السبت، 19 مارس 2022

سيفان.. فيلم سينمائي أم سهرة تليفزيونية؟

ثمة أسئلة جوهرية وكثيرة لا بد أن يثيرها مشاهدة الفيلم الروائي القصير، سيفان، في نفس من يشاهده؛ لأن طريقة تنفيذ الفيلم- لمن يعي مفهوم السينما- تؤدي بالضرورة إلى طرح هذه التساؤلات، منها: هل هناك اختلاف كبير بين الفيلم الروائي الطويل، والفيلم القصير من حيث البناء الفني، أو سماته الجمالية؟

بالتأكيد لا يوجد فارق بين الفيلم الروائي الطويل والقصير من حيث السمات الجمالية السينمائية وطريقة التنفيذ إلا في مدة عرض كل منهما؛ فالفيلم الروائي الطويل يتراوح بين 60 دقيقة و90 دقيقة على الأغلب- قد يصل إلى 120 دقيقة أو أكثر- أما القصير فيتراوح بين 5 دقائق، ونصف الساعة على الأغلب- قد يصل إلى 59 دقيقة تبعا للمفهوم الفرنسي، أو 45 دقيقة تبعا للمفهوم الأمريكي- أي أن الفيلم السينمائي سواء كان طويلا أم قصيرا لا يختلفان إلا في مدة العرض فقط، لكنهما يشتركان في كل السمات التي تعتمدها صناعة السينما في نهاية الأمر؛ لذلك حينما نشاهد أي فيلم روائي- سواء كان طويلا أم قصيرا- فالأسس التي نعتمدها في التعامل مع هذا الفيلم هي أسس واحدة لا يمكن الخلاف عليها.

إن هذا السؤال يستدعي تساؤلا آخر أكثر أهمية لا بد من التفكير فيه بعد مشاهدة فيلم "سيفان"، وهو: ما الفارق بين السهرة التليفزيونية، والفيلم السينمائي؟

إن السهرة التليفزيونية هي قصة تجري معالجتها تليفزيونيا، ولا تختلف كثيرا عن المسرح سوى في تقنية العرض وطريقة المعالجة، تبعا لاختلاف طبيعة التليفزيون عن المسرح، ورغم ذلك فإن كثيرا من سهرات/ تمثيليات التليفزيون لا نجد فيها أدنى اختلاف عن المسرح، بل نجد في أغلب الأحيان أن هذه التمثيليات/ السهرات بمثابة مسرحية غير مُعدة جيدا، أي أن السهرة التليفزيونية أقرب إلى سمات المسرح الذي يعتمد على المباشرة، والخطابية، والمبالغة في الأداء، أو عدم إبراز أثر المؤثرات الخارجية والداخلية على أداء الممثل، وإن ظهرت تكون بشكل مبالغ فيه، بينما السينما من الفنون التي تهتم في المقام الأول بالتركيز على أداء الممثل، وخلجاته، والإيجاز في الحوار إلى حد ما، وعدم المباشرة في قول ما يريده المخرج، أو الابتعاد عن الخطابية، وتقديم عالم خاص يريد من خلاله المخرج إيصال شيء ما للمشاهد من دون أي خطابية أو مباشرة.


هذه الأسئلة وغيرها لا بد أن تدور في ذهن المشاهد للفيلم الروائي القصير "سيفان" للمخرج المصري سيف يوسف، وهو الفيلم الذي يحاول من خلاله تناول قضية الأرمن المهاجرين إلى مصر بشكل إنساني، وإن بدا لنا الفيلم في مجمله مصنوعا، يبتعد كثيرا عن التلقائية ويقترب بشدة من المباشرة والخطابية في تناول هذه القضية الإنسانية.

إن تناول السينما للأحداث التاريخية الكبرى لا بد أن يكون تناولا يحمل داخله الكثير من الحذر والانتباه إلى الخطوات التي يخطوها المخرج جيدا؛ لأن التناول السينمائي للتاريخ كثيرا ما يؤدي إلى الانزلاق في المُباشرة والخطابية التي تُفسد الفيلم في نهاية الأمر، ويبدو أن هذا المأزق الخطير لم ينتبه إليه المخرج؛ فتحول الفيلم الذي صنعه إلى مجرد سهرة تميل إلى حد كبير إلى هذه الخطابية المباشرة.

يتحدث الفيلم عن "شاهين"- الممثل عاطف عبد اللطيف- العائد إلى مصر بعد ثلاثين عاما كاملة من الهجرة حاملا معه الكثير من الذكريات التي عاشها قبل هذه الهجرة، لكنه يُفاجأ بسائق التاكسي الذي يسأله: "إنت إيه اللي رجعك تاني؟ أنا اللي أعرفه إن اللي عايش برا دا عايش باشا، يا باشا أنا لو ألاقي حد ياخد مني العربية دي ويديني تأشيرة لأي بلد؛ هنط في أول طيارة ويا فكيك"! هنا يبدأ شاهين في التفكير من خلال المونولوج الداخلي: للأسف محدش راضي بحاله، اللي هنا عايزين يسافروا وشايفين اللي برا باشاوات، واللي برا مهما نجحوا عندهم إحساس بالغربة وحنين لكل تفصيلة موجودة هنا".


إن بداية الفيلم بهذا الشكل فيه، بالتأكيد، الكثير من الخطابية والاعتماد على المباشرة في إيصال المعلومة التي يريد المخرج أن يقولها، لكنه لم يلجأ إلى هذا القول بشكل فني، بل اعتمد الشكل الأسهل في تقديمها من خلال القول، أو المونولوج الذي اعتمده شاهين، فهو يريد القول: إن البقاء في هذا البلد أفضل، وأن الإنسان غير راضي بظروفه مهما كانت جيدة أو سيئة، لكن هل اعتمد أي جانب فني في تقديم هذا الأمر؟ لا، لأنه اعتمد الحوار/ المونولوج بدلا من المواقف والأداء في تقديم ما يرغبه.

نشاهد في المشاهد الأول للفيلم امرأة ما تنام على فراشها بينما ترى حلما فيه الكثير من المذابح والقتل، وينتهي هذا المشهد بالقطع على عودة شاهين إلى مصر، ثم نعرف فيما بعد أن هذه السيدة هي سيدة أرمينية تدعى "سيفان" ولدت وعاشت في مصر بعد هجرة أهلها من مذابح الأرمن في تركيا، وهي تنتمي انتماء كبيرا إلى مصر؛ حتى أنها ترفض مغادرتها بعدما هاجرت ابنتها وصارت وحيدة. هذه السيدة كانت صديقة لأم شاهين، وتكاد أن تكون هي من شاركت أمه في تربيته. حينما يعود شاهين إلى شقته القديمة يقابلها، لكننا نلاحظ أن المخرج يعتمد المونولوج الطويل في تقديم العالم الفيلمي لتعريف المشاهد بالقصة كاملة، وهو المونولوج الذي اقترب كثيرا من التقرير الإخباري في إحدى النشرات أو الأفلام التعليمية أو الوثائقية؛ مما أبعد الفيلم كثيرا عن الروائية، وأفقد المشاهد رغبته في الاستمرار؛ نظرا لرتابة صوت الممثل التي ابعدته عن التذكر والحنين.

يتأكد لنا هذا الأمر حينما نشاهد المشهد الذي وقف فيه شاهين في شرفة بيته متأملا لمدام سيفان في شرفتها وهي تروي نباتاتها. من الطبيعي والمتوقع أن يسرع شاهين إلى مدام سيفان بحرارة لمصافحتها أو احتضانها؛ بما أنها هي من ساهمت في تربيته، أي أنها في مقام الأم، ولكن لأن المخرج يريد للمونولوج أن يستمر؛ كي يقدم لنا المزيد من المعلومات والمعطيات عن عالم الفيلم؛ فقد جعل شاهين يقف شاردا متأملا لها من دون أن يشير إليها أو يلفت نظرها إلى وجوده، أو حتى الحديث إليها؛ لمجرد اكتمال المونولوج ومعرفة المزيد من المعلومات عن سيفان، وبالتالي قدم المخرج مشهدا باردا غير مقنع، لا يمكن أن يكون منطقيا- كما نرى في حياتنا الطبيعية- فبعد غياب ثلاثين سنة كاملة، وبما أنه لا توجد له أي أسرة- كما رأينا في الفيلم- سوى هذه العجوز التي تذكره بأمه كان لا بد أن تكون هي همه الأول بمجرد وصوله إلى البيت للقائها، لكنه لم يفعل وتوقف في الشرفة لمجرد تأملها فقط والحديث إلى نفسه.

ليلى عز العرب

إن هذا المشهد وغيره من المشاهد على طول الفيلم يؤكدون لنا أن المخرج لم يستطع إدارة السيناريو الذي كتبه جوزيف فوزي، أو حتى محاولة تطويره بشكل جيد، كما أن الممثل لم يكن لديه أي إحساس بالشخصية التي يؤديها، وبدا وكأنه يشعر بالملل مما يفعله أمام الكاميرا، أو كأنه مرغما على أداء الشخصية؛ فطريقة الحديث- سواء كانت في المونولوج، أو مع الشخصيات الأخرى- فيها الكثير من الرتابة والجمود اللذين يبعدانه عن أي مشاعر مصاحبة- أي أنها ظهرت كشخصية ثلجية- كما أننا لم نر له أي ردود أفعال من الممكن أن تقنعنا بأدائه؛ فبدا لنا وكأنه شخصية تشاهد الأحداث من الخارج ولا تنفعل بها، وهذا يعود في المقام الأول إلى المخرج الذي فشل في إدارة ممثله ليعطيه ردود الأفعال الملائمة للشخصية، كما أن وجه الممثل بدا لنا خاليا من أي انفعالات، ولم تتغير قسماته مرة واحدة، حتى حينما عرف أن ابنة سيفان التي كان يحبها قد ماتت في الغربة، لم يبد عليه أي شيء وكأن الأمر لا يخصه.

إن محاولة المخرج سيف يوسف صناعة فيلم روائي عن الأرمن الذين يعيشون في مصر لم تكن محاولة جادة لتقديم أي شيء عنهم، بل بدا لنا أن المخرج راغبا في تقديم فيلم دعائي عن مصر التي تحتضن الجميع، ولا تلفظ أحدا. هذه المباشرة هي أول الأمور التي من الممكن لها أن تقضي على أي عمل فني، وهو ما نراه حينما يسأل سيفان: لم لم تهاجر مع أحفادها؛ فتخبره: إن ذلك مستحيل "عارف، أنا لو رحت أي حتة غير هنا، هحس إني غريبة". ألم نلاحظ المباشرة في الرد، ومحاولة جعل هذا المشهد في موازاة ومقارنة مع مشهد سائق التاكسي في بداية الفيلم، وهو السائق المصري الراغب في الهجرة مقابل أي شيء، بينما سيفان الأرمينية تتمسك بالبقاء وعدم رغبتها في الهجرة مهما كانت الظروف؟

هذه المباشرة تتبين لنا بشكل أكثر فجاجة وسطحية وخطابية حينما يقول شاهين، في مونولوج داخلي، متأملا سلمى، الفتاة السورية، الهاربة إلى مصر: "حظك أفضل من ناس كتير، حظك اللي جابك مصر، البلد اللي بتعامل الغريب كأنه منها"! إن هذه الأقوال الخطابية ذات النبرة العالية لا يمكن لها الاستقامة مع السينما وفنياتها؛ لأنها، بالتأكيد، تُفسد الفيلم والمشاهدة وتخرج بالفيلم إلى مجال آخر يتناسب أكثر مع المسرح منه عن السينما.

عاطف عبد اللطيف

يعرف شاهين أن ثمة فتاة سورية اسمها سلمى فقدت أهلها أثناء هربها، إلى مصر، من المذابح الدائرة هناك، وأنها تقابلت مع سيفان التي تبنتها وجعلتها تشاركها المعيشة في شقتها، وهنا يحاول المخرج المقارنة بين ما حدث للأرمن في تركيا، وبين ما حدث للسوريين، من جهة، وما فعله الإسرائيليين في صبرا وشاتيلا، من جهة أخرى، مستخدما في ذلك بعض المشاهد الوثائقية، هذه المشاهد التي شاهدتها سيفان على التليفزيون، وهو ما يجعلها تعطي شاهين ملفا كانت قد وثقت فيه الكثير من الدلائل على مذابح الأتراك من أجل مقاضاتهم ومحاكمتهم، وطلبت منه الاحتفاظ به، وإذا ما ماتت يحرص على أن يصل هذا الملف إلى أحفادها، لكننا نلحظ في حديثها معه المزيد من المسرحية الخطابية حينما تقول: قضية بتدين المذبحة البشعة اللي اتعرض لها شعبنا ومنهم عيلتي، إبادة عرقية افتتحوا بها القرن العشرين، وصمة عار في تاريخ كل من سكت عليها"!

إن هذه الجمل الخطابية التي يمتلئ بها الفيلم رغم قصر مدته- 18 دقيقة- جعلت الإحساس به وكأنه من الأفلام الطويلة المملة التي لا يمكن لها أن تنتهي؛ فالفيلم يفتقد لأي جانب جمالي أو فني، ومزخم بالعديد من الرسائل المباشرة الموجهة للجمهور بشكل مباشر، كما أن مشهد حلم شاهين بلقاء السلطان التركي عبد الحميد الثاني ومحاولة محاكمته كان فيه من السذاجة وافتقاد الحس الفني، والفهم السينمائي؛ ما جعل شاهين يقول له بشكل مسرحي مبالغ فيه: "أنا واحد من اللي قروا تاريخك المظلم، وسمع صراخ كل برئ كان بيتوسل ليك عشان ترحمه من الموت وأنت رفضت"، بينما نرى السلطان عبد الحميد يقف أمامه مرتعشا خائفا وكأنه مجرد جرذ!

المخرج سيف يوسف

إن التعامل مع السينما بمثل هذا المفهوم الساذج البدائي لا يمكن قبوله؛ لأنه يؤدي إلى تقديم شيئا شائها لا علاقة له بالسينما، ويفقد الفيلم الكثير من فنيته؛ فالمخرج لم يستطع إدارة ممثليه منذ البداية؛ لذا بدا الأداء باهتا ثلجيا، وكأنهم قد أرغموا على التمثيل، كما أن المعلومات التي أراد المخرج تقديمها لم ينجح في تقديمها بشكل فني يعتمد على المواقف وتنامي السيناريو؛ فلجأ إلى القول المباشر في ذلك، وهو الأمر الذي جعلنا نتمنى لو كان المخرج قد قدم هذا الفيلم من خلال السينما الوثائقية والابتعاد به عن السينما الروائية؛ لأن الوثائقية في الفيلم كانت ستجعله أكثر عمقا وأهمية مما رأيناه في فيلمه الروائي الذي يميل إلى المسرح كثيرا، ويبتعد تماما عن المفهوم السينمائي، كما أن الموسيقى التصويرية كانت مزعجة وأعلى من أصوات الممثلين الأمر الذي جعل العديد من الكلمات تبدو مبهمة غير مفهومة.

 

محمود الغيطاني

مجلة الشبكة العراقية

عدد 15 مارس 2022م

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق