الأحد، 15 فبراير 2026

بيتي بين الأموات: الفكرة المُجردة وخنق العالم الإبداعي!

من أين تأتي براعة الكاتب السردية؟ وما الذي يجعل كاتبا أكثر مهارة وتميزا في صياغة النص الإبداعي وإحكامه على نظرائه من الكتاب الآخرين؟ وأين يكمن وجه الاختلاف بين سارد وآخر يتناول كل منهما فكرة واحدة، لكن أحدهما يستطيع الارتفاع بها إلى آفاق إبداعية رحبة بالغة السلاسة في مُقابل آخر يميل بها باتجاه الجفاف، والذهنية، مما يُشعر القارئ بالفتور وبالرغبة في الانصراف عن إكمال قراءة النص السردي؟ وما الذي قد يجعل نصا سرديا بالغ الرحابة والاتساع في مُقابل نص آخر شديد الضيق والاختناق حتى أنه قد يؤدي إلى شعور مُتلقيه بدوره بهذا الاختناق؟

مثل هذه الأسئلة وغيرها الكثير هي ما شكلت حالتنا النفسية أثناء قراءة نوفيلا[1] "بيتي بين الأموات" للقاص السوداني محمد سليمان الفكي الشاذلي، حتى أنها ظلت تُترى على ذهننا طوال فترة القراءة، بل واستمرت معنا بعد الانتهاء منها.

إن براعة أي سارد لنصه الإبداعي تتأتى، في جوهر الأمر، من التجربة، والتجربة هنا ليس المقصود بها التجربة الحياتية في شكلها الواقعي، أي بمُمارستها ومُعايشتها، بل تتأتى من التجربة في شكليها- سواء المُكتسب من القراءة وتحصيل المعرفة، أو مُعايشتها على أرض الواقع- فالمُهم هنا هو كيفية صهر هذه التجربة- بأي شكل من شكليها- وإعادة تشكيلها، وصياغتها في عالم سردي مُقنع، وجمالي قادر على إكسابها لفرادتها، وحيويتها، وديناميكيتها القادرة على إقناع مُتلقيها بها، بل والاستمتاع بها- وهو الهدف الأساس للعملية السردية.

لكن، أن يعتمد السارد هنا على الفكرة المُجردة فقط- مُنطلقا منها باعتبارها محور العالم السردي، محاولا النسج عليها، وإكسابها حياتها الخاصة من دون مُعايشتها بشكل يتيح له جعلها تجربة ديناميكية تمتلك روحها المُنطلقة، القادرة على سلب القارئ من حياته الخاصة، واندماجه في العالم القصصي- فهو من قبيل تجريد العالم السردي، وإكسابه من الجفاف واللامعنى- أو وجود المعنى داخل ذهن سارده فقط- ما يجعل قارئه مُنصرفا عنه، غير راغب في إكماله، أو حتى مُجرد التعاطي معه- أي موت العالم السردي وسكونه، وجفافه لصالح الفكرة المُجردة التي تتعارض مع التجرية الحياتية بحيويتها المُميزة لها.

موت العالم الذي ذهبنا إليه في هذه الحالة من شأنه دفع السارد إلى اصطناع المواقف الحدثية داخل القصة من أجل محاولة تحريك الحدث القصصي وإكسابه شيئا من الحيوية، ورغم أن الحدث هنا قد يتحرك إلى حد ما مع الموقف المُصطنع، لكنها تكون حركة من قبيل ليّ عنق النص، ومحاولة الدفع به إلى الأمام بثقل بيّن خالٍ من الفنية، أي حركة شكلانية، لا جوهر، ولا روح فيها؛ مما يؤدي إلى عدم تعاطي المُتلقي مع النص، وبالتالي الشعور بالفتور والرغبة في الانصراف عنه.

إذن، فالنص الإبداعي في جوهره ليس مُجرد فكرة جميلة قد تبزغ في ذهن السارد، وبما أنه يشعر بالإعجاب تجاهها فمن الضروري أن يلجأ إلى تحويلها إلى نص أدبي لمُجرد هذا الإعجاب؛ فالأفكار من حولنا بالملايين، وليست كل فكرة جميلة صالحة للسرد الفني لمُجرد جمالها المُجرد في ذاتها، والعملية السردية في الحقيقة أكثر تعقيدا، وتشابكا من هذه البساطة التي قد يفكر بها بعض الساردين، أي أنه في حاجة ضرورية لمُعايشة هذه الفكرة أولا، والمزيد من الخيال المُنطلق الموازي للفكرة ثانيا، ثم العمل على صهر هذه الفكرة مع الخيال من أجل صياغة عالم إبداعي جديد، ومُفارق قادر على خلق ديناميكيته من داخله، غير مُعتمد على اختلاق المواقف الحدثية، أو نحتها بصعوبة تبتعد بها عن التلقائية والسلاسة اللتين لا غنى عنهما من أجل إنشاء عالم سردي جديد.

سلب العالم القصصي من سلاسته وانسيابيته السردية هو ما نُلاحظه في قصة "بيتي بين الأموات"، فرغم أن الكاتب يبدأ عالمه الفني بسلاسة وانسيابية بالغتين مصحوبتين بلغة ثرية في دلالاتها وإحالاتها مما يحرك خيال المُتلقي ومقدرته على رؤية ما يقرأه في ذهنه وكأنه يدور أمام عينيه، إلا أننا سنُلاحظ أن القاص لم ينجح في الحفاظ على هذه الوتيرة السردية البالغة الثراء؛ مما أوقع النص السردي في الجفاف، والابتعاد به عن السرد القصصي إلى التفكير المُجرد الذي يتناسب مع حقول ثقافية ومعرفية ودلالية أخرى لا علاقة لها بفن القصة. ولنتأمل الفقرة السردية الأولى من قصته للتدليل على سلاسة السرد وثرائه؛ يبدأ الفكي الشاذلي قصته بكتابته: "موتوا قبل أن تموتوا! هكذا ارتفعت الصيحة التي يطلقها من حين إلى آخر عبد الغفار، ساكن المقابر، حيث كانت تعلو صيحته وتصبح أكثر حدة في الليالي التي لا يمكنك أن ترى فيها شيئا سوى النجوم البعيدة! محمود عبد الكريم، جارنا من ناحية الشرق، ظل يحكي على الدوام أن "بركات" عبد الغفار الذي يقول أهل الحي إنه "سكير عتيد" هي بركات لا تنتهي، وأن سره لم يعد خافيا، والدليل أن وحيدته "مريم" تمشي الآن على قدميها، بل وتهرول وتجري إن شاءت، بعد أن كانت مُقعدة! يقول محمود عبد الكريم لكل من يلقاه: بعد أن عجز الأطباء والفقراء والشيوخ عن علاج ثمرة فؤادي "مريم" التي أقعدها الكساح ؛ شرد مني الذهن، وتغيرت حالي، وأدمنت الخمر. وذات سحر، وأنا أتقيأ وأترنح من فرط السُكر في أزقة الحي الضيقة، سمعت هاتفا يهتف بي! كانت في يدي قنينة فجرعت منها جرعتين، وضحكت لما قال لي الشيطان: اذهب لعبد الغفار في راكوبته التي في وسط المقابر، واسقه لعله ظامئ لقلة المال! نادمه حتى تأتيا على القنينة، وما بقي فيها، فالدنيا عذاب لك وله. ضحكت على عبد الغفار؛ غريب الأطوار، لأن سُمعته كسكير قد بلغت كل الشياطين! سلكت الدرب صوب المقابر، وأصدقكم القول: بحق الله إني رأيت الرجل يصلي بتلاوة كأنها تأتي من الجنة، ووجهه يضيء عقب كل ركعة، وعقب كل سجدة. انتظرته، لكن صلاته طالت؛ فطفقت أشرب من قنينتي، وأتأمله حتى أتيت عليها! قبيل الفجر قال: السلام عليكم. نظر إليّ وقال: خير إن شاء الله؟ فقلت له بأني أتيت لمُنادمته، لكنه أعاد السؤال، ثم أردف قائلا: ولماذا أنت على هذه الحال؟! فحكيت له حكاية ابنتي "مريم"؛ فقال: تعال يا محمود، تعال اجلس إلى جانبي، ولنرفع أكفنا للمولى- عز وجل- شريطة النية والإخلاص، ونسأله العافية لها. ضحكت شديد الضحك، لكني على كل حال فعلت ما قال! ثم إني بغتة رأيت حشدا من "الديوك" قد استيقظت وأتت، لا أدري من أين، فوثبت على شواهد القبور، فنفضت أجنحتها وأعرافها، وأخذت تصيح في جلبة مروّعة؛ فارتعت، وهنا سألني: أتدري لِمَ تصيح الديكة سحرا؟ وتُكرر نواحها في كل فجر؟ فقلت: لا أدري. قال: إنها تبكي، تبكي حالها، لأنها سترى في مرآة الصبح خيال الليلة التي انقضت من عمرها، فخسرتها دون أن تملك من الأمر شيئا. والتفت عني وجعل يدعو الله ويتضرع إليه".

ربما لاحظنا في الاقتباس السابق- الذي بدأ به السارد قصته- أنه قد اتخذ من الجملة السردية "موتوا قبل أن تموتوا" مُنطلقا أساسيا له في السرد، بمعنى أنه كلما أراد تغيير وجهة السرد من جهة إلى أخرى ساق لنا هذه الجملة التي تُمثل عمود السرد القصصي لديه، وهو ما سنراه فيما بعد حينما يحاول تغيير وجهة السرد على لسان الراوي؛ فرغم أن السارد هنا قد بدأ القص عن عبد الغفار- ساكن المقابر- وعلاقته بمحمود عبد الكريم ليسوق لنا كراماته وبعض الحكايات المنسوجة والمتداولة عنه، إلا أنه بعدما ينتهي من بعض هذه الحكايات عن عبد الغفار يرغب في توجيه السرد باتجاه مشاعره هو وحكاياته ومُشاهداته لعبد الغفار مُنذ كان طفلا، وبالتالي يبدأ السرد مرة أخرى بجملته المحورية التي يتكئ عليها "موتوا قبل أن تموتوا"، وهي الجملة التي اعتمد عليها حينما رغب في تعريفنا بالمزيد عن عالم عبد الغفار وما يُروى عنه؛ فاتكأ عليها بسوقها مرة أخرى: "موتوا قبل أن تموتوا. تناهت الصيحة، صيحة عبد الغفار. إنها تعلو في أي وقت، أحيانا في الفجر، وأحيانا في النهار، وأحيانا أخرى في الأصائل، لكنها تكون أكثر حدة في العشيات التي تضيؤها النجوم، وأحيانا تشق حلكة الليل، أو تمزق السحر. موتوا قبل أن تموتوا. عبد الغفار كان على الدوام وحيدا، وكان يعيش في راكوبته التي نصبها من (القنا والخيش) وسط المقابر. مُنذ أن فتحنا أعيننا على الدنيا وجدناه على ذات سمته، كأن تغيرات الكون لا تمسه. البعض يقول: إنه في الستين، والبعض الآخر يقول: لا، هو في السبعين هو، لكنه كان في أعيننا هو هو ، قدماه حافيتان في الصيف وفي الشتاء! جلبابه من الدبلان الأبيض، رأسه حليقة، شاربه بني خفيف! وكذلك لحيته بنية خفيفية. عيناه كانتا واسعتين صافيتين، لكنه كان نادرا ما يرفعهما عن الأرض، كأنه كان يعرف ما فيهما من سحر هائل، وجاذبية لا تُقاوم. النسوة كن يقلن: مسكين عبد الغفار، عين وأصابته، فقد كان نابغة الحي، ودخل كلية العلوم في "جامعة النصارى" في البندر الكبير، لكن أصابته العين، والعين تُدخل الرجل القبر، والجمل القدر! وعبد الغفار دخل المقابر، لكنه بقي على ظهرها حيا".

إذن، فلقد استخدم السارد هنا جملته المحورية التي اختارها كجملة مفصلية وجوهرية للسرد لتعريفنا بتاريخ عبد الغفار، وما كان عليه، وما آل إليه فيما بعد، ورغم أنه قد بدأ بها سرده القصصي في البداية ليفضي إلينا بكراماته، ومُعجزاته، وقصته مع محمود عبد الكريم، أي الإفضاء بجانب من حياة عبد الغفار، فلقد عاد لاستخدامها والاتكاء عليها مرة أخرى لتغيير وجهة السرد وإعادة تنظيمه.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لعلنا لاحظنا أن القاص هنا يقتحم العالم القصصي من قلبه، فلا تمهيد، ولا مُقدمات قد تعطل من السرد القصصي، وهو ما جعله يعتمد على هذه الجملة السردية باعتبارها جملة جوهرية ومحورية في العالم السردي بالكامل لينطلق منها إلى عالم عبد الغفار، وتعريفنا به وبحكاياته التي لا تنتهي، والتي تلوكها ألسنة أهل القرية جميعا؛ فعبد الغفار هنا- بالنسبة لجميع شخصيات أهل القرية- بمثابة اللغز، الشخصية الغامضة التي ينظر إليها الجميع راغبين في معرفة سرها، لكنهم لا يجرؤون على الاقتراب منه أو اقتحام عالمه الخاص الذي اختاره لنفسه وحيدا بين المقابر.

إذن، فشخصية عبد الغفار كما قدمها القاص في فقرته السردية الأولى هي شخصية بالغة الثراء، من المُمكن للقاص الاعتماد عليها في بناء عالم قصصي دينامي مُتخم بالأسطورة التي تتوالد وتتضخم على ألسنة الآخرين من الغوغاء الذين يلوكون تفاصيل حياته ليل نهار باهتمام بالغ وكأنهم لا يجدون ما يشغل بالهم سواه، بل ويبدأون في اتخاذه كمثال في العديد من المواقف وضرب الأمثال به، ولنتأمل قول السارد: "حينما دنت مني أمي وفي يدها طاسة مليئة بالحليب الدافئ سألتني: لِمَ تتقلب في رقدتك؟ قلت لها: لا شيء، لا شيء على الإطلاق. قالت: من يوم ما نويت دخول "جامعة النصارى" وأنت في حال غير الحال! هل تريد أن تكون مثل عبد الغفار؟!". فإذا ما عرفنا أن عبد الغفار كان يدرس العلوم في "جامعة النصارى" سابقا قبل هجرها، واتخاذه للمقابر محلا لسكنه وحيدا؛ تبيّن لنا الرابط، ومدى ثراء هذه الشخصية القصصية في العالم الذي يخوض فيه السارد، ومقدرة هذه الشخصية القصصية على توليد الحكايات العديدة إذا ما نجح القاص في استغلالها الاستغلال الفني الأمثل.

عبد الغفار، الشخصية الغامضة، الذي ترك الحياة وكل ما فيها ليختار العزلة في المقابر جعل جل أهل القرية مُنشغلين به، راغبين في هتك ستره، وهو ما أدى إلى ابتكار العقل الجمعي للعديد من المرويات التي يتم تناقلها من شخص إلى آخر، ومع هذا الانتقال من لسان لغيره يتم التحريف في الحكايات، والتزيد، أو القص منها والنقصان مما يؤدي في نهاية الأمر إلى نشأة الأسطورة بآلياتها المعهودة عنها؛ لذا نجد أن القاص كان ماهرا إلى حد بعيد، وبالغ الدقة في اختيار المُفردات الدالة على القول، والحكاية، وتناقلها من شخص لآخر: "كانوا يقولون لنا: في راكوبة عبد الغفار لا توجد غير الفروة والأباريق، والكتب، والصندوق العجيب، والاسطوانات السوداء! البعض يهمس: "وبرمة الشراب". وكنت أسأل: ولماذا الكتب؟ فيجيبونني: لا تنس أنه كان نابغة جيله، وأنه دخل كلية العلوم في جامعة النصارى، فهو إن أراد رطن بلغة الخواجات، بل وكتب بها، وبها أيضا إن أراد قرأ".

لاحظ في هذا الاقتباس أن السارد يمعن في اختيار مُفرداته بدقة: "كانوا يقولون"، "يهمس"، "يجيبون"، وهي مُفردات دالة على تناقل الحكايات وتشويهها بالزيادة والنقصان لنشأة الأساطير، ولنتأمل: "قالوا اعترته نوبات غامضة أوان الصبا؛ فهجر الدراسة، وعاد للحي مُتخذا من مقابره مسكنا، ثم إنه أدمن الخمر، فكان لا يفيق منها ليلا ولا نهارا! قالوا: وكان يكثر الصلاة على فروته حتى وهو سكران! البعض قال: إنه توقف عن تعاطي الحرام. والبعض الآخر قال: لا، لكنه قلل والله أعلم. قالوا: كل ما عاد به من جامعة النصارى زينة البندر، التي هي من طوب أحمر، وحجر أبيض، وتطل على النيل، كتب بلغة النصارى، وأخرى بلسان العرب، وصندوق مُستدير يضع عليه اسطواناته السوداء؛ فتنبعث منها أصداء لمُوسيقى غريبة لم يألفها أهل الحي! قالوا: لما يبلغ منه السُكر مبلغه كان يصيح: هذه هي السيمفونية التاسعة التي خلق الله الكون من أجل أن تُكتب! ومرة يصيح: اسمعوا كيف تسيل الشاعرية من مُوسيقى "غوستاف مالر"، أو يصيح: هل أُسمعكم "فرانز" ليست في قصيده السيمفوني؟ أم أُسمعكم "بيلا بارتوك"؟ أم تراكم تحبون "دفايا وديفورجاك"؟! ويضحك: تالله أنتم قوم لا تعلمون، أنتم قوم لا تعلمون! أهل الحي قالوا: علم الخواجات أفسده، كان رجلا غامضا على كل حال".


إذن، فالعديد من الاقتباسات السابقة تؤكد لنا على مهارة السارد في انتقاء مُفرداته الدالة على نشأة الأسطورة وتضخيمها، ولعلنا لاحظنا في الاقتباس الأخير وفرة هذه المُفردات: "قالوا"، و"قالوا"، و"البعض قال"، و"البعض الآخر قال"، و"قالوا"، و"قالوا"، و"أهل الحي قالوا"، فإذا ما كان القاص هنا قد حرص على سوق سبع مُفردات دالة على القول ولوك الحكايات في هذا الاقتباس القصير؛ فهو من قبيل رغبته في التأكيد على أسطرة الشخصية القصصية والارتفاع بها إلى مصاف عجائبية- غير موجودة فيه في جوهر الأمر- لكنها باتت لصيقة به لفرط تداول الحكايات على الألسنة، ورغم أن مُعظم الحكايات تؤكد لنا على مُعاقرته الدائمة للخمر، وإدمانه لها، إلا أننا لم نجده على طول القصة يتناول الخمر ولا مرة واحدة، كما لم يذكر أنه كان يتناولها من قبل، حتى أن محمود عبد الكريم بعد شفاء ابنته مريم قد عاد إليه مرة أخرى ليشكره ويتبرك به، ولرغبته في معرفة حقيقة تناوله للخمور سأله: "يقولون إنك تنادم وتشرب الخمر و... فقاطعني: أي خمرة قالوا بإني أشرب؟ قال محمود عبد الكريم: فصمتُ وأخذت طريقي مُبتعدا من جهة المقابر".

ألا نُلاحظ هنا براعة القاص محمد سليمان الفكي الشاذلي في صياغة عالمه القصصي بإحكام وسلاسة واضحين، بل ومقدرته على انتقاء المُفردات الدالة على ما يرغب في توجيه السرد إليه بدقة؟

إن الشخصية القصصية التي اختارها السارد هنا كعمود أساسي لقصته تحمل من الثراء والدلالات والإسقاطات ما يوحي لنا بعالم قصصي مُستغرق في الخيال، مُتشابك في الأحداث، قادر على توليد الحكايات، لا سيما مع كثرة المرويات التي يسوقها حول الشخصية القصصية الرئيسية، لكن، يبدو أن القاص- رغم امتلاكه لآلياته السردية، ولغته الموحية، وسلاسته وانسيابيته في القص- قد وقع في أسر الفكرة المُجردة؛ مما أحال العالم السردي بالكامل إلى مُجرد تهويم حول الفكرة المُجردة التي استحوذت عليه، مما أفقدها سلاستها واتجه بها باتجاه الجفاف، والرمزية، وسيطرة السؤال والجواب على العالم القصصي في نموذج أقرب إلى التصوف الذي نرى فيه المُريد أمام شيخه، راغبا في سؤاله للعديد من الأسئلة المعرفية؛ ليبدأ الشيخ في ريّ عطش المُريد بالمزيد من أجوبته المُستغرقة في الماورائيات الميتافيزيقة ذات الدلالات الرمزية.

الاستغراق في الحديث الرمزي داخل القصة نكاد أن نلحظه من بداياتها، لكننا كلما تقدمنا في السرد سنُلاحظ أنه يزداد تعقيدا وجفافا، وفتورا بوتيرة مُتصاعدة مما يخرج العملية السردية بالكامل من عالمها الإبداعي إلى أي مجال معرفي آخر لا علاقة له بالسرد القصصي، ولنتأمل حينما شُفيت مريم ابنة محمود عبد الكريم: "عدوت صوب المقابر وأنا أصرخ: يا شيخ عبد الغفار، يا شيخ عبد الغفار، البنت صارت تمشي، البنت صارت تمشي. ولما وصلت إليه؛ أجلسني بقربه، وقال: يا محمود، ما الغريب والله قريب؟! ثم ما الإنسان إلا دعاء، والدعاء إخلاص، والإخلاص قوة لا حد لها، ثم إن ابنتك من آدم، وأنت منه، وأنا منه، وقد نفخ الله فيه من روحه، فمن منا لا يجيب ذاته؟ فقط الصدق والإخلاص".

لكن، إذا ما كانت الفقرة السابقة تكاد أن تكون مقبولة إلى حد ما، فالكاتب يبدأ- مع استرساله في السرد- في المزيد من الترميز والغموض على لسان عبد الغفار، وهو ما يسلب السرد القصصي حيويته وينحو به باتجاه سرمدية سردية تتماهى تماما مع ما يتفوه به، وهو ما يتجلى لنا حينما يحكي السارد عن نفسه حينما كان صغيرا وضاع منه القرش الذي أعطاه له أبوه؛ فيقول: "ولما لم أعثر له على أثر؛ جلست وبكيت. حينها أحسست بكف خفيفة تمسح على رأسي، وبكلمات غامضة لم أفهمها آنذاك. سألني: لِمَ تبك؟ فقلت له: ضاع قرش الأسبوع. ابتسم ونظر إليّ حتى شعرت أن شعاعا وقد جهر عينيّ. قال لي: هذا لا يدعو للبكاء. صحت به: قرشي، قد ضاع قرشي. ضاعت البسمة من شفتيه، وقال بنبرة ثقيلة: لا بد من إدراك المظهر الزائل لكل شيء، سواء كان مُفرحا أو مُؤلما. صحت فيه: أريد قرشي، أريد قرشي. فقال لي بذات النبرة الثقيلة: لِمَ التألم عند فقدان شيء لا يدوم إلا لحظة، في حين أن الأبدية تنعشنا؟!".

هذه اللغة الرمزية التي يتحدث بها عبد الغفار للجميع؛ تجعل أطفال الحي يسخرون منه، فهو يتحدث إليهم بلغة لا يفهمها أحد، ولنتأمل: "جاءنا عبد الغفار من عزلته المجيدة في المقابر القريبة. هتف فينا: أوَلا توقفون اللعب، وتصغون للغة الريح والألوان؟! ضحكنا ولعبتنا لا تقف؛ فدخل علينا الميدان الصغير، وصرخ: الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا! قلنا له: يا عبد الغفار، اخل الميدان فنحن نريد أن نلعب. فصاح فينا: لا تربوا عضلاتكم، فهي من دم ولحم، لكن ابدأوا بتربية الإرادة. ثم أخذ يغرب في كلامه، إذ قال: التطور الحقيقي لا يأتي إلا من الداخل، والوهم لا ينقشع إلا بتربية الإرادة، اسهروا الليل، وارقبوا نجمة الصباح، واعلموا أن عليكم أن تموتوا في هذه الحياة. أوقفنا كرة الشراب وسألناه: وما هي الإرادة؟ أجاب: هي الإرادة. سألناه ونحن نغرق في الضحك: وكيف نربيها، هل نعطيها ماء وبرسيما؟ قال في أناة: تربية الإرادة تتم بالإرادة يا أولاد!".

إن اللغة السردية المُستغرقة في تصوفها الشكلاني التي لجأ إليها السارد، وساقها على لسان عبد الغفار، جاعلا إياه يُحادث بها أطفال الحي لا تتناسب تماما لا مع القص، ولا مع المنطق العام؛ فالمتصوف من البدهي لن يتحدث مع أحد- لا سيما مع الأطفال- بمثل هذه اللغة، اللهم إلا إذا ما كان لديه قصور إدراكي يجعله يلجأ إليها، وبالتالي فلن يفهمه أحد، ولن يوصل لأحد أي شيء مما يرغب في إيصاله، أي فقدان اللغة لمعناها التواصلي الأساس- سواء بالنسبة للشخصيات القصصية أو بالنسبة للمُتلقي- وهو ما رأيناه في هذا الاقتباس، وفي الاقتباس السابق عليه حينما تحدث مع السارد/ الطفل بنفس اللغة حينما ضاع منه قرش الأسبوع، مما يجعلنا نذهب إلى قولنا بأن القاص هنا قد انساق من خلف الفكرة المُجردة- الشخصية التي تزهد الحياة تماما، وتبدأ في تصوفها- لكنه مع انسياقه للفكرة وتجريديتها استغرق فيها استغراقا كاملا؛ مما أحال العالم القصصي بالكامل إلى مجموعة من الترميزات التي سلبته روحه الإبداعية وحيويته!

لكن، هذا الثقل السردي المُتعمد من السارد بسبب استغراقه في الفكرة وغرقه الكامل فيها أدى إلى صعوبة لغة القص للدرجة التي قد تجعل المُتلقي راغبا في الانصراف عن العمل برمته، ولنتأمل: "بعد ذلك بأعوام، وفي بواكير المُراهقة سكننا الخوف من الموت. قلنا: نسأل عبد الغفار الذي يكثر من ذكر الموت، عندما ينزل علينا في الحي. وبعد أحد عشر يوما، هلّ علينا عبد الغفار؛ فركضنا صوبه نصرخ قائلين: نحن نخاف الموت. ابتسم بسمة قديس وقال: الموت لا يعني الفناء، ربما نندثر جسدا، لكن من المُؤكد أن روحنا لن تندثر، الموت لا يعني الفناء، المخلص يتخلص من الخوف، من الموت، في حين أنه يظل هاجسا لمن يعيش مع عقليته، ولا يريد أن يفكر في الموت لأنه يظن أنه سيندثر جسدا وروحا. يا أولاد، الموت مُنقذ، إنه مرحلة في تطور الحياة، مثلما خرجنا من محدودية الرحم، نخرج من محدودية الدنيا، الموت يعني استمرارية السير الروحي صوب الكيان، لذا يكون الموت هو الهدف المنشود، وعليكم أن تموتوا قبل أن تموتوا! سألناه: ماذا تعني بأن نموت قبل أن نموت؟! أجاب: أعني أن تُميتوا هواجس النفس ليزول هذا التفكير الذي يسجنكم بصورة نهائية من خلال موتكم! وقبل أن تموتوا تستطيعون أن تتحرروا من الخوف، تستطيعون أن تحيوا ميلادا ثانيا يفتح لكم ما هو كوني وأبدي، ويسمح لكم بالوصول إلى تلك الطاقة التي نتوفر عليها جميعا، ألا وهي القدرة على الخروج من العالم المحدود والمُغلق بعقليتنا وفكرنا، لأجل الوصول إلى الروح المُتجلية في كل شيء. بموتكم قبل أن تموتوا تغيرون القيمة والمعيار والوزن وتدركون شيئا فشيئا جوهر الحياة. ثم غمغم: إن الحاضر الأبدي هو الحي الباقي. سألناه وقد عاودتنا شقاوة الصبا الساخرة: وهل تعلمت ذلك عندما كنت في كلية العلوم، أم بعد أن شربت الخمر؟! فابتسم ولم يجب".

سنُلاحظ في الاقتباس السابق أن السارد هنا قد بدأ في تحويل السرد القصصي إلى مُجرد مجموعة من التساؤلات التي تليها مجموعة من الأجوبة الرمزية من قبل عبد الغفار، وهو ما يسلب السرد الكثير من روحه باتجاه الغموض، والتفلسف التصوفي الشكلاني الذي لا معنى فني له في القصة، وهو ما يعود إليه السارد بشكل أكثر تكثيفا واستغراقا حينما يشعر السارد- بعدما تقدم به العمر وبات شابا- بالكثير من الأرق والقلق والفوضى الفكرية التي تسود ذهنه؛ مما دفعه إلى التوجه باتجاه المقابر للقاء عبد الغفار، ليبدأ في سؤاله: "قلت له: عندما كنت طفلا، قلت لي لما ضاع مني القرش: لِمَ التألم عند فقدان شيء لا يدوم إلا لحظة، في حين أن الأبدية تنعشنا، ماذا كنت تعني بالتحديد؟ صمت ثم قال: عنيت أننا عندما نكف عن التشبث بما هو عارض، فإننا نستطيع أن نرى ذواتنا في عالم أكثر اتساعا وكونية، ولن نشعر بذاتنا كصدفة، ولن نشعر كذلك بالأشياء التي من حولنا، كواجب أو ضرورة، لن نخضع للأشياء، ولن تعود هناك أية ضغوطات تستوجب الألم لأننا ببساطة نكون قد سلكنا شعاب الأبدية المُنعشة. ثم إن كل عارض هو في جوهره مادي".

ألا نُلاحظ هنا أن لغة السرد القصصي قد تحولت إلى لغة مقالية جافة خالية من الروح تماما باتجاه التجريدية التي تتناسب مع الفكرة المُجردة في حد ذاتها؟

إن الإشكالية السردية الجوهرية في قصة "بيتي بين الأموات" للروائي السوداني محمد سليمان الفكي الشاذلي تعود إلى انسياقه من خلف الفكرة في شكلها المُجرد، ورغم أن العالم القصصي هنا يبدو لنا للوهلة الأولى بالغ الثراء، والسلاسة، والتلقائية، والمقدرة على توليد الحكايات السردية مما يكسبه المزيد من الثراء الفني، إلا أن السارد هنا لم يستغل هذه المُميزات السردية لصالح العمل الفني، بل تغافل عنها في سبيل الانسياق من خلف تجريدية الفكرة، وهو ما أدى إلى هدم العالم الفني، وسلبه لكافة مقوماته السردية لصالح التجريد؛ مما أكسبه لغة مقالية جافة صالحة للصحافة في غالب الأمر أكثر من صلاحيتها للسرد القصصي.

اللغة المقالية- القريبة إلى حد ما من الخطابية أحيانا، ومن التصوف الشكلاني في أحيان أخرى- تتجلى لنا في لقائه بالسارد داخل المقابر ليلا، وهو اللقاء الذي استمر قرابة نصف عدد صفحات القصة تقريبا، أي نصف المساحة السردية مما أفسدها بتحويل القصة إلى مُجرد أسئلة تليها إجابات غامضة جافة، ولنتأمل المقطع التالي: "دمعت عيناي وأنا أهمس له: إن ذهنك يبدو صافيا للغاية بينما أشعر أن ذهني مشوش مُضطرب! أنا أقرأ كثيرا، هل صحيح أنك قرأت كثيرا؟ حدق في طويلا، وقال بصوت عميق، وضوء النجوم يزرق كما لم يزرق أبدا: القراءة ليست هي المُشكلة، ولكنا- وحسب العادة- فإن ذهننا يكون مشوشا تماما بمخاوف متوهمة، وبمشاغل مادية، أو بإحساسات مُختلفة، كالحب، والكراهية، والفرح، والألم، والرغبة، والمُستقبل، والخوف نفسه، والشك، والغضب. وصمت حينا، ثم استأنف في بطء كأنما يعلك علكة مُرة: إن ذلك يُشكل مجموعة من العوائق التي تعيقنا في مجال تصرفنا، ما يحتم علينا احتمال العديد من الاختبارات لكي نغيّر عقليتنا، ولكي لا نسمح لها بعد بالتشبث بالأشياء بهذا المقدار من القوة والمُعاناة! وإذا استطعنا اجتثاث كل تلك المعوقات الصنمية، فإننا نستطيع شيئا فشيئا فتح دهاليز الروح المُغلقة، وبولوجنا فيها نكون قد تجاوزنا العقل والنفس، فنصبح أكثر هدوءا واتزانا، وتجلب لنا بقعة النور الجديدة مُسالمة دمثة، ومُصالحة مع الذات، وراحة لا تُحد، لذا من أجل أن نعيش ذاتنا الإنسانية؛ فإنه يتعيّن علينا أن ندرك حجم المجهودات الكبيرة التي يتعيّن علينا بذلها، علينا القيام ببعض الأشياء وهجر أخرى، أنت تعلم أن الإنسان لا يحب التكاليف، ولا المسؤوليات، بل يرغب في الحصول على كل شيء بلا تعب أو ضنى، لكن رسالة الإنسان في جوهرها ما هي إلا الكدح والضنى".

ماذا لو اقتطعنا هذا المقطع من سياقه القصصي المذكور فيه لنضعه مُنفردا في صحيفة ما؟ ألا يصلح أن يكون مقالا ذهنيا جافا لا علاقة له بالفن السردي القصصي؟


هذا ما قصدناه من انسياق السارد هنا خلف فكرته المُجردة، والاستغراق فيها مما أفسد السرد القصصي في نهاية الأمر، ولنتأمل مرة أخرى: "قال بهيمنة غامضة: ما وُجد من قبل إلا الملائكة، وهي كائنات من نور لا يمكنها الفتور عن التسبيح لله- عز وجل- ولا الوقوع في المعاصي، وكان في المُقابل الشيطان الذي تُحركه دوما روح سلبية، وهو عبد للشهوة، ويعيش في الظلام، فالملك كائن من نور، والشيطان كائن من ظلمة، وكلا الاثنين يعيش في انسجام تام في عالمه، في حين أن الإنسان توجد فيه جميع المُتضادات المُتناقضة، فيما الكائنات الأخرى التي تعيش على هذا الكوكب لا تنطوي على هذه التناقضات، ولا على هذه الثنائية، ولا تستطيع أن تعرف مثل الإنسان في آن واحد الحب والكراهية، السرور والألم، اليقين والشك، وهي لا تعبأ بالمُستقبل. المخلوقات جميعها تعيش في تناغم تام مع عالمها، وإن تغذى النبات على المعدن، وتغذى الحيوان على النبات! في النهاية التوازن تام، والاستثناء الوحيد هو الإنسان. قلت له: إنني أتخبط بين السالب والمُوجب، إنني أقاسي. قال: هوّن عليك، واعلم أن السالب والمُوجب ليسا خيرا، ولا شرا، لكنهما أمر واقع ببساطة. سألته بلهفة صادقة: ما العمل إذن؟ قال: علينا بالبحث عن الجزء الأبدي الموجود في ذواتنا، وذلك لا يكون دون التعرف على العنصر الدنيوي المعيق والمحدود، الذي يعرقل تفتح طبيعتنا الحقيقية، فالغاية هي إيجاد الطريق الوسط، ولا وجود لهذا الطريق إلا من منظور الولادة الثانية، حيث يفنى فينا الإنسان المُتخبط، ولكي تكون هذه التجربة كاملة، فيجب أن تتم هنا في هذا العالم، وبقالب جسدي بكل تناقضاته ولذاته، ومسؤولياته، وشهواته، وكل ما يميزنا ويجعل منا كائنات استثنائية. إن الأمر برمته منوط بصدق النية وسلامة القلب، وإذا توفر ذلك، فإننا سنرى ونسمع بعمق أكثر وبدون ظلمات، لا يمكن لأحد أن يعرف النور. قلت له: والقراءة، هل أوقفها؟ بماذا تنصحني؟ ضحك: لماذا تخاف القراءة؟ إنها أداة فاعلة. سألته: حتى تلك التي تقول بالعدم؟ قال: في العلوم نعرف أن المصل الواقي هو من ذات الميكروبات، وذات الجراثيم، وهو يُعطى لنا لكي يقينا من ذات المرض الذي حينما يهاجمنا ويجد بعضا منه، فإنه لا يفتك بنا، بل يضع ذيله بين رجليه، مثل كلب مسكين ويمضي".

ألا نُلاحظ هنا المزيد من التخبط ما بين السرد القصصي بفنيته التي نعرفها عنه وسلاسته وانسياله، واللغة المقالية التأملية الجافة، البعيدة البون تماما عن اللغة السردية؟

إن السارد هنا قد أحال عالمه القصصي بالكامل إلى مجموعة من التأملات التي يسوقها في شكل أسئلة مُلحة وضرورية من المُريد إلى شيخه، ومن ثم انهالت إجابات الشيخ في شكل تقريري جاف، يزيد من سلب روح النص القصصي ويحوله إلى مُجرد مقال، أو تأملات في الحياة والموت. يتبدى لنا ذلك في هذا المقطع التأملي الأخير: "قلت له: أرى عندك القليل جدا من الطعام. قال: إنه أكثر من كافٍ، ثم إننا أُعطينا هذا الجسد ليخدمنا، لكن الأغلبية منا تقضي حياتها في خدمته! نحن نعتني به ونكسوه، ونعزه؛ فينتهي بنا الأمر إلى استعبادنا، ونصبح أسارى لهذا الغطاء اللحمي! في حين أنه لم يعط لنا في الحقيقة إلا لخدمة الروح، لكننا- وللأسف- نقوم بعكس هذا الأمر! إننا نفرض على الروح العبودية الجسدية! وإذا امتلكنا العزم والصدق والمُثابرة فلن نقايض الأبدي بكسب مُؤقت. علينا بتطوير اليقظة والوعي، ويوما بعد يوم سيكبر المجهود، وسنكون أول من يجني الثمار، لأن كل شجرة محتواة في بذرتها، فعلى الإنسان إذن أن يتعهد ويسقي هذه الحديقة الباطنية".

إذن، فالقاص السوداني محمد سليمان الفكي الشاذلي هنا يمتلك من الأدوات السردية، والحيّل الفنية ما يجعله بارعا في صياغة عالم فني مُكتمل، يساعده في ذلك لغته السردية الهادرة والسلسة والمُعبرة عما يرغب في الذهاب إليه، لكنه هنا وقع في شرك تجريدية الفكرة مما أفسد لغته السردية لصالح التجريد، والجفاف، واللغة المقالية التي تتناسب مع الفكرة، لكنها تبتعد به عن انسيابية اللغة القصصية، ولعلنا لاحظنا أن السارد هنا لم يصل بنا إلى أي شيء في نهاية الأمر، بل حبسنا معه في الفراغ الذي استساغه؛ فالراوي الذي نستمع إلى صوته مُنذ بداية القصة حتى نهايتها يتحدث عن عبد الغفار مُنذ كان يراه وهو طفل، والحكايات التي تُنسج من حوله، وتداول هذه الحكايات على ألسنة أهل القرية مع ما يلحق بها من تغيرات، وسُرعان ما ينتقل إلى مرحلة شبابه، والتهامه للكتب من أجل المعرفة، وهو ما أصابه بالكثير من القلق، وبالتالي توجه إلى عبد الغفار ذات ليلة ليبدأ بينهما حوار لا ينتهي، تسوده الكثير من الرمزيات، والحديث الميتافيزيقي، ليعرف الراوي بأن عبد الغفار لديه مقبرة من الكتب التي دفنها وتخلص منها مُنذ وقت طويل، فيطلب الراوي منه هذه الكتب، وهو ما يوافق عليه عبد الغفار، لكنه مع شروق الشمس يطلب من الفتى العودة إلى بيته حتى لا تقلق عليه أسرته: "عد الآن إلى أهلك، ولكن يمكنك أن تعود إليّ عندما تلمع النجوم في آخر العشي"، وهي الجملة التي أنهى بها القاص قصته الطويلة، حتى لكأنه قد بدأ السرد القصصي بالكامل، وأنشأ هذا العالم فقط لمُجرد أن يسوق تأملاته التي أتى بها على لسان عبد الغفار المتصوف شكلانيا، أي أن الكاتب هنا كان أسيرا للفكرة، مُنساقا لها انسياقا كاملا مما خنق العالم الإبداعي بشكل كامل، رغم أن نفس هذه الفكرة إذا ما تم تناولها بشكل آخر- مع كل هذه الآليات السردية التي يمتلكها القاص- لكانت قد استحالت إلى عالم قصصي أكثر ثراء مما رأيناه في هذه القصة. ولعلنا لاحظنا هنا العنوان الذي اختاره القاص لقصته "بيتي بين الأموات" وهو العنوان الحامل لدلالة الرفض المُبطن للحياة بين البشر، وما يدور فيها، مما يؤكد لنا على زهده لهم، ولصراعاتهم التي لا تنتهي، لكنه للأسف لم يبيّن لنا سبب هذا الرفض، وما الذي دفعه لاتخاذ هذا السبيل طريقا للحياة، في حين أنه كان من المُمكن له الاعتماد سرديا على سبب هذا الرفض للمزيد من إثراء العمل القصصي، لكنه فضل في النهاية تجريدية الفكرة التي سلبت العمل القصصي روحه بالكامل؛ فخنقته، وحولته إلى محاولة قصدية للتفلسف في شكل قصصي يحمل بذور انهياره بداخله.

إنه التفلسف الذي نلمحه على سبيل المثال في: قلت له: لكنك في ذلك اليوم كنت تعمل في بيت "أمينة" القوادة، ولا بد أنك أخذت منها نقودا نظير عملك و... فقاطعني قائلا: لقد ردمت لها حوشها، حتى لا يدخل السيل، ويهدم حجراتها التي تعبت وشقيت في بنائها. قلت له: ولكن تلك الحجرات تكتظ بالعاهرات! قال: علينا أن نكون على صورة البحر الذي تصب فيه الجداول والأنهار والوديان عند المستوى الأكثر انخفاضا، تأتيه جميع المخلوقات، لأنه موجود بها، ويرى نفسه في كل واحدة منها، إنه ملاذ الجميع، سواء كانوا صالحين أم طالحين، فالأمر هو اختلاف مقدار، وليس اختلافا في الطبيعة، ثم إن الطبيعة هيأت بعض الكائنات لتتلقى أكثر من الآخرين. الطريق مرسوم من قبل، ونحن لا نعمل إلا على اتباعه. سألته: وحرية الاختيار، أليست هي موجودة؟ أجاب: نعم موجودة، لكنها تتحقق عندما تتبع. قلت له: لا أفهم. قال: بعد أن تنتهي من اختيار ما يضرك؛ سينشأ لك انفتاح على عالم جديد هو عالم الاتباع، الذي يوجد جذره ها هنا، وأشار إلى قلبه وتأوه: النفس تختار دوما ما يضرها، لأنها تؤثر العمل بمعزل عن الروح، وكلما قلّ خضوع النفس للروح؛ ازداد ألمها إلى أن تستسلم فتجد الطمأنينة، وهذا الأمر شبيه بالمطرقة التي تسوي المعادن، فإذا كانت الخيارات شديدة الصلابة فإنها تسلك في نار الروح حتى تصبح أكثر مرونة. الجسد يسود بدءا، ثم تتأمر فيه النفس، وأخيرا يأتي سلطان الروح. وفي هذه المرتبة الأخيرة يكون الأمر عجبا! فحفيف الروح يكون كلاما وتفهمه، وزقزقة الطير تكون كلاما وتفهمه، وعوي الريح يكون كلاما وتفهمه، والظلام يكون كلاما وتفهمه، وصراخ الصمت يكون كلاما وتفهمه، والنور يصير لغة تتحدثها". أي أن القاص هنا لديه من الإصرار ما أدى به إلى خنق عالمه القصصي بالكامل، وإحالته إلى مجموعة من الرمزيات الميتافيزيقية التصوفية بهيئتها الشكلانية القشرية البعيدة عن التصوف بشكله الجوهري الأعمق؛ فخسر السرد القصصي، وخسر التفلسف معا!

 

 محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".

عدد فبراير 2026م.


 

 

 



[1] Novella الرواية القصيرة، هي عمل أدبي نثري سردي، أقصر من مُعظم الروايات، لكنها أطول من مُعظم القصص القصيرة جدا. كلمة Novella الإنجليزية مُشتقة من الكلمة الإيطالية Novella التي تعني قصة قصيرة مُرتبطة بوقائع حقيقية، أو تبدو كذلك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق