الثلاثاء، 12 مايو 2026

السينما النقية

المخرج الروسي أندري زفياجينتسيف
في مشهد النهاية لفيلم The Return "العودة" 2003م للمُخرج الروسي Andrey Zvyagintsev أندري زفياجينتسيف ينصرف كل من الطفلين- أندري، وإيفان- من الكادر بعد استقلالهما لسيارة أبيهما الذي جرفت الأمواج القارب المحتوي على جثته؛ ومن ثم يضحى الكادر خاليا تماما مما يستدعي بالضرورة لجوء المُخرج إلى القطع المُونتاجي، وإغلاق المشهد- وهي قاعدة فيلمية لا خلاف عليها تُفيد بأن الكادر الخالي من مُفرداته لا بد من إغلاقه بالقطع المُونتاجي والانتقال إلى المشهد التالي- لكننا نُفاجأ بأن زفياجينتسيف يصرّ على استمرار المشهد- رغم خلو الكادر من مُفرادته الفنية- ومن ثم تكتسب الكاميرا هنا شخصيتها المُستقلة؛ فتبدأ في التجول الحر، التأمل الهادئ تماما للشاطئ، التلصص على كافة زواياه، مُراقبة كل ما يقع في مُحيط رؤيتها وكأنها تبحث عن شيء ما، التحرك بسلاسة واطمئنان راغبة في الانفراد بذاتها. إن الكاميرا هنا تُفكر، تتأمل، تُعيد ترتيب الأحداث في ذهنها، أي أنها قد اكتسبت- في جوهر الأمر- شخصيتها المُستقلة التي تُصرّ على عدم إغلاق المشهد إلا حينما ترغب هي في ذلك، أي اكتساب قوتها الذاتية؛ فقوة الفعل، والإرادة هنا قد تم سلبهما من المُخرج- رب العمل الأول- واستولت عليهما الكاميرا التي استحالت ذات شخصية مُستقلة، تتنفس، وتشعر، وتحزن، وتفرح، وتتثاءب، وتشعر بالملل- هذه الشخصية ليست جديدة عليها في مشهد النهاية فقط، فهي تمتلكها مُنذ بداية الفيلم وإن كانت قد تضخمت في مشهد النهاية لتنفي إرادة وشخصية المُخرج ذاته- فهي لديها من الرغبة، والتفكير، والتأمل، والتلصص، والتوق في التجوال وحيدة ما يجعلها تمتلك زمام أمرها، ومن ثم إغلاق المشهد حينما ترغب في إغلاقه، وهو ما حدث بالفعل.
المخرج المصري محمد خان


بالتأكيد يختلف هذا المشهد اختلافا بينا مع المشهد الذي رأيناه في فيلم "طائر على الطريق" 1981م للمُخرج المصري محمد خان- رغم التشابه الشكلاني بينهما- حينما رأينا الكاميرا تتجول بحرية، في مشهد استسلام فوزية لفارس بين أشجار المانجو لتستقر على الفراغ في السماء من دون أي دلالة أسلوبية تفيد برغبة المُخرج في الوصول إليها؛ فلقد لاحظنا أن الكاميرا في هذا الفيلم كانت تتحرك بشكل مجاني، لا فنية فيه، ولا هدف اللهم إلا الحركة فقط للتوقف على الفراغ أحيانا من دون أي إسقاطات أو دلالات، صحيح أنها كانت تتحرك على طول الفيلم بشكل شاعري بانورامي، ساعدها في ذلك التصوير في المناطق الطبيعية في الريف والمناطق المفتوحة، لكننا في مشهد استسلام فوزية لمشاعرها مع فارس بين أشجار المانجو نُلاحظ أن الكاميرا بعد حركتها البانورامية ودورانها من حولهما بين الأشجار ترتفع للنظر إلى أعالي الأشجار مُتجهة نحو السماء بلا معنى، بل وظلت على هذه الوضعية لبرهات لا طائل من ورائها، في حين أنه لو كان قد تم القطع مُباشرة بعد عناقهما لكان قد تم التعبير عن المشهد بشكل مُكتمل ولم ينقصه شيء- أي أن الكاميرا هنا تكاد أن تكون مُكتسبة لبلاهتها أكثر من اكتسابها لشخصيتها- وهو الأمر الذي رأيناه مرة أخرى في مشهد لقاء الحبيبين في الإسماعيلية حينما هبطت فوزية من سيارة فارس لعودتها إلى المزرعة؛ ومن ثم رأينا الكاميرا تتابعها في لقطة Full Shot لقطة شاملة لتتراجع الكاميرا للخلف مُتابعة لها من بعيد، وسُرعان ما نُلاحظ ارتفاع الكاميرا في مشهد علوي بين أغصان الأشجار بلا أي معنى، في حين أنه لو كان قد تم القطع مُباشرة بعد هبوط فوزية من السيارة لكان المشهد قد اكتمل أيضا، لا سيما أن حركة الكاميرا هنا لا تضيف أي جديد، وليس لديها أسلوبية، أو جمالية خاصة ترغب في تقديمها أو إضافتها للفيلم في هذين المشهدين.

لكن، إذا ما انتبهنا إلى قول خان وتبريره: "إحساسي بالإيقاع يجعلني أحيانا أختلف مع فناني المُونتاج، لأن من المُعتاد أنه إذا خلت اللقطة من الشخصيات، فلا بد أن تقطع فورا على اللقطة التالية، لكن ليس هذا هو الحال في أفلامي، فأحيانا أتعمد أن تبقى اللقطة خالية لبضع ثوانٍ، لأنني أريد أن أخلق إيقاعا مُعينا"[1]- لاحظ هنا أن خان يرغب في ابتكار إيقاع، وأسلوبية خاصة به سواء من خلال مُونتاج الفيلم، أو تصويره- نقول: إننا إذا ما انتبهنا إلى تبرير المُخرج السابق؛ لتبيّن لنا أنه لم ينجح في ذلك، فليس كل ما يتخيله المُخرج، أو يراه في ذهنه من المُمكن له تحقيقه على أرض الواقع، وهو ما يتبدى لنا هنا جليا في هذين المشهدين.

لِمَ سقنا هذا المثال الخاص بالمُخرج محمد خان في مُقابل مثال زفياجينتسيف؟

المخرج المجري بيلا تار

في الاقتباس السابق نُلاحظ أن خان يذكر فرضية أساسية في فن المُونتاج تفيد بأن المشهد ما دام قد بات خاليا من عناصره الفنية، لا سيما المُمثلين؛ فمن الضروري، والفني أيضا القطع على المشهد التالي، لكننا ربما نُلاحظ هنا أن إصرار المُخرج على ما أطلق عليه "اللقطة الخالية"- التي ذكرها في الاقتباس- هي من أهم سمات وخصائص تيار "السينما البطيئة" التي طالما وقع خان في عشق أحد أهم روادها، وشكّل وعيه السينمائي Michelangelo Antonioni مايكل أنجلو أنطونيوني، للدرجة التي جعلته يقتبس فيلمه Blow Up انفجار 1966م لهوسه البالغ به، ويعمل على تمصيره ليقدم لنا فيلمه الروائي الأول "ضربة شمس" 1980م، ورغم اطلاع خان على هذا الشكل من السينما- السينما البطيئة- إلا أنه لم يفكر في مُمارسته- حينما بدأ العمل في الإخراج- بقدر ما مال فنيا إلى أسلوبية الواقعية النقدية التي تقترب كثيرا من أسلوبية المُخرج المجري Béla Tarr بيلا تار في مرحلته الفنية الأولى التي قدم فيها ثلاثية Proletarian Trilogy البروليتاريا قبل انتقاله إلى مرحلته الفنية الثانية- السينما البطيئة- التي أصبح من أهم روادها فيما بعد.

لكن، "اللقطة الخالية" التي يقصدها خان، أي استمرار الكاميرا في التحديق، والتأمل، والتلصص، والمُراقبة، والتجول الحر في المشهد الذي تم تفريغه من الشخصيات الفيلمية- أي اكتساب الكاميرا لشخصيتها، واستقلاليتها، وامتلاكها لقرارها الشخصي في إنهاء المشهد بنفسها- ليست مُجرد لقطة مجانية من المُمكن للمُخرج اللجوء إليها تحت دعوى صناعة إيقاع، أو خلق أسلوبية في الفراغ الطلق كما ذهب خان، لأن مُجرد صناعة هذه اللقطة من دون هدف، أو إسقاط دلالة ما، أو معنى، أو أسلوبية؛ يكون من قبيل إطلاق الكلام على عواهنه، والادعاء بأن المُخرج يقوم بصناعة أسلوب ما، أو إيقاع ما، صحيح أن خان هنا حاول منح الكاميرا شخصيتها، وإرادتها في إنهاء المشهد، لخلق ما أطلق عليه الإيقاع، لكن الإشكالية الأساسية التي لم ينتبه إليها أنه لم يمنحها استقلاليتها الكاملة؛ فكاميرا خان في جوهرها كاميرا ذات شخصية مُقيدة، تنتسب إلى مُخرجها في المقام الأول، أي أنها لا تنفصل عنه، بل تتماهى معه، ومن ثم تحمل أيديولوجيته، وثقافته، وتاريخه الفني بالكامل، وتضحى نائبا عنه. كاميرا خان تشعر بالاغتراب، وعدم الانتماء اللذين كانا من أهم سماته السيكولوجية أولا، وسماته الأسلوبية ثانيا، أي أنها مثله تماما، ومن هنا فهي تظل عاجزة، غير قادرة على الفعل حينما يمنحها الفرصة لهذا الفعل؛ بما أنها تظل مُتماهية معه، غير قادرة على التحرر منه، وهو القيد الذي يظل طوال الوقت في لاوعي خان كمُخرج، غير قادر على منح كاميرته لاستقلاليتها الكاملة عنه خشية فساد العالم الفيلمي عما هو مرسوم في ذهنه؛ وبالتالي يفسد العالم بالفعل حينما يدعي ديمقراطيته في منح الكاميرا لشخصيتها المُستقلة!

لكن، في الفيلم التالي مُباشرة لزفياجينتسيف The Banishment النفي 2007م تُوغل الكاميرا في استقلاليتها البالغة حتى أنها تبدو لنا مُستغرقة في غرورها، مُتعالية على الجميع- مُفردات الكادر، والحدث، والمُمثلين، وربما المُخرج نفسه- وبالتالي فهي لا يعنيها مُتابعة المُفردات الفنية داخل الكادر، لا تهتم بالتتبع؛ فكافة الموجودات بلا استثناء مهما خرجت من مُحيط رؤيتها ستعود مرة أخرى للدخول فيها، ومن ثم فهي لا يعنيها تتبع أي مُفردة من مُفردات الكادر، بل تظل على وضعيتها الساكنة تماما لحين دخول المُفردات إلى إطار رؤيتها مرة أخرى!

المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي

إن حركة الكاميرا لدى زفياجينتسيف تبدو لنا مُتأملة، مُتمهلة، غير مُتعجلة، واثقة تماما من سيطرتها على كل مُفردات المشهد المُحيط، وأن هذه المُفردات مهما خرجت من مجال رؤيتها، فهي لا بد أن تعود إليه مرة أخرى، وهو ما يُكسبها قدرا غير هيّن من ثقتها بذاتها، وعدم تعجلها، وسكونها الطويل المُتأمل. إنه ما رأيناه في المشهد الافتتاحي لفيلم "النفي" 2007م، حيث يبدأ زفياجينتسيف فيلمه على الكاميرا الثابتة الشاخصة في الفراغ اللانهائي المُحيط بها في منطقة من مناطق الريف، ورغم أننا لا نلمح أي شيء داخل إطار الكادر اللهم إلا شجرة ما، لكن الكاميرا تظل شاخصة وكأنها في انتظار شخص ما، أو حدوث شيء ما، وهو ما سنلحظه بعد قليل حينما تظهر لنا سيارة قادمة في الأفق البعيد لتظل الكاميرا مُتابعة لها، مُحدقة فيها مع ثباتها، ورغم أن السيارة اختفت عدة مرات في مُنحنيات الطريق، وتضاريسه المتفاوتة إلا أن الكاميرا تظل مُنتظرة لها، واثقة من دخولها في الكادر مرة أخرى، والعودة إلى نطاق رؤيتها، ومن ثم فالكاميرا هنا تمتلك شخصيتها، واعتدادها بذاتها؛ ما يجعلها واثقة مما سيحدث، غير راغبة في الحركة، أو التسرع، أو مُلاحقة السيارة، اللهم إلا حينما تقترب منها على جانب الطريق. هنا نُلاحظ أن الكاميرا تبدأ في الحركة بتؤدة وتمهل وكسل، وكأنها تفعل ذلك عن غير رغبة، أو حتى لكأنها راغبة في النظر بكسل لهذه السيارة المُقتربة منها، وبالتالي نراها تقترب بكسلها الشديد من حافة الطريق في اللحظة التي تمرق من أمامها السيارة مُستمرة في طريقها، لكن التأكيد على أسلوبية المُخرج، واستقلالية الكاميرا هنا يتجلى في أن الكاميرا حينما تمر السيارة من أمامها لا تحاول مُلاحقتها بالنظر إليها في الجهة التي انطلقت باتجاهها، بل تظل زاوية نظر الكاميرا مُنصبة على الجهة التي أتت منها السيارة، وليس الجهة التي اتجهت إليها- أي المزيد من شموخها المُتعالي وتفحص الفراغ لحين اتخاذ قرارها الخاص في إغلاق المشهد.

إذا ما عدنا إلى الوراء قليلا في بداية الألفية عام 2000م، وشاهدنا فيلم Werckmeister Harmonies تناغمات فيركميستر للمُخرج المجري Béla Tarr بيلا تار للاحظنا أن الكاميرا في فيلمه بالغة التعالي، تأنف من الجميع، تمتلك شخصيتها المُستقلة والمُتفردة، حريصة طوال الوقت على وجود مسافة بينها وبين المُمثلين وكافة مُفردات الكادر، وهو ما يجعلها تُفضل المُراقبة والتلصص، والتأمل من مسافة كافية تجعلها قادرة على الحفاظ على حدودها الشخصية؛ مما يجعل الجميع غير قادرين على اقتحام هذه الحدود. تبدى لنا ذلك في مشهد الذروة الذي انطلق فيه الغوغاء- من أهل القرية- غاضبين باتجاه المشفى لتحطيمه بعدما تم التلاعب بأفكارهم، وهو المشهد الذي لا بد لنا من التوقف أمامه؛ حيث تابعت فيه كاميرا تار الحشود الهائلة والغاضبة للغوغاء أثناء انطلاقها الغاضب في شوارع القرية واتجاههم نحو المشفى، فلقد استمر المشهد 4 دقائق كاملة تتابع فيه الكاميرا مجموعة من الجماهير الضخمة وعلامات الغضب بادية على وجوههم قبل وصولهم إلى المشفى. إن تار ناجح إلى حد بعيد في التقاط التفاصيل، في استقطار المشهد ببطء وتمهل، وتأمله بروية حتى آخر قطرة من المعنى الذي يرغب في إيصاله، في التوقف بالزمن ليصبح ذا كثافة غير مُحتملة مهما كانت المشاعر التي تحيط بالمشهد. إن الكاميرا كانت تدور بينهم، تتأملهم، تسبقهم، وسُرعان من تتأخر عنهم، تعلو فوقهم، ثم تنخفض، تتناولهم من جميع زواياهم المُمكنة إلى أن سبقتهم إلى مدخل المشفى في انتظار هجومهم عليه. أي أن كاميرا تار هنا كانت مُجرد كائن مُراقب، كائن لاهث. الكاميرا هنا هي كائن حي حقيقي، يتنفس، يراقب، تمتلك عينيْ طفل مُندهش، لذا فهي تتلصص عليهم، تتسلل خفية، خائفة من أمر اكتشاف وجودها، نراها تدور وتختبئ في كل مكان من المُمكن لها أن تتواجد فيه، تتجول هنا وهناك ببطء وكأنها تتأمل الفوضى التي أعاثوها داخل المشفى، تشعر بالخوف من القتل أو إمكانية كسرها بعصا أحدهم، تتطلع عليهم من خارج أبواب ونوافذ الغرف التي يتم تحطيمها- خشية الدخول- تحاول دائما ترك مسافة آمنة بينها وبين الرعاع الغاضبين، تتعقبهم في خطواتهم وتصرفاتهم الوحشية صامتة من دون تدخل، نشعر بأنفاسها لاهثة مذعورة، تتحسس خطاها بحذر قبل التقدم في أي اتجاه، لكنها أثناء انسحابهم تستمر في حركتها المُتسللة حتى تصل إلى إحدى الزوايا التي نرى فيها يانوس مُختبئا، مُرتعدا، لاهثا.

في فيلمه المُهم أيضا The Man from London الرجل من لندن 2007م سنُلاحظ أن الكاميرا ليست سوى كائن حي يمتلك إرادته المُستقلة؛ لذا ففي مشهده الأول تتأمل كاميرا تار- ببطء شديد، وبحركة منوّمة تماما، مُسيطرة علينا كمُشاهدين- جسد سفينة لنقل الركاب راسية على المرفأ، حيث يبدأ تأمل الكاميرا الفاحص بداية من الأمواج، أسفل حوض السفينة، لتصعد رويدا إلى جسد السفينة، ثم يتحول المشهد إلى سطح السفينة حيث يقف رجلان مجهولان يتناقشان في أمر ما.

مع استمرار الكاميرا في التأمل الطويل- حيث بلغ طول المشهد الأول من الفيلم 13 دقيقة كاملة من دون قطع- سنعرف أنها تراقب كل ما يدور من حولها من داخل برج مُراقبة/ تحويلة السكك الحديدية المُطل على مرفأ بحري، وهو ما سيجعلنا نُلاحظ أن الكاميرا هنا كانت تتلصص من خلف النوافذ الزجاجية لبرج المُراقبة، ورغم وجود الكثير من العوارض الخشبية بين النوافذ إلا أن الكاميرا كانت تمر عليها ببساطة وبنفس بطئها المعهود، وهو ما ساعد المُخرج على التنويع بين درجات الإضاءة وسطوعها، والإظلام وعتمته- حيث كانت الشاشة تظلم عند مرور الكاميرا أمام العوارض الخشبية التي تمنع وصول ضوء المرفأ الليلي.

المخرج الفلبيني لاف دياز

رأينا هذه الاستقلالية البالغة في العديد من أفلام تار الأخرى، لا سيما فيلمه الملحمي Sátántangó تانجو الشيطان 1994م، وغيرها من الأفلام حتى وصل بنا إلى فيلمه الروائي الطويل الأخير The Turin Horse حصان تورينو 2011م الذي أغلق به عالمه الفيلمي المُوغل في فلسفته التشاؤمية، وهو الفيلم القائم في جوهره على عكس تار لسفر التكوين بشكل فني.

في المأزق الوجودي الإيماني للمُخرج الروسي Andrei Tarkovsky أندريه تاركوفسكي، الذي نقصد به فيلمه الجوهري، وواسطة العقد من مشروعه السينمائي الروحاني Stalker المُطارد 1979م، يبدأ تاركوفسكي فيلمه على غرفة بائسة، شديدة التجريد- كدلالة على الفقر المُدقع الذي يعاني منه من يقطن فيها- حيث لا نرى فيها سوى فراش، ومنضدة عليها كوب زجاجي فقط، تقترب الكاميرا ببطء وتمهل شديدين- وكأنها تتسلل- مُتأملة منْ بالفراش لتتوقف هنيهة أمام المنضدة مُتفحصة، ثم تبدأ في التحرك باتجاه يسار الشاشة مُحافظة على هدوئها وبطئها وتمهلها الشديد، فتستعرض لنا الزوجة- قامت بدورها المُمثلة الروسية Alisa Freindich أليسا فريندليتش- النائمة مُعطية ظهرها للزوج، ثم طفلتها مارتا- قامت بدروها المُمثلة الروسية Natasha Abramova ناتاشا أبراموفا- حتى تصل الكاميرا إلى الزوج/ المُرشد- قام بدوره المُمثل والمُخرج السوفيتي Alexander Kaidanovsky ألكسندر كايدانوفسكي- المُستيقظ، المُراقب لزوجته وابنته، تتوقف الكاميرا أمام وجه الزوج هنيهة مُتأملة بتمهل مُتفحص وكأنها تتعرف عليه، أو تحاول حفر ملامحه في ذاكرتها، وسُرعان ما تعود ببطء شديد في رحلة الرجوع العكسية مرة أخرى لنرى من خلالها الزوجة المُتيقظة، وقد بدا على وجهها الكثير من البؤس والحزن القاسي، ثم تتوقف أمام المنضدة المجاورة للفراش حيث يبدأ صوت قعقعة أحد القطارات المجاورة أثناء سيره على خط السكك الحديدية مما يؤدي إلى اهتزاز البيت بالكامل، وتحرك الكوب الزجاجي الموجود أعلى المنضدة في إيحاء من المُخرج على تهالك البيت، وقربه الشديد من خطوط السكك الحديدية- لاحظ هنا أن الكاميرا ذات شخصية مُستقلة، وهو ما نراه في جميع أفلام المُخرج، وبالتالي فهي هنا تقوم بدور المُراقب.

ما الهدف من وراء اجترار هذه الأمثلة، مع الإمساك عن ذكر الكثير غيرها مما يصلح للوصول بنا إلى وجهتنا التي نرغب في الوصول إليها؟

إن الهدف من وراء ذلك التأكيد على سمة مُهمة وجوهرية لا تخلو منها "السينما البطيئة"، وهي استقلالية الكاميرا، امتلاكها لشخصيتها الحرة التي تجعلها تتصرف تبعا لثقافتها، وأيديولوجيتها، ومفهومها الخاص- مما لا يتعارض مع مفهوم المُخرج للأسلوبية التي ينتهجها ويريدها شريطة عدم التماهي بين الشخصيتين "المُخرج والكاميرا"، أي حرصه على تحريرها الفعلي، وليس تحريرها الشكلاني.

السينما البطيئة في جوهرها هي أسلوبية سينمائية ينتهجها مجموعة من المُخرجين الراغبين في طرح أيديولوجياتهم التي يتبنونها، ومحاولة التعبير عنها، مما يعني أنها ليست نوعا سينمائيا مُستقلا بذاته، كما أنها ليست بالضرورة اتجاها سينمائيا مُستقلا عن غيره من الاتجاهات المُختلفة؛ فالسينما البطيئة تعتمد في جوهرها على الجماليات الأسلوبية المُشتركة التي تم الاتفاق عليها ضمنيا، وتعتمد اعتمادا مُباشرا على المزاجية الفنية للشخصيات الفيلمية- وليست مزاجية المُخرج نفسه- وهو ما يؤكد عليه السيناريست والمُخرج السينمائي، والناقد الأمريكي Paul Schrader بول شريدر في كتابه الذي لا غنى عنه Transcendental Style in Film: Ozu, Bresson, Dreyer الأسلوب المُتعالي في السينما: أوزو، بريسون، دراير 1972م، حيث ذهب إلى أن السينما البطيئة هي سينما أسلوبية في جوهرها، تُركز على الحالة المزاجية بدلا من التركيز على السرد السينمائي- أي القصة، أو السيناريو- وهو ما يحيلنا بالتأكيد إلى السمات الأسلوبية التي تميز هذه الأفلام مما يجعلنا نُطلق عليها مُطمئنين توصيف Slow Cinema السينما البطيئة.

المخرج التركي نوري بيلجي جيلان

إذا ما كنا قد أسهبنا في السطور السابقة في الحديث عن سمة جوهرية من سمات السينما البطيئة، وهي الشخصية المُستقلة والحرة للكاميرا في هذا الشكل من السينما، فمن الضروري ألا تفوتنا سماتها الأسلوبية الجوهرية الأخرى التي لا يمكن توصيف الفيلم "بالبطء" إلا بها.

بما أن "السينما البطيئة" هي سينما أسلوبية في المقام الأول- وليست نوعا سينمائيا- فهي في حاجة ماسة إلى التأمل الطويل أكثر من حاجتها لحكي الحكايات، إنها تتخذ من موقفٍ بالغ البساطة انطلاقة فيلمية صالحة للاستمرار فيها وبناء فيلم كامل قد يطول لساعات رغم عدم وجود القصة بشكلها الخطي، أو الكلاسيكي المعهود، المُعتمد على بداية وعقدة أو ذروة، ونهاية. هذه القواعد الكلاسيكية الجاهزة مُنتفية تماما في السينما البطيئة، لا قيمة فنية لها، ولا احترام لوجودها أو غيابها، وربما يأنف منها صانع الفيلم ويحتقرها مُتعاليا عليها؛ فالسينما البطيئة- أو السينما التأملية- لاعتمادها البالغ على التأمل الطويل والتفكير في الموقف، وجدوى كل شيء يحيط بنا تجعل المُخرج يتأمل موقفا ما في حياة، ويستمر مُتابعا له لفترة طويلة من الوقت، وهو ما يحيله إلى موقف آخر مجاور، ثم ثالث، وهكذا ينشأ الفيلم من مجموعة من المواقف الأفقية المتجاورة التي تُشكل في النهاية فسيفساء من المواقف الأفقية المُوحية، والمُعبرة عن تأملات المُخرج الطويلة في موضوعه.

هذه المواقف الأفقية- التي لا يمكن لها أن تُشكل لنا عالما فنيا بالمفهوم الكلاسيكي إلا إذا ما كانت في شكل رأسي- تعمل طوال الوقت على نفي الحدث، أو بالأحرى نفي السرد الفيلمي، وبالتالي فالفيلم في السينما البطيئة لا يمكن لنا حكيه، أو تلخيص أحداثه، أو إخبار أحد به؛ فليس ثمة حكاية ممسوكة- يمكن القبض عليها- في واقع الأمر، بل مجموعة من الأحداث العادية واليومية المتجاورة التي تؤدي بنا إلى بناء العالم والتعبير عنه، وهو ما يعني أن التأمل الطويل لصانع العمل هو الذي يبني العالم الفيلمي، وبالتالي فالمُخرج لا يدخل العمل وقد جهز أحداثه، وفكرته، وعالمه بشكل كامل، فهو ينطلق من موقف، ويبدأ في البناء عليه طوال الوقت، أي أن التفاصيل تنبثق، وتتنامى، وتنضج أثناء تنفيذ العمل- لكن ليس معنى ذلك أنه لا يجهز سيناريو قبل بدء تنفيذه للعمل- ولنتأمل على سبيل المثال أي فيلم من أفلام هذا التيار السينمائي لمحاولة تلخيصه؛ سيتضح لنا عجزنا أمام الفيلم؛ فحكايته كالسراب تماما، تنسرب من بين أيدينا، ولا يمكن لنا صوغها في إطار مُحكم، أو كلمات مُفيدة.

المخرج الدانماركي كارل دراير

غياب الشكل الروائي بمفهومه الخطي الكلاسيكي يفضي بالضرورة إلى اللقطات الطويلة، والطويلة جدا المُوحية بأبديتها- هذا الإحساس الأبدي مقصود لارتباطه بالزمن الذي يُعد لاعبا رئيسيا في هذه الأسلوبية- حتى لكأنما المُخرج لن يلجأ إلى القطع المُونتاجي أبدا؛ فهذه اللقطات الطويلة تتحول في الواقع إلى أداة ضرورية، لا مناص منها من أجل المزيد من التأمل- بما أن السينما البطيئة في جوهرها سينما تأملية- ولعلنا نذكر جيدا أن المُخرج الروسي Andrei Tarkovsky أندريه تاركوفسكي كان من أكثر المُخرجين عدائية للمُونتاج، وبالتالي فكثيرا ما اختلف مع المُخرج الروسي Sergei Eisenstein سيرجي أيزنشتاين؛ حيث كان لتاركوفسكي رأيا خاصا في أيزنشتاين، ورغم أنه كان أول من ابتكر المُونتاج في السينما، ومن ثم سار من خلفه جميع صُناع السينما في العالم، إلا أن تاركوفسكي كان يرى أن أيزنشتاين يقوم بالمُونتاج من خلال أحكام عقلية صرفة، وهو ما أكسب أفلامه طابعا جافا، يبتعد بها عن الشكل الطبيعي للفيلم، ومن ثم فهو لا يميل إلى أفلامه كثيرا- حيث كان تاركوفسكي يميل إلى صناعة الإيقاع في الفيلم، وهو لديه يختلف تماما عن مُونتاج أيزنشتاين البارد- لاحظنا ذلك في قوله: "أنا في الأساس، وعلى نحو جذري، مُعارض للطريقة التي بها استخدم أيزنشتاين الكادر لتصنيف وتنسيق صيغ فكرية. إن منهجي الخاص في توصيل التجربة إلى الجمهور مُغاير تماما. بالطبع تنبغي الإشارة إلى أن أيزنشتاين لم يكن يحاول أن يوصل تجربته الخاصة إلى أي شخص، فقد أراد أن ينجز أفكارا على نحو صرف وببساطة، لكن بالنسبة لي فإن ذلك النوع من السينما هو ضار، ومُعادٍ تماما، فضلا عن ذلك فإن المثال الذي يقدمه مُونتاج أيزنشتاين، كما أراه، يناقض الأساس الفعلي للعملية الفذة، والذي بواسطته يحرك الفيلم مشاعر الجمهور. إنه يحرم الفرد من مُراقبة ذلك الامتياز الذي يتمتع به الفيلم، والذي له علاقة بما يميز تأثيره على وعيه عن تأثير الأدب أو الفلسفة: تحديدا فرصة العيش من خلال ما يحدث على الشاشة كما لو أنها حياته الخاصة، فرصة تبني التجربة المطبوعة على الشاشة على نحو شخصي عميق، رابطا حياته الخاصة بما هو معروض على الشاشة. أيزنشتاين يجعل من الفكر حاكما مُطلقا ومُستبدا: الفكر هنا لا يترك وراءه "جوا"، لا شيء من تلك المراوغة الإيحائية التي هي ربما الخاصية الآسرة التي يتسم بها هذا الفن، والتي تجعل من المُمكن بالنسبة للفرد أن يتصل بالفيلم. إنما أريد أن أحقق أفلاما لا تنطوي على أي لغة دعائية، خطابية، بل تكون فرصة مُلائمة لتقديم تجربة حميمة بعمق. بالعمل في هذا الاتجاه، أنا واعٍ لمسؤوليتي تجاه المُتفرج، وأعتقد أنني أستطيع أن أمنحه التجربة الفريدة والضرورية، والتي لأجلها يدخل صالة السينما المُظلمة"[2]، مما يعني هنا أن المُونتاج كما ابتكره، واستخدمه أيزنشتاين- تبعا لوجهة نظر تاركوفسكي الخاصة جدا في صناعة الإيقاع داخل الفيلم السينمائي- إنما يعمل على إفساد العالم الفيلمي، يُفسد الإيقاع الذي يجتهد المُخرج من أجل تكوينه داخل فيلمه، من خلال القص من الفيلم من دون روح، أو بالاعتماد على التفكير العقلي البحت، الشديد الجفاف، والصرامة، والذي يحيل الفيلم في النهاية إلى تجربة عقلية جافة وباردة، تبتعد به عن التجربة الحياتية التي يرغب تاركوفسكي في التعبير عنها من خلال أفلامه، فتاركوفسكي يصنع إيقاع فيلمه من خلال مُراقبة مرور الزمن الفيلمي، أو كيفية مروره وتأثير ذلك على المُشاهد والحدث الفيلمي.

هذه العدائية البالغة للمُونتاج سنُلاحظها لدى جل المُخرجين المُمارسين لأسلوبية السينما البطيئة، ولعلنا نذكر أن المُخرج المجري Béla Tarr بيلا تار من أكثر المُخرجين المُعادين للمُونتاج، بل هو لم ير فيه أي شكل فني. بيلا تار هو عدو المُونتاج الأول في صناعة السينما؛ فهو لا يميل إلى القطع المُونتاجي إلا حينما يجبره شريط/ علبة الكوداك Kodak على القطع، ولولا ذلك لاستمر تار في مشهده من دون قطع: "تار مشهور، أو سيئ السُمعة بسبب اللقطات الطويلة المُذهلة. يستمر عرض Sátántangó تانجو الشيطان لأكثر من سبع ساعات، ويتكون من 150 لقطة فقط، كان يرغب في الحصول عليها لفترة أطول لو استطاع، مُتذمرا من أن حده الوحيد هو طول فيلم Kodak كوداك الذي يمتد إلى 300 متر، أي حوالي 11 دقيقة. وهذا أمر غير عادي للغاية وفقا لمعايير اليوم، فمتوسط مُدة المشاهد الآن لا يتجاوز بضع ثوانٍ؛ مما يجعل مشاهدة أفلامه صعبة[3]"، وهو في هذا يرى أنه يمارس المُونتاج من خلال المشهد الواحد الطويل الذي يستطيع فيه الانتقال والتنويع من اللقطة العامة، إلى المتوسطة، إلى القريبة منوعا في ذلك ما بين اللقطات داخل المشهد الواحد من دون القطع المُونتاجي- فالتنويع ما بين اللقطات في المشهد الواحد بالنسبة له هو شكل من أشكال المُونتاج- أي أنه يمارس مُونتاجه بطريقته الخاصة التي يراها؛ لذا تتميز أفلام تار بأنها أفلام طويلة المشاهد بشكل قد يوحي للمُشاهد بأن المشهد قد تحول إلى مشهد أبدي لا يمكن له الانتهاء[4].

إنها العدائية التي يبالغ فيها- للوصول إلى حدها الأقصى- المُخرج الفلبيني Lav Diaz لاف دياز الذي يقول مُتحدثا عن فيلمه Evolution of a Filipino Family تطور عائلة فلبينية 2004م- البالغ مُدة عرضه الزمنية عشر ساعات و43 دقيقة- وعن مشهد موت كاديو الفقير في زقاق مهجور بمانيلا، والذي يمتد لأربع لقطات على مدى واحد وعشرين دقيقة، وهو ينزف حتى الموت: "أنا أصور اللحظة الحقيقية. أحاول أن أعيش ما يعيشه هؤلاء الناس. إنهم يمشون. يجب أن أعيش مشيتهم. يجب أن أعيش مللهم وأحزانهم. وفي مشهد الموت المحوري في الفيلم، أريد أن يشعر المُشاهد بمُعاناة شعبي الذي عانى طويلا تحت الحُكم الإسباني لأكثر من 300 عام، وتحت الحُكم الأمريكي لما يقرب من 100 عام حتى الآن، وتحت الحُكم الياباني خلال الحرب العالمية الثانية، ثم تحت حُكم ماركوس الديكتاتوري الفاشي الذي دام 14 عاما. أريد أن يشعر الناس بمُعاناتنا. موت كاديو هو مشهد موت الفلبينيين. كنت أريده أطول، صدقوني. كان من المُمكن أن يكون الفيلم أطول لولا دخول طفل على دراجة هوائية. لقد حذفت حوالي سبع دقائق منه لأن الطفل قاطع التصوير"[5]، أي أن العائق الذي كان يعوق تار سابقا- شريط علبة الكوداك- عن الاستمرار في طول وأبدية مشهده قد زال هنا تماما، تلاشى حينما لجأ لاف دياز إلى التصوير الرقمي كبديل للتصوير الطباعي على فيلم، وهو ما أتاح له تأبيد المشهد كيفما شاء.

المخرجة الأمريكية كيلي ريتشاردت

إن لاف دياز هنا يمتلك مفهوما مُوغلا في براجماتيته باتجاه السينما البطيئة، أي أنه لم يلجأ إلى مُمارستها باعتبارها حالة فنية، أو أسلوبية مزاجية خاصة. هو لا يعنيه مفهوم الفن للفن، أو الفن لإبراز جمالياته، بل الفن للوصول إلى هدف مُباشر يرغب في إيصاله، وهو في حالته هذه يرغب في لفت الأنظار إلى المُعاناة البالغة التي عانت منها الفلبين على مرّ العديد من القرون؛ فالفن لدى دياز لا بد له من إثارة الأسئلة، والانتباه إلى ما يدور من حولنا في المُجتمع، أو ما يحدث لنا- وهو بالتأكيد مفهوم لصيق الصلة بالسينما البطيئة من حول العالم، بما أنها سينما تأملية- لكن دياز يرى أن هذه الأسلوبية باتت ضرورة عنده لتأمل المُشاهد في حاضر الفلبين في مُقابل تاريخها الدموي وما دار فيه.

إذن، فعدائية مُخرجي السينما البطيئة للمُونتاج؛ يؤدي بالضرورة إلى لقطاتهم البالغة الطول- فهم يقومون بالمُونتاج الداخلي المُختلف تماما عن مُونتاج أيزنشتاين المعروف، أي بتنويعهم بين أحجام اللقطات في المشهد الواحد من دون قطع، وهو ما يعتمد على إحساسهم بالزمن وطريقة، أو كيفية مروره- وهم يلجأون إلى هذه اللقطات البالغة الطول للمزيد من التأمل، وإعطاء الفرصة، والوقت الكافي للذهن كي يعمل ويفكر، ويخرج في النهاية بالحقائق، لكن هذا الشكل الأسلوبي المُعتمد على الزمن يجعل القصة بشكلها الكلاسيكي المألوف عبئا على السيناريو، وبالتالي فلا وجود لهذا الشكل القصصي في هذه النوعية من الأفلام، وهو ما يحتاج بالضرورة إلى كاميرا مُتأملة بدورها، مُفكرة بعمق، مُتلصصة أحيانا، مُتسللة داخل الكادر، وبين المُمثلين لعدم إزعاجهم، وهو ما قد يصل ببعض المُخرجين إلى درجة التثبيت الكامل للكاميرا، وعدم تحريكها بأي حال من الأحوال في بعض المشاهد، أو في مشاهد طويلة جدا.

في مشهد البداية لفيلم 4 Months, 3 Weeks and 2 Days، 4 أشهر وثلاثة أسابيع ويومان 2007م، للمُخرج الروماني Cristian Mungiu كريستيان مونجيو يبدأ المُخرج فيلمه على لقطة طويلة ثابتة مُستخدما فيها كاميرا ثابتة لمنضدة عليها حوض أسماك، ومطفأة يوجد فيها سيجارة مُشتعلة ليتصاعد الدخان عاليا، بينما تمتد يد أنثوية بين الفينة والأخرى لتتناول السيجارة، ولا تلبث أن تعيدها إلى مكانها في الوقت الذي نستمع فيه إلى حوار المُمثلتين الرئيسيتين مع استمرار الكاميرا على ثباتها لأطول فترة.

إن هذا الثبات للكاميرا لا بد له أن يجذب المُشاهد ويجعله ينتبه إلى أسلوبية المُخرج التي ستستمر معه حتى نهاية الفيلم، وهي الأسلوبية التي تتلاءم تماما مع أحداث فيلمه، وأسلوبية السينما البطيئة، أو بالأحرى السينما التأملية.

هذا الشكل الثباتي بالكامل للكاميرا لفترات طويلة رأيناه أيضا لدى المُخرج المجري Béla Tarr بيلا تار في افتتاحية فيلمه الملحمي Sátántangó تانجو الشيطان 1994م، وهي اللقطة التي استمرت 9.9 دقائق مُتصلة- حيث تقف الكاميرا شاخصة أمام قطيع من الأبقار يخرج من الاسطبل ليبدأ في الحركة الحرة هنا وهناك، فنرى جزءا منهم يرعى لاهيا، بينما بعضهم الآخر يحاول التزاوج الجنسي. صحيح أنه لم يستمر على ثبات الكاميرا طوال المشهد- مثلما كان الحال لدى كريستيان مونجيو- بل حاول الحركة ببطء مُبالغ فيه- بعد فترة- لمُتابعة الأبقار في حركتها، لكنه بدأ من الثبات، وكاد أن يستمر عليه، وبالتالي لم يتحرك ببساطة في لقطته التتبعية.

المخرج الدانماركي لارس فون ترير

إن مشهد قطيع الأبقار الحرة في مزرعتها وحركتهم البطيئة المُتأملة- كالكاميرا تماما- يجعلنا نتساءل كثيرا: لِمَ تتوقف الكاميرا مُتأملة كل هذه الفترة الزمنية لمُجرد مُراقبة الأبقار التي تخوض في الأوحال، أو تأكل العشب، أو محاولة التزاوج الجنسي؟ إن قطيع الأبقار هنا هو المُعادل الموضوعي والمُطابق تماما لأهل المزرعة كما سنعرف فيما بعد- مع خوضنا في العالم الفيلمي- واستمرار الفيلم في التقدم للأمام؛ فحركة الأبقار التي تتجول من دون أي هدف في الحياة هو نفس السلوك الذي يسلكه جميع أهل المزرعة- الحياة من دون أي هدف ذي معنى- وصوت خوارهم الذي يحدث ضجة عالية لا يختلف عن الضجيج الذي يثيره سُكان المزرعة من حولهم، وهو ضجيج فارغ بلا أي معنى، حتى محاولة التزاوج الجنسي لمُجرد الفعل الجنسي لدى القطيع هو ما سنراه فيما بعد لدى سُكان المزرعة الذين يتضاجعون مُمارسين الجنس مع بعضهم البعض لمُجرد الفعل الجنسي فقط، بل نستطيع الذهاب- تبعا للمعنى الذي بثه لنا الفيلم، وما رأيناه- أن هذا القطيع الراغب فيمن يقوده ويوجهه، لا يختلف إطلاقا عن أهل المزرعة الذين سيتم توجيههم وقيادتهم كالقطيع من قبل إريمياش القادم إليهم بعد عام ونصف من اختفائه، وادعاء موته؛ فينساقون إليه بطواعية من دون أي مُناقشة، وهو ما يعني أن إطالة المشاهد في الأفلام المُنتمية لأسلوبية السينما البطيئة ليست مُجرد رفاهية تصويرية يمارسها المُخرج، أو أسلوبية يلجأ إليها بشكل مجاني لمُجرد التراكم الزمني، وإطالة المشهد- والفيلم بالضرورة- بل هي أسلوبية جمالية في المقام الأول، وأيديولوجية تهدف إلى المزيد من التأمل والتفكير للوصول إلى حقائق ما كنا نستطيع الوصول إليها لو كانت هذه المشاهد مُجرد ثوانٍ قليلة كما هو الحال الآن في مُعظم السينمات من حول العالم، لا سيما السينما الهوليوودية.

إنه الثبات الذي لاحظناه أيضا في افتتاحية فيلم The Banishment النفي 2007م للمُخرج الروسي Andrey Zvyagintsev أندري زفياجينتسيف، حيث رأينا الكاميرا ثابتة لفترة طويلة، مُتأملة، مُترقبة على جانب الطريق، ولم تتحرك بكسل بالغ إلا بعد مرور السيارة من جوارها، لكن لعل المُخرج الفلبيني Lav Diaz لاف دياز قد وصل بثبات الكاميرا إلى حدها الأقصى تماما مما يحتاج إلى صبر طويل من المُشاهد في مُشاهدة أفلامه.

المخرج السويدي إنجمار برجمان

لمحاولة تقريب مفهوم ثبات الكاميرا في السينما البطيئة وقيمته الجمالية والأيديولوجية في دفع المُشاهد إلى المزيد من التفكير، والإيغال فيه علينا العودة إلى فيلم The Boss of It All الرجل الكبير 2006م للمُخرج الدانماركي Lars von Trier لارس فون ترير، حيث قام بتصوير الفيلم بتقنية جديدة تُسمى Automavision- كما ادعى ذلك- وهي تقنية تصويرية الغرض منها هو الحد من تحكم الإنسان في التصوير السينمائي، حيث تبدأ اللقطات من موقع ثابت للكاميرا، ويتم إمالتها وتغيير زاويتها، وتكبيرها بشكل عشوائي بواسطة الكمبيوتر، وهو ما يجعلنا نشعر بالكثير من القلق بسبب تداخل المشاهد التي رأينا فيها الكثير من القطع المُفاجئ غير المفهوم، أو اللقطات الكبيرة جدا، التي تليها لقطات متوسطة، أو غيرها من أنواع اللقطات في فوضى تصويرية كبيرة، عمد إليها المُخرج من خلال هذه التقنية التصويرية الآلية التي لم يكن يتدخل فيها، بل ترك الأمر للكمبيوتر كي يختار ما يشاء من لقطات وقطع فجائي، فرأينا جميع الإطارات في حالة من الفوضى التي لا يمكن احتمالها، فتارة نرى رؤوس المُمثلين وأطرافهم مقطوعة خارج إطار الكادر، وتارة أخرى نرى الكادر فارغا تماما إلا من ذراع أحد المُمثلين، أو نرى نصف الإطار بالكامل فارغا بينما المُمثلون في النصف الآخر من دون هدف أسلوبي أو جمالي، وتارة نرى نصف رأس المُمثل فقط داخل الإطار بينما الكادر بالكامل فارغ.

إن لجوء ترير لهذا الشكل من التصوير، أو ثبات الكاميرا لا يعني أنه من مُخرجي تيار السينما البطيئة، أو يحاول الانتساب إليه، أو تقليده، كما لا يعني من جانب آخر أنه قد أحال فيلمه إلى فوضى عشوائية، فترير لجأ إلى أسلوبيته الخاصة- التي قد تبدو شكلانيا بلا أي هدف أسلوبي أو جمالي- للتعبير عما يرغب في إيصاله من خلال فيلمه، أي مُناسبة الشكل مع المضمون، وهو ما نجح فيه إلى حد بعيد، وأوصله إلينا في فيلمه، لكنه بهذا الثبات لم يدفعنا إلى التأمل بقدر ما أربكنا ودفع بنا إلى الفوضى.

المخرج الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني

إن ظهور السينما البطيئة، أو السينما التأملية كأسلوبية سينمائية جمالية لها مكانتها الخاصة بين غيرها من الأسلوبيات السينمائية لم يكن في جوهره مُجرد رد فعل على الإيقاع اللاهث في السينما الهوليوودية التي كان متوسط اللقطة فيها في ثلاثينيات القرن الماضي 12 ثانية، ووصل الآن إلى 2.5 ثانية؛ فالذهاب إلى مثل هذا التفسير يُدلل على سذاجة من يتبناه، ويسلب السينما البطيئة بالكامل جمالياتها، وأيديولوجيتها- وهما السمتان الجوهريتان اللتان نشأت عليهما هذه الأسلوبية- فالسينما البطيئة ليست رد فعل- وربما لا تعنيها أشكال السينما الأخرى بكاملها، فهي سينما مُستغرقة في ذاتيتها- ولم يلجأ إليها مُخرج من قبل إلا وكان مُثقلا تماما بأيديولوجيته، راغبا في عرضها، والتعبير عنها من خلال أسلوبية التأمل، والتفكير الدقيقين.

لم يكن المُخرج السويدي Ingmar Bergman إنجمار برجمان مُجرد مُغامر راغب في صناعة السينما الأسلوبية البطيئة، أو التأملية كمُجرد رد فعل على السينما الهوليوودية اللاهثة، فهو يمتلك نظرة تأملية بالغة العمق، تدور أفلامه غالبا حول قلق غير المُؤمن، والتوق إلى الإيمان- بما أنه نشأ بين أبوين مُتدينين ولم يكن مُؤمنا مثلهما- مما يعني أن البطء هنا، أو التأمل بالنسبة إليه ليسا مُجرد أسلوبية جمالية فقط- فهو لا يمتلك تلك الرفاهية- بل استراتيجية فنية من أجل المزيد من التفكير بالصورة.

كذلك المُخرج الروسي Andrei Tarkovsky أندريه تاركوفسكي الذي لم يكن يرى في نفسه سوى نبي لا بد له أن يؤدي رسالته بشكلها الكامل؛ ومن ثم اتخذ من السينما وسيلة أساسية لإيصال هذه الرسالة التي تؤكد للجميع على أن الانسياق من خلف الجانب المادي في حياتنا، والانصراف عن الجانب الروحاني، أو الإيماني من شأنه تدمير الحياة برمتها من حولنا، وليس تدميرنا نحن فقط. "إن مأساة المُخرج الحقيقية، وعذابه الدائم تمثلا في إيمانه، فلقد رأى تاركوفسكي أنه بمثابة نبي لا بد له من إيصال رسالته إلى البشرية قبل رحيله عنهم، تحذيرهم من انسياقهم واستغراقهم في المادية والابتعاد عن المعاني الروحانية، ضياع معنى الإنسانية داخل البشر بسبب هذه المادية والارتكان إليها كبديل للإيمان، وهو ما أدى إلى فقدان البشر لمعنى التواصل، والمشاعر الإنسانية، والحب، وغيره من القيم الروحانية، وانكفأ الإنسان على ذاته المشوهة بفعل المادية، وبالتالي بات يعاني طوال الوقت- لاحظنا هذا المعنى بشكل مُكثف في فيلمه المُهم Solaris سولاريس 1972م، حيث كان الانسياق من خلف المادية، والأخذ بأسباب العلم فقط، وغزو الفضاء سببا في أن كريس كلفن/ بطل الفيلم لم يكن في جوهره سوى محض كائن مشوه، لا علاقة له بالمشاعر الإنسانية؛ فكل شيء بالنسبة له خاضع للمادة والعلم، مما انعكس بدوره على تفكيره، وطريقة تعامله مع الجميع، ومنهم الأب، وذكرى انتحار زوجته/ خاري، بل ورغبته في تدمير كوكب سولاريس من أجل استمرار المهمة العلمية"[6].

المخرج الإسباني ألبرت سيرا

على النقيض من هذا الشكل الإيماني ما بين مُخرج غير مُؤمن ولديه توق عارم للإيمان، ومُخرج بالغ الإيمان، راغب في تبشير العالم بإيمانه، نجد المُخرج المجري Béla Tarr بيلا تار كمُخرج يحمل هما فلسفيا بالغ العدمية، ونزعة إلحادية لا جدال فيها يوقن من خلالها بأن البشر دائما في حالة من العذاب والضياع الوجودي الأبدي؛ فليس ثمة إله يعتني بهم في جوهر الأمر. إن السينما التي يقدمها لنا بيلا تار ليست مُجرد سينما ترفيهية- رغم أن السينما قد نشأت في البداية باعتبارها فنا ترفيهيا- لكنها بالنسبة إليه سينما تحمل وجهة نظر، وموقفا من العالم، وأداة من أجل التغيير، والوصول بها إلى عالم أفضل خالٍ من الشرور والمُؤامرات، سينما تعبر عن الكرامة الإنسانية، مُشفقة على البشر وما يعانونه في حياتهم، سينما ترغب لشخصياته الفيلمية في الخلاص من عالم قاسٍ، لكنهم يحاولون الخلاص مما يعانونه وحدهم، من دون أي مُساعدة في عالم من دون إله، خلق العالم ثم تناساه مُنصرفا عنه؛ مما أدى إلى مأزق وجودي لا يمكن الخلاص منه، يشعر بوطأته جميع شخصيات أفلامه، لذا فهم يتحايلون على مأزقهم الوجودي بكل السُبل التي قد تبدو خبيثة أحيانا، إلا أنه الخبث الساذج الذي لا يضر أحدا، فهم لا حيلة لهم في الحياة من أجل الاستمتاع بها، أو الخلاص من بؤسهم، ورغم أنهم يحاولون دائما التغلب على هذا المأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه من خلال الإقبال على المزيد من الخمور ومُمارسة الجنس، لكنهم لا يجدون ما يسعدهم في نهاية الأمر، ليظلوا عالقين في مأزقهم الأبدي بعدما تخلى الله عن مسؤوليته تجاههم رغم ارتكابه جرم إيجادهم بإرادته الكاملة!

المخرج الفرنسي روبرت بريسون

إذن، ففي عالم تار السينمائي نحن لسنا أمام موقف أخلاقي- فتار ليس أخلاقيا- بل هو موقف فلسفي في المقام الأول، موقف يشعر بوطأة تواجد الإنسان في الحياة، يتأمل العبء الوجودي الضاغط في عالم من دون إله يمكن اللجوء إليه، أو الاستناد عليه- فالكائنات جميعا في فراغ كامل لا معنى له- ومن ثم فعلى كل كائن أن يتحمل مأزقه الوجودي، وعليه أن يتعامل معه بأسلوبيته الخاصة من أجل الخلاص، وهو الخلاص الذي لا يصل إليه أحد في نهاية الأمر.

سينما بيلا تار من السينمات التي لا يمكن التعاطي معها بسهولة، فهي في حاجة إلى مُشاهد خاص، مُشاهد قادر على احتمال مشاهده الطويلة الأبدية، تلاعبه بالوقت الذي لا ينتهي، وهو الوقت الذي يتم تشييئه حتى إنه يكاد أن يجثم على صدور الجميع. ولولا هذه الأفكار، وهذا الموقف الوجودي الذي يتبناه المُخرج لما لجأ إلى هذه الأسلوبية؛ فأفكاره تلك في حاجة ماسة إلى المزيد من التأمل العميق الذي تتيحه أسلوبية هذا الشكل من أشكال السينما.

كذلك المُخرج الروسي Andrey Zvyagintsev أندري زفياجينتسيف المهموم طوال الوقت بهمه الأخلاقي، وفكرة المسؤولية تجاه الأفعال التي نُقبل عليها. فربما لو كان قد قُدر لنا معرفته باعتباره مُصلحا اجتماعيا، أو رجلا من رجالات الاجتماع النظري الذين لا يعنيهم سوى الكتابة فيما يدور داخل المُجتمع من أجل محاولة تقويمه، والدفع به باتجاه أفضل، أكثر عدالة ومثالية، ونموذجية؛ لما اختلف الأمر كثيرا عن كونه مُخرجا سينمائيا؛ فزفياجينتسيف في جوهره مُصلح اجتماعي ضل طريقه باتجاه السينما! وهو ما يستدعي بالضرورة اللجوء إلى أسلوبية السينما التأملية من أجل المزيد من النظر والتفكير في هذا الهم الأخلاقي الذي يحمله على كتفيه.

المُخرج التركي Nuri Bilge Ceylan نوري بيلجي جيلان كذلك يحمل أيديولوجيته الفكرية على كاهله، وهي الأيديولوجية التي تدفعه باتجاه هذه الأسلوبية السينمائية من أجل المزيد من التأمل والتفكير، فهو يرى أن الحياة يحركها الملل، أي أنه يتخذ منها استراتيجية يؤمن بها، ومن ثم فهي التي تعمل على تحريك عالمه الفيلمي، ولنتأمل قوله الذي ساقته المُترجمة لطيفة الحاج في المقال الذي ترجمته عنه بعنوان "أسطورة الكروازيت: سينما نوري بيلجي جيلان البطيئة والنقية": "الأفلام التي كانت كثيرا ما تصيبني بالملل في البداية أصبحت أهم أفلام حياتي. عادةً ما تأتي أهم قرارات حياتنا بعد مرورنا بأشد حالات الملل مُباشرة. للملل القدرة على وضع الناس في الحالة النفسية المُناسبة التي تمكنهم من إدراك أصعب الحقائق. وكما قال الفيلسوف الألماني اليهودي، والتر بنيامين: "إذا كان النوم هو ذروة الاسترخاء الجسدي، فإن الملل هو ذروة الاسترخاء الذهني. الملل هو طائر الأحلام الذي يأتي ببيضة التجربة"".

المخرج اليوناني ثيودوروس أنجيلوبولوس

لنذكر مثالا أخير للتأكيد على أن جميع مُخرجي السينما البطيئة لم يلجأوا لهذه الأسلوبية السينمائية كرد فعل على السينما الهوليوودية، بل كانوا في حاجة ماسة، لا غنى عنها لهذا الأسلوب المُتأمل، المُتعالي، وهو ما نراه مع المُخرج الفلبيني Lav Diaz لاف دياز الذي استغرق عميقا في أسلوبيته، ووصل بأفلامه إلى طول لم نكن نتوقعه، وإن كان قد ساعده في ذلك لجوئه إلى التصوير الرقمي الذي يعطيه المساحة الكافية للتصوير كيفما شاء، أي أنه لم يكن يحده شريط الكوداك الذي يُحدد له طول المشهد الواحد، بالإضافة إلى تكلفة التصوير الباهظة. فلاف دياز يحمل على عاتقه الرغبة في التعبير عن المُعاناة البالغة التي عانى منها الشعب الفلبيني طوال قرون ماضية لاقى فيها الكثير من الإذلال، والقتل، والدموية، ومحاولة المحو- سواء من قبل الإسبان، أو الأمريكيين، أو اليابانيين، أو حتى طاغيتهم ماركوس- وبالتالي فالنظر الطويل والمُتأمل في التاريخ الفلبيني الذي يستعرضه دياز في أفلامه يستدعي هذه الأسلوبية التأملية البطيئة.

لكن، إذا ما تأملنا أسلوبية الأفلام التي صنعها المُخرج الإيطالي Michelangelo Antonioni مايكل أنجلو أنطونيوني، رغم أنه كان من أهم رواد أسلوبية السينما البطيئة، أو السينما التأملية، ورغم الجماليات البالغة التي رأيناها في أفلامه، سنُلاحظ أنه كان مُهتما في المقام الأول بشكلانية هذه الأسلوبية أكثر من اهتمامه بجوهرها، والهدف المُباشر منها، أي أنه يختلف عن غيره من زملائه بأن سينماه ينصب اهتمامها على بيان قدراتها الفنية الشكلانية ومحاولة إبرازها أكثر من الاهتمام بإبراز جوهرها التأملي، أو الفلسفي، أو الأيديولوجي، وهو ما أشار إليه المُخرج الروسي أندريه تاركوفسكي أثناء حديثه عن فيلم The Red Desert الصحراء الحمراء 1964م بقوله: "The Red Desert الصحراء الحمراء هو أسوأ أفلامه- يقصد أنطونيوني- بعد Il Grido الصرخة 1957م. اللون طنان على عكس أنطونيوني عادة، والتحرير خاضع لفكرة اللون. كان من المُمكن أن يكون فيلما رائعا وقويا للغاية لو أنه تم عرضه بالأبيض والأسود. لو كان فيلم "الصحراء الحمراء" بالأبيض والأسود لما كان أنطونيوني قد اهتم بجماليات التصوير، ولما كان مُهتما جدا بالجانب التصويري للفيلم، ولما كان ليصور تلك المناظر الطبيعية الجميلة، أو شعر Monica Vitti مونيكا فيتي[7] الأحمر ضد الضباب. كان سيركز على الحدث بدلا من التقاط صور جميلة. في رأيي أن اللون قتل الشعور بالحقيقة. إذا ما قارنت "الصحراء الحمراء" بـLa Notte الليل 1961م، أو L’Eclisse الكسوف 1962م فمن الواضح أنه أقل جودة"[8]. إن من يستمع إلى حديث تاركوفسكي السابق بالتأكيد سينساق معه فيما ذهب إليه، ولا يمكن له أن يرى تاركوفسكي مُتحاملا على أنطونيوني في رأيه، لا سيما مع تأمل الأسباب المنطقية التي ساقها تاركوفسكي للتدليل على السبب الذي جعله يرى في فيلم أنطونيوني الكثير من الضعف؛ فالألوان قد دفعته لارتكاب الكثير من الأخطاء في تقديم الصورة السينمائية، كما جعلته مُلتفتا إلى الجماليات بشكل مُبالغ فيه على حساب الحدث الفيلمي، أي المضمون، وهو ما لم يكن من المُمكن له أن يقوم به، أو يلتفت إليه لو كان الفيلم بالفعل باللونين الحياديين.

أسلوبية السينما البطيئة، أو السينما التأملية رغم أهميتها البالغة، وجمالياتها الخاصة، وتحميلها طوال الوقت بأيديولوجيات، وفلسفات، ودلالات مُهمة لا غنى عنها، ورغم الدراسات الهائلة عنها في الكثير من الجامعات والمعاهد من حول العالم، إلا أنها من الاتجاهات السينمائية التي لم يتم تناولها باللغة العربية- سواء بالتأليف النقدي، أو حتى بالترجمة إلى العربية- إلا نادرا، وهي ندرة مُدهشة تستدعي المزيد من الأسئلة عن جهل الناقد، أو المُترجم العربي بهذا اللون من السينما الذي يلاقي تقديرا بالغا في جميع المحافل الدولية السينمائية من حول العالم، وعن السبب في هذا الفراغ الذي يمثل فجوة معرفية لافتة في الثقافة العربية تجاه هذه المعرفة السينمائية المُنتشرة انتشارا هائلا.

المخرج الروسي سيرجي أيزنشتاين

لكن، محاولة ترجمة دراسات عن كل مُخرجي هذا الاتجاه في حاجة ماسة إلى فريق ضخم من المُترجمين، والعشرات من الكتب. فالمُترجم هنا يمكن تشبيهه بسباح ماهر ألقى بنفسه في بحر، ففوجئ به هائل الأمواج، وبالتالي أدرك أن مهمته ليست مواجهة هذه الأمواج الهادرة بقدر محاولة تفاديها للخروج منها سالما- أي الأخذ منها بقدر- كما أن الكثيرين من رواد هذا الاتجاه ربما لم يسمع بهم من قبل البعض ممن يعملون في مجال النقد السينمائي أنفسهم، أو لم يشاهدوا أفلامهم رغم ضرورتها، وأهميتها البالغة- وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى الفجوة المعرفية الهائلة في الثقافة السينمائية العربية- وإذا ما كان البعض قد شاهد أفلام المُخرج الفرنسي Robert Bresson روبرت بريسون، أو الإيطالي Pier Paolo Pasolini بيير باولو بازوليني، أو الدانماركي Carl Theodor Dreyer كارل ثيودور دراير الذي كان ثمة شبه بالغ يربط بينه وبين المُخرج الدانماركي Lars von Trier لارس فون ترير من الجهة الأسلوبية، أو المجري Miklós Jancsó ميكلوس يانكسو الذي تكاد أسلوبيته تتطابق مع أسلوبية Béla Tarr بيلا تار، فهناك أيضا المُخرج والمُنتج الإسباني Albert Serra ألبرت سيرا، والمُخرجة الأمريكية Kelly Reichardt كيلي ريتشاردت التي تُنسب سينماها غالبا إلى تيار السينما المُستقلة الأمريكية، وإن كانت أسلوبيتها تتقاطع مع السينما التأملية، والمُخرج والسيناريست التركي Zeki Demirkubuz زكي ديميركوبوز الذي لا يتم ذكره كثيرا بالقياس إلى نوري بيلجي جيلان رغم أهمية ما يقدمه من أفلام، بالإضافة إلى المُخرج التايواني الصيني Tsai Ming-Liang تساي مينج ليانج.

إذن، فرواد السينما البطيئة، أو السينما التأملية من حول العالم من الكثرة العددية والتنوع ما يجعل الإحاطة بهم- في بعض الأحيان- صعبة إلى حد ما، لكن لا يفوتنا هنا أن المُترجمة قد انتبهت إلى المُخرج الروسي Aleksei German Jr. أليكسي جيرمان جونيور، وهو من المُخرجين المُهمين في تيار السينما التأملية الذي لا ينتبه إليه الكثيرون ممن يمارسون الكتابة النقدية السينمائية، وبالتالي لا يعدونه من روادها المُهمين.

في مقال مُهم- من ترجمة المُترجمة الإماراتية لطيفة الحاج- بعنوان "ما هي السينما البطيئة؟" للكاتب Reece Beckett ريس بيكيت، وهو المقال الذي ذهب فيه بيكيت إلى القول: "في عام 1994م، جرب بيلا تار Béla Tarr أفكار Tarkovsky تاركوفسكي بإصداره فيلم Sátántangó تانجو الشيطان"، هذه الجملة الوحيدة هي التي تهمنا الآن في سياق حديثنا؛ فرغم إدراك بيلا تار الواعي بأسلوبية تاركوفسكي، وتركيز تاركوفسكي على الزمن في أفلامه، إلا أن البون بين المُخرجين شاسعا، ولا يمكن الربط بينهما بأي حال من الأحوال سواء على المستوى الأيديولوجي، أو الهدف من استخدام الزمن- أي مفهومه، وأثره في السياق الفيلمي، أو على المُشاهد- فتار لديه يقين إلحادي لا يهتز، مُتشائم بشكل لا يمكن تخيله، كاره للبشر، يرى أن وجود هذا العالم كان خطأ إلهيا لا بد من تصحيحه بزواله التام، كما أن الإنسان فيه يعاني من أزمة وجودية طاحنة، شاعرا بوحدته لعدم وجود إله يهتم به، أو يرعاه، أو يحاول إنقاذه بسبب انصرافه عنه، بينما تاركوفسكي على العكس منه تماما: بالغ الإيمان، يميل إلى الاتجاه الروحاني، خائف على البشر أجمعين، يحاول طوال الوقت تحذيرهم من الانسياق باتجاه المادية التي تقتل أرواحهم فيهم. أي أن مثل هذا الادعاء من ريس لم يكن دقيقا برمته، ولا يمكن الأخذ به بأي حال من الأحوال؛ فتار من المُمكن الربط بينه وبين ميكلوس يانكسو، في حين أن تاركوفسكي يرتبط إلى حد بعيد بإنجمار برجمان، أما الربط بين تار وتاركوفسكي فهو يقتصر على الجانب الشكلاني فقط، وليس على الجانب الفكري، أو الأيديولوجي كما ذهب ريس بيكيت.

 

 محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".
عدد مايو 2026م

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] للمزيد انظر كتاب محمد خان: ذاكرة سينمائية تتحدى النسيان" للناقد السينمائي أحمد يوسف/ منشورات المهرجان القومي الرابع عشر للسينما المصرية/ الطبعة الأولى 2008م/ الكتاب ص 204.

[2] للمزيد اقرأ كتاب "النحت في الزمن" للمُخرج أندريه تاركوفسكي/ ترجمة: أمين صالح/ المُؤسسة العربية للدراسات والنشر/ الطبعة الأولى/ 2006م/ الكتاب ص 177.

[3] للمزيد انظر ما كتبته Rose Mclaren روز ماكلارين بعنوان:  The Peosaic Sublime of Béla Tarrسامية بيلا تار النثرية/ thewhitereview.org/ بتاريخ ديسمبر 2012م.

[4] للمزيد انظر كتاب "فلسفة السينما: بيلا تار" للناقد السينمائي محمود الغيطاني/ فضاءات للنشر والتوزيع/ الأردن/ الطبعة الأولى 2024م/ الكتاب ص 11- 12.

[5]  للمزيد انظر ما كتبه "براندون وي" بعنوان: "عقد من العيش الخطير: سرد من لاف دياز"/ sensesofcinema.com/2005/filipino-cinema/lav_diaz./ بتاريخ 2005م.

 

[6] للمزيد انظر كتاب "أندريه تاركوفسكي: رسول السينما- سينما الأحلام والرؤى" للناقد السينمائي محمود الغيطاني/ بوملحة للنشر والتوزيع/ الإمارات العربية المُتحدة/ الطبعة الأولى 2025م/ الكتاب ص 15.

[7]  Maria Luisa Ceciarelli ماريا لويزا سيسياريلي. من مواليد 3 نوفمبر 1931م، وتوفيت في 2 فبراير 2022م. تُعرف باسم Monica Vitti مونيكا فيتي، كانت مُمثلة إيطالية لعبت دور البطولة في العديد من الأفلام الحائزة على جوائز من إخراج Michelangelo Antonioni مايكل أنجلو أنطونيوني خلال الستينيات. ظهرت مونيكا مع Marcello Mastroianni مارسيلو ماستروياني، وAlain Delon ألان ديلون، وRichard Harris ريتشارد هاريس، وTerence Stamp تيرينس ستامب، وDirk Bogarde ديرك بوجارد. عند وفاتها، أطلق عليها وزير الثقافة الإيطالي Dario Franceschini داريو فرانشيسكيني لقب Queen of Italian cinema ملكة السينما الإيطالية.

[8]  للمزيد انظر حوار Maria Chugunova ماريا تشوجونوفا مع المُخرج بعنوان: Maria Chugunova interviews Tarkovsky ماريا تشوجونوفا تحاور تاركوفسكي/ nostalghia.com/ بتاريخ 12 ديسمبر 1966م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق