الجمعة، 30 يناير 2026

الديكتاتور العظيم: الكوميديا كأداة ساخرة من التاريخ!

من أين تأتي القوة الجامحة الكامنة في فيلم The Great Dictator الديكتاتور العظيم للمُخرج والسيناريست والمُنتج والمُمثل الإنجليزي Charlie Chaplin تشارلي تشابلن، للدرجة التي تجعل منه من أهم الأفلام على مر التاريخ، بل ومن أهم أفلام Hollywood هوليوود في هذه الحقبة المُبكرة من تاريخ السينما الأمريكية؟

لم تكن المكانة التي اكتسبها فيلم تشارلي تشابلن- وما زال يمتلكها- عائدة إلى تميز الفيلم الفني فقط- وهو ما لا ننكره، ويبدو لنا واضحا على طول الفيلم- كما لم يكن سببها المكانة والسُلطة المعنوية الضخمة، وشبكة العلاقات المُتداخلة التي يمتلكها تشارلي تشابلن في مُجتمع السينما العالمي- وهو ما يُكسبه احترامه وحظوته في أي مكان- بل تعود قوة الفيلم المتوهجة حتى اليوم إلى إنسانيته في المقام الأول، رفضه لانهيار الأخلاق البشرية، تحديه العارم، والواضح، والمُباشر للزعيم النازي Adolf Hitler أدولف هتلر، والسُخرية المُتهكمة منه، ومن حزبه، ومن ألمانيا النازية نفسها في حقبة زمنية لم يكن من المُمكن فيها لمثل هذا التحدي أن يحدث، أو يُعلن عنه مهما كانت الظروف، ومهما كانت مكانة من يقوم به!

لكن، كيف استطاع تشارلي تشابلن التفكير في ذلك الفيلم، بل وأصر على تنفيذه رغم كل الاعتراضات التي واجهته، والأكثر من التحذيرات، وهو ما أدى إلى منع عرض الفيلم في جل العالم تقريبا للوهلة الأولى؟

لم تأتِ إرادة تشابلن الصلبة، وإصراره وتحديه على صناعة الفيلم من فراغ؛ فهو أشهر مُمثل على ظهر الكوكب في ذلك الوقت، وأكثرهم استساغة وقبولا لدى الجمهور العالمي بشخصية "المُتشرد الفقير" ذي الخصال الإنسانية الطيبة، التي طالما قدمها في أفلامه السابقة.

لكن، بالتأكيد لن يكون قبول الجمهور العالمي لتشابلن هو جواز المرور الوحيد له من أجل تحدي العالم بأكمله، بل والسُخرية من قائد دولة كبرى- قادرة على انتهاك العالم- مثل ألمانيا النازية، بل ساعده على هذا الصمود أيضا استقلاله المادي، ومقدرته على صناعة الأفلام التي يرغبها، مُتحديا في ذلك أي اعتراضات على ما يقوم بصناعته، لا سيما أنه كان يمتلك الاستديوهات التي يصور فيها أفلامه، وهو الذي كان يقوم بالإنفاق عليها، أي أن الاستقلالية المادية لتشابلن قد منحته في نهاية الأمر الحرية المُطلقة، والسُلطة التي تعينه على فعل ما يعن له، حتى لو كان واثقا من أن مشروعه مآله الفشل، أو حتى التضييق عليه، أو منعه ومحاولة وأده؛ فهو في النهاية المُتحكم في كل شيء، وهو الذي ينفق من ماله الخاص، لا سيما أنه كان يقوم أيضا بكتابة أفلامه، وإخراجها، والتمثيل فيها مما يعني أن تشارلي تشابلن لم يكن- في جوهره- سوى مُؤسسة سينمائية مُتكاملة، قادرة على فعل ما ترغبه في أي وقت شاءت.

هذه السطوة التي امتلكها تشابلن بسبب مكانته الفنية، واستقلاله المادي، وعلاقاته الواسعة جعلته يُعلن- من دون خشية أو مواربة- في عام 1938م عن بدء تصويره لفيلمه "الديكتاتور العظيم"، وهو الفيلم الذي يسخر من أدولف هتلر، وحزبه النازي؛ مما أدى إلى احتجاج القنصل الألماني Georg Gyssling جورج جيسلينج، الناطق بلسان Joseph Goebbels جوزيف جوبلز لدى هيئة الرقابة على الأفلام الأمريكية PCA، وتضامن معه في ذلك Joseph Breen جوزيف برين- الرئيس التنفيذي لهيئة الرقابة الأمريكية- بينما وعدت هيئة الرقابة في انجلترا بعدم عرضها للفيلم، كما حذر الكثيرون تشارلي تشابلن مما هو مُقدم عليه، وبأن فيلمه سيتم مُحاصرته ومنعه في جميع دول العالم، لكنه لم يهتم بكل هذه الظروف المُحيطة به واستمر في تصوير فيلمه؛ واثقا مما يقوم به، لا يعنيه في هذا سوى الأخلاق الإنسانية التي تحركه، ويرغب في تصديرها للعالم.


بالطبع كانت المحاذير السياسية التي اتبعتها الولايات المُتحدة الأمريكية في هذه الحقبة الزمنية تؤكد على استحالة تنفيذ هذا المشروع الفني؛ ففي الفترة الزمنية السابقة لما قبل Pearl Harbor بيرل هاربور كانت الولايات المُتحدة بقيادة الرئيس الأمريكي Roosevelt روزفلت تُفضل سياسة الانعزال وعدم التدخل، وهو ما جعل إدارة قانون الإنتاج PCA، ورئيسها التنفيذي جوزيف برين تقوم بمُراقبة أي تصوير سلبي للدول الأخرى أو قادتها للحفاظ على مكانة الولايات المُتحدة الانعزالية، لكن تشارلي تشابلن لم تعنه هذه الرقابة، ولا تلك التحذيرات، ولا رفض الكثيرين لما يقوم به؛ فلقد كان الأمر بالنسبة له بمثابة صرخة إنسانية في وجه الظلم، والشر المُطلق، والجنون الذي يمارسه رجل مُختل عقليا، شديد السادية والدموية، حريص على تدمير العالم بالكامل- وهو ما أدى إلى منع الفيلم من العرض بالفعل في مُعظم دول العالم في ذلك الوقت، لكنه تحول فيما بعد، وحتى الآن، إلى أيقونة سينمائية، بل وأهم فيلم من أفلامه السينمائية التي قدمها على مر التاريخ.

كان فيلم "الديكتاتور العظيم" هو الفيلم الأول الناطق بالكامل لتشارلي تشابلن، صحيح أنه استخدم بعض المقاطع الصوتية الناطقة فيما قبل في فيلمه Modern Times الأزمنة الحديثة 1936م، لكنه في فيلمنا هذا كان هو الفيلم الأول له الناطق بالكامل، ومن ثم فالفيلم من الناحية الفنية يُمثل أيضا أهمية ذات خصوصية في المسار الفني للمُخرج، باعتباره بداية السينما الصوتية بالنسبة له، وهو المُخرج الذي قدم عشرات الأفلام في مرحلة السينما الصامتة.


بدأ تشارلي تشابلن فيلمه في مرحلة الحرب العالمية الأولى مُحددا التاريخ بشكل واضح 1918م، كما يكتب على الشاشة: مُلاحظة: أي تشابه بين الديكتاتور هينكل والحلاق اليهودي هو محض مُصادفة. هذه قصة مرحلة بين حربين عالميتين، حيث ساد الجنون محل الحرية والإنسانية.

ثمة مُلاحظتان هنا تخصان ما حرص المُخرج على كتابته على الشاشة: أولهما: أن تشابلن حريص كل الحرص مُنذ البداية على السُخرية، بل والإمعان فيها إلى أقصى درجة، وهي السُخرية التي من شأنها أن تعمل على تفكيك أسطورة وعنف ودموية الديكتاتور للدرجة التي تؤدي إلى انهيار مشاعر الخشية منه داخل المُتلقي، واستبدالها بمشاعر التهكم، وربما الشفقة من غبائه وحماقته- فهو يتهكم منه ليصل من ذلك إلى تصويره باعتباره شخصية كاريكاتورية هزلية، ليست بتلك الخطورة التي يشعر بها المُشاهد تجاهه، أو يشعر بها العالم- إنها السُخرية المُتمثلة لنا في تأكيده على نفي التشابه ما بين الديكتاتور "هينكل" المُعادل الموضوعي لهتلر، والحلاق اليهودي- قام بدوره المُمثل الإنجليزي Charlie Chaplin تشارلي شابلن، كما قام بدور الحلاق اليهودي أيضا- مما يعني أن تشابلن كان على يقين من أن السُخرية من هتلر هي السبيل الوحيد الذي قد يؤدي إلى انهياره- على الأقل انهيار حاجز الخوف والخشية تجاهه- في نفوس الآخرين؛ ومن ثم رؤيته على صورته الحقيقية التي لا تعني سوى الجنون، والدموية، والسطحية، والحماقة، واهتزاز الشخصية، بل والدونية، وهي الخصال التي يتمتع بها في جوهر الأمر، ومن ثم اتبع تشابلن هنا أسلوبية Vaudeville Burlesque الفودفيل الهزلي على طول الفيلم، وهي الأسلوبية المُميزة إلى حد بعيد بخفة الظل. لكن، ربما لا يفوتنا أن السُخرية هنا لم تتوقف على ذلك فقط، بل تعدته إلى عنوان الفيلم نفسه؛ فإضافة وصف "العظيم" إلى الديكتاتور يحمل في مضمونه قدرا هائلا من المُفارقة الساخرة، فالديكتاتور- بالنسبة للعقل الجمعي- لا يمكن وصفه بالعظمة، ومن هنا تنشأ السُخرية التي ذهبنا إليها.


أما المُلاحظة الثانية فسنجدها في كتابته: "هذه قصة مرحلة بين حربين عالميتين، حيث ساد الجنون محل الحرية والإنسانية"؛ فهذه الجملة التي يحرص تشابلن على تصديرها لنا على الشاشة قبل بداية الفيلم تحمل في طياتها الكثير من التبرير والحذر، وكأنما كثرة التحذيرات التي تم توجيهها له طوال مُدة صناعته لفيلمه، ورفض الكثيرين لما يقوم به، فضلا عن مكانة ألمانيا النازية المُتنامية من حول العالم، وسطوتها الدموية المُرعبة؛ كل هذا قد جعله حذرا، ومن ثم حاول تصدير الفيلم بهذه الجملة، وكأنها مُبرر لما قام به، أو شارح للفيلم وتأكيد منه على أن الإنسانية التي يؤمن بها في قرارة نفسه كانت هي الدافع الرئيس لصناعته للفيلم.

ربما نُلاحظ هنا محاولة تشارلي تشابلن الالتفاف إلى حد ما على كل ما يحيط به من مُمانعات على صدور هذا الفيلم، وهو ما جعله لا يذكر اسم هتلر بشكل مُباشر، بل رمز له باسم الديكتاتور الأخنف هينكل، كما أنه رمز لوزير الدعاية النازية Joseph Goebbels جوزيف جوبلز باسم جاربيتش، ولوزير الحربية Hermann Wilhelm Göring هيرمان فيلهلم جورينج باسم هيرينج، بل وللديكتاتور الفاشيستي الإيطالي Benito Mussolini بينيتو موسوليني باسم بنزينو نابالوني، وجعله يحكم دولة البكتيريا المجاورة لهينكل، فضلا عن حرص المُخرج على إظهار أن رمز دولة "تومينيا"- البديل لألمانيا- كان الصليب المزدوج كبديل للصليب المعقوف، أي أنه يحاول الهروب من الإشارات المُباشرة تماما بالالتفاف عليها، لا سيما أن المُباشرة في الإشارة كان ممنوعا منعا باتا في هذه الحقبة الزمنية التي منعت السُخرية من أي من الحُكام أو دولهم.

إذن، يبدأ تشابلن فيلمه في ساحة المعركة في الحرب العالمية الأولى، وهو يحاول إحاطتنا بالمرحلة التاريخية وما يدور فيها من خلال اللجوء إلى صوت الراوي الخارجي- الشبيه بالمُذيع الإخباري في نشرات الأخبار- الذي نستمع إليه يقول بجهامة وكأنه يبث لنا تقريرا: في نهاية الحرب العالمية، تومينيا صارت أضعف، اندلعت الثورة، والتمس الساسة السلام، بينما واصل جيش تومينيا الكفاح، واثقا من أن آلته العسكرية ستُحطم خطوط العدو، مدفع بيرثا الكبير قادر على الانطلاق حتى مئة ميل، كان مُجرد ظهوره على الجبهة الغربية يبث الرعب في صفوف العدو، على بُعد 75 ميلا كان الهدف هو كاتدرائية نوتردام.


نُشاهد الحلاق اليهودي المُدافع عن وطنه تومينيا، وهو شخصية تقترب إلى حد ما من "المُتشرد الفقير"- التي طالما رأيناها في أفلام تشابلن- في إنسانيته وطيبته وسذاجته، وإن كانت تختلف عنه في نفس الوقت، حيث يقوم الحلاق الساذج بإنقاذ حياة الضابط- الطيار التوميني- شولتز- قام بدوره المُمثل الإنجليزي Reginald Gardiner ريجينالد جاردينر- حينما يجده جريحا على أرض المعركة، ويطلب منه الضابط، مُستنجدا، إنقاذه، وبالفعل يقوم الحلاق بإنقاذه، وإعادته إلى الطائرة، بل والطيران معه إلى أن تسقط بهما، ويتم إنقاذ الضابط الذي يُفاجأ بأن الحرب قد انتهت وهُزمت تومينيا فيها، بينما يفقد الحلاق اليهودي ذاكرته، ويتم إيداعه المشفى لمحاولة إعادة الذاكرة له، مما يعني أن قيام الحلاق بإنقاذ حياة شولتز هنا لم يكن سوى واجب إنساني ووطني قام به تجاه بلده تومينيا- بما أن هذا الفعل سيترتب عليه العديد من الأحداث المُهمة.

لكن، ربما لا بد لنا من تأمل مشهد سقوط الطائرة في الهواء- بينما يُحادث شولتز الحلاق اليهودي- نظرا لما يحتويه المشهد من سُخرية ضمنية بالغة، يقول شولتز: بأي شهر نحن؟ إبريل، الربيع في تومينيا، هيلدا ستكون في الحديقة ترعى أزهار النرجس، إنها تحب أزهار النرجس، هي لا تقطعهم أبدا خوفا من إيذائهم، إنه أمر مثل إنهاء الحياة أن تقطع زهور النرجس، هيلدا اللطيفة الحلوة.

إذا ما تأملنا المونولوج السابق من قبل شولتز، والذي كان يتحدث به أمام الحلاق اليهودي؛ فلا بد أن تنتابنا الكثير من السُخرية البالغة- المشهد نفسه ساخر- فالضابط ذو الرتبة العالية/ شولتز الذي يخوض غمار الحرب العالمية الأولى بضراوة ووحشة، حريصا على قتل الآخرين باسم الوطن، ورغم تخلصه من الكثيرين في غمار المعركة بوحشية وبساطة وعادية وكأنه لا يفعل شيئا، نراه في نفس الوقت يتحدث بقدر غير هيّن من المشاعر والرهافة، واللطف عن زهور النرجس التي يعني قطفها إنهاء الحياة والإيذاء، وهو ما يثير المزيد من الدهشة نتيجة للمُقابلة ما بين فعل قتل البشر باسم الوطن، وما بين الامتناع عن قطع زهور النرجس باسم الرحمة وعدم الإيذاء!


سُرعان ما ينتقل المُخرج إلى المُستقبل- بعد حوالي 20 سنة- حيث يسيطر هينكل على تومينيا حاكما إياها بقبضة من حديد، ويفرض إرادة حزبه على الشعب التوميني، فضلا عن تطلعاته الاستعمارية التي تجعله يحلم بحُكم العالم بالكامل بعد الاستيلاء الدموي عليه، بينما نرى أن الحلاق ما زال باقيا في المشفى حتى اليوم، غير قادر على استعادة ذاكرته، وكل ما يذكره أنه قد ترك محل حلاقته مُنذ أيام فقط، ولا بد أن يعود إليه. لذا نستمع مرة أخرى إلى الراوي من خلف الكادر: يتسلم هينكل السُلطة بينما الجندي اليهودي يعاني من فقدان الذاكرة، وبقي في المُستشفى لسنوات جاهلا بالتغييرات في تومينيا، حكم هينكل الأمة بقبضة حديدية تحت شعار الخيانة تعاقب الحرية، لم يُسمع سوى صوت هينكل فقط.

نرى هينكل يقوم بإلقاء خطبة طويلة من خطبه، ولعل السُخرية الموغلة في التهكم من قبل المُخرج تتبدى لنا هنا في أنه لا يجعل هينكل ينطق باللغة الألمانية، بل يجعله يُصدر مجموعة من الأصوات المُتشنجة التي يُفهم منها أنها اللغة الألمانية، وهي الأصوات التي تنتهي بشخير عالٍ، يعقبه مجموعة من التجشؤات، لكننا نفهم ما يقوله بواسطة الصوت من خارج الكادر: قال هينكل الأخنف: تومينيا هُزمت، لكنها اليوم تُشرق، الحرية مُقرفة، حرية الكلام مكروهة، تومينيا تمتلك أعظم جيش في العالم، أعظم سلاح بحرية، لكن، لنبقى عظماء يجب أن نُضحي، يجب أن نشد أحزمتنا. وهو ما يجعل المُخرج يقطع بالكاميرا على وزير الحربية هيرينج- قام بدوره المُمثل الأمريكي Billy Gilbert بيلي جيلبرت- الذي يقدمه الفيلم بشكل كاريكاتوري واضح البدانة، حيث يحاول طاعة الزعيم هينكل بشد الحزام على وسطه، لكنه بمُجرد ما يجلس ينفك الحزام مرة أخرى، وكأنه انفجر من حول كرشه السمين.

حينما ينتهي هينكل من خطبته الحماسية التي تقوم جميع إذاعات العالم ببثها، يبدأ في التجول، وأثناء استعداده لركوب سيارته يتوقف هنيهة لتناول الزهور من الأطفال، بينما نستمع إلى صوت المُعلق في الإذاعة: صاحب السعادة يبدو مسرورا، بينما يحييه أطفال تومينيا. يتوقف الآن من أجل امرأة وطفلها- لنراه يتناول الرضيع من يديّ أمه، حاملا إياه من أجل تصويره، بينما صوت المُعلق يستمر بقوله- حتى الطفل الرضيع مُبتهج، ويبدو الكل مُبتسما في انتباه!


إن أهمية المشهد هنا لا تنحصر في تهكمه أو سُخريته من الزعيم النازي الذي يتناول الزهور من الفتيات الصغيرات، وكأنه يحمل داخله الكثير من المشاعر واللطف، ولا تتوقف على حمله للرضيع من بين يديّ أمه، بل تأتي هذه الأهمية من أن المهشد ما زال حتى اللحظة الآنية- التي نعيش فيها- صالحا لكل الحُكام الشموليين في العالم، وما زال يتكرر بنفس الآلية التهكمية التي رأيناها فيه- فحتى الرضيع يبدو مُبتهجا، كما قال المُعلق! مما يعني أن الديكتاتوريات يُعاد إنتاجها، وفرضها طوال الوقت، وهي لا تختلف في كيفيتها سواء في الماضي، أو في الوقت الآني.

يسأل هينكل جاربتش/ وزير دعايته- قام بدوره المُمثل الإنجليزي Henry Daniell هنري دانييل- حينما يستقل السيارة إلى جواره مُنطلقين إلى القصر الجمهوري: كيف كانت؟ ليسأله: الخطبة؟ جيدة جدا، لكن، نزعتك إلى اليهود يمكن أن تكون أكثر عنفا. يتساءل هينكل: ماذا؟ يرد جاربيتش: للتنفيس عن غضب الناس، العنف ضد اليهود قد يجعل الناس ينسون جوعهم. يرد هينكل مُقتنعا: أنت مُحق، الأمور هادئة في الجيتو مُؤخرا.

إذن، فتشابلن يُشير هنا إلى استخدام اليهود كأداة من أجل تخفيف الاحتقان الذي يعاني منه المُجتمع الألماني بسبب الانهيار الاقتصادي نتيجة للحرب التي لا تتوقف، وهو ما يجعل الحزب النازي يضطهد اليهود، في محاولة للتضييق عليهم، ونهبهم، وقتلهم، وسوقهم إلى مُعسكرات الاعتقال من أجل محاولة تهدئة الشعب الألماني من جهة، ولأن هينكل يرغب في تصفية اليهود، وذوي البشرة السمراء حتى لا يبقى سوى الجنس الآري النقي من جهة أخرى، وربما كانت المُفارقة الحقيقية هنا هي أن فيلم "الديكتاتور العظيم" حينما تم عرضه في دور السينما؛ انتقده الجمهور في أنه يبالغ إلى حد بعيد في موقف هتلر من الجيتو اليهودي واضطهادهم، فسياسات هتلر باتجاه اليهود لم تكن قد اتضحت بعد في الوقت الذي عُرض فيه الفيلم، مما يعني أن تشارلي تشابلن هنا قد تنبأ بما سيقوم به هتلر من مذابح ومحارق باتجاههم.


يتابع المُخرج على الجانب الآخر المُجتمع/ الجيتو اليهودي الذي يعاني من بدايات الاضطهاد على يد "فرقة العاصفة" بقيادة الضابط شولتز، حيث يقوم الجنود بخطف سلعهم، ومُنتجاتهم، وسرقتهم، والسُخرية منهم، والاعتداء عليهم، بل وتمييزهم بكتابة كلمة Jew يهودي، على بيوتهم ومحلاتهم، وبالتالي حينما اعترضت هانا- قامت بدورها المُمثلة الأمريكية Paulette Goddard بوليت جودار- الفتاة اليهودية الفقيرة على ما يقوم به جنود فرقة العاصفة من سرقة وسلب ونهب؛ يقوم الجنود بقذفها بالطماطم التي كانوا قد سلبوها لتوهم من أحد البائعين الذين لا حول لهم لا قوة.

يهرب الحلاق اليهودي من المشفى ليعود مرى أخرى إلى الجيتو، ومن ثم يُعيد فتح دكان حلاقته، لكنه يُلاحظ أحد جنود فرقة العاصفة يقوم بطلاء زجاج محله، كاتبا عليه مُفردة يهودي، وهو ما يجعل الحلاق يحاول إزالة ما كتبه الجندي، لكن الجندي يعتدي عليه بالضرب، ولا ينقذه من جنود فرقة العاصفة إلا هانا التي تضربهم على رؤوسهم بإحدى أواني الطعام مما يؤدي إلى تغيبهم عن الوعي، لكن فرقة العاصفة تعود مرة أخرى للبحث عن الحلاق الذي أهان بعض أفرادها بالاعتداء عليهم، وحينما يقاومهم يحاولون تعليقه من رقبته على أحد العواميد في الشارع في وضع الشنق، ويتصادف مرور الضابط شولتز- رئيس الفرقة- في نفس اللحظة ليتوقف بسيارته مُتسائلا عمن أعطاهم الأوامر بتعليق الناس على عواميد الإنارة؛ فيخبره أحدهم بأن الحلاق حاول الاعتداء عليهم، هنا ينزل الضابط شولتز ليرى ذلك اليهودي الذي حاول الاعتداء على رجاله، لكنه يُفاجأ بأنه الجندي الذي سبق له أن أنقذه من الموت في الحرب العالمية الأولى، ويسأله: أنت؟ هل تتذكرني؟ لقد أنقذت حياتي. يتساءل الحلاق مُندهشا: أنا؟ يرد شولتز: غريب، طالما اعتقدت بأنك آري. ليرد الحلاق ببديهية وسذاجة غير فاهم: أنا نباتي- المزيد من الإيغال في السُخرية والتهكم- ومن ثم يأمر شولتز رجاله بعدم التعرض له مرة أخرى؛ فهو صديقه الذي أنقذ حياته، كما يأمرهم أيضا بعدم التعرض لأصدقاء الحلاق من اليهود.

هنا تعود الذاكرة بالكامل إلى الحلاق، وبالفعل يسود الكثير من الهدوء في الجيتو اليهودي بعد أوامر الضابط شولتز بعدم التعرض للحلاق اليهودي أو أي من أصدقائه وأحبائه.


 نعرف أن هانا فتاة فقيرة تعمل كخادمة في بيت مستر جيكل- قام بدوره المُمثل الروسي الأصل، الأمريكي الجنسية Maurice Moscovich موريس موسكوفيتش- الذي يرحب بعودة الحلاق اليهودي مرة أخرى بعد مرور كل هذه الفترة الزمنية، كما ينصح الحلاق ذات مرة- حينما يُدرك أن ثمة كسادا في عمله- أن يعمل كمُصفف شعر للسيدات، وطلب منه أن يجرب على هانا، فهي تحب التجميل.

بالفعل يقوم الحلاق بتجريب الأمر على هانا، التي تُفاجأ بجمالها الذي أبرزه، ومن ثم تنشأ بينهما- مع مرور الوقت- قصة حب، لكن أثناء خروجهما ذات مرة يحاول أفراد فرقة العاصفة الاعتداء على الحلاق اليهودي، بعدما اقتنع هينكل بفكرة أن الاعتداء على اليهود، والتضييق عليهم هو من أهم أدواته التي لا بد له أن يستخدمها لامتصاص الغضب الشعبي، ومن ثم أصدر أوامره بالاعتداء عليهم، لكن أحد الضباط يمنعهم من الإساءة إليهم مُؤكدا لهم على أن القائد شولتز قد حذر من التعرض لصديقه الحلاق، أو أي من أصدقائه.


يبدو لنا هينكل لا يكل لحظة واحدة من مُتابعة كل شيء بنفسه؛ لذا حينما يُلاحظ الكثير من المصروفات يسأل جاربتش: ماذا يعني هذا؟! 25 مليونا لمُعسكرات الاعتقال؟! نحتاج تصنيع الذخيرة. لكن جاربتش يرد ببساطة: قمنا ببضعة اعتقالات. يسأله هينكل: كم العدد؟ يقول جاربتش: خمسة أو عشرة آلاف، في اليوم. يندهش هينكل: في اليوم؟! يقول جاربتش بهدوء: فقط بضعة مُعارضين. يسأل جاربتش: ماذا يعارضون؟ يرد جاربتش: زيادة ساعات العمل، تخفيض الأجور، الغذاء الصناعي، نوعية نشارة الخشب في الخبز. يقول هينكل مُندهشا: ماذا يريدون أكثر من هذا؟! إنها أجود أنواع الأخشاب. يقول جاربتش: رغم ذلك، فالشعب مُرهق، في حاجة للترفيه، ربما نطور الأمر مع اليهود، نحرق بعض بيوتهم، اعتداء على الجيتو. يشعر هينكل بالسعادة فيقول: شيء أكثر إثارة، متى نكون مُستعدين لغزو أوسترليتش؟

إن السُخرية المريرة هنا تتبدى لنا واضحة في الحوار، لا سيما من اندهاش هينكل نتيجة لاعتراضهم على نوعية نشارة الخشب التي توضع لهم في الخبز؛ فهو يرى أنه يقدم لهم معروفا بوضع النشارة في خبزهم، خاصة أنه يراها من أجود أنواع الأخشاب! كما أن إحدى العميلات التي تنقل أخبار العمال لهيرينج/ وزير الحرب تخبره أمام هينكل: إضراب في مصنع الأسلحة. يسألها هينكل: من يقودهم؟ ترد: خمسة. يسأل: هل قُتلوا؟ تقول: كلهم. يسألها: كم عدد من أضرب؟ ترد: ثلاثة آلاف. يقول: أطلقوا النار عليهم جميعا، لا أريد عمالا مُستائين. يتدخل جاربتش: هؤلاء الرجال حرفيون ماهرون، دعنا نُدرب غيرهم أولا ثم نُطلق عليهم النار. يرد هينكل بطفولية وحماقة: لا أستطيع تحمل أن أكون مُتساهلا. ليقول جاربتش مُبررا عدم رغبته في التخلص من العمال في الوقت الآني: إيقاع الإنتاج سيتأثر.


إذن، فالتخلص من البشر المُعارضين، أو الذين يحاولون إبداء آرائهم بدموية قد تبدو لنا خيالية، هو من الأمور العادية التي لا بد من حدوثها حتى لا يتفاقم الوضع، ويظهر غيرهم من المُعارضين الذين من المُمكن أن يكون لهم رأي فيما يدور من حولهم؛ فالديكتاتور لا يتحمل أن يفكر من هم حوله، ولا أن يعترضوا، ولا أن يقولوا رأيهم في الأوضاع. هو يرغب في شعب خانع، مُتقبل لكل ما يجود عليه به، مهما كان سيئا، فهو ينتظر منهم الشكر، والتسبيح بحمده طوال الوقت مهما فعل معهم، مما يعني أنه لا يبتغي سوى العبيد.

لكن، هينكل يظل مُتأملا لصور العمال الخمسة الذين قادوا الإضراب قبل التخلص منهم بقتلهم، ليقول لجاربيتش: زعماء الإضراب كلهم من السُمر، لا أشقر واحد. ليرد جاربيتش بهدوء ويقين: مُثيرو الشغب أسوأ من اليهود. يقول هينكل: إذن، عليك بإبادتهم. ليقول جاربيتش: مهلا: سنتخلص من اليهود أولا، ثم نُركز على السُمر. فيقول هينكل: لن ننعم بالسلام حتى نمتلك جنسا آريا صافيا، كم هو رائع، تومينيا، أمة من الشُقر، الزرق العيون.

هنا، ومن خلال هذا الحوار ما بين جاربيتش وهينكل يلوح لنا المزيد من التهكم الذي يحرص عليه تشارلي تشابلن في فيلمه؛ فهينكل/ هتلر الراغب في التخلص من السُمر- من أجل الجنس الآري النقي بعيونه الزرقاء وشعره الأشقر- هو نفسه أسمر ولا يتمتع بهذه الصفات الآرية الملونة، وهو ما يعني أن عنصريته التي يتبعها مع اليهود والسُمر لا مُبرر عقلاني لها سوى رغباته الطفولية الحمقاء، وجنونه الذي لا يوقفه أي شيء من أجل امتلاك العالم، وأفكاره التي ما أن ترد على ذهنه إلا ويفعلها من دون أي تفكير.

إنها الرغبات الحمقاء التي يعمل جاربيتش على تنميتها داخله بكافة الوسائل، مُؤكدا له على ضرورة أن يكون ديكتاتور العالم بغزوه بالكامل وامتلاكه، وهو ما يجعل هينكل يتناول بالونا أمامه، مرسوما عليه الكرة الأرضية بالكامل، ويبدأ في الحلم بامتلاكه للكوكب وما عليه، لذا نراه يحمل البالون/ العالم على إصبعه ليديره مُتأملا إياه بإعجاب باعتباره مالكه، ويبدأ في الرقص، قاذفا البالون إلى أعلى ليعود إلى يده مرة أخرى، بل ويدفعه برأسه مرة، وكفه مرة أخرى، بل وبمُؤخرته أيضا في مشهد من المشاهد المُهمة المُعبرة عن مدى جنونه، ورغبته الدموية في الامتلاك الكامل للكوكب. لكن، بمُجرد انتهاء أحلامه وتأمله في آماله ينفجر البالون في يده لنراه يبكي بشكل كاريكاتوري ساخر يؤكد لنا على طفوليته الحمقاء؛ فهو هنا يبدو مُجرد طفل يلهو بلعبته- الكرة الأرضية- لكنها بمُجرد ما تعطب، أو تنكسر يبدأ في البكاء عليها.


يحلم هينكل بغزو أوسترليتش المجاورة له، وهو يرغب في فعل ذلك قبلما يسبقه إلى غزوها جاره، ديكتاتور البكتيريا، بنزينو نابالوني- قام بدوره المُمثل الأمريكي Jack Oakie جاك أوكي- لكن الأزمة الاقتصادية الطاحنة الواقعة فيها تومينيا تجعله عاجزا عن التسريع بالأمر؛ لذا يتفق مع جاربيتش على أن يستدينوا المال من أحد المُرابين اليهود الأثرياء، وهو ما يجعل هينكل يصدر أوامره بعدم التعرض للجيتو حتى حين موافقة المُرابي اليهودي بإقراضهم للمال، ثم يعود الاضطهاد، والقتل للتخلص منهم مرة أخرى، لكن جاربيتش يعود إليه بالأخبار السيئة: أخبار سيئة، غزو أوسترليتش يجب أن يؤخر. يتساءل هينكل مُندهشا: ماذا؟! يرد جاربيتش: إبستاين يرفض إعارتنا المال. يتساءل بدهشة أكبر: إبستاين يرفض؟! اطلب شولتز، ماذا قال؟ يقول جاربيتش: اشتكى من الاضطهاد، وقال: إنه لن يستطيع التعامل مع معتوه من العصور الوسطى. ليرد هينكل غاضبا بحماقة: سيتعامل مع معتوه من العصور الوسطى أكثر مما يتخيل، أولا سأتعامل مع شعبه.

هذه الحماقات في التصرف من دون إعمال عقله تجعله يستدعي شولتز- قائد فرقة العاصفة- ليطلب منه المزيد من الاضطهاد، والقتل للتخلص من اليهود في الجيتو، لكن شولتز يرد عليه بأن هذا الفعل لا يتناسب مع هذا التوقيت، لأنه سيسيء للحزب، وللدولة، لكن هينكل يثور عليه ثورة عارمة، ويتهمه بالخيانة والتواطؤ مع اليهود، ومن ثم يأمر بإلقائه في أحد مُعسكرات الاعتقال باعتباره خائنا!

إذن، فكل من يقف أمام إرادة الزعيم/ هينكل هو خائن لا بد من التخلص منه حتى لو كان مُجرد ناصح له، وليس رافضا لما يرغبه، وهو ما يجعل شولتز- رغم أهميته بالنسبة لهينكل كقائد عسكري، وإخلاصه للدولة- نزيلا في مُعسكرات الاعتقال كخائن، ومتواطئ مع اليهود. لكن شولتز يهرب من المُعتقل ويختفي، وهو ما يجعل جميع الصحف والإذاعات تذيع أن شولتز الخائن قد هرب من المُعتقل، وأن الديكتاتور يظن بأنه يختبئ في الجيتو اليهودي، حيث صديقه الحلاق اليهودي الذي جعله متواطئا معهم.

يختفي شولتز بالفعل في الجيتو اليهودي، حيث يلجأ إلى بيت مستر جيكل، وهناك يطلب الاجتماع باليهود، محاولا إقناعهم بضرورة اغتيال هينكل وتفجير القصر، لذا يضع عملة معدنية واحدة في الحلوى التي سيتناولونها على العشاء، ويخبرهم أن من سيجد العملة في الحلوى سيكون هو المتطوع لاغتيال الديكتاتور.


إن مشهد اجتماع شولتز باليهود من الأهمية بمكان ما يجعلنا نتوقف أمامه من أجل تأمله؛ فمدام جيكل- قامت بدورها المُمثلة الإنجليزية Emma Dunn إيما دن- تسأل هانا أثناء إعدادهما للعشاء: ماذا يريد هذا الشولتز منا؟ لتقول هانا: يريدنا أن نُفجر القصر. تتساءل مدام جيكل مُرتاعة: ماذا؟! نحن شعب يهودي، يجب ألا نتورط في مثل هذه الأعمال.

ألا يبدو لنا المشهد هنا- لا سيما مع قول مدام جيكل- فيه الكثير من المُبالغة الراغبة في التعبير عن إنسانية اليهود، ومُسالمتهم، وطيبتهم التي تجعلهم لا يفكرون في الإقدام على اغتيال الديكتاتور مهما فعل فيهم، أو نكل بهم، أو تخلص منهم بالقتل أو الحرق، أو الاعتقال؟! إنهم يبدون لنا هنا في مثل هذا المشهد وكأنهم ملائكة- وربما مازوخيين يرغبون في المزيد من الاضطهاد، والتعذيب، والتنكيل بهم- فهم مهما فعل بهم الديكتاتور لا يجب عليهم الشعور بالغضب، أو الرغبة في الانتقام، أو الرفض، أو التخلص منه، فهم "شعب يهودي، يجب ألا يتورطوا في مثل هذه الأعمال" كما ذهبت مدام جيكل بملائكية غير مُقنعة لأحد.

لكن، من جهة أخرى- ومع المزيد من تأمل هذا الاجتماع- سنرى شولتز يقول لليهود المُجتمع بهم: أعرف أنها أمنية كل منا أن يقع عليه الاختيار هذه الليلة للموت من أجل تومينيا، ورغم إني أود المُشاركة بشدة في هذه المحنة، لكني لا أستطيع. وهو ما يجعل السيد مان يسأله بتلقائية وواقعية: لماذا؟ ليرد عليه السيد جيكل غاضبا: ألا تفهم؟! إنه معروف جدا، لا بد أن يكون شخصا ما مثلنا. لكن السيد مان يقول: لا يمكنني رؤية الأمر كذلك.


إن سؤال السيد مان وإبداء اندهاشه، وتشككه في محله تماما؛ فشولتز هنا لا يختلف مُطلقا في رغبته عن هينكل الديكتاتور الراغب في تحقيق أحلامه، وتطلعاته، وآماله في السُلطة بالتضحية بالآخرين، أي أن طريق الأحلام هنا لا بد أن يكون مُعبدا بالمواطنين التومينيين من أجل وصول القادة إلى سُدة الحُكم، رأينا ذلك فيما يقوم به الديكتاتور هينكل الذي يبطش بالجميع إذا ما اعترضوا على إراداته وما يقوم به، مُستخدما الجميع كأدوات من أجل تحقيق أحلامه، وها نحن نراه مرة أخرى من خلال شولتز الطامع في السُلطة بالتخلص من الديكتاتور ليحل محله، وهو من أجل تحقيق هذا الحلم لا يمتلك الرغبة في تحقيقه بنفسه؛ لأن تحقيقه يعني مقتل من يقوم به؛ لذا فهو يزيّن الفعل للآخرين من أجل القيام به بالنيابة عنه، أي أنه يقوم بتحقيق أحلامه من خلال التضحية بالآخرين تماما مثل الديكتاتور الراغب في التخلص منه، وهي سمة الديكتاتوريات على مر التاريخ، حتى لكأنما كل ديكتاتور من هؤلاء يرى نفسه مُنزلا من السماء، أو أنه المُصطفى الذي لا بد للبشر من طاعته وتحقيق ما يحلم به، بل والحفاظ عليه في مُقابل التضحية بحيواتهم من أجله، ومن أجل سعادته، مما يجعل هذا المشهد- فضلا عن الفيلم بالكامل- ما زال صالحا حتى وقتنا الآني، فالديكتاتوريات كما سبق لنا أن ذهبنا تعمل على إعادة إنتاج ذواتها بأشكال مُختلفة لتعود إلينا أكثر ضراوة مما كانت عليه فيما قبل.

تتبدى لنا هنا عبقرية هذا المشهد حينما يستعرض لنا المُخرج محاولة كل شخص من هؤلاء اليهود التخلص من العملة المعدنية التي يجدها في قطعة الحلوى التي تخصه- لا سيما أن هانا قد شاهدت شولتز يضع العملة في إحدى القطع، وهو ما جعلها تضع عملة في كل القطع من أجل إفساد الأمر عليه- فهم لا يعنيهم التضحية بحياتهم من أجل الوطن التوميني كما ذهب شولتز في حديثه الحماسي لهم، وهم غير راغبين في التخلص من الديكتاتور في مُقابل حياة أي منهم- أي أن الحديث عن الوطنية والتضحية محض هراء لا معنى له في الواقع، لا يؤمن به حتى شولتز الذي يحاول إقناعهم به- وبالتالي فكل منهم يحاول وضع العملة المعدنية خفية في طبق من يجاوره إلى أن يكتشفوا بأنهم جميعا لديهم عملات معدنية في أطباقهم، وحينما يبدي السيد جيكل دهشته من الأمر؛ تخبره هانا بأنها من فعلت ذلك، لأنهم كيهود لا يجب عليهم التورط في هذا الفعل، بقدر ضرورة اهتمامهم بأنفسهم والبقاء في بيوتهم- المزيد من الملائكية غير المُقنعة.


إن هروب شولتز من مُعسكر الاعتقال يجعل قوات العاصفة تبحث عنه بتفتيش كل بيت يهودي في الجيتو، بل ويكثفون من بحثهم بالضرورة عن الحلاق اليهودي بدوره بما أنه صديق شولتز الذي جعله يدافع عن اليهود، ويتم اعتقالهما معا، وإلقائهما في مُعسكر الاعتقال.

ينتقل المُخرج مرة أخرى إلى هينكل لمُتابعته، فنراه يستعد مع وزير حربيته من أجل غزو أوسترليتش التي يحلم بالسيطرة عليها، لكنه يصله نبأ حشد نابالوني لقواته على حدود أوسترليتش، بل ويهاتفه نابالوني طالبا منه التفاوض عليها، مما يجعل هينكل يرحب به كضيف في تومينيا من أجل التفاهم.

يصور لنا تشابلن طريقة تعامل كل من الديكتاتورين- هينكل ديكتاتور تومينيا، ونابالوني ديكتاتور البكتيريا- مع بعضهما البعض، ورغبة كل منهما في أن يبدو هو الأعلى، والأفضل، والأكثر سيطرة ومكانة وتميزا من الآخر، ومن ثم يتفنن كل منهما في إظهار ميزاته التي يتفوق بها على الآخر مما يؤكد لنا بأننا أمام طفلين، يحاول كل منهما التفوق على زميله، أو أننا بالأحرى أمام مريضين نفسيين، كل منهما في حاجة ماسة إلى علاج من هواجسه.

لذا نرى جاربيتش- على سبيل المثال- يتحادث مع هينكل في مكتبه داخل القصر الرئاسي بقوله: لن نناقش مسألة أوسترليتش، هذه المُقابلة غرضها أن تؤكد له قوة شخصيتك، تجعله يحس بتفوقك، نابالوني عدواني، مُستبد، يجب وضعه في مكانه. فيسأله هينكل: لكن كيف؟ يقول جاربيتش: بواسطة علم النفس، نجعله يشعر بالنقص، يمكن أن يتم هذا بشكل مُهذب، على سبيل المثال، رتبت لقاءكما بحيث ينظر نحوك لأعلى، وستنظر نحوه لأسفل، مقعده سيكون دون مستواك، ثم سنجلسه هنا بجانب تمثالك النصفي حتى تكون دائما ساطعا عليه، رتبت أن يكون دخوله من النهاية البعيدة للغرفة، انتصار نفسي آخر، سيكون مُحرجا وهو يمشي هذه المسافة الطويلة.


إن تشابلن هنا لا يُقدم لنا كوميديا ساخرة، أو تهكمية بقدر تقديمه لمجموعة من الأمراض النفسية الخطيرة المُتحكمة في مجموعة من الأشخاص الذين يرون أنفسهم سادة العالم، وأعلى من البشر، وأكثر أهمية منهم، وهو ما يجعلهم قادرين على التضحية بالعالم أجمع من أجل تحقيق ما يصبون إليه، مما يعني أن فيلم "الديكتاتور العظيم" في جوهره هو فيلم شديد الجدية، والخطورة، والتحذيرية مما يحدث في العالم أجمع، وما سيحدث أيضا لاحقا، لكن مُخرجه قدمه هنا في شكل هزلي ساخر من أجل السُخرية من هؤلاء الأشخاص؛ فالسلاح الأخطر في يد تشابلن هو السُخرية التي يعلم تماما مقدرتها السحرية على القضاء على أساطير الديكتاتوريات، وتفكيكها بالمزيد من السُخرية منهم، ووضعها في مواقف هزلية لبيان حماقاتهم، وغبائهم، وأنانيتهم المُفرطة، وطفوليتهم.

لكن، نابالوني يخالف أفق التوقعات والترتيبات التي رتبها جاريتش بدخوله أولا من أقرب باب للمكتب الذي يجلس عليه هينكل، فضلا عن أنه يضربه على ظهره كشكل من أشكال التحية المازحة بين ديكتاتورين زميلين، وحينما يجلس على المقعد المُنخفض أمام مكتب هينكل لا يشعر بالراحة مما يجعله يجلس فوق المكتب نفسه أمام هينكل، بل ويشعل عود الثقاب بحكه في تمثال هينكل، أي أنه في هذا المشهد- وبشكل شديد العفوية- يشعر هو بتفوقه على هينكل بدلا من حدوث العكس، مما يُشعر هينكل بالمزيد من الضآلة النفسية- فهو يشعر بالضآلة الجسدية أمام نابالوني ضخم الجثة.

هذه الكوميديا التهكمية توغل في سُخريتها من الطاغيتين مرة أخرى حينما يذهبا إلى الحلاق الخاص بهينكل، حيث نراهما جالسين كل على مقعده إلى جوار الآخر، وحينما يرغب هينكل الشعور بالتفوق على نابالوني برفع مقعده ليكون في مستوى أعلى منه؛ يرفع نابالوني بدوره مقعده أعلى من هينكل، ويظلا على هذه الوتيرة إلى أن يسقط المقعدان بهما، ولعل المشهد الأكثر تهكما وسُخرية هو المشهد الذي رأيناهما فيه في الحفل داخل القصر الديكتاتوري لهينكل، حيث ينفردا مع جاربيتش من أجل التفاوض على أوسترليتش، فيطلب نابالوني من هينكل التوقيع على مُعاهدة عدم دخوله أوسترليتش في مُقابل أن يسحب نابالوني قواته المُحتشدة على حدودها ويتعهد بدوره بعدم دخولها، لكن هينكل يرفض بضراوة التوقيع، ويطلب من نابالوني الانسحاب أولا قبل التوقيع على المُعاهدة، وهو ما يؤدي إلى غضب كل منهما، وتوجيه الاتهامات والتهديدات لبعضهما البعض إلى أن يفرد جاريتش بهينكل قائلا: وقع، وقع. يرد هينكل رافضا: سيكون مُتقدما علينا- لاحظ الطفولية في الأمر- لكن جاربيتش يقول له: إنها مُجرد قصاصة ورق، عندما تنسحب قواته من الحدود؛ نستطيع نحن التحرك إليها.


إن تشارلي تشابلن هنا، ومن خلال السُخرية والفكاهة يرغب في التأكيد على عدم أمانة أي منهما، فكل منهما خائن للآخر، ومُخادع، وأناني، ولا يرغب سوى في تحقيق أحلامه ومطامعه الاستعمارية التوسعية، وبالتالي فهينكل الذي سيوقع على اتفاقية عدم غزو أوسترليتش في مُقابل انسحاب قوات نابالوني، إنما يفعل ذلك في نفس الوقت الذي ينتظر فيه انسحاب القوات البكتيرية من أجل مُخالفة المُعاهدة التي اتفقا عليها، ومن ثم غزوها؛ لذا يتفق هينكل مع جاربيتش على خطة الغزو التي ستحتم عليه أن يتنكر في زي صياد بط، بينما القوات التومينية جاهزة، وفي انتظار وصوله المُتنكر من أجل اقتحام أوسترليتش.

لكن، في نفس التوقيت ينجح كل من الضابط شولتز والحلاق اليهودي- الشديد الشبه بالديكتاتور هينكل- في الهروب من مُعسكر الاعتقال في ثياب عسكرية، لذا تنطلق من خلفهما القوات العسكرية من أجل اعتقالهما وإعادتهما للمُعسكر مرة أخرى، إلا أن قوات الاعتقال تقابل أثناء بحثها الديكتاتور هينكل المُتنكر في زي صياد بط، ومن ثم يلقون القبض عليه باعتباره الحلاق اليهودي، بينما يستمر كل من شولتز والحلاق اليهودي في طريق هروبهما، حيث يراهما العديد من الجنود، ويظنوا أن الحلاق اليهودي هو الديكتاتور، وفد عفا عن شولتز، وأخذه معه في طريقه من أجل غزو أوسترليتش.


تنجح القوات العسكرية بالفعل في الاستيلاء على أوسترليتش، ويدخلها الحلاق اليهودي معهم، ومن ثم يكون من الواجب عليه أن يقوم بإلقاء خطبته للمواطنين بمُناسبة هذا الغزو الجديد، ولعله من اللافت للنظر والمزيد من السُخرية أن المنصة التي من المُفترض أن يلقي من فوقها الحلاق اليهودي خطبته باعتباره هينكل كان مكتوبا عليها Liberty الحرية، وهي المُفردة التي تتناقض تماما مع رغبات، وآمال، وطموحات، وما يؤمن به هينكل، كما أنها تتناقض مع الكلمة التي ألقاها جاربيتش قبل الحلاق اليهودي، والتي قال فيها: النصر حليف من يستحق، اليوم الديمقراطية، والحرية، والمساواة هي كلمات لخداع الناس، لا توجد أمة تستطيع التقدم بمثل هذه الأفكار، من يقفون في طريق التقدم سنبيدهم، في المُستقبل كل رجل سيخدم الدولة بالطاعة المُطلقة، وعلى من يرفض الحذر، الجنسية ستُسحب من كل اليهود، وغير الآريين؛ فهم دون المستوى وأعداء للدولة، واجب على كل الآريين الحقيقيين كراهيتهم واحتقارهم، هذه الدولة ضُمت لامبراطورية تومينيان، وسيطيع ناسها القوانين التي سنها زعيمنا العظيم، ديكتاتور تومينيا، فاتح أوسترليتش، الامبراطور المُستقبلي للعالم!

 ألا نُلاحظ هنا الجنون الذي يؤمن به كل من هو في هذه الامبراطورية الديكتاتورية- ألمانيا النازية في الواقع؟

إنه الجنون الذي يحاول المُخرج التركيز عليه حتى أن الكاميرا تقوم بتصوير جاربتيش من منسوب مُنخفض لتعظيمه، وظهوره في الكادر وكأنه عملاق- أي ليس في حجمه الطبيعي.


هنا، كان لزاما على الحلاق اليهودي الصعود إلى المنصة من أجل إلقاء كلمته كديكتاتور وإلا تم كشفه هو وشولتز؛ ومن ثم سيتم اعتقالهما وإعادتهما إلى مُعسكر الاعتقال، أو التخلص منهما بالقتل، فنراه يقف هنيهة أمام الميكروفونات في حيرة من أمره، لكنه يستقر فجأة لينطلق في قوله: آسف، لكني لا أريد أن أكون امبراطورا، ذلك ليس عملي، لا أريد أن أحكم أو أغزو أي شخص، أود مُساعدة كل الناس، يهودي، غير يهودي، أسود، أبيض، كلنا نريد مُساعدة بعضنا البعض، هكذا الإنسانية، نريد العيش مع بعضنا البعض في سعادة وليس في بؤس، لا نريد كراهية أحدنا للآخر في هذا العالم، إن الأرض الطيبة غنية، ويمكنها إطعام كل شخص، الحياة يمكن أن تكون حرة وجميلة، لكننا فقدنا الطريق، لوّث الطمع أرواح الرجال، حصّن العالم بالكراهية، خطونا كالحمقى نحو إراقة الدماء، طورنا السرعة لكننا جمدنا أنفسنا، الآلات جعلتنا بلا عمل، معرفتنا جعلتنا مُتهكمين، ذكاؤنا صعب وقاسٍ، نفكر كثيرا، ونشعر قليلا، نحتاج الإنسانية أكثر من الآلات، نحتاج الشفقة واللطف أكثر من الذكاء، بدون هذه القيم ستكون حياتنا عنيفة ونفقد كل شيء، الطائرة والراديو قاربا بيننا، هذه الاختراعات تنادي الطيبة في الرجال، تنادي الأخوة العالمية لوحدتنا جميعا. حتى الآن، صوتي يصل للملايين، ملايين اليائسين من الرجال والنساء والأطفال، ضحايا نظام يعذب الرجال، ويسجن آخرين أبرياء، إلى أولئك الذين يسمعونني أقول: لا تيأسوا، البؤس فوقنا، لكن الطمع سيزيل مرارة الرجال الذين يخافون طريق التقدم الإنساني، كراهية الرجال ستزول، والطغاة سيموتون، والقوة التي سلبوها ستعود للناس، الرجال يموتون، لكن الحرية لن تموت. أيها الجنود، لا تمنحوا أنفسكم للوحوش، هؤلاء الذين يحتقرونكم ويستعبدونكم، الذين نظموا حياتكم، وأملوا عليكم مُعتقداتكم ومشاعركم، هؤلاء الذين يعاملونكم كالماشية، ويستغلونكم كوقود للحرب، لا تعطوا أنفسكم لهؤلاء الرجال، كرجال آليين بعقول آلية وقلوب آلية، أنتم لستم آلات، ولستم ماشية، أنتم رجال، حب الإنسانية داخلكم، لا تكرهوا إلا الكراهية والحقد غير الطبيعي. أيها الجنود، لا تحاربوا من أجل العبودية، حاربوا من أجل الحرية، يقول القديس لوقا: مملكة الإله داخل الرجل. ليس في رجل واحد، ولا مجموعة رجال، لكن في كل الرجال، فيكم. عندكم القوة لصُنع الآلات، القوة لخلق السعادة، لديكم القوة لجعل هذه الحياة حرة وجميلة، لجعل هذه الحياة مُغامرة رائعة، باسم الديمقراطية دعونا نستعمل تلك القوة، دعونا نتحد، دعونا نُكافح من أجل عالم جديد. عالم سيعطي الرجال فرصة للعمل، سيعطي الشباب المُستقبل والأمن في الشيخوخة، بتلك الوعود وصل الطغاة للسُلطة، لكنهم يسترخون، ولا ينجزون ذلك الوعد، ولن يفعلوا أبدا، الطغاة يحررون أنفسهم، لكنهم يستعبدون الناس، الآن، دعونا نحارب لإنجاز ذلك الوعد، دعونا نحارب لتحرير العالم للتخلص من الحواجز الوطنية، للتخلص من الطمع والكره والتعصب، دعونا نكافح من أجل عالم عاقل، عالم حيث العلم والتقدم سيؤديان إلى سعادة الجميع. أيها الجنود، باسم الديمقراطية دعونا نتحد.


دعنا نقتطع هذا الخطاب- كما جاء تماما- من السياق الفيلمي، والسياق الزمني الذي صُنع فيه الفيلم، وننتقل به إلى أي سياق آخر في عصرنا الآني، هل ستختلف قيمة الخطاب، وما يدعو إليه من قيم سامية وإنسانية لا بد من الالتزام بها؟

بالتأكيد لا، فهو صالح لأي زمان ومكان، بل هو صالح لزماننا أكثر من صلاحيته للزمن الذي صُنع فيه- فما أشبه اليوم وما يدور فيه بالبارحة- ومن هنا تأتي أهمية هذا الخطاب الأيقوني في نهاية الفيلم كخطاب أخلاقي يدعو البشرية بالكامل من أجل التزامها الأخلاقي تجاه هذا الكوكب، وتجاه بعضهم البعض.

لكن، هل هذا الخطاب الأخلاقي- الأكثر قربا وشبها بالتفلسف، والذي استمر لست دقائق من زمن الفيلم- صالح على المستوى الفني من أجل تقديمه في فيلم سينمائي؟

إن تقديم خطاب الحلاق اليهودي كنهاية للفيلم بدا لنا في جوهره كمُحاضرة فلسفية في علم الأخلاق وما يجب أن تتحلى به الإنسانية في مثل هذه اللحظة الزمنية الراهنة، وتحدياتها، سواء على المستوى العلمي- أي ما وصل إليه العلم- أو المستوى السياسي، أو المستوى الإنساني، وهي مُحاضرة مُنفصلة تماما عن الجسد الفني للفيلم السينمائي الذي سبقها، بمعنى أن تشارلي تشابلن هنا قد أفسد فيلمه على المستوى الفني بسبب مُحاضرته/ خطبته الطويلة التي ألقاها، فضلا عن أنه طوال أحداث الفيلم لم يقدم لنا شخصية الحلاق اليهودي باعتباره مُهتما بأي مما تحدث عنه، ولم يبد عليه أي شيء من ذلك، أو حتى مقدرته على إلقاء المواعظ، بل بدت عليه البلاهة والطيبة والسذاجة أكثر مما بدا عليه النضج، وهو ما يجعل ظهوره لنا في الختام كمُفكر أو فيلسوف، أو أخلاقي من الأمور التي لا يمكن لها أن تقنعنا على المستوى العقلاني أو المنطقي، فما بالنا بالمستوى الفني الخاص بالفيلم.


 كما أن ثمة مُلاحظة لا يمكن لنا تجاوزها في مثل هذا المشهد الطويل، فحينما بدأ الحلاق اليهودي في إلقاء خطبته الأخلاقية الطويلة لم يحاول التماهي مع شخصية الديكتاتور هينكل- باعتباره هو في مثل هذا الموقف- كما لم يتماهى مع شخصيته الفيلمية كحلاق، بل رأينا أمامنا على الشاشة تشارلي تشابلن نفسه، تشابلن الحقيقي الذي نعرفه على أرض الواقع كإنسان ومُمثل ومُخرج، حتى أن قسمات وجهه، ونظرات عينيه، بل ونبرة صوته الطبيعية هم ما رأيناهم أمامنا على شاشة العرض، ومن ثم فلقد انفصل تشارلي تشابلن تماما عن جسد الفيلم في مشهد الختام، ولم يعنه الفيلم وما يرغب في تقديمه بشكل فني، بل عاد إلى طبيعته الواقعية، مُتحدثا عما يؤمن به، مُعبرا عن موقفه الأخلاقي الشخصي في هذه اللحظة التاريخية المفصلية من تاريخ البشرية، وهو ما أدى إلى إفساده للفيلم على المستوى الفني- كسر الحائط الرابع، أو التواطؤ المُفترض وجوده ما بين صانع العمل الفني والمُتلقي.

إن الفيلم الأمريكي "الديكتاتور العظيم" للمُخرج الإنجليزي تشارلي تشابلن من أهم الأفلام التي تحدثت عن هذه اللحظة المفصلية والكارثية من تاريخ البشرية بتناوله لشخصية أدولف هتلر ومحاولة السُخرية منه، والتهكم عليه من أجل تفكيك شخصيته الأسطورية المُخيفة- فالسُخرية والتهكم قادران على هدم الأساطير وإسقاطها بسهولة بإزالة القداسة عنها- وهو ما نجح فيه بالفعل على طول الفيلم حيث أننا كنا- في جوهر الأمر- نضحك على هينكل/ هتلر في كل المشاهد التي رأيناه فيها، أي أننا كنا نسخر منه ومن أنانيته، وطفوليته، وحمقه، واندفاعه، ونوبات غضبه غير المُبررة والفجائية، في حين أننا كنا نضحك مع الحلاق اليهودي في المشاهد التي رأيناه فيها، أي أن تشارلي تشابلن هنا- كمُخرج- كان مُدركا تمام الإدراك الهدف الراغب في الوصول إليه من صناعته لفيلمه- سقوط القداسة المُحيطة بهتلر بالكامل لتسهيل تفكيك شخصيته، وأسطورته التي نجح في صناعتها وتخويف العالم بأكمله منها.

صحيح أنه حينما قام بصناعة فيلمه لم يكن هتلر قد قام بجنونه الذي قام به فيما بعد- أي أن الفيلم هنا حينما نشاهده اليوم نُدرك أنه كان فيلما استشرافيا لما سيحدث في المُستقبل- لكنه بتأمله للمُقدمات التي كان يقوم بها هتلر- وأي ديكتاتور مثله- استطاع اليقين من أن كل هذه الجرائم التي قام بها فيما بعد ستحدث لا مُحالة، وهو ما تم على أرض الواقع فيما بعد.


فيلم "الديكتاتور العظيم" في جوهره ليس فيلما عن أدولف هتلر والنازية، ولا عن موسوليني والفاشية، بل هو فيلم عن كل الديكتاتوريات على مستوى العالم، هو فيلم يحمل في باطنه بذور نجاحه ومُناسبته لكل العصور وما يدور من حولنا حتى هذه اللحظة الراهنة التي نعيش فيها- فاليوم لا يختلف إطلاقا عن الأمس إن لم يكن أكثر سوءا- ومن ثم يصبح هذا الفيلم من الأفلام الصالحة لكل زمان ومكان، حتى أنه ما زال يبدو لنا شديد النضج والطزاجة وكأنه قد صُنع اليوم للتعبير عن الواقع الذي نعيش فيه، لولا الدقائق الست الختامية من الفيلم التي بدت لنا مُنبتة الصلة تماما عنه- على المستوى الفني- مما جعلها تُفسد المُشاهدة رغم أهمية الخطبة الأخلاقية التي ألقاها المُخرج، وصلاحيتها حتى اليوم، وانطباقها على ما يدور من حولنا، لكنها صالحة أكثر لبطون الكتب، والمُلتقيات الثقافية والفكرية أكثر من مُناسبتها لفيلم سينمائي يُقدم الفن، والأسلوبية وعدم المُباشرة على السطحية والفجاجة.

 

 

 محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".
عدد يناير 2026م.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الثلاثاء، 20 يناير 2026

يُحكى أن: ذهنية الفكرة ودورها في اتساع العالم الإبداعي

للمرة التي لا نعرف عددها بالتحديد تبزغ في ذهننا الكثير من الأسئلة اللامُتناهية عن السبب في ضيق العالم الإبداعي للعديد من الكاتبات. ما الذي يجعلهن مُنحصرات في إطار ضيق، خانق؟ ما السبب في عدم ثراء التجربة الإبداعية لديهن؟!

ربما لا نستطيع إنكار أن الضغوط الاجتماعية على المرأة قد ساهمت إلى حد بعيد في انغلاق الدائرة على الكاتبات، ومن ثم انغماسهن داخل ذواتهن؛ وبالتالي حينما يحاولن التعبير عن أنفسهن لا يستطعن هدم الجدران الخانقة المُحيطة بهن، والتي حددت لهن حدود عالمهن الذي من المُمكن لهن التعبير عنه، أو التحرك فيه، وهو ما أدى بالضرورة إلى النظر بالكامل داخل ذواتهن فلم يجدن سوى عالمهن الضيق، حيث التعبير عن مُعاناتهن اليومية مع الرجل المُهيمن، أو المُجتمع الخانق، أو التركيز على مشاعرهن الفائضة والمنُسكبة غالبا- وهو ما نراه في الأغلب من الكتابات النسائية- في مُقابل برودة مشاعر الرجل، أو عقلنته ومنطقته لكل ما يحيط به، أو سعيه الدائم إلى عدم التعبير عن مشاعره، أو انسكابها بشكل واضح أمامهن، وإلا اكتسب بعض الصفات الأنثوية نتيجة لهذا التعبير عن المشاعر- حسب الثقافة الذكورية التي ترى أن الرجل العاطفي أقرب إلى الأنوثة منه إلى الرجولة التي تحتاج إلى الصلابة، وكتمان المشاعر، وعدم التعبير عنها بوضوح، أو حتى البكاء!

إن إغلاق الكاتب لعالمه الإبداعي على نفسه، والانفصال عما يحيط به، والاستغراق فيه بالكامل قد يكون شكلا من أشكال التجربة الإبداعية في العديد من الأجناس الفنية، وهو شكل فني فريد في فنيته، وصعب في مُمارسته لمن يراه سبيلا للتعبير الفني، وهو شكل وأسلوبية رأيناهما في العديد من الأعمال الفنية سواء كانت مكتوبة أم مرئية، ولعل هذا الشكل الفني يلاقي الكثير من التميز والنجاح لمن يجيده، ويُدرك آلياته، لكن ليس معنى هذه الفرادة أن يلجأ الكاتب إلى إغلاق عالمه الفني بشكل مجاني اعتمادا على مقدرة هذا الشكل الفني على التميز والفرادة، بمعنى أن هذا الشكل الفني في حاجة ماسة إلى عالم خاص، وكاتب لديه المقدرة على الانغماس داخل هذا العالم، والانفصال به عما يحيطه، أي يمتلك الأدوات الفنية الخاصة التي تتيح له هذا الشكل الفني، أما أن نلجأ إليه لمُجرد أن التجربة الإنسانية للكاتب ضيقة ومُحددة فسيؤدي ذلك بالعمل الناتج إلى شكل من الكتابة يكاد أن يشبه الثرثرة، أو مُجرد الكتابة الذهنية التي لا معنى لها نتيجة لفرط جفافها، وعدم اندماج التجربة الشعورية مع المُفردات التي يعبر بها الكاتب صاحب التجربة، وبالتالي سنرى في النهاية تجربة قاحلة يسودها الكثير من الجفاف والتصحر نظرا لعدم وجود روافد تعمل على تغذية تجربته.

صحيح أن المرأة الكاتبة- لا سيما في منطقتنا العربية- في حاجة ماسة للتعبير عن نفسها، لكنها حينما رغبت في هذا التعبير لم تجد سوى ذاتها الخاصة جدا التي انكفأت عليها، وبالتالي صار العالم بالكامل بالنسبة لها هو مُجرد التعبير عن مشاعر شديدة الخصوصية- قد لا تعني الآخر بقدر ما تعنيها وحدها- أي عدم الانفتاح على العالم والتعاطي معه، والاشتباك، مما أدى إلى أنها أحاطت نفسها- مثلها في ذلك مثل المُجتمع المُحيط بها- بمجموعة من الجدران السميكة التي حددت لها تجربتها الإبداعية، التي إذا ما حاولت تخطيها وقعت في الارتباك وعدم المقدرة على الاستمرار في نسج عالمها الإبداعي؛ فتفضل هنا المزيد من الانكفاء على الذات والحديث عن مشاعرها المُنسكبة في مُقابل رجل خالٍ من الإحساس، غير قادر على الشعور بها أو التعاطي معها، ظالما إياها طوال الوقت، أي إحالة العالم بالكامل إلى ضدين مُتنافرين أحاديين، بدلا من أن يكونا مُتكاملين قادرين على تشكيل عالم مثالي في صورته الطبيعية، حيث يتكامل الطرفان فيه مع بعضهما البعض.

هل معنى ذلك أن التجربة الإبداعية لا يمكن لها أن تنطلق من الذات؟

بالتأكيد نحن لا نذهب إلى مثل هذا الاحتمال؛ لأن الذهاب إلى هذه الفرضية قادر على هدم العملية الإبداعية بالكامل، فالتجربة الإبداعية في جوهرها عملية شديدة الذاتية والخصوصية، تبدأ من الذات لتنطلق إلى العالم الواسع من حولنا مُتماهية معه، مُتعاطية مع مُفرداته، مُشتبكة، قادرة على خلق وبناء عالم آخر وجديد وفريد حسب رؤية وثقافة المُبدع- تخطي العالم الواقعي إلى عالم فني فريد في بنائيته ودهشته- لكن الإشكالية التي نتحدث عنها هنا تختلف تماما، فالعديد من الكاتبات ينطلقن من الذات/ الخاص لينتهي بهن الأمر إلى المزيد من الخصوصية، وهن من خلال هذه الخصوصية يُحلن العملية الإبداعية بالكامل إما إلى مجموعة من الرموز التي تحتاج إلى الكثير من الجهد من أجل التعاطي معها وإدراكها- وكثيرا ما لا يتم إدراكها- أو إلى ثرثرات لا طائل من ورائها نتيجة لذهنية الفكرة الخالية من أي تجربة شعورية، أو واقعية، أو ينزلقن إلى التعبير عن الوجع والشكوى الدائمين اللذين لا حل لهما، وكأنهما قدر سيزيفي لا يمكن الفكاك منه- المرأة الموجوعة إذا ما جاز لنا التعبير!

إن الكاتب المُنغلق على ذاته قادر بالتأكيد على التعبير عن هذا العالم بفنية ومهارة من دون الاستغراق في الغموض والثرثرات، ولعلنا قرأنا العالم الإبداعي للروائي التشيكي Franz Kafka فرانز كافكا، ومقدرته على إحالة العالم بالكامل إلى عالم فني خاص به، شديد الانكفاء والخصوصية، يمتلك من الدهشة والحيوية ما هو قادر على إدهاشنا حتى اليوم في مُقابل كاتب آخر مُنفتح على العالم بالكامل مثل الكاتب الروسي Anton Chekhov أنطون تشيخوف- على سبيل المثال- فالبون بين العالمين شاسع إلى حد بعيد، ولكن كل منهما تميز في العملية الإبداعية لامتلاكه لمُفرداتها، وتميزه فيها.

كذلك في مجال السينما، ثمة مُخرج قادر على عزل عالمه الفني تماما عن كل ما يحيط به، حتى أن العالم يتحول كلية إلى عالمه الفني الذي يرغب في التعبير عنه فقط، ومن خلال وجهة نظر شديدة الضيق والخصوصية، بل والأدلجة أيضا مثل المُخرج المجري Béla Tarr بيلا تار، وعالمه الشديد الخصوصية، في مُقابل مُخرج قادر على التعبير عن العالم المُحيط باتساعه، والتعاطي معه والاشتباك بأسلوبيته الخاصة مثل المُخرج الأمريكي Woody Allen وودي ألان- على سبيل المثال- بأسلوبيته المُفرطة في السُخرية من كل شيء، حتى لو كانت هذه السُخرية من ذاته، أو من دينه، أو من عاداته وتقاليده!

إذن، فالإشكالية الفنية هنا في بناء العالم الإبداعي والفني ليس المقصود منها إغلاق المُبدع لعالمه الفني والاستغراق فيه حتى النخاع، أو الانفتاح على العالم من حوله بقدر ما هي إشكالية الكيفية، أو الآلية. كيف يمكن لنا تأسيس عالم إبداعي- بأي شكل يراه المُبدع- شريطة مقدرته على الخوض فيه، والتعبير عنه، وامتلاك أدواته الخاصة، ومنحه لسحره الخاص، ومن ثم الانتهاء منه بعمل فني ناجح في تقديم عالم فني جديد يتميز بفرادته أكثر مما يتميز بهلاميته نتيجة استغراقه في الذهنية الجافة الرتيبة التي لا معنى لها.

بمعنى أكثر وضوحا: إن آلية صياغة عالم فني، وتأسيسه لا يمكن لها الاعتماد على الأفكار الذهنية وحدها، أو الانغماس في الذات وحدها، صحيح أن العالم الفني ينطلق منهما، لكننا إذا ما ظللنا رهن هذه الذهنية أو الذاتية، ولم ننفتح على ما يحيطنا؛ انهار هذا العالم الفني في نهاية الأمر، وبدا لنا هلاما لا معنى له، أو مُجرد ثرثرات سقيمة قادرة على الإطاحة بالعالم الفني في نهاية الأمر.

المُخرج الأمريكي وودي ألان

هذه التأملات في ماهية العملية الإبداعية كانت نتيجة ضرورية، ورد فعل طبيعي أثناء مُطالعتنا للمجموعة القصصية "يُحكى أن" للقاصة السعودية ندى الحائك، صحيح أن المجموعة متفاوتة إلى حد ما في قصصها، وصحيح أن الكاتبة تمتلك من اللغة والأسلوبية ما يجعلها قادرة على التعبير عن ذاتها، وتحويل المُفردات إلى صور مُعبرة في الكثير من الأحيان، لكنها علقت داخل ذاتها طوال الوقت، غير قادرة على الخروج منها؛ مما جعل قصص المجموعة مُتشابهة إلى حد بعيد في التجربة الفنية والإنسانية، فضلا عن بعض القصص التي غرقت في التهويمات، واللامعنى نتيجة الإفراط في الذهنية التي لجأت إليها الكاتبة لمُجرد رغبتها في مُمارسة فعل الكتابة لمُجرد الكتابة، أو دفع الوقت بالوقت بتعبير آخر ربما يكون أكثر مُناسبة.

في قصة لها بعنوان "يُحكى أن: غبار الرحيل قد ينجلي في يوم ما ليعيد إلينا ما كان"، لا بد لنا أولا من التوقف أمام العنوان الطويل، فالكاتبة قد اختارت لمجموعتها أسلوبية تخصها تعتمد على الحكي، وهو أمر جلي من عنوان المجموعة "يُحكى أن"؛ ومن ثم بات علينا أن نتقبل صاغرين أي عنوان قد تأتي به مهما كان غريبا، أو طويلا، فهي تعتمد على آلية الحكي، حكي الحكايات، وهو شكل فني رأت الكاتبة أنه الأكثر مُناسبة لمجموعتها، وليس من حق أحد مُناقشة المُبدع في اختيار الشكل الفني الذي يراه مُناسبا لما يقدمه، وبالتالي فنحن هنا نتقبل العنوان الطويل الذي هو شكل مُتبع في جميع عناوين قصص المجموعة، صحيح أن عنوان المجموعة بالكامل هنا قد يجعلنا مُهيئين للحكايات تبعا لمفهومها في الموروث الشعبي- وهو ما لم تفعله الكاتبة مما أدى إلى انفصال الشكل عن المضمون- لكنه يسمح لها إلى حد كبير في اختيار عناوينها كما رأيناها داخل المجموعة.

في هذه القصة سنُلاحظ مفهوم استغراق الكاتبة في عالمها الخاص تماما حتى أن العالم بكليته سيتحول إلى ما تتحدث فيه فقط، أي زوال العالم الخارجي. فهي تتحدث عن مُعاناتها وشعورها الكبير بالخسارة لأن حبيبها قد قرر الرحيل إلى مكان آخر؛ فهو راغب في استكشاف العالم، في حين أنها لا ترغب من العالم سوى حبيبها، أي أنه قد تحول إلى العالم بالنسبة لها، وبالتالي فرحيله هنا لا يعني سوى زوال عالمها الخاص، وانهياره، ورغم أنها غير راغبة في رحيله، ورغم أنه يتحدث إليها دائما عن أحلامه في الرحيل إلا أنها لا تحاول إثناؤه عن هذ القرار، ولا تناقشه فيه، بل تقوم بفعل الاستقبال المُتألم فقط مُعتمدة في ذلك على الرجاء، وتراجعه عن قراره؛ مما يدفعنا إلى التساؤل: إذا ما كان الحبيب هنا بالنسبة لها هو العالم بأكمله، وإذا ما كان رحيله يعني بالنسبة لها انهيار العالم، فلِمَ لم تتخذ أي بادرة من أجل إثنائه عما يريد، ومن ثم ألقت بالمسؤولية عليه وحده في إيلامها بسبب هذا الرحيل؟

تقول الكاتبة: "كان لكل منا حِزم مُختلفة من الأحلام قطفناها من بستان الحياة، كانت حزمتي من عبير عيش هانئ برفقتك، وأنت كانت حزمتك مشعلا من الاندفاع والمُغامرة، توقدها بأحلامك، وبوقودها ودخان لهبها تخنق عبيري ليتلاشى، لم أكن أعلم ما هو سبب صمتي، أكان لأني لم أجرؤ أن أطفئ قناديل عينيك باعتراضاتي التي لن أجد لها صدى في وجه تصميمك وعزمك على الطيران خارج العش، أم ربما لأني كنت أستبعد أن تفعلها حقا، وأنك ستفكر بي إن غادرتني، وتثنيك نظرة الرجاء الصامتة في عيني عن الرحيل؟".

مع تأمل الاقتباس السابق من القصة سنفتح الأفق للعديد من التساؤلات المشروعة: لِمَ فضلت القاصة هنا الصمت رغم تعلقها به، ورغم أنه يفضي لها دائما بآماله وطموحاته، وإذا ما كانا مُرتبطين كما هو واضح، فما الذي يمنعها من نقاشه، أو حتى الرحيل معه بدلا من إلقاء اللوم عليه في مشاعر الوجع، والألم اللذين تتحدث عنهما طوال الوقت؟ هل أحلام الحبيب هنا من المُمكن لنا اعتبارها جرما بما أنها تتناقض مع رغبتها في البقاء؟ وهل هي خيانة، أو تخلٍ عنها رغم أنها لم تُبد له أي اعتراض على ما يرغب فيه؟! إن القصة هنا فاقدة لمنطقها، وبالتالي لا يمكن للقارئ التعاطي أو التعاطف معها؛ فهو لم يرتكب جرما بحلمه، لكنها ارتكبت الجرم في حق نفسها بالصمت، أو بقرارها في عدم طلبها للرحيل معه رغم أنه بالنسبة لها العالم بالكامل: "تُردد على مسمعي أنك تريد أن ترى العالم، أي عالم سيكون بدونك؟ ألا تعلم أنك عالمي؟ كيف تقول أنك تائه في هذا الكون، وأنت نصبت نفسك ملكا لكيان تزهر فيه أزهار الربيع بنظرة من عينيك؟".

إن الراوية هنا في القصة مُجرد شخصية سلبية، وهي مُصممة على أن تكون هكذا بدلا من اتخاذ القرار في الفعل، والنقاش، أو الاعتراض: "تسألني الموافقة على الرحيل؟ أوتحتاج موافقتي والقرار مرسوم على كل لمحة من وجهك؟ على جبينك الوضاح، في عينيك، في ارتفاع أنفك الشامخ، في شفتيك المزمومتين بتحذير من طوفان الدموع الذي هاجم مُقلتيّ".

إذن، فلا جرم هنا من المُمكن اتخاذ موقف ضده نتيجة سرد الكاتبة، وبالتالي لا يمكن لنا التعاطف معها في مشاعرها المكسورة، ودموعها التي لا تتوقف؛ فلقد وضعت نفسها في الموقف بقرارها، ثم بدأت في البكاء كالأطفال: "ترفع حقيبتك القماشية على كتفك القوي، وتمضي حيث البوابة الحديدية، وتقف خلفها، بيني وبينك تلك القضبان، أركض خلفك، لكن خطاي تتوقف عند البوابة حيث أتشبث بها كما تتشبث بقماش حقيبتك، انتفض قلبي وأنا أراك تخطو بعيدا عني، وليزداد انتفاضا عندما توقفت خطواتك والتفت إلى هامسا بصوت مُتحشرج بث الأمل فيّ لثوان معدودة: سندس. كانت إجابتي الوحيدة على ندائك الأخير لي، ذلك الذي لن أسمعه لفترة طويلة: أحبك. لعلي بتلك الإجابة أعيدك إليّ، فترمي حقيبتك العفنة تلك، وتُطلق سراح أمنياتي وابتهالاتي، لكنك أرسلت لي ابتسامة مُتلألئة، وأومأت لي، ومضيت تبتعد عني، حتى لم يبق منك إلا رائحة حماسك الذي أزكم أنفي المُحمر مُسبقا من بكائي الصامت".

ربما لاحظنا في هذا السرد القصصي أن الكاتبة تعتمد هنا على المونولوج، فليس ثمة حدث قصصي تعتمد عليه اللهم إلا المونولوج الداخلي، أو الحكي تبعا لعنوان المجموعة، أي التعبير عن المشاعر، وما تختلج به في داخل القاصة، لكن، رغم أنها تمتلك الحرية الكاملة في التعبير عن مشاعرها الخاصة تبعا لأسلوبية السرد المُعتمدة على البوح فهي لم تقدم لنا سببا مُقنعا من المُمكن لنا التعاطف معه، ومن ثم التعاطف معها على هذا الرحيل والألم الذي أحدثه بها حبيبها، بل لا نرى سوى قرارها في التزام الصمت أمام آماله وأحاديثه التي يفضي بها إليها! إنها حتى لم تطلب منه الرحيل معه، لنرى رفضه لذلك وبالتالي نستطيع إيجاد مُبرر منطقي لها على هذا الألم، ونشاركها ألمها، كل ما هنالك قولها: "طيري الشارد، كم كانت سهلة تلك الكلمات، تلك التي كان من المُفترض أن أقولها لك بكل نفس أمتلكه في رئتي، لا تسافر، لا ترحل عني، فبعدك لست شيئا يذكر، كياني صرخ بالجملة التي كانت لتغير كل شيء، أو ما كانت لتغير أي شيء، لا ترحل، ما أسهلها، وما أصعبها، لكني لم أجرؤ لأنك طيري الشارد، وما نفعل تجاه طائر يود بقوة الخروج من قفصه إلا أن نفتح له باب القفص ويحلق فاردا جناحيه كما يحب، لعله يعود في يوم ما إلينا ليكون لنا أبد الدهر"!

هل هذا منطق؟! بالتأكيد لا يمكننا تقبل هذا العذر في الاقتباس الأخير الذي انتهت به القصة، ومن ثم تصبح القصة بكاملها لا معنى لها، وغير قابلة للتعاطف، مما يحيلنا إلى التساؤل: لم تحبس القاصة هنا نفسها في البكائيات التي لا معنى لها، والمظلومية الأبدية رغم أنه لم يجن عليها، بل هي من اتخذت القرار في عدم مُناقشته في الأمر، وظلت صامتة مُستقبلة لآماله وطموحاته من دون إبداء أي رأي؟

الروائي التشيكي فرانز كافكا

إن الانغماس في الذات هنا جعل القاصة- من دون أن تدري- تُكرر نفسها لأكثر من مرة وتلح على المعنى مما أدى إلى سيولة الجملة القصصية التي من الأدعى لها أن تكون مُتماسكة، برقية، ذات قوام، خاطفة في التعبير- الاقتصاد في التعبير القصصي- وهو ما لمحناه جليا في قولها: "لم يكن الأمر إني لم أتنبأ بقدوم هذا اليوم، كنت أعلم أي طائر شارد أنت، كنت أعلم أنه مهما طالت المُدة سيأتي ذلك اليوم وتطير مُغادرا العش الذي بنيت فيه آمالا هدهدتها بتوسل صامت كل ليلة، بدعاء يستغيث ألا يأتي ذلك اليوم وتطير، أن تبقى تُدفئ العش الذي يقبع بين جوانحي، أن تزقزق فرحة رؤيتك كل صباح، كل مساء، وكل ساعة في فؤادي، أن تلتمع عيناي لهالة النور التي تحيط بك دوما، أن تلتهم كل تفصيل مُتحمس لك وأنت تتحدث عن تلك الرحلة التي ستأخذك بعيدا مني، إلى الحرية"!

ألا نُلاحظ هنا أن الكاتبة تُكرر نفسها، وتلح على المعنى وتحاول استقطاره حتى النهاية بأكثر من جملة حريصة على انتقاء المُفردات من أجل التعبير عن نفس المعنى، صحيح أنها تحاول هنا التعبير عن الحالة الشعورية التي تشعر بها، لكن إلحاحها على المعنى بمثل هذه العبارات المُنسالة لا يتوافق مع السرد القصصي مُتماسك القوام؛ مما يفقده حيويته.

في قصة "يُحكى أن: بين الوجع والتمني سلسلة خفية تقيدنا، بكلمة من حرفين فقط قد نُشفى، وبكلمة من حرفين قد نتوجع أكثر" تعتمد القاصة في قصتها على ذهنية الفكرة السائدة عن الرجل الكابح لمشاعره لأنها قد تُكسبه- في نظر المُجتمع- شيئا من الأنوثة، وبالتالي لا يعبر عن مشاعره الحقيقية، ويُفضل إخفائها عن الجميع، حتى عمن يشعر تجاهه بالحب مما يجعله في النهاية قد يندم على عدم انتهاز الفرصة في التعبير عن هذه المشاعر التي يكنها لمن أمامه، حيث تعبر القاصة عن امرأة مُحبة تقف خلف زجاج غرفة العناية المُركزة مُتابعة لحبيبها الذي يحاول الأطباء إنقاذه بكافة الطرق المُمكنة، ومُساعدته على التمسك بالحياة، وعدم المُغادرة، فتتخيل القاصة الرجل الذي في غرفة العناية المُركزة وقد انفصلت روحه عن جسده ليتابع حبيبته التي تبكي عليه بحرقة وألم، محاولا الاعتذار لها لأنه كان جلفا معها، مُخفيا لمشاعره طوال حياته معها رغم حبه الشديد لها، لكن رغم هذه الرغبة في الاعتذار لها إلا أنها لا تدري به لأنه بات مُجرد روح مُنفصلة عن جسدها، أي أن ثمة فكرتين هنا اعتمدت عليهما القاصة في قصتها: فكرة التقابل الدائم بين مشاعر المرأة المُنسالة والواضحة، وبين مشاعر الرجل الجامدة- أو التي تبدو جامدة- وهي فكرة شائعة دوما، بينما الفكرة الثانية هي التساؤل عن انتهاز الفرصة في الحياة للتعبير الصادق عن مشاعرنا بكل وضوح قبل انسراب الوقت من بين أيدينا.

فهو هنا يقف قبالتها مُتأملا إياها في بكائها ونواحها عليه، شاعرا بالكثير من الألم بسبب دموعها عليه رغم أنه كثيرا ما تسبب في بكائها حينما كان حيا: "لا، لا تبكي، صرخ بها في دواخله ولم تخرج من شفتيه مُطلقا، لم ينهرها أبدا على بكائها إلا الآن، ليس وهو يرى ألمها ومصابها، لا يريد بكاءها، لا يستمتع به كما كان من قبل، وهي تبكي حبيبها بكل هذا الألم، لا يريدها أن تبكي"، أي رغم أنه كان يستمتع ببكائها فيما قبل، وكان هو السبب الدائم فيه، إلا أنه الآن يشعر بالكثير من الألم حينما رآها تبكيه، ويحاول منعها من فعل ذلك، لكنه لا يمتلك المقدرة على إخبارها بالأمر، أو منعها.

إن انفصال روح الحبيب هنا عن جسده جعله يرى الأمور بشكل أكثر وضوحا، رأى أنه كان جامدا معها، غير قادر على بثها مشاعره التي يكنها داخله تجاهها، وهو ما يندم عليه الآن: "جلس على ركبتيه أمامها، على تلك الأرضية الرخامية في ذاك المُستشفى البارد هاتفا: لا تبكي عليه، فهو أحمق، جلف، جامد، جاف، يبكيك بدلا من أن يضحكك، يحب إغاظتك بدلا من تدليلك، يريدك له وحده دون أن يخبرك كل يوم كم أن حياته جميلة بوجودك فيها، أحمق، صخر هو كالصخر، لا حياة فيه، لا يقدرك، أحمق يا يمامتي الرقيقة".

إذن، فالكاتبة هنا تعتمد في قصتها كلية على كبح الرجال لمشاعرهم تجاه المرأة التي يحبونها ظنا منهم أنهم لا يليق بهم التعبير عن مشاعرهم، وبالتالي فهم لا بد لهم أن يندموا على عدم انتهاز فرصة التعبير عن هذه المشاعر التي يحاول "صخر" التعبير عنها الآن لحبيبته، لكنها لا تستمع إليه لأنه قد بات روحا مُنفصلة عن الجسد، وحينما يأتي ابن عمها الذي يشعر تجاهها بالكثير من المشاعر، وتُدرك روح "صخر" أن حبيبته ستكون في نهاية الأمر لابن عمها- غريمه- الذي كان ينافسه فيها يشعر بالمزيد من الألم والندم على عدم البوح لها بكل وضوح بمشاعره أثناء حياته: "لو أن القدر يعطيه الفرصة، فرصة أخيرة ليبث لها حبه، ليعوضها عن الحرمان العاطفي الذي كان يمارسه بحماقة تجاهها، لو أنه قدم لها قلبه على طبق من ذهب ما كان ليتجرع الألم هنا وحده، جثة هامدة وروح ضائعة تتلقفها سلسلة، لو، التي لا تنتهي".

إذا ما تأملنا القصة السابقة لوجدنا أن القاصة ندى الحائك هنا قد حبست نفسها في عالم شديد الضيق، عالم ثنائي الجنس: رجل وامرأة، مشاعر وجلافة، إحساس وبلادة، لقد قامت بتحويل العالم بالكامل إلى ضدين في مجموعتها القصصية، وهما ضدين بين الجنسين في نهاية الأمر، أي أنها مُنحبسة في التعبير عن بلادة الرجل في مُقابل شاعرية المرأة، وهو ما لاحظناه في القصة السابقة أيضا، حيث كانت ترغب في التعبير عن الرجل الذي لا يشعر بها في حين أنه يهتم بآماله وطموحاته فقط.

هذا الإصرار في التأكيد على فكرة بلادة الرجل الدائمة هو ما نلمحه مرة أخرى في قصتها "يُحكى أن: عمر الشرف.. وطن!"، حيث تتحدث القاصة عن رجل وامرأة أصابتهما السكتة الكلامية- وهو أمر شائع بين الأزواج بعد مرور فترة طويلة على زواجهما، وعدم السعي باتجاه التجديد أو المُشاركة- لذا تكتب: "أذكر يوم أن سكت الكلام بيننا، لم نجد في قواميسنا طارئا ينعش الجثث الهامدة من الأحرف، أقمنا جنازة للوصل وأنصتنا للصمت المدوي بيننا، ظن الجميع أن ما بيننا لن يندثر، وأن عشقا بدا أسطوريا لا بد يستمر أسطوريا، عبس الحب في وجهنا وفر من الباب وليس من النافذة، فر أمامنا ولم نجد إلا أن نشيعه بنظراتنا البليدة، لم يعد عزف قلوبنا يثنيه عن المُغادرة، بل مات العزف كما مات كل شيء آخر فينا".

المُخرج المجري بيلا تار

إذن، فنحن هنا أمام حالة زوجية في حاجة إلى النقاش والتواصل من أجل تجاوزها، لكن الكاتبة تعبر عن جمود الزوج وعدم رغبته في التواصل بكتابتها: "هززت رأسي أنفض أفكاري لأقوم بمحاولة أخيرة لإنعاشنا: ماذا تقرأ؟ لا شيء. اقرأني! قلتها محاولة أن أثير فيك حسا لا أعلم ما هو، لكنك نظرت إليّ بطرف السُخرية وقلت: ما هذا الجنون؟ أجمل من جنون العالم الذي تقرأه. لقد قصفوا أربعة منازل في مكان ما في العالم، لا مكان لهرائك هذا. أكانت منازل فؤادي؟ احمر وجهك وقلت: مات عشرة آلاف في مذبحة ما. أكانوا نبضي؟ جننت أقسم بالله. نفضت الجريدة معاودا التحديق بها، وقلت لك: ماذا يقول لك قلبك؟ لا يقول شيئا يا امرأة! هل أنت غاضب لأجل العشرة آلاف الذين ماتوا؟ انتفض فكك وأمسكت بك مُتلبسا بالاهتمام الزائف: أك.. أكيد غاضب".

سنُلاحظ هنا أن الحوار بين الزوجين هو محض حوار عبثي لا يمكن معه التواصل بين الطرفين؛ فهو يتحدث بشكل عقلاني بينما هي تتحدث معه بشكل مُستغرق في المشاعر، وربما كان هذا هو سبب الفجوة التي نشأت بينهما، أي أنه كان لا بد من نقاش الهوة الحادثة بينهما بشكل أكثر مُباشرة ومنطقية بدلا من حديث كل منهما وانطلاقه من مُنطلق مُختلف لا يمكن له التلاقي مع الطرف الآخر.

إن هذا الحوار غير المُنسجم يؤدي بها إلى رغبتها في الرحيل عنه باعتباره صلدا، وجلفا غير قادر على الشعور بها: "نهضت من مكاني لتهدر بي: إلى أين يا ديار؟! حيث الاهتمام الحقيقي والصدق في الغضب، حيث يرتجف القلب لمنظر السماء التي تبكي على العشرة آلاف نبضة التي تموت كمدا على أكثر من بيت يقصف. لكنك وطني. أجبت مُغاضبا ناهضا من مكانك في فعل اعتراض حقيقي، لكنه اعتراض الطفل الذي تأخذ منه لعبته! أدرت ظهري لك وأنا أقول: ليس الوطن اسما تتغنى به ببلادة إحساسك، بل هو انتماؤك لكل ما تحمله هذه الأحرف الثلاثة من شرف وحب وأمومة. انتظري. سددت الباب بيننا وأنا أهمس لك: تصبح على شرف!

ألا نُلاحظ في هذه القصة شيئا غير قليل من التكلف المُتصنع؟ إنه التكلف في اسم الزوجة "ديار"، التكلف في الحوار الذي رأيناه في الاقتباس السابق، حيث يميل الحوار إلى الكثير من الخطابية، وتقديم النصيحة، وتعريف المفاهيم والمعاني. هذا التكلف المُتصنع هو ما قصدناه حينما تحدثنا عن انطلاق المُبدع من الفكرة الذهنية فقط لبناء عالم فني لا بد أن يؤدي بنا في نهاية الأمر إلى عدم المقدرة على التفاعل معه لأنه غير طبيعي، ولا تلقائية في التعبير عنه. إن الكاتبة هنا تنطلق من فكرة جاهزة، وهي فكرة الرجل البليد الإحساس تجاه المرأة المُشتعلة المشاعر دائما، وهو ما حاولت التعبير عنه في القصة السابقة على قصتنا هذه والتي بدت جيدة إلى حد ما، لكنها تظل في إلحاحها على التعبير عن نفس المعنى في العديد من القصص؛ مما يسقطها في الرتابة، وعلوقها في العالم الضيق الذي لا تستطيع الفكاك منه، حيث سقطت أسيرة لهذا العالم غير قادرة على التحرر منه، مما يعني أن العالم الإبداعي قد بات شديد الضيق، دافع للاختناق نتيجة للانغماس في الذات، والأفكار الذهنية الجاهزة!

إنها المُعاناة العاطفية الدائمة التي تشعر بها المرأة في مُقابل رجل بليد، مُتخلٍ، قاسٍ للأبد! هي ثنائية تنطلق منها القاصة ولا يمكن لها أن تحيد عنها، ومن ثم تحاول دائما بناء العالم القصصي من خلال فكرتها الجاهزة والمقولبة؛ مما يسقطها في التكرار في قصصها نتيجة رغبتها في النحت على مقاس أفكارها التي تتبناها، ففي قصة "يُحكى أن: عند نهاية كل غروب شمس تبدو معالم الجريمة"، ثمة إصرار على أن الرجل- ككائن مُشارك للمرأة على ظهر هذا الكوكب- هو سبب كل مُعاناتها، لأنه صلد، بارد، مُتخلٍ، بلا قلب تقريبا!

إنه الانغماس داخل الذات، والتقيد داخل عالم ضيق، فهي في هذه القصة، ومن خلال أسلوبية المونولوج، أو البوح المُعذب والباكي تتحدث عن حبيبها الذي أوهمها بأنهما سيعيشا معا للأبد في قصة حب أبدية، لكنها سُرعان ما يتخلى عنها بسبب الفوارق الطبقية، وعدم موافقة أسرته عليها، مما يورثها الكثير من الحزن والعذاب الأبدي الذي تعاني منه، فهو رغم تأكيده لها حينما سألته ذات مرة: "هل سنبقى معا؟ سألته ذات عشق لترتسم الابتسامة واسعة على شفتيه هامسا لها عند شروق شمس حبهم: أما كان بإمكانك أن تسألي سؤالا آخر؟ تعقد حاجبيها وتهمس له بخوف خالجها من ردة فعله: مثل ماذا؟ أمال رأسه نحوها وابتسامته لا زالت تتلألأ في عينيه ليقول بتنهيدة وهو ينظر إلى البحر: لا أحد يسأل لِمَ البحر كبير، ولا أحد يسأل لِمَ نحبه، فقط نقول كيف لا نحبه؟ انتفض قلبها الذي لم يفهم ما علاقة البحر بسؤالها ذاك، وران الصمت بينهما ليهمس لها: كيف لا نبقى معا ونحن نحب بعضنا؟! هذا ما قصدته يا شروقي".

إذن، فالراوية في القصة ترغب في التأكيد على أن حبيبها السابق الذي غدر بها ورحل عنها إنما أكد لها على أنه باقٍ معها إلى الأبد، وهو ما جعلها تبني الكثير من الفراديس التي تخيلت نفسها فيها معه، لكن لأن عائلته لها شروط خاصة فيمن سيرتبط بها، فلقد رضخ لهذه الشروط ورحل عنها لأنها لا تتناسب مع شروطهم، ومن ثم فهو- كرجل خاص بتلك المجموعة القصصية- مُتخلِ دائما، غير موثوق فيه، لا مشاعر حقيقية لديه، مُسبب دائم للألم والكثير من الخذلان، وهو ما نقرأه في: "لقد تضخم قلبها بفعل جرعات حبه الكاذبة، وأصبحت مريضة به، مريضة بكل ما كان يلقنه لها مع كل شروق شمس عند شاطئ الحب ذاك، لقد أورثها علة لن تبرأ منها أبدا، وبانطفاء الشروق الذي كان ذات حب؛ انطفأ قلبها بعلته التي أورثها لها حبيبها. مُجرم أنت يا حبيبي"! أي أن الراوية هنا ما زالت تستمرئ بإرادتها ورغبتها فعل مُمارسة القسوة عليها، وما زال هو حبيبها، لكنه الحبيب المُجرم الذي تحب إجرامه في حقها رغم أنها تراه قد تسبب لها في مُعاناة دائمة!

الروائي الروسي أنطون تشيخوف

إن اعتماد القاصة على أسلوبية المونولوج/ البوح، هي أسلوبية تخصها، وإن كانت لا تُحقق عنوان المجموعة/ الحكايات بالمفهوم الذي نعرفه؛ مما أدى إلى ثبات الحدث القصصي، وتوقف زمنه أيضا، أي أن القص هنا بدا لنا في نهاية الأمر استاتيكيا غير قابل للحركة في مُقابل ديناميكيته التي لا بد له أن يكون عليها. هذه الاستاتيكية التي انساقت لها الكثير من القصص في المجموعة القصصية لم تقصدها الكاتبة لغرض فني ما، ولكنها وجدت نفسها مُجبرة عليها، غير قادرة على التخلص منها بسبب الأسلوبية القصصية التي اختارتها لتقديم عالمها القصصي، ففي قصة "يُحكى أن: ذاكرة الحب شجرة لا تموت، بل تمتد جذورها عميقا في تربة الذكرى"، ثمة لا حدث في القصة مما أدى إلى تحول القص إلى مُجرد ثرثرة لا طائل من ورائها عن امرأة تتحدث عن مُعاناتها- بسبب رجل أيضا- لأن حبيبها كان مُتعدد العلاقات، وهي تعرف، ورغم معرفتها بالأمر إلا أنها كانت مُحتملة لكل نزواته بسبب حبها له، ولنقرأ الثبات الحدثي في: "أما كان بإمكان الحب أن يطيل عمره قبل أن يلملم ما له من أحاسيس ونبض يغادرك؟ أيغادرني وهو يراني أتساقط خريفا وهو يزدان ربيعا؟ لقد أبى إلا أن يكسر فيّ عنفواني ويشوه كبريائي، أبى إلا أن يزعزع أنوثتي بانتصاراته وغزواته التي كان يتباهى بها أمامي، تحت أنف حبنا، أأنا حمقاء لأسمح له بإهانتي وإذلالي في كل مرة يبتسم فيها لحمقاء أخرى ليست أفضل مني في شيء سوى أنها طريدة جديدة لم ينلها بعد؟! تراه هي الرجل المنشود، ويراها هو فريسة لنزواته العشقية، لا يراني ولا يرى أوراق عمري المُتساقطة تحت قدميه، كيف صار وأصبحت مُعذبي وقد كنت تخاف عليّ من نسمة الهواء التي تحرك أغصان حبنا ونحن نتشارك البقعة المُباركة بحبنا الأسطوري؟! عندما كنت تهمس لي بخجل وحدتك التي تلاشت بوجودي، وتنقش عليّ انتماءك لي وحبك، وعشقك".

بالتأكيد سنُلاحظ في الاقتباس السابق توقف كل شيء في الحدث القصصي- إذا ما كان هناك ثمة حدث قصصي- وأن كل ما هنالك مجموعة من البكائيات والرغبة في التعبير عن الإهانات التي واجهتها تلك المرأة مع الرجل الذي كان يحبها، والذي كان يتباهى أمامها بعلاقاته المُتعددة رغم ارتباطهما، أي أننا هنا أمام امرأة خادمة، تمتلك سيكولوجية العبد وليست سيكولوجية الحبيبة، تحب أن تكون في موضع الإهانة الدائمة ثم تجأر بالشكوى، وهو ما لا يمكن للقارئ التعاطف معه، لأنه لا يوجد أي شيء من المُمكن له أن يرغمها على تقبل هذه الإهانات سوى أنها امرأة مازوخية، بلا كرامة، ومن ثم سيفقد القارئ أي تعاطف معها مما يؤدي إلى هدم العالم القصصي- إذا ما كان هناك ثمة عالم- الذي يعتمد في المقام الأول على التعاطف مع الراوية في القصة بما أنه لا يوجد فيما نقرأه أي حدث اللهم إلا الشكوى والجأر بها.

تستمر القاصة على نفس طريقة الحكي اللاقصصي- إذا ما جاز لنا التعبير- على طول القصة، مما يجعل السرد مُجرد كلام مُرسل لا معنى له، أو مجموعة من الخواطر التي لا تنتمي إلى فن القصة القصيرة، لكن المُثير حقا للدهشة أن الكاتبة هنا بعد الكثير من الحديث الذي لا طائل منه، والذي لا يؤدي إلا إلى المزيد من الشكوى والتألم، والتعبير عن الإهانة التي لاقتها معه، تضع علامات فاصلة لتستمر في السرد، حيث تعبر عن محاولة لجوئه إليها في الكبر، وأنها لم تتخل عنه، وباتت مثل الشجرة التي تُظلل عليه رغم كل ما فعله طوال العمر الذي كان بينهما! أي أنها استمرت معه عمرا طويلا، وحينما بات شيخا غير صالح لغيرها، ولجأ إليها أظلته بظلها، ولم تتخل عنه: "استند إليّ أكثر وقد أحس ببادرة التعاطف المُحبة تجاهه وأسند رأسه وأغمض عينيه، سافرت أنفاسه مع النسائم ورقصت روحه مع أغصاني المُتحركة وأنا لا زلت أبكي معه، عليه، وعليّ أوراقا تساقطت من عمر ليته يتجدد فيك كما فيّ"!

إنها إشكالية محاولة إغلاق العالم تماما على مُبدع غير مُمتلك لأدوات هذا الإغلاق، فضلا عن انغماس الكاتبة في ذاتها، وتمحورها حول نفسها وعالمها الضيق الذي لا حدثية فيه نتيجة أفكارها الجاهزة حول ثنائية الرجل والمرأة التي لم تقدم لنا عالما قصصيا بقدر ما قدمت لنا ثرثرة مُنمقة بلغة قد تبدو جيدة.

الصورة الذهنية الجاهزة للرجل- والتي تتبدى لنا على طول المجموعة- سنُلاحظها مثلا في قول القاصة: "لا زلت أتذكر كيف كنت مأسورة بك، بكل حركة تصدر منك بكل كبرياء الإيحاء"، فالفكرة الذهنية هنا ترى أن الرجل لا يعترف بمشاعره بقدر إيحائه بها، وربما تكون هذه الصورة الذهنية أكثر إثارة للمرأة، لا سيما القاصة، كما نراها في قولها: "كنت دوما أؤمن أن مهمة الرجل هي المُبادرة، وكم كنت سعيدة بمُبادرتك"، إن الجملة هنا تعبر خير تعبير عن نسق ثقافي تراه المرأة، مما يعني أن مُبادرة المرأة في المشاعر، أو الرغبات، أو أي شيء آخر هو أمر مرفوض؛ فالرجل هو الوحيد صاحب المُبادرة، كذلك قولها: "قالها وهو يمسح دمعه الذي يهتز له عرش الإحساس، لا أسوأ من أن تنزل دمعة من شيخ كبير"، فإذا ما كانت الكاتبة هنا على طول المجموعة القصصية ترى أن الرجل- بشكل مُطلق- مُتبلد المشاعر، بارد، غليظ، غير قادر على الإحساس، إلا أنها حينما رأت رجلا قادرا على التعبير عن مشاعره استنكرت هذا الفعل، وهو ما رأيناه في الجملة السابقة!

إن الانغماس بالكامل في الذات، وإغلاق العالم لا بد أن يؤدي بالكاتب غير المُؤهل لذلك إلى مجموعة من الثرثرات التي لا معنى لها، وبالتالي يتحول السرد القصصي أو الروائي إلى مجموعة من الأحجيات التي لا معنى لها، والتي تجعلنا نتساءل غير مرة عن السبب في هذا الشكل من الكتابة الغامضة الضبايية نتيجة التمحور من حول الذات، في هذا السياق الضبابي رأينا بعض قصص المجموعة التي لم يكن لها أي ضرورة فنية أو غير فنية، فالكاتبة لم تقدم لنا شيئا مُهما أو مفهوما، وكان من الأجدى بها الإمساك عن الكتابة بسبب تمركزها الكامل حول نفسها، وأفكارها الجاهزة التي قد تبدو بلا معنى.

في قصة "يُحكى أن: قد تكتفي بالجهل حين تصبح المعرفة مُخيفة!" نموذج واضح على ما ذهبنا إليه، وفي هذا السياق نرى أن نسوق القصة بالكامل كنموذج للقارئ كي يُدرك ما الذي نقصده: "أرفرف بعينيّ، هذا الشعاع الذي يلهب أجفاني يؤلمني، أغطيها بكفيّ الصغيرتين وأتنهد مُستسلمة للألم، فهو إن كان غريبا لكنه غني بالنشوة، سيعيد إليّ بصري، سأبصر الورود والأزهار، اخضرار الحقول، وزرقة السماء، خيوط المطر الفضية، ندف الثلج الناصعة البياض، الندى مُستريحا على أوراق الشجر، سأرى ابتسامة الطفل الصغير وأتذوق بعينيّ صدمة شعاع الشمس، أريد أن أتشرب كل ركن من هذا العالم الجميل، لن أغمض عينيّ أبدا، لن أنام وأفوّت فرصة إبصاري هذا الجمال وهذه الروعة، أريد أن أتهجأ أبجدية الألوان النابضة بالحياة، لا مزيد من الأسود، لا مزيد من الظلمة، لا مزيد من الجهل. أبعدتُ يديّ عن عينيّ، رفرفتُ بجفنيّ ببطء، والنشوة تتوسع في صدري، أما الفرحة فكتمت أنفاسي اهتياجا، الآن سأبصر كل شيء، وأخيرا سأنهل من بحر معرفة الأشياء، سأرتاح من جهلي. تحيط بي الظلمة، كل ركن قد ينبعث منه خيط ضوء سددته، طردت المعرفة لكنها أبت إلا أن تسكن عينيّ، عينيّ اللتين شوهتهما المناظر التي رأيتها، لا مكان في هذا العالم لقوس الألوان الذي كنت أنتظره، فإن اصطبغ ما حولي بصبغة اللون إلا أن قلبه أسود، أسود حد الاكتئاب، حد القهر، ليت النور الذي أشعلته في عينيّ ينطفئ، ليتني اكتفيت بجهلي من بشاعة المعرفة"!

هذه هي القصة بأكملها كما كتبتها الكاتبة في مجموعتها القصصية، وبالتأكيد هي تؤكد للقارئ المعنى الذي ذهبنا إليه من أن الانغماس الكامل حول الذات والاستغراق فيها، وعدم وجود تجربة حياتية ثرية سيؤدي بالكاتب إلى إغلاق العالم الإبداعي، وهو الإغلاق الذي سيؤدي بالكاتب إلى مجموعة من الثرثرات التي لا طائل من ورائها، وسيجره إلى مجموعة من الأحجيات التي لا معنى لها، مما سيحيل العالم الإبداعي والسرد القصصي بالكامل إلى ما يشبه الخواطر، أو بوستات الفيس بوك التي لا معنى لها، ولا علاقة حقيقية ووثيقة لها بالعالم الأدبي والإبداعي.

لكن، هل معنى ذلك أن الكاتبة ظلت مُتمركزة حول ذاتها، غير قادرة على الخروج منها إلى العالم الأكثر اتساعا؟

استطاعت الكاتبة الخروج من عالمها الشديد الضيق للتعبير عن الحياة بشكل جيد في قصتين من قصص المجموعة البالغة تسع عشرة قصة، وهما قصتي " يُحكى أن: في قانون السعادة لا يوجد قانون"، وقصة "يُحكى أن: تكدس الأماني لا يعني عدم تحققها"، ففي القصة الأولى عبرت عن شاب فقد عمله، وظن أن الحياة قد انتهت بفقدانه لهذا العمل؛ مما يجعله يحاول الانتحار، لكن أحد المُشردين يحاول إنقاذه من الموت، ويبدأ في العزف على القانون مما يجعل العابرين يتجمعون من حوله للاستماع إلى عزفه، ومنحه بعض المال، وحينما يجمع الشاب الذي حاول الانتحار النقود القليلة التي تبرع بها المارة ويحاول إعطائها للمُشرد، يرفض أخذها ويعطيها له، ويبدأ المُشرد في التأكيد له بأن الحياة لا تنتهي، وأنه ليس في حاجة للمال اليوم، لأنه يمتلك قانونه الذي سبق له أن أنقذه من الانتحار في السابق. صحيح أن القصة فيها شكل من أشكال النصح، أو التلقينية، لكنها بدت جيدة إلى حد كبير بخروج الكاتبة إلى العالم الأوسع.

أما في القصة الثانية فتتحدث القاصة عن راعي غنم يغلق عينيه ويتخيل نفسه يعزف على آلة الفلوت في إحدى الحفلات الكبرى المُقامة من أجل الاستماع إليه، وتعبر عن سعادته، وشعوره ونشوته أثناء هذا العزف، وتلقي الحاضرين لفنه بسعادة، لكنه بمُجرد ما ينتهي من العزف يفتح عينيه ليجد نفسه بين زملائه من رعاة الغنم الساخرين منه لأن أغنامه قد ابتعدت عنه، لكنه كان يمتلك طريقة خاصة أشبه بالعزف والتي من شأنها أن تجمع أغنامه من حوله مرة أخرى.

إن المجموعة القصصية "يُحكى أن" للقاصة السعودية ندى الحائك تؤكد لنا على أن العالم الفني لا يمكن له أن ينبني على مُجرد أفكار ذهنية مُجردة تؤدي بصاحبها إلى الانحباس داخله، أو الانغماس في الذات، مما يؤدي إلى ضيق الرؤية الفنية في نهاية الأمر، صحيح أن الاستغراق في الذات من المُمكن له أن يؤدي بصاحبه إلى بناء عالم فني شديد الجودة، ولكن هذا الانغماس لا يمكن أن يتأتى لصاحبه إلا إذا ما امتلك أدواته الفنية، وآلية البناء الفني بشكل جيد، فضلا عن التجربة الحياتية المُهمة المُثقلة بالكثير من الاطلاع والانفتاح على العديد من الفنون، والتجارب الفنية المُتعددة والمُماثلة.

 

محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".

عدد يناير 2026م.