بأسرارهم وكأنهم يتخففون منها أو يدفنونها، ثم يغطون هذه الحفرة بالطين، وبهذه الطريقة يكونون قد دفنوا أسراراهم التي لن يعرفها غيرهم.

صحيح أن المُخرج ذكر ذلك على لسان الراوي، وكأنها حقيقة قد حدثت بالفعل، لكن مع الاستمرار في أحداث فيلمه سيتأكد لنا أن الراوي لم يترك 2046 سواء على المستوى الزماني أو المكاني، بل ظل حبيسا لها بشكل أبدي، وكأنه بات أسيرا فيها بشكل لانهائي!

2046 هنا هو اسم الفيلم الذي قدمه المُخرج الصيني وونج كار واي، وهو رقم غرفة في فندق سبق أن رأيناها في فيلمه السابق In the Mood for Love في مزاج للحب 2000م، وهو رقم غرفة أيضا في فندق داخل هذا الفيلم أقام فيه بطل الفيلم؛ ومن ثم تذكر ما كان في الفيلم السابق، وهو العام الذي حددته الصين لانتهاء شبه استقلالية هونج كونج عن البر الرئيسي للصين حينما استلمتها من الاحتلال الإنجليزي 1997م، أي بعد خمسين عاما.

لكن هل معنى ذلك أن وونج كان يرغب في تحميل فيلمه- المُزدحم بالذكريات والعواطف وحالات الحب- بالإسقاطات السياسية، والمصير الذي ستؤول إليه هونج كونج في المُستقبل؟

بالتأكيد لم يكن هذا الأمر هو الشغل الشاغل أو الجوهري لكار واي في صناعة فيلمه المُهم، لكنه قد يحتمل مُجرد الإشارة إلى ما ستؤول إليه هونج كونج، لا سيما أن الفيلم يدور في المدينة، ويشير إلى بعض الاضطرابات السياسية التي حدثت فيها، كما يصف برودة المدينة وقسوتها على أبنائها، وشراسة رأس المال على الجميع فيها، فضلا عن أن تيترات النهاية صحبت معها صور البنايات الشاهقة لهونج كونج، وهو ما ركز عليه المُخرج في خلفية التيترات؛ حيث يعمل على التأكيد على مدى قسوة هذه المدينة على كل من يقيم فيها حتى لو كانوا من أبنائها، والتهامها لهم!


يهتم المُخرج مُنذ بداية فيلمه بتقديمه في إطار يشبه السينما التسجيلية من خلال اعتماده مُنذ اللقطة الأولى على صوت الراوي العليم في الخلفية السمعية، وهو الراوي الذي يسرد أحداث الفيلم ويعمل على التعليق عليها دائما، هذا الراوي/ المُعلِق هو بطل الفيلم نفسه "تشاو" الذي قام بدوره المُمثل الصيني Tony Leung توني ليونج، حيث نراه في مشاهد الخيال مسافرا إلى 2046، كما نراه في المشاهد الواقعية/ الآنية- الزمن الحقيقي للسرد- في دور الصحفي الواقع أسير مشاعره وذكرياته، لكن الإتقان الفني للمُخرج وامتلاكه لأدواته، ورغبته في الإيغال من أجل المزيد من الإيهام للمُشاهد يجعلونه يحرص على التداخل بين العالمين- الواقعي، أي زمن السرد، والافتراضي، أي زمن التخيل- وهذا الأخير هو في حقيقة أمره القصة التي يكتبها تشاو بنفس العنوان؛ وبالتالي نرى مُعظم شخصيات العالم الواقعي التي قابلها تشاو في حياته تتداخل وتعيش معه في العالم الافتراضي؛ الأمر الذي يؤدي إلى المزيد من الالتباس بالنسبة للمُشاهد غير المُدقق لما يدور أمامه من أحداث مُتداخلة.

سنعرف فيما بعد أن تشاو كان يعمل ويعيش في سنغافورة حيث وقع في عشق امرأة متزوجة- سو لي تشن- وحينما وجد أنه لا سبيل للحياة في سنغافورة يقرر العودة إلى هونج كونج مرة أخرى، ويلتقيها للمرة الأخيرة، طالبا منها السفر معه، لكنها ترفض الذهاب معه بطريقة غير مُباشرة، وتخبره بأنه لا يعرف شيئا عن ماضيها؛ فيؤكد لها بأنه لا يرغب في معرفته إذا ما كان هذا ما تريده، إلا أنها تفرد أمامه ورق اللعب مُخبرة إياه بأنها ستلعب معه لعبة إذا ما فاز عليها فيها ستسافر معه، لكنها تفوز عليه وتتركه وحده. يعود تشاو إلى هونج كونج في عام 1966م، كما حدد المُخرج، وهو العام الذي حدثت فيه الكثير من أعمال الشغب؛ بسبب ارتفاع الأسعار، وحينما ازداد الشغب؛ تم فرض حظر التجوال على المدينة، وربما نلاحظ أن المُخرج يهتم في سرده السينمائي على تحديد زمن الفيلم الذي بدأ في 1966م وانتهى في 1969م.


حينما يعود تشاو إلى هونج كونج يعمل صحفيا، ويكتب القصص، كما يسكن في فندق رخيص في المدينة، لكن الرجل المأزوم عاطفيا بسبب حبيبته التي تركها في سنغافورة سيحاول التغلب على أزمته العاطفية ونسيانها بالانغماس وسط المزيد من النساء اللاتي سيمررن في حياته كمُتتالية عددية، حريصا في هذه العلاقات على عدم الالتفات إلى العاطفة بقدر الالتفات إلى العلاقة الحسية فقط، ورغم أن بعض النساء سيقعن في عشقه إلا أنه سيكون حريصا على عدم الانسياق من خلف عاطفته، وكأنه لا يرغب في المرور بنفس التجربة الأليمة مرة أخرى.

إذا ما كنا قد سبق لنا أن أطلقنا على أفلام وونج كار واي توصيف أفلام "المأزق العاطفي"، وهو ما يمكن مُقاربته بالمأزق الوجودي فلسفيا، فهو هنا يمعن بقسوة في وضع جميع شخصياته في هذا المأزق حتى أنها لا يمكن لها التخلص منه إلا بموتها؛ حيث يحيلها هذا المأزق إلى مجموعة من الشخصيات المُفرغة من روحها ومقدرتها على إكمال الحياة؛ فالعلاقات جميعها غير مُكتملة، ولا سبيل لاكتمالها، والأشخاص غير قادرين على الاستمرار في الحياة من دون هذه العلاقات التي يؤدي بترها المُفاجئ إلى موت أرواحهم داخلهم؛ ومن ثم يصبحون مُجرد أجساد خاوية من الروح تتحرك من دون جدوى، أو أي أمل فيما سيحدث مُستقبلا، وكأنما المُخرج يمارس هنا شكلا من أشكال السادية على شخصياته بدفعهم إلى مجموعة من العلاقات العاطفية غير المُكتملة، والتي تتركهم مُعذبين يقتاتون ذكرياتهم مع من يحبونهم بينما يذرفون الكثير من الدموع.


يلتقي تشاو مع راقصة كان يعرفها قديما- ميمي لولو، المُمثلة الكندية الجنسية الصينية الأصل Carina Lau كارينا لاو- ويحاول أن يذكرها بما كان بينهما قديما، لكنها لا تتذكره، وحينما تفرط في تناول الخمور يصطحبها إلى الفندق الذي تقيم فيه في الغرفة رقم 2046، ويتركها حينما يوصلها إلى فراشها، لكنه يعود بعد يومين من أجل إعادة مفتاح غرفتها إليها، إلا أن مالك الفندق "السيد وانج"- المُمثل الصيني Wang Sum وانج سوم- ينكر وجودها في الفندق، ويخبره بأنها قد غادرت- سنعرف فيما بعد أنها قد قُتلت في نفس الليلة التي أوصلها فيها تشاو إلى الفندق على يد عشيقها الغيور، وهي الجريمة التي ستظل غامضة حتى بعد انتهاء الفيلم.

يعود تشاو إلى الفندق ويطلب الإقامة في الغرفة 2046، لكن لأنها لم تكن قد تم تجهيزها بعد جريمة القتل التي حدثت فيها؛ يدعي السيد وانج أنها مشغولة ويعطيه الغرفة المجاورة رقم 2047 واعدا إياه بأنه سوف يلحقه بالغرفة التي يريدها حينما تخلو ممن يسكنها، لكن تشاو يعتاد الغرفة التي يقيم فيها ولا ينتقل إلى الغرفة المجاورة التي ستتتالى عليها فيما بعد العديد من الشخصيات النسائية اللاتي سيدخلن معه في الكثير من العلاقات.

تسكن في الغرفة 2046 امرأة جميلة تدعى "باي"- المُمثلة الصينية Zhang Ziyi جان زي- التي يحاول تشاو التقرب منها إلى أن يقنعها بقضاء ليلة رأس السنة معه في أحد المطاعم لتناول الشراب، وتنشأ بينهما علاقة لاهبة يتبادلان فيها غرفتيهما ذهابا وإيابا غير مرة. ربما يظن المُشاهد، هنا، حينما يرى العلاقة الجميلة التي تربط كل من تشاو وباي أنه قد استطاع نسيان علاقته القديمة/ الأليمة مع حبيبته السنغافورية سو لي تشن، وهي العلاقة التي تجعله حزينا أغلب الوقت لعدم قدرته على التغلب عليها أو نسيانها، لكننا سنلاحظ أن تشاو كان حريصا مُنذ الليلة الأولى مع باي على أن يكون فظا معها، محاولا وضع جدار نفسي بينهما- ربما خشية من وقوعها في عشقه- حيث يعمل على منحها المال في نهاية الليلة وكأنها عاهرة، وهو ما جعلها تستاء، مُخبرة إياه بأنها ليست داعرة، لكنه يتعلل لها بأن هذا المال مُقابل فستانها الذي مزقه نتيجة عنفه معها في بداية الليلة. تشعر باي بالكثير من الإهانة والألم، لكنها تأخذ منه عشرة يوانات فقط قائلة له بسخرية مُمتزجة بالألم: سأكتفي بعشرة يوانات فقط، وعليك أن تدفع مثلها كلما رغبت في العودة إليّ.


إن قبول باي لليوانات العشرة كان محاولة منها لعقد اتفاق ضمني بينها وبين تشاو يفيد بأن العلاقة بينهما ستأخذ شكل المُتعة الخالصة التي لا مجال فيها للعواطف. صحيح أن تشاو هو من فرض هذا الاتفاق مُنذ البداية، لكنها وافقته عليه بمرارة حينما لاحظت إصراره عليه، رغم أن هذا الأمر جعلها تبكي بمُجرد مُغادرته لغرفتها.

تستمر العلاقة بينهما لفترة طويلة كانت فيها باي تجمع العشرة يوانات التي يعطيها لها في كل مرة يلتقيا فيها في صندوق لتحتفظ بها، وتعرف من خلالها عدد المرات التي التقيا فيها معا، لكن رغم هذا الاتفاق الضمني تقع باي في عشقه بشكل لا تستطيع مقاومته، وحينما ترى إحدى النساء تخرج من غرفته تسأله عنها؛ فيطلب منها عدم التدخل فيما لا يعنيها. هنا تخبره باي بأنها ليس لديها أي مانع في أن يكون له صديقة أخرى معها، لكنها تريد أن يكون لها خصوصية مُختلفة في نفسه قائلة له: مُنذ أن بدأنا المواعدة لم أتمن رجلا آخر غيرك، تمنيت أن تشعر مثلي، هل تعدني بذلك؟ لكنه يرد عليها من دون تردد: كلا؛ فتمنحه عشرة يوانات غاضبة، مُخبرة إياه بأنها من استأجرته هذه الليلة، وأن كل ما بينهما قد انتهى ولن تعود إليه مرة أخرى، لكنه يخبرها بابتسامة باردة: بأنها إذا ما عادت إلى رشدها عليها ألا تخجل في العودة إلى غرفته.


يبدأ تشاو في الانتباه ومُراقبة "جينج وين"- المُمثلة الصينية Faya Wong فاي ونج- ابنة صاحب الفندق المُقيم فيه، والتي تظل لفترات طويلة تُحادث نفسها باليابانية، وتتعلم خطوات راقصة، ويعرف فيما بعد أنها كانت على علاقة بشاب ياباني انتقل للعمل في هونج كونج، وسكن في فندق والدها، لكن لأن والدها يكره اليابانيين؛ فلقد وقف في طريق علاقتيهما ورفض استمرارها؛ الأمر الذي أدى إلى التفريق بينهما وعودته إلى اليابان، وإن كانا قد ظلا على تواصلهما من خلال الخطابات. يعرف أبوها بأمر الخطابات المُتبادلة بينهما؛ فيثور عليها غاضبا؛ الأمر الذي يجعلها تمضي فترة في المشفى. هنا يتدخل تشاو ويخبرها بأنها إذا ما أرادات أن يرسل لها حبيبها خطاباته إليها باسمه وعلى عنوانه في الفندق؛ فلتخبره، وسيقوم هو بتسليم الخطابات لها. تبدأ أواصر الصداقة تربط بين تشاو وجينج وين، لا سيما أنها تكتب قصصا عن الألعاب القتالية بطريقة جيدة، وحينما تقرأ ما يكتبه تشجعه على كتابة قصص قتالية وتساعده في الأمر؛ مما يجعله يشعر بأنها مُساعدته، حتى أنها كانت تكمل له القصص التي يشعر بالكسل عن إكمالها. ترغب وين في الاستقلال ماديا عن أبيها ويساعدها تشاو في إيجاد عمل لها، ويمر عليها في إحدى ليالي عيد الميلاد لتسهر معه؛ نتيجة شعوره العميق بالوحدة. هنا يسألها لِمَ توقفت الخطابات بينها وبين حبيبها الياباني، وحينما تخبره بأنها طلبت منه التوقف عن إرسال الخطابات لأن الأمر بدا لها لا جدوى منه بسبب إصرار والدها على الوقوف بينهما، ينصحها تشاو بأن تأخذ قرارها هي، وتتبع ما يشير عليه قلبها، بل ويأخذها إلى مكتبه للاتصال بحبيبها الياباني. هنا يبدأ تشاو بالشعور بالحب تجاه جينج وين التي لا تشعر به، بل وتبدأ مشاعره تقسو عليه في حبه لها من طرف واحد؛ الأمر الذي جعله يبدأ في كتابة قصته 2046 مُتخيلا نفسه فيها حبيبها الياباني؛ حيث كان يبثها مشاعره من خلال القصص، لكنها لم تكن تنتبه لذلك حتى سافرت إلى اليابان لتتزوجه.


إن اعتماد المُخرج على سرد الذكريات من خلال الراوي المُعلق جعل مشاهد الفيلم مُتداخلة، لا تراتبية زمنية فيها، أي أنها لا تسير في مسار تصاعدي سواء للأمام أم للخلف بقدر ما بدت في مُجملها مُجرد نُدف من الحكايات، أو اللوحات التي تُشكل في النهاية لوحة كلية مُتكاملة نفهم من خلالها الحكاية الكاملة؛ وهو ما رأيناه حينما كان يسرد حكاية جينج وين مع حبيبها الياباني مُنذ بدايتها، حيث نلاحظ أنه رغم عدم وجود تشاو في بداية هذه العلاقة، وعدم مُعايشته لها في الواقع إلا أنه يرويها ويعلق عليها حتى أننا نراها على الشاشة من خلال تعليقه على الأحداث، وسُرعان ما يستكملها كشاهد فيما بعد من خلال الأحداث الآنية/ زمن السرد الواقعي، وهو الأمر الذي يجعلنا نؤكد على أن المُخرج هنا قد اعتمد على أن يجعل فيلمه أشبه بالفسيفساء التي يعمل على تجميعها لتكتمل لوحته في نهاية الأمر.

ينغمس تشاو في كتابته لقصته الخيالية عن 2046، فهي هنا المكان، والزمان، والذكريات، والقصة المُتخيلة، والمُستقبل التي يرى فيها جميع الشخصيات التي قابلها في حياته، والتي يتصور فيها نفسه مُسافرا عبر قطار مُنطلق إلى 2046 لكنه يعلق فيه لدرجة أنه يبدأ بالشعور بالملل من طول المُدة التي قضاها على متن هذا القطار، ولعلنا نرى السيد وانج صاحب الفندق المُقيم فيه داخل قصته باعتباره سائق هذا القطار الذي يحذره من أن يقع في عشق أي من المُضيفات لأنهن مُجرد روبوتات، وحينما يسخر تشاو من هذا الحديث مُتسائلا: كيف له أن يقع في حب روبوت، يخبره السيد وانج أن هذا حدث لبعض المُسافرين فيما قبل. بالفعل يقع تشاو في عشق المُضيفة الروبوت التي كانت هي جينج وين في الواقع، والتي بدأ كتابة هذه القصة الخيالية من أجلها فقط؛ حيث يقول: الفقرة رقم 201 في دليل المُسافرين تحذر من المنطقة رقم 1224- 1225 لأنها باردة دائما، وحرارة القطار لا تؤثر فيها؛ لذلك يُنصح الركاب أن يعانقوا بعضهم البعض للتدفئة، وبما إني الراكب الوحيد؛ فلقد عانقت المُرافقة الآلية.


تتداخل أحداث السرد الفيلمي ما بين الواقعي والمُتخيل؛ فصاحب الفندق في الواقع هو سائق القطار في القصة المُتخيلة، وجينج وين ابنة صاحب الفندق في الواقع، التي عشقها تشاو، هي المُضيفة الروبوت في الخيال، وكما وقع في عشقها في الواقع يحدث نفس الأمر في الخيال، وكما أنها في الواقع لا تشعر به، نراها في الخيال أيضا لا تبادله مشاعره بسبب تأخر ردود الأفعال بالنسبة للروبوتات، وهي ردود الفعل التي قد تأتي بعد أيام، لكنه يكتشف فيما بعد أن الروبوت لم ترد عليه- حينما طلب منها غير مرة مُغادرة القطار معه- ليس لأن ردود أفعالها مُتأخرة، بل لأنها بالفعل لا تحبه، بل تحب شخصا آخر، تماما مثل جينج وين في السرد الواقعي، كما نرى ميمي لولو أيضا في قصته المُتخيلة إلى 2046، أي أن المُخرج أكسب أحداث فيلمه بُعدين مُختلفين يتداخلان فيما بينهما ولا يوجد سوى خط دقيق للفصل بينهما، هذا الخط الدقيق هو ما قد يوقع المُشاهد في الكثير من الالتباس أثناء المُشاهدة.

يظل تشاو حبيسا للقطار المُتجه إلى 2046، ويكتشف أنه لم يغادره مثلما قال من قبل، بل علق به للأبد غير قادر على مُغادرته التي يتوهمها، وهو ما نراه على الجانب الآخر الموازي في حياته الواقعية؛ حيث ظل عالقا في حياته الفارغة التي لا يستطيع فيها الوصول إلى يقين عاطفي بسبب عشقه القديم، الذي حُرم منه، لحبيبته السنغافورية سو لي تشن.

المُخرج الهونج كونجي وونج كار واي

في عام 1969م يشعر تشاو بالكثير من الفراغ والوحدة والوحشة الشديدة؛ فيقرر السفر إلى سنغافورة لقضاء ليلة عيد الميلاد هناك، وحينما يحاول البحث عن حبيبته السابقة لا يستطيع التوصل إليها؛ فيسقط في لعب القمار كل ليلة إلى أن يخسر الكثير من الأموال، ويظل عالقا هناك مع اللعب في سنغافورة؛ نظرا لنقص الأموال. هنا يتقابل مع امرأة غامضة ترتاد صالة القمار كل ليلة وتكسب دائما حتى أن بعضهم يؤكد على أنها تغش في اللعب- أدت دورها المُمثلة الصينية Gong Li جونج لي- كما يلاحظ أنها ترتدي قفازا أسود لا تخلعه من يدها أبدا، وحينما يتعرف عليها تسأله عن سبب إدمانه للقمار رغم خسارته؛ فيخبرها بأنه خسر العديد من الآلاف، وأنه في حاجة إلى استعادة ما خسره كي يعود إلى هونج كونج مرة أخرى؛ فتعرض عليه مُساعدته في استعادة أمواله مُقابل 10% مما سيكسبه، وهنا يعرف أن اسمها سو لي تشن تماما كما كان اسم حبيبته السنغافورية السابقة، بل إنها من نفس المدينة التي كانت تسكنها حبيبته. تساعده سو لي تشن على استعادة ما خسره من أموال، ويشعر تجاهها بالكثير من المشاعر؛ الأمر الذي يجعله يحكي لها عن حبيبته السابقة التي تحمل نفس اسمها؛ فتسأله: هل أحببتها كثيرا؟ لكنه يتهرب من الإجابة ويخبرها بأن الأمر كان في الماضي، ثم يسألها عن ماضيها، لكنها تفرد أمامه ورق اللعب وتخبره بأنهما سيلعبان لعبة إذا ما فاز عليها فيها ستخبره عن ماضيها، إلا أنها تربح اللعبة ولا تخبره شيئا؛ ومن ثم يظل ماضيها مجهولا له وغامضا تماما كقفازها الأسود الذي لا يفارق كفها.

المصور الاسترالي كريستوفر دويل

ربما نلاحظ هنا الكثير من التوازي والتشابه التام بين سو لي تشن التي عرفها تشاو في نهاية الفيلم، وسو لي تشن حبيبته السنغافورية السابقة التي اختفت من حياته؛ فالاثنتين تحملان نفس الاسم، ومن نفس المدينة، وكليهما تحملان ماضٍ لا يعرف عنه شيئا ولم يعرفه أبدا، وكليهما لعبت معه نفس لعبة المُقامرة التي علقت عليها قرارها: الأولى علقت قرار سفرها معه إلى هونج كونج على لعبة المُقامرة، والثانية علقت إخبارها له بماضيها على نفس اللعبة وبنفس الطريقة، كما أن كليهما كانت ترتدي قفازا أسود لا يفارق كفها أيضا، وهو ما حرص المُخرج على التركيز عليه سواء في بداية الفيلم أو نهايته لا سيما مشهد السلم اللولبي الذي ركزت فيه الكاميرا على صعود كل منهما فيه على السلم بينهما يدها ذات القفاز الأسود تلمس سور السلم، أي أن المُخرج كان حريصا على التأكيد بأن كل منهما تكاد أن تكون واحدة، بل وعمل على التداخل بين الشخصيتين إلى درجة التماهي رغم أن تشاو لم ينتبه إلى الأمر وكأنه فقد ذاكرته رغم غرقه فيها حتى النخاع، وربما كان ما يؤكد على التماهي الكامل بين الشخصيتين هو مشهد فراقهما في نهاية الفيلم حينما طلب منها الرحيل معه إلى هونج كونج لكنها رفضت وطلبت منه عناقها، ثم انسيال دموعها بغزارة بمُجرد فراقه لها.

تلتقي باي بتشاو في هونج كونج وتقضي معه الليلة الأخيرة قبل سفرها إلى سنغافورة للعمل هناك، وتعرض عليه الكثير من الأموال التي كان قد استدانها من أجل رحلة سفرها، لكنه يرفض أخذها بلطف، وحينما يوصلها إلى فندقها تطلب منه الدخول لكنه يرفض؛ فتخبره بأنها ما زالت تحبه، وترجوه أن يبقى وأن تعود الأمور بينهما كما كانت في السابق، لكنه يخبرها بأنه لم يعد هناك فائدة من الأمر، ويودعها؛ لينتهي الفيلم عليه وحيدا، شاعرا بالكثير من الوحشة القاسية في سيارة تاكسي.

ربما نلاحظ أن المُخرج كان حريصا هنا على التأكيد على حسية الفيلم رغم المأزق الرومانسي الذي ألقى فيه جميع أبطاله، فالمشهد الأول يبدأ بالكاميرا وكأنها خارجة من نفق طويل أشبه بمهبل امرأة، ليعود المُخرج مرة أخرى ويختتم فيلمه بالكاميرا وقد اقتربت من دائرة سوداء أشبه بالنفق المهبلي مرة أخرى حيث تنغمس فيه.

المُمثل الصيني توني ليونج

يعتمد المُخرج الصيني وونج كار واي في تصوير فيلمه على جماليات المَشاهد كلوحات فنية، أي أنه يقدم لنا في كل مشهد من مشاهده لوحة تشكيلية جديدة متنها المُمثلين الذين تظهر وجوههم قريبة بشكل جمالي، مُعتمدا في ذلك على استخدام اللقطات القريبة والمتوسطة بوفرة حتى لكأن المُخرج واقع في عشق مُمثليه والافتتان بهم؛ الأمر الذي يجعلهم يظهرون من خلال الكادر وكأنهم تماثيل فنية منحوتة بمهارة، كما لا يفوتنا حرصه على إظهار وجوههم من خلال العديد من الظلال والألوان المُختلفة، مُبديا الكثير من المهارة في استخدام الإضاءة والظل واللون التي تعمل على تشكيل الصورة بالشكل الذي يستطيع من خلاله إيصال رسالته الفيلمية الجمالية سواء على مستوى الشكل الفني، أو المضمون الفيلمي مُؤكدا من خلال ذلك مقدرته كمُخرج على اختيار الزوايا المُناسبة لظهور وجوه المُمثلين، أو زواية تواجدهم في الكادر السينمائي من أجل استغلال الظل والإضاءة التي يستخدمها في ظهور أجزاء من وجوههم أو اختفائها؛ فكثيرا ما شاهدنا العديد من المشاهد التي يظهر فيها وجه المُمثل، أو نصفه بينما النصف الآخر من الكادر يختفي خلف الستائر أو النوافذ، وهو ما كان يستخدمه المُخرج بجمالية احترافية جعلت فيلمه من أهم الأفلام من الناحية البصرية، فضلا عن استخدامه لأسلوبه الأثير لديه- فيما يقدمه من أفلام- حيث المشاهد الليلية شبه المُظلمة، والأمطار الشديدة التي تهطل ليلا، بالإضافة إلى شوارع هونج كونج الخالية من البشر دائما، ساعده في ذلك استعانته بثلاثة مصورين من أجل تصوير الفيلم، حيث شكلوا مع بعضهم البعض هارمونية بصرية مُتسقة ومُتميزة لم نشاهدها من قبل في السينما العالمية، حيث استعان بالمصور المُفضل لديه: المصور الاسترالي الماهر والمُتميز Christopher Doyle كريستوفر دويل، والصيني Lai Yiu-Fai لاي ييو فاي، والصيني Kwan Pung- Leung كوان بونج ليونج الذين كانوا حريصين كل الحرص على استخدام الحركة البطيئة Slow Motion في العديد من المشاهد بعينها، لا سيما مشاهد الذكريات؛ للإيحاء بخصوصيتها، وإمهال المُشاهد وإعطائه الفرصة للتأمل والتدقيق في الشعور.

المُمثلة الصينية جان زي

لكن، إذا كان ثمة بطل حقيقي لفيلم 2046 للمُخرج الصيني وونج كار واي، وهو الفيلم الذي توافرت فيه كل وسائل النجاح والإبهار والاكتمال الفني من تمثيل وإضاءة، وتصوير، وإخراج، ومُونتاج، وملابس، فالبطل المُتميز مع جميع هذه العناصر هو المُوسيقى التصويرية التي اشترك في تأليفها كل من المُوسيقيين الياباني Shigeru Umebayashi شيجارو أومباياشي، والألماني Peer Raben بيير رايبن؛ حيث كانت المُوسيقى هي البطل الأول التي عملت على تشكيل مشاعر الجمهور والتماهي مع أبطاله مُنذ اللقطة الأولى في الفيلم حتى نهايته؛ الأمر الذي جعل أثر المُوسيقى لا ينتهي في نفوس المُشاهدين حتى بعد انتهاء الفيلم، ورغبتنا كمُشاهدين في استمرارها من دون انتهاءها، تماما كرغبتنا في عدم انتهاء المُخرج من سرده الفيلمي الذي لا يمكن الشعور بالملل من استمراره، كما حرص المُوسيقيون على استخدام مُوسيقى تقترب من السيمفونيات القدرية التي تتشابه إلى حد بعيد مع أقدار أبطال الفيلم.

في فيلم يهتم إلى حد بعيد بالزمن والوقت ومدى تأثيره على تشكيل العلاقات، بل وبمقدرة الزمن على تحويل مسار هذه العلاقات وتوجيه ردود أفعال الآخرين تجاه من يعيشون معهم نلاحظ أن المُخرج يهتم أيما اهتمام بصيرورة الزمن داخل فيلمه سواء من خلال سماع دقات عقارب الساعة، أو من خلال ولعه باستخدام التواريخ وكتابتها على الشاشة للتدليل على التوقيت الزمني ومدى ما مر من زمن؛ حتى أننا نقرأ كثيرا على الشاشة: بعد ساعة، بعد عشر ساعات، بعد ألف ساعة، بعد مئة يوم، بعد شهرين، وغير ذلك الكثير مما يُدلل على هوس المُخرج بالزمن ومروره، وهو ما سبق أن رأيناه في أفلامه السابقة أيضا؛ حيث يرى المُخرج أن الزمن له أكبر الأثر على تشكيل العلاقات بين الآخرين، وتكوين ردود أفعالهم تجاه بعضهم البعض.

إذا ما كانت الملاحم القديمة تُعد من الأعمال الفنية الخالدة في تاريخ الفنون؛ ففيلم 2046 للمُخرج الصيني وونج كار واي هو ملحمته، أو تحفته الخالدة على مر أفلامه التي قدمها للسينما الصينية بوجه خاص، والسينما العالمية بوجه عام؛ حيث استخدم فيه كل المهارات الفنية التي من المُمكن لمُخرج استخدامها في صناعة فيلم سينمائي.

 

 محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".

عدد مارس 2026م. 

الخميس، 26 فبراير 2026

بث إذاعي: المفهوم الاستهلاكي للبشر!

ثمة أهمية تاريخية- لا يمكن لنا التغاضي عنها- للفيلم الروائي القصير Broadcast بث إذاعي للمُخرج والسيناريست اليوناني Theodoros Angelopoulos ثيودوروس أنجيلوبولوس، تأتي هذه الأهمية من الفترة التاريخية والسياسية الصاخبة- في التاريخ اليوناني- التي بدأ فيها أنجيلوبولوس تصوير فيلمه في عام 1966م لينتهي منه عقب الانقلاب العسكري اليوناني المعروف بانقلاب "العقداء"[1] في 1967م[2]، وهو الانقلاب الذي أسس للديكتاتورية العسكرية في اليونان، التي حكمت حتى عام 1974م؛ فأنجيلوبولوس- الدارس للقانون كمُحامٍ في بداية حياته- يحاول هنا التأمل في وضع المُجتمع اليوناني وما آل إليه بسبب الاضطرابات السياسية الضخمة التي عايشها في تلك الفترة، ورغم أن الفيلم لا يتعرض للوضع السياسي المُضطرب من حوله بأي حال من الأحوال، ولا يحاول الإشارة المُباشرة إليه، إلا أنه كان حريصا على الغوص بعيدا وسبر أغوار هذا المُجتمع المُنساق باتجاه الثقافة الغربية، المُستغرق فيها، مُتناسيا ثقافته المحلية، وبالتالي رغب في تقديم أثر هذا الانسياق الهادر باتجاه ثقافة أخرى جديدة ودخيلة أدت- وهي ثقافة استهلاكية في مُجملها- إلى انقلاب في معايير هذا المُجتمع بالكامل، بل وتفريغه، ودفعه باتجاه الشكلانية الصارمة، والعزلة النفسية البالغة كأثر من آثار الانقلاب العسكري وتأثيره على كل شيء.

إن فيلم أنجيلوبولوس المُتهكم هنا، والساخر مما يدور في المُجتمع اليوناني- لا سيما السُخرية من وسائل الإعلام المُسيطر عليها من قبل المجلس العسكري- يحاول إخفاء تهكمه قدر الإمكان بالإشارة من بعيد إلى الوضع العبثي الذي آل إليه المُجتمع اليوناني وأفكاره بالكامل، بالتركيز البيّن على الإحساس العميق بالعزلة والفراغ اللذين انتابا الأشخاص البسطاء في هذا المُجتمع الاستهلاكي الشكلاني المُتبني للثقافة الأمريكية الفارغة، ومن ثم يبدو لنا الفيلم في مُجمل الأمر كبيان اجتماعي ثائر ورافض لما يدور في اليونان في هذه الفترة التاريخية، لكنه بيان ثائر ببطء وتأملية واضحين، غير راغب في الانفجار الثوري، أو الخطابية العالية التي من شأنها إفساد المفهوم الأسلوبي والجمالي للفيلم.

لكن، ثمة أهمية أخرى أكثر جوهرية تتأتى لفيلم أنجيلوبولوس القصير الأول[3]، هذه الأهمية في مُجملها تبدو لنا واضحة بينة في أسلوبية المُخرج الفنية التي نُلاحظ بذورها الأولى في هذا الفيلم، والتي تؤكد لنا على أسلوبيته المُتأملة البطيئة التي سينتهجها فيما بعد على طول مشواره السينمائي في كل ما قدمه من أفلام حتى نهاية حياته، وإذا ما كنا نؤمن بأن الأفلام الأولى تحمل- في الغالب- بذور الأسلوبية التي سيستمر عليها المُخرج في المُستقبل؛ فمن هنا تأتي ضرورة تحليل الأفلام المُبكرة للمُخرجين لضرورتها الفنية ومقدرتها على تقديم الدلائل الضرورية على ما سيكون عليه عالمه الفني فيما بعد.

إن أنجيلوبولوس الدارس- بعد القانون- للأدب والسينما والأنثروبولوجيا في جامعة Sorbonne السوربون[4] في Paris باريس تحت تأثير عالم الأنثروبولوجيا Claude Lévi Strauss كلود ليفي شتراوس[5]، كان من الطبيعي له- ومن الضروري- الميل بعالمه السينمائي إلى تأمل الفرد داخل مُجتمعه، والتركيز على تحولاته الثقافية والاجتماعية وما كانت عليه لينتهي إلى ما آلت إليه في نهاية الأمر، وهو من خلال هذا التأمل قادر على أن يسوق الأسباب التي أدت إلى مثل هذه التحولات القادرة على تشويه الأفراد داخل المُجتمعات، لذا فلقد اتخذ من الكاميرا وحركتها البطيئة المُراقبة، المُتأملة، المُتفحصة، المُتتبعة وسيلة جوهرية باعتبارها أسلوبية فنية تخصه في تحليل المُجتمعات، وسبر أغوارها للوصول إلى النتيجة الراغب فيها. وهذا ليس بالأمر الغريب على أنجيلوبولوس الذي سبق له أن أكد بقوله: "يحتاج العالم إلى السينما الآن أكثر من أي وقت مضى، قد تكون السينما آخر أشكال المقاومة المُهمة للعالم المتدهور الذي نعيش فيه"، مما يعني أنه ليس مُجرد مُخرج سينمائي راغب في تقديم المزيد من الأفلام المُزجية للوقت، بل هو ناقد، ومُحلل اجتماعي، ومُثقف موضوعي يتخذ من السينما وسيلته الأساس لتأمل المُجتمع، والتحذير مما يتجه إليه على المستويين الثقافي والسياسي.


إذن، فأهمية الفيلم الروائي القصير الأول لأنجيلوبولوس هنا تأتي من جانبين أساسيين: أولهما الجانب التاريخي، أو الظروف التاريخية التي تم تصوير وإنتاج الفيلم فيها- لعلاقتها الموضوعية بالعالم الفيلمي- وثانيهما: الجانب الفني الذي يوضح لنا بشكل مُبكر الشكل الفني والأسلوبي الذي سينتهجه المُخرج، ويستمر عليه في عالمه السينمائي فيما بعد.

محاولة المُخرج هنا لتأمل المُجتمع وما يتجه إليه تجعله يحاول التماهي معه وما يدور فيه للوهلة الأولى؛ لذا يبدأ فيلمه بمُوسيقى البوب المُتمثلة في أغنية Black is Black للفرقة المُوسيقية الشهيرة في ذلك الوقت Los Bravos[6]، وهي الأغنية التي نرى أبناء المُجتمع اليوناني يرقصون عليها لاهين عما يدور من حولهم من تحولات ثقافية وسياسية عديدة أدت إلى تفريغ المُجتمع بالكامل من ثقافته الخاصة للاندماج في الثقافة التي بدأت تسود.

لكن، لعلنا نُلاحظ هنا أن بداية الفيلم قد مالت إلى حد كبير إلى المفهوم الوثائقي للسينما- رغم روائيته- لكنه سُرعان ما تحول- بشكل انسيابي وتلقائي- إلى الشكل الروائي البطيء، الهادئ، المُتأمل لكل ما يدور من حوله فيما بعد، ولعل هذا الشكل الوثائقي الأول كان مُناسبا إلى حد بعيد مع الموضوع الفيلمي الذي لجأ إليه المُخرج.

يحاول المُخرج هنا تأمل الطبيعة التلاعبية لإعلام الدولة، ومدى مقدرتها على تشويه وعي المُجتمعات بالكامل، بل ودفعها باتجاه العزلة، والفراغ، والتقزم البالغ على المستوى النفسي، لذا يتناول فريقا إذاعيا يتعاون على تقديم أحد البرامج الشهيرة في الإذاعة بنزول هذا الفريق إلى شوارع أثينا لسؤال المارات من النساء سؤالا جوهريا واحدا عن مفهومهن عن الرجل المثالي، وبناء على إجابات النساء سيتم اختيار الرجل الذي تنطبق عليه هذه الشروط من أجل قضاء أمسية رائعة مع النجمة السينمائية Mirka Kalatzopoulou ميركا كالاتزوبولوس[7].

ربما نُلاحظ هنا أن الموضوع الذي لجأ إليه المُخرج ليكون هو صلب العالم الفيلمي- تلاعب الإعلام وأثره الاجتماعي- قد دفع المُخرج بالضرورة إلى بدايته الوثائقية التي يحاول من خلالها مُتابعة فريق العمل المُنتشر في شوارع أثينا من أجل سؤال النساء عن فكرتهن عن الرجل المثالي؛ لذا فنحن نستمع للوهلة الأولى إلى صوت المُذيع يقول: في الإعلانات التجارية، اعتدنا على القول: اشتري كريم X وستبدو بشرتك ناعمة وشابة، لكنهم يقولون اليوم: اشتري كريم X وستكون سعيدا.

ألا نُلاحظ هنا أن هذه البداية من المُخرج كانت من الأهمية بمكان ما يجعلنا نتوقف أمامها لتأملها قليلا؟

إنه يحاول هنا التوقف هنيهة، ولفت أنظارنا- بمُجرد دخوله لعالمه الفيلمي والانخراط فيه- إلى الآلية الاستهلاكية الجديدة التي يتخذها الإعلام كوسيلة لتسويق العديد من المُنتجات- التي قد تكون غير ذات قيمة- لإضفاء القيمة عليها؛ لذا فاختلاف هذه الآلية من "اشتري كريم X وستبدو بشرتك ناعمة وشابة"- التي تبدو لنا إلى حد بعيد منطقية ومُقنعة- إلى "اشتري كريم X وستكون سعيدا"- المُثيرة بالتأكيد لتساؤل العقل الناقد- تؤكد لنا إلى حد بعيد على طبيعة تلاعبية واضحة في شكل إعلاني؛ فما هو السبب الذي قد يجلب لنا السعادة لمُجرد شرائنا لكريم X؟ إن محاولة ربط المفهوم المادي هنا- كريم X- بالمفهوم المعنوي- السعادة- تكاد تكون مُنبتة الصلة تماما، وثمة بون شاسع بينهما، فلا رابط موضوعي من المُمكن له أن يربط المادي بالمعنوي، ولكن بما أن المُستهلك هنا لا يتأمل في الأشياء، ولا يحاول إعمال عقله، ويأخذ الأمور على عواهنها من خلال الإعلانات المُقدمة إليه، ولثقته بالمُعلن- المُمثل لنا هنا في الإذاعة، أي إعلام الدولة- فهو بالضرورة سيقتنع بأن شراءه لكريم X بالتأكيد سيكون سببا في سعادته!


من هنا، ومن خلال هذا المشهد السريع والعابر في مُقدمة الفيلم يكون أنجيلوبولوس قد نجح إلى حد بعيد في الإمساك بعالمه الفيلمي واقتحامه ليبدأ في النسج على هذا المشهد- الذي قد لا ينتبه إليه المُشاهد غير المُدقق.

إن المُذيع الذي سمعنا منه هذه الجملة السابقة، سُرعان ما نراه في شوارع أثينا يقول بحماسة متوجها للمُستمعين: مراسلو برنامج "وجوه وإيقاعات" لعام 1967م، ميدان Sintagma سينتاجما، الساعة 30: 11، الخميس، أجواء احتفالية، تُقدم لكم برامج الشرق ديسكوتيك من كل أسبوع في نفس هذا التوقيت بإجراء مُقابلات عشوائية، لقد رسمنا صورة الرجل المثالي وفقا للمرأة العصرية، ديسكوتيك وصوت المرأة.

نُلاحظ هنا أن المُخرج حريص- بشكل أقرب إلى الوثائقية إلى حد بعيد- على مُتابعة كاميرته لفريق البرنامج المُنتشر في شوارع أثينا لسؤال الفتيات عن رأيهن، وتفضيلاتهن في الرجل المثالي؛ لذا تسأل إحدى فتيات البرنامج فتاة أخرى بقولها: ما هي فكرتك عن الرجل المثالي؟ لترد الفتاة: الرجل المثالي مفهوم مُطلق، لكن بقدر ما يمكن تحديده، رجل مثالي، أعتقد أنه سيكون الرجل الذي... وسُرعان ما يقطع المُخرج على فتاة أخرى من الفريق تتحدث في الهاتف لأحد أفراد الطاقم في الاستوديو. ثم يلجأ إلى قطع مُونتاجي آخر نرى فيه المُذيع يقول: سيحاول طاقمنا العثور على الرجل الأقرب إلى المثالية من الصورة المكونة من الإجابات، سيكون هو الشخص المحظوظ، الجائزة هي قضاء بعض الوقت مع نجم سينمائي.

لِمَ لجأ أنجيلوبولوس هنا إلى هذه القطعات المُونتاجية المُتتالية من دون محاولة إكمال أي مشهد فيهم؟

إنه حتى لم يحاول التوقف أمام الفتاة التي تتحدث عن وجهة نظرها عن الرجل المثالي، ومن ثم لم نعرف ما أفضت به إلى فريق البرنامج. إن السبب الرئيس في هذه القطعات الحادة الحريصة على حذف المضمون، أي تفريغ المشهد من مضمونه الراغبين في الوصول والاستماع إليه يعود- مما يجعل اللقطات هنا مبتورة مُبتسرة- إلى رغبة المُخرج في انتهاج الأسلوبية الوثائقية التي بدأ بها فيلمه، فهو من خلال كاميرته يحاول مُتابعة الفريق الإذاعي- سواء داخل الاستوديو أو خارجه- مما يعني أنه يقدم لنا هنا مجموعة من اللقطات البانورامية لهذا الفريق، وطريقة عمله بشكل كلي قبل محاولة لجوئه إلى التفاصيل، والكاميرا المُتمهلة، المُتأملة، المُفكرة فيما يدور من حولها. وهو ما يتضح لنا من قطعه على الاستوديو لنرى أحدهم يقول من خلف الميكروفون: قبل قراءة المُقابلة الثالثة أود تذكير مُستمعينا بالبقاء على اتصال ببرنامجنا، لأن الجائزة هي أمسية مع ميركا كالاتزوبولو.

إذن، فالعالم الفيلمي هنا- وللوهلة الأولى- مُستغرق تماما في المفهوم الاستهلاكي المُميز للإعلانات، فضلا عن محاولته التوقف أمام العديد من المفاهيم الخادعة، الجوفاء التي يحاول الإعلام زرعها، وتكريسها في المُجتمع، لتضحى فيما بعد حقيقة واقعة لا يمكن إنكارها رغم كذبها، وتلفيقيتها- إنها المفاهيم التي يحاول فريق البرنامج جاهدا التأكيد عليها بدعوى فكرة الفتيات عن الرجل المثالي رغم انتفاء هذه الفكرة في حد ذاتها، وهشاشتها على المستويين الموضوعي والفكري.

هنا تعود كاميرا المُخرج إلى ميدان سينتاجما مرة أخرى لمُتابعة الفريق الإذاعي، ونستمع إلى إحدى المُذيعات تسأل فتاة أمريكية بالإنجليزية: كيف تجدين الرجل المثالي؟ يجب عليك الإجابة، أتفهمين؟ لترد الفتاة بقولها: الرجل المثالي؟ حسنا، بالطبع يجب أن يكون جذابا، ثريا، يمتلك سيارة فاخرة وقاربا جميلا، ملابس رائعة، حسنا، رجل يوناني في ساحة سينتاجما. لتقطع الكاميرا على فتاة إيطالية تقول: المثالي؟ المظهر والطول، المظهر لا يهم، لكن هذا الرجل، هذا هو Costaud كوستود كما يقولون في فرنسا. وسُرعان ما يقطع على ثالثة فرنسية تقول: أحب الرجل الوسيم بالطبع، لكن الرجل الوسيم ليس كل شيء، أعتقد أن قلبه هو الأهم، يجب أن يكون حساسا ومُتفهما، وأن يمتلك حسا فكاهيا، ويستمتع بنفس الأشياء التي أستمتع بها، هذا هو الرجل المثالي بالنسبة لي.

إن مُتابعة المشاهد المُتلاحقة السابقة- مع استمرار المُخرج على الحفاظ على الشكل الوثائقي في فيلمه- يحمل في جوهره جانبا نقديا بالغا- قد يكون مُؤدلجا، لكنه يتماهى مع الواقع ويصدق عليه- للثقافة الأمريكية الاستهلاكية التي جعلت الفتاة الأمريكية لا ترى في الرجل المثالي سوى الثراء، والمادة، والسيارة الفارهة، والقارب الجميل، أي تحقيق أحلامها المادية فقط- أي مُجرد وسيلة، أو بنك- في مُقابل الفتاة الإيطالية أو الفرنسية اللتين رأت كل منهما في الرجل المثالي المشاعر، والأحاسيس، والتفهم، والمُشاركة، أي أن أنجيلوبولوس هنا رغم انطلاقه من مُنطلق ومفهوم أيديولوجي بحت، مُضاد للثقافة الأمريكية الرأسمالية الاستهلاكية الحريصة على فرض نموذجها على العالم باعتباره النموذج الأمثل، إلا أنه رغم هذه النظرة المُؤدلجة لم يخالف الواقع الذي نعرفه عن هذه الثقافة بأي حال من الأحوال؛ لذا لم تؤثر هذه الأيديولوجية المُسبقة على الجانب الفني من الفيلم، ولم تترك بأي أثر سلبي عليه، كما لم تبد لنا صارخة، أو مُباشرة لتماهيها مع الواقع.


هنا يبدأ أنجيلوبولوس في الانزلاق باتجاه الجانب، أو الشكل الروائي من فيلمه، وهو في انزلاقه إلى هذا الشكل يقدمه بتلقائية سلسة لا تجعل المُشاهد ينتبه إلى تخليه عن جانبه الوثائقي لصالح الجانب الروائي منه حينما نرى المُراسل الوسيم- قام بدوره المُمثل Nico Mastorakis نيكو ماستوراكيس- يجلس إلى زملائه على أحد المقاهي المُطلة على الشارع قائلا بإحباط: الإجابات غير مُرضية، ليس ما توقعناه. ليرد عليه زميله: يمكن أن يكون الرجل المثالي أي شخص- في إشارة من المُخرج إلى أن المفهوم الذي يحاولون التكريس له ليس إلا مفهوما أجوفا لا معنى له، أي أنهم يحاولون صناعة الوهم من خلال الإعلام، وتصديره للآخرين ليؤمنوا به!

تبدأ الكاميرا في التجول بحرية، مُنطلقة من وجه المُراسل الوسيم المُتلفت حوله، لتدور من حوله في الشارع، وسُرعان ما تتوقف على وجه أحد العابرين الواقف أمام إشارة المرور مُنتظرا لها، حاملا في إحدى يديه حقيبة ما، وفي اليد الأخرى مجموعة من الأوراق- قام بدوره المُمثل اليوناني Theodoros Katsadramis ثيودوروس كاتسادراميس.

إن تجول الكاميرا لحين وصولها إلى الرجل المُنتظر لفتح إشارة المرور والعبور، كان من الأهمية بمكان ما جعل الفيلم ينطلق باتجاه الروائية التي يرغبها المُخرج، فسُرعان ما تتجمد الصورة على الرجل الواقف لنستمع في الخلفية لصوت أحد المُراسلين في شكل تقريري يقول: سنة الميلاد: 1927م، موظف مدني، أعزب، خصائص أخرى: لا يوجد.

ألا نُلاحظ، هنا، في هذه الطريقة التقريرية شكلا من أشكال التسليع، أي تحويل الإنسان إلى مُجرد سلعة- تماما كالطريقة الإعلانية التي بدأ بها أنجيلوبولوس فيلمه في الإعلان عن الكريم؟- فلقد تحول المواطن الواقف هنا في إشارة المرور- بالنسبة إلى المُراسل- إلى مُجرد شيء/ سلعة سينجح من خلال استخدامها في تمرير برنامجه، والفكرة الكاذبة، الراغبين في تصديرها للجمهور- أي الرجل المثالي!

لذا يسرع باتجاهه المُراسلون ليتفقوا معه على اللقاء بعد انتهائه من عمله، حيث يعود المُراسل الوسيم إلى زميلته الجالسة على المقهى ليقول لها: اسمعي لينا، أسرعي، يعمل في مكتب، وهو في استراحة.

إذن، فلقد وجد الفريق الإذاعي ضالتهم التي سيحاولون باستخدامها إقناع المُستمعين بفكرة الرجل المثالي، بل وتقديم المُكافأة المُنتظرة له- قضاء أمسية هادئة مع المُمثلة الشهيرة ميركا كالاتزوبولو.

هنا تتابع الكاميرا "الرجل المثالي" الذي يعود إلى عمله كموظف، لنراه مُنهمكا فيه حتى تحين ساعة انصرافه، ليقطع المُخرج عليه سائرا في شوارع أثينا بعد انتهاء عمله، حاملا لحقيبته في يده، وسُرعان ما نراه في القطع التالي ما زال سائرا في الشوارع حاملا لحقيبته في يد، بينما اليد الأخرى مشغولة ببطيخة كان قد اشتراها، لنراه مُتجها إلى المقهى الجالس عليه فريق الإذاعيين مُنتظرين إياه ليصطحبونه في سيارتهم.


 بعد إقناع فريق العمل للموظف بفكرتهم، وبأنهم قد وقع اختيارهم عليه باعتباره "الرجل المثالي" الذي يستحق الأمسية مع المُمثلة الشهيرة، نراه يهبط من السيارة مُتجها إلى بيته للاستعداد لأمسيته الموعودة، ولعلنا نُلاحظ هنا مُتابعة الكاميرا له بصبر وأناة أثناء سيره باتجاه منزله، وقد هبط من سيارة المُراسلين ليتأمل بين الفينة والأخرى غلاف إحدى المجلات التي أخذها منهم، والتي نرى على غلافها تلك المُمثلة الشهيرة التي سيلتقيها، وقد لاحت على وجهه ابتسامة سعادة، مما يعني سحب فريق المُراسلين- المروجين للعالم الاستهلاكي في شكله المُجرد- للموظف البسيط من عالمه الأكثر بساطة، إلى وهم الاستهلاكية المُزيف الذي سيدمر استقراره النفسي تماما، ويتركه مُجرد قزم أمام نفسه!

إن سمات السينما البطيئة بتأمليتها المعروفة عنها، ومقدرتها على الصبر الطويل أمام مجموعة من الأفعال التي قد تبدو للوهلة الأولى لا قيمة لها، ولا معنى، تتبدى لنا هنا جلية حينما تتابع الكاميرا باهتمام للموظف بعد عودته إلى بيته المتواضع المُزدحم بالكثير من البشر الذين قد يكونوا أسرته، وقد يكونوا شركاء له في المسكن الذي بدا لنا كنُزل متواضع؛ فلقد حرص أنجيلوبولوس على تجهيل يقيننا بصلة هؤلاء البشر ببعضهم البعض- ليفتح الباب على كافة الاحتمالات المُمكنة- وإن كان قد حرص في المُقابل على تصوير البيئة التي يعيش فيها وقد بدت لنا فقيرة إلى حد بعيد، تكاد أن تكون مُنعزلة عن العالم وما يدور فيه- أي بيئة حاملة لهمومها الخاصة، والمُنغلقة على ذاتها- لذا فالكاميرا تظل شاخصة فيه، مُتأملة، حريصة على نقل أقل حركة من المُمكن لها أن تبدر منه، فنراه يتناول طعامه صامتا، مُفكرا فيما هو مُقدم عليه، ويبدأ في تجهيز أفضل بدلة لديه، ليقوم بحلاقة ذقنه، وارتداء ملابسه، وكرافتته، ويحرص على تلميع حذائه ليسرع هابطا، بينما الكاميرا تتابعه في شوارع أثينا التي يظل سائرا فيها لفترة طويلة، فنرى الشوارع المُتكسرة المُتربة، كما نلحظ إعراضه عن ركوب الحافلة- ربما لضيق ذات اليد الراغب المُخرج هنا في التعبير عنه- حتى يصل إلى فيلا المُمثلة الفخمة الكائنة أمام البحر.

إن سمات السينما البطيئة التي اختار ثيودوروس أنجيلوبولوس أن يكون من أهم مُخرجيها فيما بعد تتمثل لنا في هذا المشهد المُهم الذي رأينا فيه الكاميرا تتتبع "الرجل المثالي" مُتلصصة عليه بصبر وأناة، مُتأملة لشكل شوارع أثينا المُتسكع فيها لحين وصوله إلى فيلا المُمثلة الشهيرة، وهو المشهد الطويل المُستمر لمُدة ثلاث دقائق كاملة من الزمن الفيلمي البالغ 22 دقيقة هو زمن الفيلم بالكامل، أي أن السمات الفنية التي سيُعرف بها المُخرج فيما بعد كانت واضحة بينة بشكل مُبكر مع فيلمه الروائي القصير الأول، مما يؤكد لنا على الفكرة التي تفيد بأن سمات كل فنان تبدو واضحة جلية على عالمه الفني للوهلة الأولى، صحيح أنها قد تبدو بدائية متواضعة في البداية، لكنه مع الوقت يعمل على تجويدها، وصقلها حتى يصل بها إلى شكلها الفني الكامل، والأكثر نضجا.

بمُجرد ما يدق "الرجل المثالي" جرس الفيلا؛ تفتح له مُديرة المنزل التي تصطحبه بصمت داخل المكان الفاخر موجهة إياه. لتبدأ كاميرا أنجيلوبولوس في اكتساب ميزاتها التأملية مرة أخرى- فالكاميرا في السينما البطيئة غالبا ما تبدو لنا ككائن حي، قادر على التأمل، والتفكير، والشعور بما يشعر به الآخرون، بل وتكوين وجهة النظر الخاصة بها أيضا- لذا نرى الكاميرا بمُجرد دخوله للفيلا مُتأملة لكل ما حولها، تلتفت في كافة الاتجاهات للتعرف على المكان الفاخر الذي دخلته مُصاحبة له لتصعد معه إلى الطابق العلوي خلف مُديرة المنزل التي طلبت منه الجلوس في غرفة الضيافة والانتظار.


ربما لاحظنا هنا أن "الرجل المثالي" حينما وصل إلى الفيلا الفاخرة التي تمتلكها المُمثلة الشهيرة، كان قد وصل والشمس ما زالت مُشرقة، والسماء لم تزل ساطعة، لكن مع قطع المُخرج على المشهد التالي سنُلاحظ أنه يقطع على الشارع الخارجي لنرى السيارات تسير تحت ضوء أعمدة الإنارة التي أضاءت، بينما السماء قد أظلمت، أي أن "الرجل المثالي" هنا قد ظل مُنتظرا للمُمثلة الشهيرة ما يُقارب من مُنتصف النهار، ولم يسأل عنه أحد، حتى أن مُديرة المنزل لم تحاول إلقاء نظرة عليه، أو حتى إضاءة الغرفة حينما أظلمت السماء، وهو ما ندركه في القطع التالي حينما يعود المُخرج إليه مرة أخرى لنراه مُنتظرا للمُمثلة، ما زال جالسا في مكانه وقد أظلمت الغرفة تماما من حوله!

إن إهمال "الرجل المثالي" هنا، وتركه وحيدا في ظلمة الغرفة يُعد بمثابة تجريده الأوليّ من إنسانيته، ونزع كرامته، والعمل على تضخيم شعور الضآلة فيه، ورغم أن هذا السلوك قد يبدو لنا للوهلة الأولى، ومن الناحية الشكلانية غير مقصود لا من مُدبرة المنزل، ولا من المُمثلة التي كانت في الخارج مع أصدقائها، إلا أنه في مفهومه الضمني والجوهري يبدو لنا مُمنهجا تماما؛ "فالرجل المثالي" وأمسيته الموعودة مع المُمثلة الشهيرة لا يعنيانها في جوهر الأمر، وربما لا تتذكرهما، فالأمر بالكامل لا يتعدى مُجرد دعاية واتفاق مع الإذاعة يستفيد منه الطرفان- المُمثلة بالمزيد من الدعاية لها، والإذاعة باكتساب المزيد من المُستمعين، والتكريس للفكرة الوهمية التي تحاول التكريس لها- بينما الطرف الثالث/ الرجل المثالي هو من تُسلب منه إنسانيته، وكرامته، ويزداد شعوره العارم بالوحدة والفراغ رغم وجوده بين مجموعة كبيرة من البشر، أي تفريغ البشر من إنسانيتهم ليصبحوا محض خواء- وهي الفكرة الجوهرية للرأسمالية التي تتبناها الآلة الإعلامية، فضلا عن المجلس العسكري اليوناني المُتحكم في كافة مُقدرات الأمر في اليونان، لا سيما الإعلام.


تصل النجمة السينمائية الشهيرة ميركا كالاتزوبولو إلى فيلتها في صحبة الفريق الإذاعي الخاص بالبرنامج ليضيئوا الأنوار، ويبدأون في الثرثرة مع بعضهم البعض، ونستمع إلى أحدهم يقول: رقصت مع فيكي. فيسأله أحدهم: على أي أغنية؟ ليرد: أغنية أمريكية.

لاحظ هنا تركيز أنجيلوبولوس على الثقافة الأمريكية الاستهلاكية التي بدأت بفرض نفسها على العالم في تلك الفترة الزمنية، ومقدرتها على سلب إنسانية الكثيرين لتتركهم خواء، فارغين من أحلامهم، وطموحاتهم، وخيالهم باتجاه حياة أفضل.

إنها ثقافة أنجيلوبولوس الشيوعية التي لم ينكرها، أو يحاول التنصل منها يوما في مُقابل ثقافة رأسمالية استهلاكية نجحت في تحويل الإنسان إلى مُجرد ترس في آلة عملاقة، وسلبه لإنسانيته التي كان يتمتع بها ليخضع لآليات البروباجاندا الرأسمالية الفارغة التي أكدت لنا في بداية الفيلم على أن شراء كريم X من شأنه أن يُكسب الإنسان السعادة، أي الوهم الذي لا معنى له!

بمُجرد دخول المُمثلة الشهيرة وفريق العمل الإذاعي إلى الغرفة المُنتظر فيها "الرجل المثالي" نراه ينهض واقفا، لكنه لا ينتبه إليه أي ممن دخلوا الغرفة، كأنه محض سراب لا وجود له بينهم، لذا نراهم يتحدثون مع بعضهم البعض، ليقترح كل منهم كيفية ترتيب الغرفة وأثاثها، ورغم أنهم يتحركون في الغرفة كخلية نحل نشطة في تبديل أماكن الأرائك إلا أنهم لم ينتبهوا لوجوده بينهم، بينما ظل هو في وسط الغرفة مُتلفتا حوله، مُتابعا لهم، شاعرا بالكثير من الحيرة، والمزيد من التقزم الذي يسيطر عليه لحظة بعد الأخرى.

إن أنجيلوبولوس هنا يحاول التعبير ببراعة عن كيفية سلب الإنسان لإنسانيته، سحقه، تقزيمه تماما على المستوى النفسي، أي أن الفريق الإذاعي المحاول الترويج والتكريس لفكرة وهمية قد نجح في سحق هذا الرجل البسيط بسحبه من عالمه البالغ التواضع إلى عالم استهلاكي زائف براق من الخارج؛ وبالتالي تحول إلى "الرجل الدمية" بدلا من أن يكون "الرجل المثالي"، أي أنه مُجرد أداة يتم استخدامها والتخلص منها فيما بعد!

لذا نرى أحد أفراد الفريق يستدعي مُدبرة المنزل، طالبا منها زجاجة ماء، وأكواب فستق، وبينما تتحدث المُمثلة الشهيرة في الهاتف، مُنشغلة عما يدور من حولها، غير مُهتمة به، نرى أحد أفراد الفريق يوجه "الرجل المثالي" بتعليماته الفاترة بقوله: اجلس. ثم يقول غير راضٍ: المزيد باتجاه اليسار. لتتدخل إحدى عضوات الفريق بقولها: جيد، أقرب إليّ، قف، اجلس في مُنتصف الأريكة، الجسم في هذا الاتجاه، انظر هناك، لا، اليد هناك، وهذه هنا، اخفض رأسك قليلا.

هذا المشهد الجوهري في السياق الفيلمي بالكامل يُدلل ببراعة سلسة عن كيفية تحويل المرء إلى دمية في يد الآلة الإعلامية الاستهلاكية؛ فالأمسية الموعود بها الرجل المثالي هنا لم تكن أمسية بالفعل، بل كانت كذبة جديدة من كذبات وسائل الإعلام التي يوهمون فيها الجمهور بأن الرجل قد قضى أمسية رائعة مع النجمة السينمائية الشهيرة، في حين أن النجمة غير مُهتمة بأي شيء، بل تكاد تكون غير موجودة، بينما فريق البرنامج الإذاعي يحاولون توجيه الرجل بإرشاداتهم- باعتباره مُجرد أدة- ليقوموا بتصويره والادعاء بأنه كان مع المُمثلة الشهيرة سعيدا في أمسيتهما!

المُخرج اليوناني ثيودوروس أنجيلوبولوس

بعد توجيه الفريق للرجل إلى كيفية الجلوس، والوضعية التي يريدونه عليها- حيث نراه جالسا في مُنتصف الأريكة، وقد خلع سترته، بينما مد إحدى يديه للأمام لتضع إحدى فتيات الفريق كأسا به مشروب في يده المُمتدة، وفي اليد الأخرى سيجارا مُشتعلا- يبدأ الفريق الإذاعي بالكامل بالتقاط العديد من الصور له باعتبارها صور أمسيته الرائعة مع المُمثلة الشهيرة؛ لذا نستمع لأحد أفراد الفريق يقول ضاحكا: هذا هو كوستود، كما يقولون في فرنسا- كتعليق ساخر على تصريح الفتاة الإيطالية السابقة، ورأيها في الرجل المثالي.

هنا يقطع أنجيلوبولوس على الفريق الإذاعي مع "الرجل المثالي" في الاستوديو، لنراه واقفا أمام الميكروفون مُمكسا باسكريبت في يده ليقرأ منه قائلا: بفضل البرنامج أخيرا... لكن صوتا ما غاضبا يتعالى فجأة مُقاطعا إياه بقوله: Cut.

يتوقف "الرجل المثالي" عن القراءة مُرتبكا، غير مُدرك للخطأ الذي وقع فيه وأدى إلى هذا الصوت الغاضب؛ ليتجه إليه أحدهم مُرشدا بقوله: عليك قولها بثقة أكبر، المزيد من السيطرة. ليقول "الرجل المثالي" راضخا: أود أن أشكر البرنامج على منحي لهذه الفرصة لقضاء بعض الوقت الرائع مع ميركا كالاتزوبولو، أعتقد أنني كنت محظوظا جدا.

لكن، هل كان "الرجل المثالي" هنا محظوظا بالفعل كما قال؟

مما يبدو لنا، ومن خلال ما رأيناه؛ فالرجل المثالي هنا قد تم سلبه لإنسانيته بالكامل، تم سحقه، ودهس كرامته لصالح الآلة الإعلامية الكاذبة، البالغة الادعاء، تم القضاء على سلامه النفسي الذي كان يعيش فيه- حتى لو كان فقيرا- فهو بسحبه من عالمه البسيط- الذي لم يكن يعرف فيه سوى ما يدور في يومه- إلى العالمين الإعلامي والسينمائي الزائفين بشكلانيتهما المُبهرة، وفراغهما الذي لا معنى له لن يستطيع العودة مرة أخرى إلى السلام النفسي السابق، فضلا عن شعوره العارم بالتقزم أمام ما حدث له، وأمام ما رآه. وهو ما يرغب أنجيلوبولوس في التأكيد عليه حينما يستمر في فيلمه؛ فبمُجرد ما قال "الرجل المثالي" الجملة المكتوبة في الاسكريبت أمام الميكروفون الإذاعي؛ يبدأ الفريق في التصفيق، ليتناول أحد المُذيعين طرف الحديث في الميكروفون بقوله: شكرا لكم على الاستماع لبرنامجنا بكلمات الشخص المحظوظ لهذا الأسبوع، سننهي البرنامج مُتمنين أن تكونوا قد استمتعتم، وسنلتقي مُجددا يوم الجمعة القادم.

إن قضية الادعاء الإعلامي وزيفه الاستهلاكي- التي يرغب المُخرج هنا في التعبير عنها- ومقدرتها على القضاء على حيوات الآخرين بسحقها، وربما مسحها تماما تتبدى لنا بشكل أعمق، بالغ الأسلوبية هنا حيث تبدأ الكاميرا- بحركتها البطيئة المُتمهلة المُتأملة، المُراقبة لكل ما يدور من حولها- في الدوران داخل الاستوديو، مُتابعة لجميع من فيه؛ فنرى بعضهم يستعدون للانصراف مُبتهجين بما حققوه من نجاح للبرنامج، بينما نرى الآخرين مُنشغلين مع بعضهم البعض في أحاديث جانبية تسودها البهجة، لتنتقل عين الكاميرا المُتابعة إلى مُسجل الصوت ضخم الجثة ببطنه المُنتفخة، ليدخل إلى غرفة الصوت أحد الصبية مُقدما له ساندويتشا، وكوبا من الماء، ليبدأ في التهامه مُنشغلا، بينما "الرجل المثالي" ما زال واقفا أمام الميكروفون، مُتلفتا حوله في حيرة، غير قادر على اتخاذ أي قرار، أو معرفة ما يجب عليه فعله؛ فلم يرشده أحد عما يجب عليه أن يقوم به بعد إلقاء كلماته البسيطة.

لكن، بمُجرد فراغ الاستوديو بالكامل من الجميع إلا "الرجل المثالي" الذي ما زال واقفا وحيدا أمام الميكروفون حائرا، تبدأ الكاميرا في التحديق فيه ساكنة، بينما تتعالى مرة أخرى أغنية Black is Black، ولعلنا لاحظنا هنا أن الكاميرا تتعمد الوقوف على مسافة كافية من "الرجل"، وفي زاوية جانبية تبدو لنا تلصصية بالكامل، وكأنها تراقبه خفية، مما يجعله يبدو لنا في عمق الكادر بشكل مُتقزم تماما، أي تضخيم الفراغ من حوله لتبدو كتلته الجسدية بالنسبة إليه تافهة لا قيمة لها- تناسب الشكل مع المضمون- لذا نراه وحيدا، قد تم تناسي وجوده، ملتفتا حوله في حيرة، مُتأملا للفراغ- الذي امتلأت به روحه- لتبدأ الكاميرا في الاقتراب المُتمهل منه رويدا.

الممثل اليوناني ثيودوروس كاتسادراميس

هنا يقطع أنجيلوبولوس على نفس فريق البرنامج الإذاعي مرة أخرى في شوارع أثينا، ليعيد لنا الكرة مرة أخرى، وينطلق سؤال المُراسل لإحدى السيدات: ما هي فكرتك عن الرجل المثالي؟ لترد الفتاة حائرة: لا، أعني، أعني، ربما لا يمكن الإجابة عليه، صحيح، لا أعرف. ويقوم المُخرج بإغلاق فيلمه.

إن الفيلم اليوناني الروائي القصير Broadcast بث إذاعي للمُخرج Theodoros Angelopoulos ثيودوروس أنجيلوبولوس يأتي باعتباره من أهم أفلام المُخرج في مسيرته السينمائية، ليس لأنه أنضجها فنيا، بل لأنه كان بمثابة الجينات الوراثية الحقيقية المُميزة لمُخرج من أهم رواد تيار Slow Cinema السينما البطيئة من حول العالم، فمن خلال هذا الفيلم استطعنا التعرف على السمات الفنية والأسلوبية الأولى التي عكف أنجيلوبولوس فيما بعد على تجويدها، والوصول بها إلى درجة الكمال الفني الذي سنشاهده في أفلامه التالية، كما أنه يبرهن لنا على أن أنجيلوبولوس من المُخرجين أصحاب القضايا الكبرى الذين يتخذون من السينما وسيلة لعرض أفكارهم، وقضاياهم، ومُعتقداتهم، فهي- من وجهة نظره- وسيلة ضرورية، لا غنى عنها من أجل تقويم المُجتمعات، وإرشادها، ومحاولة إصلاحها، مثله في ذلك مثل العديد من رواد هذا الشكل من السينما- لا سيما أن أنجيلوبولوس من المُخرجين المُشبعين بالأيديولوجية الشيوعية، المُنخرط بكليته في التغيرات الاجتماعية والسياسية الحادثة في المُجتمع اليوناني، مما جعله- فيما بعد- كثيرا ما يلجأ للثقافة اليونانية القديمة وتراثها للمُقارنة في أفلامه بين الماضي والحاضر الشائه، أي أن السينما هنا بالنسبة إليه هي وسيلة موضوعية ضرورية من أجل التعبير عن المُجتمعات ومحاولة تغييرها، وهو ما لم يفته في هذا الفيلم حينما عبر عن زيف الآلة الإعلامية التي تسيطر عليها الدولة، ومقدرتها على إفساد الجميع، بل والإيغال في إشعار الفرد داخل المُجتمع بالمزيد من العزلة، والفراغ الكامل المُحيط به.

 


محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".

عدد فبراير 2026م.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] The Greek Junta المجلس العسكري اليوناني، أو Regime of the Colonels نظام العقداء، كان مجلسا عسكريا يمينيا حكم اليونان من عام 1967م حتى عام 1974م. ففي 21 إبريل 1967م أطاحت مجموعة من العقداء بحكومة تصريف الأعمال قبل شهر واحد من الانتخابات المُقررة التي كان من المُرجح أن يفوز بها Centre Union اتحاد الوسط بزعامة Georgios Papandreou جورجيوس باباندريو، وقد اتسمت ديكتاتورية هذا النظام بسياسات المُعاداة للشيوعية، وتقييد الحريات المدنية، وسجن وتعذيب ونفي المُعارضين السياسيين. حكم Georgios Papadopoulos جورجيوس بابادوبولوس من عام 1967م حتى عام 1973م، إلا أن محاولة بابادوبولوس لتجديد الدعم الشعبي في استفتاء 1973م على النظام الملكي والتحول الديمقراطي التدريجي أُجهضت بانقلاب آخر، قاده المُتشدد Dimitrios Loannidis ديميتريوس يوانيديس. وقد استمر حُكم يوانيديس حتى سقوط النظام في 24 يوليو 1974م تحت ضغط الغزو التركي لقبرص، مما أدى إلى ما يُعرف بـMetapolitefsi ميتابوليتيفسي، أي تغيير النظام نحو الديمقراطية وتأسيس الجمهورية اليونانية الثالثة.

[2] تم عرض الفيلم جماهيريا عام 1968م.

[3] اشترك المُخرج اليوناني Theodoros Angelopoulos ثيودوروس أنجيلوبولوس مع المُخرج اليوناني Kostas Lyhnaras كوستاس لينار عام 1965م في إخراج الفيلم الروائي الطويل Peripeteies me tous Forminx مُغامرات مع الفورمينكس، ورغم ذلك فهذا الفيلم المُشترك الأول يُسقط دائما من قائمة أعمال أنجيلوبولوس، ويُعد فيلمه الروائي القصير Broadcast بث إذاعي 1968م هو الفيلم الأول بشكل رسمي في كافة الفيلموجرافيات المذكورة عنه.

[4] Sorbonne University هي جامعة بحثية عامة تقع في Paris, France باربس، فرنسا. يعود تاريخها إلى العصور الوسطى، وتحديدا عام 1257م عندما أسس Robert de Sorbon روبرت دي سوربون كلية السوربون ككلية تابعة لجامعة باريس، إحدى أوائل الجامعات في أوروبا، وقد تشكلت بشكلها الحالي عام 2018م باندماج جامعة Paris- Sorbonne University باريس- سوروبون (باريس 4) وجامعة Université Pierre et Marie Curie بيير وماري كوري (باريس 6)، وتُعد جامعة السوربون من أكثر الجامعات رواجا بين الطلاب والباحثين من فرنسا، وأوروبا، والدول الناطقة بالفرنسية، ومن أبرز إنجازاتها Marie Sklodowska- Curie ماري سكلودوفسكا- كوري التي قدمت من بولندا عام 1891م، وانضمت إلى كلية العلوم بجامعة باريس، وكانت أول امرأة تصبح أستاذة في السوربون. وتُعتبر ماري كوري وزوجها Pierre Curie بيير كوري مُؤسسي كلية العلوم والهندسة الحديثة في جامعة السوربون. وحتى عام 2021م حصد خريجوها وأساتذتها على 33 جائزة Nobel Prize نوبل، وست ميداليات Fields فيلدز، وجائزة Turing Award تورينج واحدة.

[5] Claude Lévi Strauss كلود ليفي شتراوس، من مواليد 28 نوفمبر 1908م، وتوفي في 30 أكتوبر 2009م. كان عالم أنثروبولوجيا وإثنولوجيا فرنسيا من أصل بلجيكي، وكان لعمله دور محوري في تطوير نظريات البنيوية والأنثروبولوجيا البنيوية، كما شغل كرسي الأنثروبولوجيا الاجتماعية في Collège de France كوليج دو فرانس بين عامي 1959م حتى عام 1982م، وانتُخب عضوا في Académie Française الأكاديمية الفرنسية عام 1973م، وكان عضوا في مدرسة الدراسات المُتقدمة في العلوم الاجتماعية في باريس، وقد نال العديد من الأوسمة من جامعات ومُؤسسات في جميع أنحاء العالم. وقد جادل ليفي شتراوس بأن العقل "الوحشي" يمتلك نفس بنية العقل "المُتحضر"، وأن الخصائص الإنسانية مُتطابقة في كل مكان، وقد نُوجت هذه المُلاحظات بكتابه الشهير Tristes Tropiques المدارات الحزينة 1955م الذي رسخ مكانته كأحد الشخصيات المحورية في المدرسة البنيوية، وإلى جانب علم الاجتماع امتدت أفكاره لتشمل العديد من مجالات العلوم الإنسانية بما في ذلك الفلسفة، وقد عُرفت البنيوية بأنها "البحث عن أنماط التفكير الكامنة في جميع أشكال النشاط البشري"، وقد فاز بجائزة International Nonino Prize نونينو الدولية عام 1986م في Italy إيطاليا.

[6] Los Bravos لوس برافوس، كانت فرقة لوس برافوس فرقة مُوسيقية إسبانية تأسست عام 1965م، ومقرها Madrid مدريد. اشتهرت بأغنيتها الأولى Black is Black التي وصلت إلى المركز الثاني في United Kingdom المملكة المُتحدة في يوليو 1966م، والمركز الرابع في الولايات المُتحدة، وباعت أكثر من مليون نسخة من حول العالم.

[7] Mirka Kalatzopoulou ميركا كالاتزبولو، من مواليد 5 سبتمبر 1945م في Athens أثينا، وهي مُمثلة يونانية كانت تُعد من الأطفال المُعجزة في العصر الذهبي للسينما اليونانية. بدأت ميركا دروس الرقص الكلاسيكي في سن مُبكرة جدا، وفي مُنتصف الخمسينيات بدأت التمثيل في مسرح الأطفال مع شقيقها Yiannis يانيس، وقد ظهرت لأول مرة في السينما عام 1955م في سن التاسعة من خلال الفيلم العاطفي The Duchess of Placentia "دوقة بلاسينتيا" للمُخرجة Maria Plyta ماريا بليتا، وكان أول دور بطولة لها في فيلم Erotic Games "الألعاب المُثيرة" عام 1960م للمُخرج Giorgos Theodosiadis جورجوس ثيودوسياديس، ومن بين أدوارها المُهمة الأخرى في الستينيات مُشاركتها في أفلام The Descent "النزول" للمُخرج Yiannis Dalianidis يانيس داليانيديس، و"العريس الأحمق" The Foolish Groom للمُخرج Kostas Karagiannis كوستاس كاراجيانيس. في عام 1967م- بعد زواجها من رجل الأعمال Carl Epser كارل إبسر- غادرت إلى الولايات المُتحدة الأمريكية، وبدأت بالظهور على التليفزيون الأمريكي، والمُشاركة في برامج متنوعة، وفي الوقت نفسه بدأت بتلقي دروس في التمثيل في Columbia School مدرسة كولومبيا، بالإضافة إلى دروس في إدارة الأعمال في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. في عام 1978م عادت كالاتزبولو إلى اليونان، وبدأت المُشاركة في العروض في المسرح الوطني، وفي عام 1980م عادت للظهور مُجددا في السينما من خلال فيلم The Man with the Carnation "الرجل ذو القرنفل" للمُخرج Nikos Tzimas نيكوس تزيماس، وفي عام 1986م شاركت في فيلم Caravan Sarai "كارافان ساراي" للمُخرج Tasos Psarras تاسوس بساراس، ونالت جائزة عن أدائها، وكان آخر ظهور لها في السينما في فيلم Gaza of Ulysses "نظرة أوديسيوس" 1995م للمُخرج Theodoros Angelopoulos ثيودوروس أنجيلوبولوس.