للمرة التي لا نعرف عددها بالتحديد تبزغ في ذهننا الكثير من الأسئلة اللامُتناهية عن السبب في ضيق العالم الإبداعي للعديد من الكاتبات. ما الذي يجعلهن مُنحصرات في إطار ضيق، خانق؟ ما السبب في عدم ثراء التجربة الإبداعية لديهن؟!
ربما لا نستطيع إنكار أن الضغوط الاجتماعية على المرأة قد ساهمت إلى حد
بعيد في انغلاق الدائرة على الكاتبات، ومن ثم انغماسهن داخل ذواتهن؛ وبالتالي
حينما يحاولن التعبير عن أنفسهن لا يستطعن هدم الجدران الخانقة المُحيطة بهن،
والتي حددت لهن حدود عالمهن الذي من المُمكن لهن التعبير عنه، أو التحرك فيه، وهو
ما أدى بالضرورة إلى النظر بالكامل داخل ذواتهن فلم يجدن سوى عالمهن الضيق، حيث
التعبير عن مُعاناتهن اليومية مع الرجل المُهيمن، أو المُجتمع الخانق، أو التركيز
على مشاعرهن الفائضة والمنُسكبة غالبا- وهو ما نراه في الأغلب من الكتابات
النسائية- في مُقابل برودة مشاعر الرجل، أو عقلنته ومنطقته لكل ما يحيط به، أو
سعيه الدائم إلى عدم التعبير عن مشاعره، أو انسكابها بشكل واضح أمامهن، وإلا اكتسب
بعض الصفات الأنثوية نتيجة لهذا التعبير عن المشاعر- حسب الثقافة الذكورية التي
ترى أن الرجل العاطفي أقرب إلى الأنوثة منه إلى الرجولة التي تحتاج إلى الصلابة،
وكتمان المشاعر، وعدم التعبير عنها بوضوح، أو حتى البكاء!
إن إغلاق الكاتب لعالمه الإبداعي على نفسه، والانفصال عما يحيط به،
والاستغراق فيه بالكامل قد يكون شكلا من أشكال التجربة الإبداعية في العديد من
الأجناس الفنية، وهو شكل فني فريد في فنيته، وصعب في مُمارسته لمن يراه سبيلا
للتعبير الفني، وهو شكل وأسلوبية رأيناهما في العديد من الأعمال الفنية سواء كانت
مكتوبة أم مرئية، ولعل هذا الشكل الفني يلاقي الكثير من التميز والنجاح لمن يجيده،
ويُدرك آلياته، لكن ليس معنى هذه الفرادة أن يلجأ الكاتب إلى إغلاق عالمه الفني
بشكل مجاني اعتمادا على مقدرة هذا الشكل الفني على التميز والفرادة، بمعنى أن هذا
الشكل الفني في حاجة ماسة إلى عالم خاص، وكاتب لديه المقدرة على الانغماس داخل هذا
العالم، والانفصال به عما يحيطه، أي يمتلك الأدوات الفنية الخاصة التي تتيح له هذا
الشكل الفني، أما أن نلجأ إليه لمُجرد أن التجربة الإنسانية للكاتب ضيقة ومُحددة
فسيؤدي ذلك بالعمل الناتج إلى شكل من الكتابة يكاد أن يشبه الثرثرة، أو مُجرد
الكتابة الذهنية التي لا معنى لها نتيجة لفرط جفافها، وعدم اندماج التجربة
الشعورية مع المُفردات التي يعبر بها الكاتب صاحب التجربة، وبالتالي سنرى في
النهاية تجربة قاحلة يسودها الكثير من الجفاف والتصحر نظرا لعدم وجود روافد تعمل
على تغذية تجربته.
صحيح أن المرأة الكاتبة- لا سيما في منطقتنا العربية- في حاجة ماسة للتعبير
عن نفسها، لكنها حينما رغبت في هذا التعبير لم تجد سوى ذاتها الخاصة جدا التي
انكفأت عليها، وبالتالي صار العالم بالكامل بالنسبة لها هو مُجرد التعبير عن مشاعر
شديدة الخصوصية- قد لا تعني الآخر بقدر ما تعنيها وحدها- أي عدم الانفتاح على
العالم والتعاطي معه، والاشتباك، مما أدى إلى أنها أحاطت نفسها- مثلها في ذلك مثل
المُجتمع المُحيط بها- بمجموعة من الجدران السميكة التي حددت لها تجربتها
الإبداعية، التي إذا ما حاولت تخطيها وقعت في الارتباك وعدم المقدرة على الاستمرار
في نسج عالمها الإبداعي؛ فتفضل هنا المزيد من الانكفاء على الذات والحديث عن
مشاعرها المُنسكبة في مُقابل رجل خالٍ من الإحساس، غير قادر على الشعور بها أو
التعاطي معها، ظالما إياها طوال الوقت، أي إحالة العالم بالكامل إلى ضدين
مُتنافرين أحاديين، بدلا من أن يكونا مُتكاملين قادرين على تشكيل عالم مثالي في
صورته الطبيعية، حيث يتكامل الطرفان فيه مع بعضهما البعض.
هل معنى ذلك أن التجربة الإبداعية لا يمكن لها أن تنطلق من الذات؟
بالتأكيد نحن لا نذهب إلى مثل هذا الاحتمال؛ لأن الذهاب إلى هذه الفرضية
قادر على هدم العملية الإبداعية بالكامل، فالتجربة الإبداعية في جوهرها عملية
شديدة الذاتية والخصوصية، تبدأ من الذات لتنطلق إلى العالم الواسع من حولنا
مُتماهية معه، مُتعاطية مع مُفرداته، مُشتبكة، قادرة على خلق وبناء عالم آخر وجديد
وفريد حسب رؤية وثقافة المُبدع- تخطي العالم الواقعي إلى عالم فني فريد في بنائيته
ودهشته- لكن الإشكالية التي نتحدث عنها هنا تختلف تماما، فالعديد من الكاتبات
ينطلقن من الذات/ الخاص لينتهي بهن الأمر إلى المزيد من الخصوصية، وهن من خلال هذه
الخصوصية يُحلن العملية الإبداعية بالكامل إما إلى مجموعة من الرموز التي تحتاج
إلى الكثير من الجهد من أجل التعاطي معها وإدراكها- وكثيرا ما لا يتم إدراكها- أو
إلى ثرثرات لا طائل من ورائها نتيجة لذهنية الفكرة الخالية من أي تجربة شعورية، أو
واقعية، أو ينزلقن إلى التعبير عن الوجع والشكوى الدائمين اللذين لا حل لهما،
وكأنهما قدر سيزيفي لا يمكن الفكاك منه- المرأة الموجوعة إذا ما جاز لنا التعبير!
إن الكاتب المُنغلق على ذاته قادر بالتأكيد على التعبير عن هذا العالم
بفنية ومهارة من دون الاستغراق في الغموض والثرثرات، ولعلنا قرأنا العالم الإبداعي
للروائي التشيكي Franz Kafka فرانز
كافكا، ومقدرته على إحالة العالم بالكامل إلى عالم فني خاص به، شديد الانكفاء
والخصوصية، يمتلك من الدهشة والحيوية ما هو قادر على إدهاشنا حتى اليوم في مُقابل
كاتب آخر مُنفتح على العالم بالكامل مثل الكاتب الروسي Anton
Chekhov أنطون تشيخوف- على سبيل المثال- فالبون بين
العالمين شاسع إلى حد بعيد، ولكن كل منهما تميز في العملية الإبداعية لامتلاكه
لمُفرداتها، وتميزه فيها.
كذلك في مجال السينما، ثمة مُخرج قادر على عزل عالمه الفني تماما عن كل ما
يحيط به، حتى أن العالم يتحول كلية إلى عالمه الفني الذي يرغب في التعبير عنه فقط،
ومن خلال وجهة نظر شديدة الضيق والخصوصية، بل والأدلجة أيضا مثل المُخرج المجري Béla
Tarr بيلا تار، وعالمه الشديد الخصوصية، في
مُقابل مُخرج قادر على التعبير عن العالم المُحيط باتساعه، والتعاطي معه والاشتباك
بأسلوبيته الخاصة مثل المُخرج الأمريكي Woody Allen وودي ألان- على سبيل المثال- بأسلوبيته المُفرطة في السُخرية من
كل شيء، حتى لو كانت هذه السُخرية من ذاته، أو من دينه، أو من عاداته وتقاليده!
إذن، فالإشكالية الفنية هنا في بناء العالم الإبداعي والفني ليس المقصود
منها إغلاق المُبدع لعالمه الفني والاستغراق فيه حتى النخاع، أو الانفتاح على
العالم من حوله بقدر ما هي إشكالية الكيفية، أو الآلية. كيف يمكن لنا تأسيس عالم
إبداعي- بأي شكل يراه المُبدع- شريطة مقدرته على الخوض فيه، والتعبير عنه، وامتلاك
أدواته الخاصة، ومنحه لسحره الخاص، ومن ثم الانتهاء منه بعمل فني ناجح في تقديم
عالم فني جديد يتميز بفرادته أكثر مما يتميز بهلاميته نتيجة استغراقه في الذهنية
الجافة الرتيبة التي لا معنى لها.
بمعنى أكثر وضوحا: إن آلية صياغة عالم فني، وتأسيسه لا يمكن لها الاعتماد
على الأفكار الذهنية وحدها، أو الانغماس في الذات وحدها، صحيح أن العالم الفني
ينطلق منهما، لكننا إذا ما ظللنا رهن هذه الذهنية أو الذاتية، ولم ننفتح على ما
يحيطنا؛ انهار هذا العالم الفني في نهاية الأمر، وبدا لنا هلاما لا معنى له، أو
مُجرد ثرثرات سقيمة قادرة على الإطاحة بالعالم الفني في نهاية الأمر.
المُخرج الأمريكي وودي ألان
هذه التأملات في ماهية العملية الإبداعية كانت نتيجة ضرورية، ورد فعل طبيعي
أثناء مُطالعتنا للمجموعة القصصية "يُحكى أن" للقاصة السعودية ندى
الحائك، صحيح أن المجموعة متفاوتة إلى حد ما في قصصها، وصحيح أن الكاتبة تمتلك من
اللغة والأسلوبية ما يجعلها قادرة على التعبير عن ذاتها، وتحويل المُفردات إلى صور
مُعبرة في الكثير من الأحيان، لكنها علقت داخل ذاتها طوال الوقت، غير قادرة على
الخروج منها؛ مما جعل قصص المجموعة مُتشابهة إلى حد بعيد في التجربة الفنية
والإنسانية، فضلا عن بعض القصص التي غرقت في التهويمات، واللامعنى نتيجة الإفراط
في الذهنية التي لجأت إليها الكاتبة لمُجرد رغبتها في مُمارسة فعل الكتابة لمُجرد
الكتابة، أو دفع الوقت بالوقت بتعبير آخر ربما يكون أكثر مُناسبة.
في قصة لها بعنوان "يُحكى أن: غبار الرحيل قد ينجلي في يوم ما ليعيد
إلينا ما كان"، لا بد لنا أولا من التوقف أمام العنوان الطويل، فالكاتبة قد
اختارت لمجموعتها أسلوبية تخصها تعتمد على الحكي، وهو أمر جلي من عنوان المجموعة
"يُحكى أن"؛ ومن ثم بات علينا أن نتقبل صاغرين أي عنوان قد تأتي به مهما
كان غريبا، أو طويلا، فهي تعتمد على آلية الحكي، حكي الحكايات، وهو شكل فني رأت
الكاتبة أنه الأكثر مُناسبة لمجموعتها، وليس من حق أحد مُناقشة المُبدع في اختيار
الشكل الفني الذي يراه مُناسبا لما يقدمه، وبالتالي فنحن هنا نتقبل العنوان الطويل
الذي هو شكل مُتبع في جميع عناوين قصص المجموعة، صحيح أن عنوان المجموعة بالكامل
هنا قد يجعلنا مُهيئين للحكايات تبعا لمفهومها في الموروث الشعبي- وهو ما لم تفعله
الكاتبة مما أدى إلى انفصال الشكل عن المضمون- لكنه يسمح لها إلى حد كبير في
اختيار عناوينها كما رأيناها داخل المجموعة.
في هذه القصة سنُلاحظ مفهوم استغراق الكاتبة في عالمها الخاص تماما حتى أن
العالم بكليته سيتحول إلى ما تتحدث فيه فقط، أي زوال العالم الخارجي. فهي تتحدث عن
مُعاناتها وشعورها الكبير بالخسارة لأن حبيبها قد قرر الرحيل إلى مكان آخر؛ فهو
راغب في استكشاف العالم، في حين أنها لا ترغب من العالم سوى حبيبها، أي أنه قد
تحول إلى العالم بالنسبة لها، وبالتالي فرحيله هنا لا يعني سوى زوال عالمها الخاص،
وانهياره، ورغم أنها غير راغبة في رحيله، ورغم أنه يتحدث إليها دائما عن أحلامه في
الرحيل إلا أنها لا تحاول إثناؤه عن هذ القرار، ولا تناقشه فيه، بل تقوم بفعل
الاستقبال المُتألم فقط مُعتمدة في ذلك على الرجاء، وتراجعه عن قراره؛ مما يدفعنا
إلى التساؤل: إذا ما كان الحبيب هنا بالنسبة لها هو العالم بأكمله، وإذا ما كان
رحيله يعني بالنسبة لها انهيار العالم، فلِمَ لم تتخذ أي بادرة من أجل إثنائه عما
يريد، ومن ثم ألقت بالمسؤولية عليه وحده في إيلامها بسبب هذا الرحيل؟
تقول الكاتبة: "كان لكل منا حِزم مُختلفة من الأحلام قطفناها من بستان
الحياة، كانت حزمتي من عبير عيش هانئ برفقتك، وأنت كانت حزمتك مشعلا من الاندفاع
والمُغامرة، توقدها بأحلامك، وبوقودها ودخان لهبها تخنق عبيري ليتلاشى، لم أكن
أعلم ما هو سبب صمتي، أكان لأني لم أجرؤ أن أطفئ قناديل عينيك باعتراضاتي التي لن
أجد لها صدى في وجه تصميمك وعزمك على الطيران خارج العش، أم ربما لأني كنت أستبعد
أن تفعلها حقا، وأنك ستفكر بي إن غادرتني، وتثنيك نظرة الرجاء الصامتة في عيني عن
الرحيل؟".
مع تأمل الاقتباس السابق من القصة سنفتح الأفق للعديد من التساؤلات
المشروعة: لِمَ فضلت القاصة هنا الصمت رغم تعلقها به، ورغم أنه يفضي لها دائما
بآماله وطموحاته، وإذا ما كانا مُرتبطين كما هو واضح، فما الذي يمنعها من نقاشه،
أو حتى الرحيل معه بدلا من إلقاء اللوم عليه في مشاعر الوجع، والألم اللذين تتحدث
عنهما طوال الوقت؟ هل أحلام الحبيب هنا من المُمكن لنا اعتبارها جرما بما أنها
تتناقض مع رغبتها في البقاء؟ وهل هي خيانة، أو تخلٍ عنها رغم أنها لم تُبد له أي
اعتراض على ما يرغب فيه؟! إن القصة هنا فاقدة لمنطقها، وبالتالي لا يمكن للقارئ
التعاطي أو التعاطف معها؛ فهو لم يرتكب جرما بحلمه، لكنها ارتكبت الجرم في حق
نفسها بالصمت، أو بقرارها في عدم طلبها للرحيل معه رغم أنه بالنسبة لها العالم
بالكامل: "تُردد على مسمعي أنك تريد أن ترى العالم، أي عالم سيكون بدونك؟ ألا
تعلم أنك عالمي؟ كيف تقول أنك تائه في هذا الكون، وأنت نصبت نفسك ملكا لكيان تزهر
فيه أزهار الربيع بنظرة من عينيك؟".
إن الراوية هنا في القصة مُجرد شخصية سلبية، وهي مُصممة على أن تكون هكذا
بدلا من اتخاذ القرار في الفعل، والنقاش، أو الاعتراض: "تسألني الموافقة على
الرحيل؟ أوتحتاج موافقتي والقرار مرسوم على كل لمحة من وجهك؟ على جبينك الوضاح، في
عينيك، في ارتفاع أنفك الشامخ، في شفتيك المزمومتين بتحذير من طوفان الدموع الذي
هاجم مُقلتيّ".
إذن، فلا جرم هنا من المُمكن اتخاذ موقف ضده نتيجة سرد الكاتبة، وبالتالي
لا يمكن لنا التعاطف معها في مشاعرها المكسورة، ودموعها التي لا تتوقف؛ فلقد وضعت
نفسها في الموقف بقرارها، ثم بدأت في البكاء كالأطفال: "ترفع حقيبتك القماشية
على كتفك القوي، وتمضي حيث البوابة الحديدية، وتقف خلفها، بيني وبينك تلك القضبان،
أركض خلفك، لكن خطاي تتوقف عند البوابة حيث أتشبث بها كما تتشبث بقماش حقيبتك،
انتفض قلبي وأنا أراك تخطو بعيدا عني، وليزداد انتفاضا عندما توقفت خطواتك والتفت
إلى هامسا بصوت مُتحشرج بث الأمل فيّ لثوان معدودة: سندس. كانت إجابتي الوحيدة على
ندائك الأخير لي، ذلك الذي لن أسمعه لفترة طويلة: أحبك. لعلي بتلك الإجابة أعيدك
إليّ، فترمي حقيبتك العفنة تلك، وتُطلق سراح أمنياتي وابتهالاتي، لكنك أرسلت لي
ابتسامة مُتلألئة، وأومأت لي، ومضيت تبتعد عني، حتى لم يبق منك إلا رائحة حماسك
الذي أزكم أنفي المُحمر مُسبقا من بكائي الصامت".
ربما لاحظنا في هذا السرد القصصي أن الكاتبة تعتمد هنا على المونولوج، فليس
ثمة حدث قصصي تعتمد عليه اللهم إلا المونولوج الداخلي، أو الحكي تبعا لعنوان
المجموعة، أي التعبير عن المشاعر، وما تختلج به في داخل القاصة، لكن، رغم أنها
تمتلك الحرية الكاملة في التعبير عن مشاعرها الخاصة تبعا لأسلوبية السرد المُعتمدة
على البوح فهي لم تقدم لنا سببا مُقنعا من المُمكن لنا التعاطف معه، ومن ثم
التعاطف معها على هذا الرحيل والألم الذي أحدثه بها حبيبها، بل لا نرى سوى قرارها
في التزام الصمت أمام آماله وأحاديثه التي يفضي بها إليها! إنها حتى لم تطلب منه
الرحيل معه، لنرى رفضه لذلك وبالتالي نستطيع إيجاد مُبرر منطقي لها على هذا الألم،
ونشاركها ألمها، كل ما هنالك قولها: "طيري الشارد، كم كانت سهلة تلك الكلمات،
تلك التي كان من المُفترض أن أقولها لك بكل نفس أمتلكه في رئتي، لا تسافر، لا ترحل
عني، فبعدك لست شيئا يذكر، كياني صرخ بالجملة التي كانت لتغير كل شيء، أو ما كانت
لتغير أي شيء، لا ترحل، ما أسهلها، وما أصعبها، لكني لم أجرؤ لأنك طيري الشارد،
وما نفعل تجاه طائر يود بقوة الخروج من قفصه إلا أن نفتح له باب القفص ويحلق فاردا
جناحيه كما يحب، لعله يعود في يوم ما إلينا ليكون لنا أبد الدهر"!
هل هذا منطق؟! بالتأكيد لا يمكننا تقبل هذا العذر في الاقتباس الأخير الذي
انتهت به القصة، ومن ثم تصبح القصة بكاملها لا معنى لها، وغير قابلة للتعاطف، مما
يحيلنا إلى التساؤل: لم تحبس القاصة هنا نفسها في البكائيات التي لا معنى لها،
والمظلومية الأبدية رغم أنه لم يجن عليها، بل هي من اتخذت القرار في عدم مُناقشته
في الأمر، وظلت صامتة مُستقبلة لآماله وطموحاته من دون إبداء أي رأي؟
الروائي التشيكي فرانز كافكا
إن الانغماس في الذات هنا جعل القاصة- من دون أن تدري- تُكرر نفسها لأكثر
من مرة وتلح على المعنى مما أدى إلى سيولة الجملة القصصية التي من الأدعى لها أن
تكون مُتماسكة، برقية، ذات قوام، خاطفة في التعبير- الاقتصاد في التعبير القصصي-
وهو ما لمحناه جليا في قولها: "لم يكن الأمر إني لم أتنبأ بقدوم هذا اليوم،
كنت أعلم أي طائر شارد أنت، كنت أعلم أنه مهما طالت المُدة سيأتي ذلك اليوم وتطير
مُغادرا العش الذي بنيت فيه آمالا هدهدتها بتوسل صامت كل ليلة، بدعاء يستغيث ألا
يأتي ذلك اليوم وتطير، أن تبقى تُدفئ العش الذي يقبع بين جوانحي، أن تزقزق فرحة
رؤيتك كل صباح، كل مساء، وكل ساعة في فؤادي، أن تلتمع عيناي لهالة النور التي تحيط
بك دوما، أن تلتهم كل تفصيل مُتحمس لك وأنت تتحدث عن تلك الرحلة التي ستأخذك بعيدا
مني، إلى الحرية"!
ألا نُلاحظ هنا أن الكاتبة تُكرر نفسها، وتلح على المعنى وتحاول استقطاره
حتى النهاية بأكثر من جملة حريصة على انتقاء المُفردات من أجل التعبير عن نفس
المعنى، صحيح أنها تحاول هنا التعبير عن الحالة الشعورية التي تشعر بها، لكن
إلحاحها على المعنى بمثل هذه العبارات المُنسالة لا يتوافق مع السرد القصصي
مُتماسك القوام؛ مما يفقده حيويته.
في قصة "يُحكى أن: بين الوجع والتمني سلسلة خفية تقيدنا، بكلمة من
حرفين فقط قد نُشفى، وبكلمة من حرفين قد نتوجع أكثر" تعتمد القاصة في قصتها
على ذهنية الفكرة السائدة عن الرجل الكابح لمشاعره لأنها قد تُكسبه- في نظر
المُجتمع- شيئا من الأنوثة، وبالتالي لا يعبر عن مشاعره الحقيقية، ويُفضل إخفائها
عن الجميع، حتى عمن يشعر تجاهه بالحب مما يجعله في النهاية قد يندم على عدم انتهاز
الفرصة في التعبير عن هذه المشاعر التي يكنها لمن أمامه، حيث تعبر القاصة عن امرأة
مُحبة تقف خلف زجاج غرفة العناية المُركزة مُتابعة لحبيبها الذي يحاول الأطباء
إنقاذه بكافة الطرق المُمكنة، ومُساعدته على التمسك بالحياة، وعدم المُغادرة،
فتتخيل القاصة الرجل الذي في غرفة العناية المُركزة وقد انفصلت روحه عن جسده
ليتابع حبيبته التي تبكي عليه بحرقة وألم، محاولا الاعتذار لها لأنه كان جلفا
معها، مُخفيا لمشاعره طوال حياته معها رغم حبه الشديد لها، لكن رغم هذه الرغبة في
الاعتذار لها إلا أنها لا تدري به لأنه بات مُجرد روح مُنفصلة عن جسدها، أي أن ثمة
فكرتين هنا اعتمدت عليهما القاصة في قصتها: فكرة التقابل الدائم بين مشاعر المرأة
المُنسالة والواضحة، وبين مشاعر الرجل الجامدة- أو التي تبدو جامدة- وهي فكرة
شائعة دوما، بينما الفكرة الثانية هي التساؤل عن انتهاز الفرصة في الحياة للتعبير
الصادق عن مشاعرنا بكل وضوح قبل انسراب الوقت من بين أيدينا.
فهو هنا يقف قبالتها مُتأملا إياها في بكائها ونواحها عليه، شاعرا بالكثير
من الألم بسبب دموعها عليه رغم أنه كثيرا ما تسبب في بكائها حينما كان حيا:
"لا، لا تبكي، صرخ بها في دواخله ولم تخرج من شفتيه مُطلقا، لم ينهرها أبدا
على بكائها إلا الآن، ليس وهو يرى ألمها ومصابها، لا يريد بكاءها، لا يستمتع به
كما كان من قبل، وهي تبكي حبيبها بكل هذا الألم، لا يريدها أن تبكي"، أي رغم
أنه كان يستمتع ببكائها فيما قبل، وكان هو السبب الدائم فيه، إلا أنه الآن يشعر
بالكثير من الألم حينما رآها تبكيه، ويحاول منعها من فعل ذلك، لكنه لا يمتلك
المقدرة على إخبارها بالأمر، أو منعها.
إن انفصال روح الحبيب هنا عن جسده جعله يرى الأمور بشكل أكثر وضوحا، رأى
أنه كان جامدا معها، غير قادر على بثها مشاعره التي يكنها داخله تجاهها، وهو ما
يندم عليه الآن: "جلس على ركبتيه أمامها، على تلك الأرضية الرخامية في ذاك
المُستشفى البارد هاتفا: لا تبكي عليه، فهو أحمق، جلف، جامد، جاف، يبكيك بدلا من
أن يضحكك، يحب إغاظتك بدلا من تدليلك، يريدك له وحده دون أن يخبرك كل يوم كم أن
حياته جميلة بوجودك فيها، أحمق، صخر هو كالصخر، لا حياة فيه، لا يقدرك، أحمق يا
يمامتي الرقيقة".
إذن، فالكاتبة هنا تعتمد في قصتها كلية على كبح الرجال لمشاعرهم تجاه
المرأة التي يحبونها ظنا منهم أنهم لا يليق بهم التعبير عن مشاعرهم، وبالتالي فهم
لا بد لهم أن يندموا على عدم انتهاز فرصة التعبير عن هذه المشاعر التي يحاول
"صخر" التعبير عنها الآن لحبيبته، لكنها لا تستمع إليه لأنه قد بات روحا
مُنفصلة عن الجسد، وحينما يأتي ابن عمها الذي يشعر تجاهها بالكثير من المشاعر،
وتُدرك روح "صخر" أن حبيبته ستكون في نهاية الأمر لابن عمها- غريمه-
الذي كان ينافسه فيها يشعر بالمزيد من الألم والندم على عدم البوح لها بكل وضوح
بمشاعره أثناء حياته: "لو أن القدر يعطيه الفرصة، فرصة أخيرة ليبث لها حبه،
ليعوضها عن الحرمان العاطفي الذي كان يمارسه بحماقة تجاهها، لو أنه قدم لها قلبه
على طبق من ذهب ما كان ليتجرع الألم هنا وحده، جثة هامدة وروح ضائعة تتلقفها
سلسلة، لو، التي لا تنتهي".
إذا ما تأملنا القصة السابقة لوجدنا أن القاصة ندى الحائك هنا قد حبست
نفسها في عالم شديد الضيق، عالم ثنائي الجنس: رجل وامرأة، مشاعر وجلافة، إحساس
وبلادة، لقد قامت بتحويل العالم بالكامل إلى ضدين في مجموعتها القصصية، وهما ضدين
بين الجنسين في نهاية الأمر، أي أنها مُنحبسة في التعبير عن بلادة الرجل في مُقابل
شاعرية المرأة، وهو ما لاحظناه في القصة السابقة أيضا، حيث كانت ترغب في التعبير
عن الرجل الذي لا يشعر بها في حين أنه يهتم بآماله وطموحاته فقط.
هذا الإصرار في التأكيد على فكرة بلادة الرجل الدائمة هو ما نلمحه مرة أخرى
في قصتها "يُحكى أن: عمر الشرف.. وطن!"، حيث تتحدث القاصة عن رجل وامرأة
أصابتهما السكتة الكلامية- وهو أمر شائع بين الأزواج بعد مرور فترة طويلة على
زواجهما، وعدم السعي باتجاه التجديد أو المُشاركة- لذا تكتب: "أذكر يوم أن
سكت الكلام بيننا، لم نجد في قواميسنا طارئا ينعش الجثث الهامدة من الأحرف، أقمنا
جنازة للوصل وأنصتنا للصمت المدوي بيننا، ظن الجميع أن ما بيننا لن يندثر، وأن
عشقا بدا أسطوريا لا بد يستمر أسطوريا، عبس الحب في وجهنا وفر من الباب وليس من
النافذة، فر أمامنا ولم نجد إلا أن نشيعه بنظراتنا البليدة، لم يعد عزف قلوبنا
يثنيه عن المُغادرة، بل مات العزف كما مات كل شيء آخر فينا".
المُخرج المجري بيلا تار
إذن، فنحن هنا أمام حالة زوجية في حاجة إلى النقاش والتواصل من أجل
تجاوزها، لكن الكاتبة تعبر عن جمود الزوج وعدم رغبته في التواصل بكتابتها:
"هززت رأسي أنفض أفكاري لأقوم بمحاولة أخيرة لإنعاشنا: ماذا تقرأ؟ لا شيء.
اقرأني! قلتها محاولة أن أثير فيك حسا لا أعلم ما هو، لكنك نظرت إليّ بطرف السُخرية
وقلت: ما هذا الجنون؟ أجمل من جنون العالم الذي تقرأه. لقد قصفوا أربعة منازل في
مكان ما في العالم، لا مكان لهرائك هذا. أكانت منازل فؤادي؟ احمر وجهك وقلت: مات
عشرة آلاف في مذبحة ما. أكانوا نبضي؟ جننت أقسم بالله. نفضت الجريدة معاودا
التحديق بها، وقلت لك: ماذا يقول لك قلبك؟ لا يقول شيئا يا امرأة! هل أنت غاضب
لأجل العشرة آلاف الذين ماتوا؟ انتفض فكك وأمسكت بك مُتلبسا بالاهتمام الزائف:
أك.. أكيد غاضب".
سنُلاحظ هنا أن الحوار بين الزوجين هو محض حوار عبثي لا يمكن معه التواصل
بين الطرفين؛ فهو يتحدث بشكل عقلاني بينما هي تتحدث معه بشكل مُستغرق في المشاعر،
وربما كان هذا هو سبب الفجوة التي نشأت بينهما، أي أنه كان لا بد من نقاش الهوة
الحادثة بينهما بشكل أكثر مُباشرة ومنطقية بدلا من حديث كل منهما وانطلاقه من
مُنطلق مُختلف لا يمكن له التلاقي مع الطرف الآخر.
إن هذا الحوار غير المُنسجم يؤدي بها إلى رغبتها في الرحيل عنه باعتباره
صلدا، وجلفا غير قادر على الشعور بها: "نهضت من مكاني لتهدر بي: إلى أين يا
ديار؟! حيث الاهتمام الحقيقي والصدق في الغضب، حيث يرتجف القلب لمنظر السماء التي
تبكي على العشرة آلاف نبضة التي تموت كمدا على أكثر من بيت يقصف. لكنك وطني. أجبت
مُغاضبا ناهضا من مكانك في فعل اعتراض حقيقي، لكنه اعتراض الطفل الذي تأخذ منه
لعبته! أدرت ظهري لك وأنا أقول: ليس الوطن اسما تتغنى به ببلادة إحساسك، بل هو
انتماؤك لكل ما تحمله هذه الأحرف الثلاثة من شرف وحب وأمومة. انتظري. سددت الباب
بيننا وأنا أهمس لك: تصبح على شرف!
ألا نُلاحظ في هذه القصة شيئا غير قليل من التكلف المُتصنع؟ إنه التكلف في
اسم الزوجة "ديار"، التكلف في الحوار الذي رأيناه في الاقتباس السابق،
حيث يميل الحوار إلى الكثير من الخطابية، وتقديم النصيحة، وتعريف المفاهيم
والمعاني. هذا التكلف المُتصنع هو ما قصدناه حينما تحدثنا عن انطلاق المُبدع من
الفكرة الذهنية فقط لبناء عالم فني لا بد أن يؤدي بنا في نهاية الأمر إلى عدم
المقدرة على التفاعل معه لأنه غير طبيعي، ولا تلقائية في التعبير عنه. إن الكاتبة
هنا تنطلق من فكرة جاهزة، وهي فكرة الرجل البليد الإحساس تجاه المرأة المُشتعلة
المشاعر دائما، وهو ما حاولت التعبير عنه في القصة السابقة على قصتنا هذه والتي
بدت جيدة إلى حد ما، لكنها تظل في إلحاحها على التعبير عن نفس المعنى في العديد من
القصص؛ مما يسقطها في الرتابة، وعلوقها في العالم الضيق الذي لا تستطيع الفكاك
منه، حيث سقطت أسيرة لهذا العالم غير قادرة على التحرر منه، مما يعني أن العالم
الإبداعي قد بات شديد الضيق، دافع للاختناق نتيجة للانغماس في الذات، والأفكار
الذهنية الجاهزة!
إنها المُعاناة العاطفية الدائمة التي تشعر بها المرأة في مُقابل رجل بليد،
مُتخلٍ، قاسٍ للأبد! هي ثنائية تنطلق منها القاصة ولا يمكن لها أن تحيد عنها، ومن
ثم تحاول دائما بناء العالم القصصي من خلال فكرتها الجاهزة والمقولبة؛ مما يسقطها
في التكرار في قصصها نتيجة رغبتها في النحت على مقاس أفكارها التي تتبناها، ففي
قصة "يُحكى أن: عند نهاية كل غروب شمس تبدو معالم الجريمة"، ثمة إصرار
على أن الرجل- ككائن مُشارك للمرأة على ظهر هذا الكوكب- هو سبب كل مُعاناتها، لأنه
صلد، بارد، مُتخلٍ، بلا قلب تقريبا!
إنه الانغماس داخل الذات، والتقيد داخل عالم ضيق، فهي في هذه القصة، ومن
خلال أسلوبية المونولوج، أو البوح المُعذب والباكي تتحدث عن حبيبها الذي أوهمها بأنهما
سيعيشا معا للأبد في قصة حب أبدية، لكنها سُرعان ما يتخلى عنها بسبب الفوارق
الطبقية، وعدم موافقة أسرته عليها، مما يورثها الكثير من الحزن والعذاب الأبدي
الذي تعاني منه، فهو رغم تأكيده لها حينما سألته ذات مرة: "هل سنبقى معا؟
سألته ذات عشق لترتسم الابتسامة واسعة على شفتيه هامسا لها عند شروق شمس حبهم: أما
كان بإمكانك أن تسألي سؤالا آخر؟ تعقد حاجبيها وتهمس له بخوف خالجها من ردة فعله:
مثل ماذا؟ أمال رأسه نحوها وابتسامته لا زالت تتلألأ في عينيه ليقول بتنهيدة وهو
ينظر إلى البحر: لا أحد يسأل لِمَ البحر كبير، ولا أحد يسأل لِمَ نحبه، فقط نقول
كيف لا نحبه؟ انتفض قلبها الذي لم يفهم ما علاقة البحر بسؤالها ذاك، وران الصمت
بينهما ليهمس لها: كيف لا نبقى معا ونحن نحب بعضنا؟! هذا ما قصدته يا شروقي".
إذن، فالراوية في القصة ترغب في التأكيد على أن حبيبها السابق الذي غدر بها
ورحل عنها إنما أكد لها على أنه باقٍ معها إلى الأبد، وهو ما جعلها تبني الكثير من
الفراديس التي تخيلت نفسها فيها معه، لكن لأن عائلته لها شروط خاصة فيمن سيرتبط
بها، فلقد رضخ لهذه الشروط ورحل عنها لأنها لا تتناسب مع شروطهم، ومن ثم فهو- كرجل
خاص بتلك المجموعة القصصية- مُتخلِ دائما، غير موثوق فيه، لا مشاعر حقيقية لديه،
مُسبب دائم للألم والكثير من الخذلان، وهو ما نقرأه في: "لقد تضخم قلبها بفعل
جرعات حبه الكاذبة، وأصبحت مريضة به، مريضة بكل ما كان يلقنه لها مع كل شروق شمس
عند شاطئ الحب ذاك، لقد أورثها علة لن تبرأ منها أبدا، وبانطفاء الشروق الذي كان
ذات حب؛ انطفأ قلبها بعلته التي أورثها لها حبيبها. مُجرم أنت يا حبيبي"! أي
أن الراوية هنا ما زالت تستمرئ بإرادتها ورغبتها فعل مُمارسة القسوة عليها، وما
زال هو حبيبها، لكنه الحبيب المُجرم الذي تحب إجرامه في حقها رغم أنها تراه قد
تسبب لها في مُعاناة دائمة!
الروائي الروسي أنطون تشيخوف
إن اعتماد القاصة على أسلوبية المونولوج/ البوح، هي أسلوبية تخصها، وإن
كانت لا تُحقق عنوان المجموعة/ الحكايات بالمفهوم الذي نعرفه؛ مما أدى إلى ثبات
الحدث القصصي، وتوقف زمنه أيضا، أي أن القص هنا بدا لنا في نهاية الأمر استاتيكيا
غير قابل للحركة في مُقابل ديناميكيته التي لا بد له أن يكون عليها. هذه
الاستاتيكية التي انساقت لها الكثير من القصص في المجموعة القصصية لم تقصدها
الكاتبة لغرض فني ما، ولكنها وجدت نفسها مُجبرة عليها، غير قادرة على التخلص منها
بسبب الأسلوبية القصصية التي اختارتها لتقديم عالمها القصصي، ففي قصة "يُحكى
أن: ذاكرة الحب شجرة لا تموت، بل تمتد جذورها عميقا في تربة الذكرى"، ثمة لا
حدث في القصة مما أدى إلى تحول القص إلى مُجرد ثرثرة لا طائل من ورائها عن امرأة
تتحدث عن مُعاناتها- بسبب رجل أيضا- لأن حبيبها كان مُتعدد العلاقات، وهي تعرف،
ورغم معرفتها بالأمر إلا أنها كانت مُحتملة لكل نزواته بسبب حبها له، ولنقرأ
الثبات الحدثي في: "أما كان بإمكان الحب أن يطيل عمره قبل أن يلملم ما له من
أحاسيس ونبض يغادرك؟ أيغادرني وهو يراني أتساقط خريفا وهو يزدان ربيعا؟ لقد أبى
إلا أن يكسر فيّ عنفواني ويشوه كبريائي، أبى إلا أن يزعزع أنوثتي بانتصاراته
وغزواته التي كان يتباهى بها أمامي، تحت أنف حبنا، أأنا حمقاء لأسمح له بإهانتي
وإذلالي في كل مرة يبتسم فيها لحمقاء أخرى ليست أفضل مني في شيء سوى أنها طريدة
جديدة لم ينلها بعد؟! تراه هي الرجل المنشود، ويراها هو فريسة لنزواته العشقية، لا
يراني ولا يرى أوراق عمري المُتساقطة تحت قدميه، كيف صار وأصبحت مُعذبي وقد كنت
تخاف عليّ من نسمة الهواء التي تحرك أغصان حبنا ونحن نتشارك البقعة المُباركة
بحبنا الأسطوري؟! عندما كنت تهمس لي بخجل وحدتك التي تلاشت بوجودي، وتنقش عليّ
انتماءك لي وحبك، وعشقك".
بالتأكيد سنُلاحظ في الاقتباس السابق توقف كل شيء في الحدث القصصي- إذا ما
كان هناك ثمة حدث قصصي- وأن كل ما هنالك مجموعة من البكائيات والرغبة في التعبير
عن الإهانات التي واجهتها تلك المرأة مع الرجل الذي كان يحبها، والذي كان يتباهى
أمامها بعلاقاته المُتعددة رغم ارتباطهما، أي أننا هنا أمام امرأة خادمة، تمتلك
سيكولوجية العبد وليست سيكولوجية الحبيبة، تحب أن تكون في موضع الإهانة الدائمة ثم
تجأر بالشكوى، وهو ما لا يمكن للقارئ التعاطف معه، لأنه لا يوجد أي شيء من المُمكن
له أن يرغمها على تقبل هذه الإهانات سوى أنها امرأة مازوخية، بلا كرامة، ومن ثم سيفقد
القارئ أي تعاطف معها مما يؤدي إلى هدم العالم القصصي- إذا ما كان هناك ثمة عالم-
الذي يعتمد في المقام الأول على التعاطف مع الراوية في القصة بما أنه لا يوجد فيما
نقرأه أي حدث اللهم إلا الشكوى والجأر بها.
تستمر القاصة على نفس طريقة الحكي اللاقصصي- إذا ما جاز لنا التعبير- على طول
القصة، مما يجعل السرد مُجرد كلام مُرسل لا معنى له، أو مجموعة من الخواطر التي لا
تنتمي إلى فن القصة القصيرة، لكن المُثير حقا للدهشة أن الكاتبة هنا بعد الكثير من
الحديث الذي لا طائل منه، والذي لا يؤدي إلا إلى المزيد من الشكوى والتألم،
والتعبير عن الإهانة التي لاقتها معه، تضع علامات فاصلة لتستمر في السرد، حيث تعبر
عن محاولة لجوئه إليها في الكبر، وأنها لم تتخل عنه، وباتت مثل الشجرة التي تُظلل
عليه رغم كل ما فعله طوال العمر الذي كان بينهما! أي أنها استمرت معه عمرا طويلا،
وحينما بات شيخا غير صالح لغيرها، ولجأ إليها أظلته بظلها، ولم تتخل عنه:
"استند إليّ أكثر وقد أحس ببادرة التعاطف المُحبة تجاهه وأسند رأسه وأغمض
عينيه، سافرت أنفاسه مع النسائم ورقصت روحه مع أغصاني المُتحركة وأنا لا زلت أبكي
معه، عليه، وعليّ أوراقا تساقطت من عمر ليته يتجدد فيك كما فيّ"!
إنها إشكالية محاولة إغلاق العالم تماما على مُبدع غير مُمتلك لأدوات هذا
الإغلاق، فضلا عن انغماس الكاتبة في ذاتها، وتمحورها حول نفسها وعالمها الضيق الذي
لا حدثية فيه نتيجة أفكارها الجاهزة حول ثنائية الرجل والمرأة التي لم تقدم لنا
عالما قصصيا بقدر ما قدمت لنا ثرثرة مُنمقة بلغة قد تبدو جيدة.
الصورة الذهنية الجاهزة للرجل- والتي تتبدى لنا على طول المجموعة-
سنُلاحظها مثلا في قول القاصة: "لا زلت أتذكر كيف كنت مأسورة بك، بكل حركة
تصدر منك بكل كبرياء الإيحاء"، فالفكرة الذهنية هنا ترى أن الرجل لا يعترف
بمشاعره بقدر إيحائه بها، وربما تكون هذه الصورة الذهنية أكثر إثارة للمرأة، لا
سيما القاصة، كما نراها في قولها: "كنت دوما أؤمن أن مهمة الرجل هي
المُبادرة، وكم كنت سعيدة بمُبادرتك"، إن الجملة هنا تعبر خير تعبير عن نسق
ثقافي تراه المرأة، مما يعني أن مُبادرة المرأة في المشاعر، أو الرغبات، أو أي شيء
آخر هو أمر مرفوض؛ فالرجل هو الوحيد صاحب المُبادرة، كذلك قولها: "قالها وهو
يمسح دمعه الذي يهتز له عرش الإحساس، لا أسوأ من أن تنزل دمعة من شيخ كبير"،
فإذا ما كانت الكاتبة هنا على طول المجموعة القصصية ترى أن الرجل- بشكل مُطلق-
مُتبلد المشاعر، بارد، غليظ، غير قادر على الإحساس، إلا أنها حينما رأت رجلا قادرا
على التعبير عن مشاعره استنكرت هذا الفعل، وهو ما رأيناه في الجملة السابقة!
إن الانغماس بالكامل في الذات، وإغلاق العالم لا بد أن يؤدي بالكاتب غير
المُؤهل لذلك إلى مجموعة من الثرثرات التي لا معنى لها، وبالتالي يتحول السرد
القصصي أو الروائي إلى مجموعة من الأحجيات التي لا معنى لها، والتي تجعلنا نتساءل
غير مرة عن السبب في هذا الشكل من الكتابة الغامضة الضبايية نتيجة التمحور من حول
الذات، في هذا السياق الضبابي رأينا بعض قصص المجموعة التي لم يكن لها أي ضرورة
فنية أو غير فنية، فالكاتبة لم تقدم لنا شيئا مُهما أو مفهوما، وكان من الأجدى بها
الإمساك عن الكتابة بسبب تمركزها الكامل حول نفسها، وأفكارها الجاهزة التي قد تبدو
بلا معنى.
في قصة "يُحكى أن: قد تكتفي بالجهل حين تصبح المعرفة مُخيفة!"
نموذج واضح على ما ذهبنا إليه، وفي هذا السياق نرى أن نسوق القصة بالكامل كنموذج
للقارئ كي يُدرك ما الذي نقصده: "أرفرف بعينيّ، هذا الشعاع الذي يلهب أجفاني
يؤلمني، أغطيها بكفيّ الصغيرتين وأتنهد مُستسلمة للألم، فهو إن كان غريبا لكنه غني
بالنشوة، سيعيد إليّ بصري، سأبصر الورود والأزهار، اخضرار الحقول، وزرقة السماء،
خيوط المطر الفضية، ندف الثلج الناصعة البياض، الندى مُستريحا على أوراق الشجر،
سأرى ابتسامة الطفل الصغير وأتذوق بعينيّ صدمة شعاع الشمس، أريد أن أتشرب كل ركن
من هذا العالم الجميل، لن أغمض عينيّ أبدا، لن أنام وأفوّت فرصة إبصاري هذا الجمال
وهذه الروعة، أريد أن أتهجأ أبجدية الألوان النابضة بالحياة، لا مزيد من الأسود،
لا مزيد من الظلمة، لا مزيد من الجهل. أبعدتُ يديّ عن عينيّ، رفرفتُ بجفنيّ ببطء،
والنشوة تتوسع في صدري، أما الفرحة فكتمت أنفاسي اهتياجا، الآن سأبصر كل شيء،
وأخيرا سأنهل من بحر معرفة الأشياء، سأرتاح من جهلي. تحيط بي الظلمة، كل ركن قد
ينبعث منه خيط ضوء سددته، طردت المعرفة لكنها أبت إلا أن تسكن عينيّ، عينيّ اللتين
شوهتهما المناظر التي رأيتها، لا مكان في هذا العالم لقوس الألوان الذي كنت
أنتظره، فإن اصطبغ ما حولي بصبغة اللون إلا أن قلبه أسود، أسود حد الاكتئاب، حد
القهر، ليت النور الذي أشعلته في عينيّ ينطفئ، ليتني اكتفيت بجهلي من بشاعة
المعرفة"!
هذه هي القصة بأكملها كما كتبتها الكاتبة في مجموعتها القصصية، وبالتأكيد
هي تؤكد للقارئ المعنى الذي ذهبنا إليه من أن الانغماس الكامل حول الذات
والاستغراق فيها، وعدم وجود تجربة حياتية ثرية سيؤدي بالكاتب إلى إغلاق العالم
الإبداعي، وهو الإغلاق الذي سيؤدي بالكاتب إلى مجموعة من الثرثرات التي لا طائل من
ورائها، وسيجره إلى مجموعة من الأحجيات التي لا معنى لها، مما سيحيل العالم
الإبداعي والسرد القصصي بالكامل إلى ما يشبه الخواطر، أو بوستات الفيس بوك التي لا
معنى لها، ولا علاقة حقيقية ووثيقة لها بالعالم الأدبي والإبداعي.
لكن، هل معنى ذلك أن الكاتبة ظلت مُتمركزة حول ذاتها، غير قادرة على الخروج
منها إلى العالم الأكثر اتساعا؟
استطاعت الكاتبة الخروج من عالمها الشديد الضيق للتعبير عن الحياة بشكل جيد
في قصتين من قصص المجموعة البالغة تسع عشرة قصة، وهما قصتي " يُحكى أن: في
قانون السعادة لا يوجد قانون"، وقصة "يُحكى أن: تكدس الأماني لا يعني
عدم تحققها"، ففي القصة الأولى عبرت عن شاب فقد عمله، وظن أن الحياة قد انتهت
بفقدانه لهذا العمل؛ مما يجعله يحاول الانتحار، لكن أحد المُشردين يحاول إنقاذه من
الموت، ويبدأ في العزف على القانون مما يجعل العابرين يتجمعون من حوله للاستماع
إلى عزفه، ومنحه بعض المال، وحينما يجمع الشاب الذي حاول الانتحار النقود القليلة
التي تبرع بها المارة ويحاول إعطائها للمُشرد، يرفض أخذها ويعطيها له، ويبدأ
المُشرد في التأكيد له بأن الحياة لا تنتهي، وأنه ليس في حاجة للمال اليوم، لأنه
يمتلك قانونه الذي سبق له أن أنقذه من الانتحار في السابق. صحيح أن القصة فيها شكل
من أشكال النصح، أو التلقينية، لكنها بدت جيدة إلى حد كبير بخروج الكاتبة إلى
العالم الأوسع.
أما في القصة الثانية فتتحدث القاصة عن راعي غنم يغلق عينيه ويتخيل نفسه
يعزف على آلة الفلوت في إحدى الحفلات الكبرى المُقامة من أجل الاستماع إليه، وتعبر
عن سعادته، وشعوره ونشوته أثناء هذا العزف، وتلقي الحاضرين لفنه بسعادة، لكنه
بمُجرد ما ينتهي من العزف يفتح عينيه ليجد نفسه بين زملائه من رعاة الغنم الساخرين
منه لأن أغنامه قد ابتعدت عنه، لكنه كان يمتلك طريقة خاصة أشبه بالعزف والتي من شأنها
أن تجمع أغنامه من حوله مرة أخرى.
إن المجموعة القصصية "يُحكى أن" للقاصة السعودية ندى الحائك تؤكد
لنا على أن العالم الفني لا يمكن له أن ينبني على مُجرد أفكار ذهنية مُجردة تؤدي
بصاحبها إلى الانحباس داخله، أو الانغماس في الذات، مما يؤدي إلى ضيق الرؤية
الفنية في نهاية الأمر، صحيح أن الاستغراق في الذات من المُمكن له أن يؤدي بصاحبه
إلى بناء عالم فني شديد الجودة، ولكن هذا الانغماس لا يمكن أن يتأتى لصاحبه إلا
إذا ما امتلك أدواته الفنية، وآلية البناء الفني بشكل جيد، فضلا عن التجربة
الحياتية المُهمة المُثقلة بالكثير من الاطلاع والانفتاح على العديد من الفنون،
والتجارب الفنية المُتعددة والمُماثلة.
محمود الغيطاني
مجلة "نقد 21".
عدد يناير 2026م.
