السبت، 25 أبريل 2026

اثنى عشر عاما من العبودية: الحياة ليست سوى كابوس مُخيف!

في مشهد هو من أهم المشاهد السينمائية المُعبرة والدالة في الفيلم مُنذ بدايته نشاهد العبد الزنجي سولومون النائم بجوار العديد من الزنوج الآخرين، وحينما ينتابه القلق الذي يجعله يتقلب في فراشه يواجه عينيّ امرأة مُستلقية إلى جانبه تنظران إليه برغبة جنسية عارمة؛ لتجذب يده على ثدييها، ثم لا تلبث أن تجذب يده لأسفل مُستخدمة إياها في الوصول إلى ذروتها الجنسية العارمة، وما أن تنتهي منها تنهار باكية مُعطية ظهرها له.

إن هذا المشهد السينمائي الفاتن والحيوي في سياق الأحداث يؤكد على الشعور العميق والمُؤلم والحاد بالوحدة القاتلة، والرغبة العارمة في التواصل الإنساني البحت؛ فرغبة المرأة هنا لم تكن محض رغبة جنسية لاهبة بقدر ما كانت رغبة فعلية في التواصل الإنساني والشعور بأنها ما زالت إنسانة تحيا من المُمكن لها التواصل مع الآخرين، يأتي هذا الشعور الحاد بسبب تعامل أسيادهم ومالكيهم البيض معهم باعتبارهم مُجرد ماشية، أو محض أشياء يمتلكونها؛ ومن ثم فهم لديهم الحق في تخريبها والعبث بها وقتما شاءوا، وهو الأمر الذي يترك هؤلاء الزنوج طيلة الوقت وحيدين لا يتواصل معهم بشري؛ لأنهم مُجرد أشياء للاستخدام فقط!

إنه المشهد الأكثر تأثيرا وتعبيرية للمُخرج البريطاني Steve McQueen ستيف ماكوين في فيلمه الأمريكي 12 Years A Slave اثنى عشر عاما من العبودية، وهو الفيلم الذي اعتمد فيه المُخرج على مُذكرات المواطن الأمريكي الأسود المولود في نيويورك Solomon Northup سولومون نورثوب، الذي تم اختطافه من مدينة ساراتوجا في نيويورك عام 1841م إلى واشنطن ومنها إلى مزارع الجنوب؛ حيث تم بيعه باعتباره عبدا من العبيد ليقضي اثنى عشر عاما في العبودية حتى تم إبلاغ ذويه بأمره، وتم تحريره مرة أخرى؛ ومن ثم كتب كتابه Twelve Years A Slave عام 1853م ليحكي فيه مُعاناته القاسية، ورحلته مع العبودية حتى التحرر منها.

يبرع المُخرج في تقديم أحداث فيلمه لنا من خلال الفلاش باك Flash Back المُتقطع؛ حيث يتذكر سولومون/ العبد- قام بدوره المُمثل البريطاني Chiwetel Ejiofor شيويتل إيجيوفور- حياته السابقة بالتوازي مع رحلته مع العبودية؛ لنعرف أنه كان كأي مواطن أمريكي حُر يعيش مع زوجته وابنه وابنته، بينما يعمل كعازف كمان ماهر وشهير بين أبناء الطبقة الراقية في نيويورك، ويلاقي الكثير من المكانة والحظوة والاحترام في مُجتمعه من الجميع- البيض والسود- لكن في أحد الأيام يأتي إلى نيويورك رجلان يدعيان أنهما يعملان كساحرين في السيرك في واشنطن وأنهما يبحثان عن عازف ماهر من المُمكن له أن يقبل العمل معهما، وحينما يقابلان سولومون يبديان له الكثير من الاحترام ويغريانه بالمال الوفير من أجل قبول العمل معهما.


بالفعل، يقبل سولومون العمل، ويسافر إلى واشنطن، وهناك يمنحانه الكثير من المال بعد أحد العروض ويسهران معه سهرة راقية في أحد المطاعم، لكنهما كانا حريصان على أن يضعا أمامه الكثير من النبيذ الذي جعله في نهاية الليلة لا يدري بنفسه؛ ومن ثم قاما باختطافه وبيعه إلى أحد النخاسين. يفيق سولومون ليجد نفسه في مكان ضيق ومُظلم محبوس فيه بينما الأصفاد تُكبل يديه وقدميه، وحينما يدخل عليه تاجر العبيد يحاول سولومون أن يشرح له الأمر، وأنه مُجرد رجل حر، وليس بعبد، لكن الرجل يتعامل معه بقسوة بالغة ويصرخ في وجهه بأنه مُجرد عبد هارب، بل ويجلده بشدة بالغة على ظهره ليعترف أمامه بأنه عبد وليس مُجرد رجل حر.

يتم نقل سولومون وغيره من العبيد الآخرين المخطوفين على متن قارب، ولعل المُخرج كان حريصا على بيان شكل حياة العبيد حينما يقول له زميله الأسود: إن أردت البقاء على قيد الحياة؛ افعل وتكلم بأقل ما تستطيع، لا تخبر أحدا من تكون، ولا تخبرهم أنك بمقدورك القراءة والكتابة اللهم إلا لو أردت أن تكون زنجيا في عداد الأموات. أي أن سولومون لا بد له مُنذ هذه اللحظة التخلي عن هويته والرضوخ للعبودية فقط من دون أي وجه من وجوه الاعتراض على ما يحدث له!

يهبط أحد البحارة في قلب القارب في الليل ويحاول اغتصاب إحدى النساء السوداء اللون، لكن أحد الرجال الزنوج يهب لمُساعدتها وإنقاذها من يده، إلا أن البحار لا يعطيه الفرصه لفعل أي شيء، فيقوم بقتله بسكينه مُباشرة.


ربما كان هذا المشهد من أكثر المشاهد ضعفا ولا منطقية في فيلم المُخرج ستيف ماكوين؛ لأنه، بالضرورة، لا بد له أن يجعلنا نتساءل: هل من المُمكن قبول مثل هذا المشهد رغم تنافيه مع الواقع في مثل هذه الفترة؟ إن هذا الزنجي المقتول في عداد الملكية الخاصة والشخصية لشخص آخر؛ ومن ثم لا يمكن للبحار مهما كانت الظروف الإقدام على قتله إلا بعد الرجوع لسيده- الوحيد الذي يمتلك أمر التصرف فيه- ليرى طريقة التصرف معه؛ فإذا ما كان الأمر كذلك تبعا لقوانين العبودية في مثل هذه الفترة؛ فإن مشهد مقتل الزنجي على يد البحار هو من المشاهد التي لا يمكن تقبلها؛ وبالتالي تكون من نقاط الضعف الخطيرة في البناء الفيلمي للمُخرج الإنجليزي.

يصل القارب إلى الجنوب، حيث مزارع القطن والقصب التي تستخدم العبيد في زراعتها، وهناك يتم بيع سولومون ومن معه إلى أحد النخاسين الذي يُطلق عليه اسم بلات، وحينما يخبره سولومون: اسمي ليس بلات؛ يقوم النخاس بصفعه بقوة قائلا: اسمك هو بلات.

يستعرض النخاس الزنوج الذين اشتراهم في منزله الذي كان بمثابة معرضا مفتوحا لبيع العبيد يذهب إليه السادة من البيض من أجل شراء من يقع عليه اختيارهم، ولعلنا نلاحظ أن النخاس كان يعرض العبيد عرايا تماما أمام المُشترين من البيض؛ لذلك نرى السيد فورد- قام بدوره المُمثل البريطاني Benedict Cumberbatch بنديكت كومبرباتش- يقف أمام سولومون راغبا في شرائه هو وإحدى النساء التي تُدعى إليزا، ولكن لأن إليزا معها طفلين؛ فهي ترجو السيد فورد ألا يفرق بينها وبين أبنائها طالبة منه أن يشتريهما معها؛ فيرق قلب الرجل لبكاء الأم على فراق الطفلين ويطلب من النخاس أن يشتري الفتاة الصغيرة مع أمها، لكن النخاس يُصرّ على رفض بيعها باعتبارها من المُمكن أن تجلب له الكثير من المال!


ثمة مُلاحظة مُهمة لا بد من الالتفات إليها في فيلم المُخرج الإنجليزي ستيف ماكوين، إنه حريص تمام الحرص على الاستغراق في وصف حياة العبودية ودمويتها ووحشيتها وتعالي الرجل الأبيض على السود بشكل لا يمكن تخيله، ولعله في ذلك يرغب رغبة صادقة في نقل الشكل الحقيقي لاستعباد الرجل الأمريكي الأبيض لغيره من الزنوج الأفارقة، والجريمة البشعة التي لا يمكن التسامح فيها مهما مر عليها من السنوات الطويلة؛ حيث كانت جرائم الرجل الأبيض من الجرائم التي لا تنتفي مع مرور الزمن.

نشاهد هذا التعالي والطبقية العرقية غير المُحتملة مثلا في قول النخاس لفورد حينما يرغب في شراء الفتاة الصغيرة مع أمها إليزا: إنها جميلة وتبدو للناظر أنها من دماء عادية، فهي لا تشبه أي من الزنوج سميكي الشفاه، جامعي القطن الأغبياء الذين يعملون عندك!

إنهم هنا لا يتعاملون مع السود باعتبارهم من البشر، بل يتعاملون معهم وكأنهم مُجرد حيوانات فقط؛ لذلك حينما يرفض النخاس بيع الطفلة مع أمها؛ يعود السيد فورد إلى مزرعته ومعه سولومون وإليزا التي لا تتوقف عن البكاء، وحينما تتساءل زوجته عن سبب بكائها ويخبرها بفراقها لطفليها؛ تقول لها الزوجة: ستحظين بالطعام والراحة، وقريبا ستنسين أطفالك! أي أنها لا ترى في إليزا إلا مُجرد حيوان من المُمكن له بعد يوم أو يومين أن ينسى فراقه لأطفاله ولا يفكر فيهم مرة أخرى.


هذه العنصرية القميئة والتعالي اللاعقلاني نراهما أيضا غير مرة في جعلهم جميع العبيد- رجالا ونساء- يستحمون معا في مكان واحد ومعزول من أجل تنظيف أجسادهم وكأنهم محض ماشية، كما سنراه مرة أخرى في قول تيبتس- قام بدوره المُمثل الأمريكي Paul Dano بول دانو- الذي كان مُديرا للعمال من العبيد في مزرعة فورد حينما يستقبل العمال الجُدد في الصباح ليجعلهم يصطفون أمامه قائلا: الآن أيها الزنوج المُتعفنين، أنتم لا تعرفون اسمي، أدعى جون تيبتس، أنا مُدير عمل النجارة للسيد فورد، سوف تنادونني بالسيد!

لعلنا كلما انتقلنا إلى مشهد جديد داخل فيلم المُخرج ستيف ماكوين؛ كلما تصاعدت دهشتنا من شكل العبودية الحقيرة التي كان يعاني منها الزنوج تحت سيطرة الرجل الأمريكي الأبيض الذي يتميز بالكثير من الصلف والصفاقة والحيوانية في التعامل معهم.

يقدم لنا المُخرج السيد فورد باعتباره من الرجال الذين يحملون قلبا رحيما؛ ومن ثم نراه يتعامل مع عبيده بشكل يكاد أن يحمل الكثير من الاحترام وعدم الاستهانة بهم، أو التحقير من شأنهم- رغم كونه السيد- وهو ما يجعله يقدر بلات كثيرا، وحينما يبدي بلات الكثير من الهمة والنشاط والذكاء، ويخبر السيد فورد أنه يمكن نقل الأخشاب من خلال القناة المائية بدلا من نقلها عن طريق البر؛ الأمر الذي لا بد له من أن يوفر الكثير من المال؛ يكافئه السيد فورد بأن يهديه كمانا من أجل العزف عليه وقتما شاء، لكن هذه الفكرة والذكاء اللذين يبديهما بلات يثيران الكثير من حنق رئيسه تيبتس الذي يعمد دائما إلى اضطهاده، ورغم أن بلات يؤدي عمله كما ينبغي إلا أن تيبتس يصر على أن العمل ليس كما يرغبه هو؛ ومن ثم يطلب من بلات إعادته مرة أخرى بعد تخريبه له، وفي إحدى المرات حينما يطلب من بلات إعادة العمل ويطيعه يدعي تيبتس أنه لم يفعل ما أمره به؛ وبالتالي يطلب منه خلع قميصه من أجل جلده على ظهره، لكن بلات يرفض فعل ذلك؛ الأمر الذي يدفع تيبتس إلى الهجوم عليه من أجل جلده، لكن بلات يختطف منه السوط ويقوم هو بجلده والدفاع عن نفسه.


إن الموقف البطولي الذي يتميز بالكثير من الكرامة الذي أقدم عليه بلات لا يمكن له أن يمر بسهولة؛ فكيف لعبد أسود أن يعتدي بالضرب على رجل أبيض؟ لذلك يعود تيبتس مرة أخرى إلى بلات ومعه رجلين ليقوموا بتقييد قدميه ويديه ويدخلان رأسه داخل حبل ضخم من أجل شنقه على إحدى الأشجار، وفي اللحظة التي يجذبوا فيها الحبل فوق الشجرة ليعلو بلات في الهواء يصل رئيس تبتيس ويخبرهم أن بلات ملكية للسيد فورد، ومعنى الاعتداء عليه بالقتل سيعرض حيواتهم جميعا للخطر؛ الأمر الذي يجعل الرجلين اللذين مع تيبتس يهربان، وحينما يصر تيبتس على شنق بلات يهدده رئيسه بمُسدسه؛ مما يجعله يفر هاربا، لكن الرئيس لا يحاول تخليص بلات من حبل المشنقة الذي كان ما زال مُلتفا حول عنقه بينما يحاول الحفاظ على حياته من خلال أصابع قدميه التي تلامس الأرض من تحته، بل يتركه كما هو ليذهب من أجل استدعاء السيد فورد!

إن مشهد سولومون/ بلات المُعلق إلى حبل المشنقة في المزرعة بينما يحاول الحفاظ على حياته والتمسك بها بأطراف أصابعه التي تلامس الأرض لحفظه من الموت من المشاهد المُهمة والمُؤثرة في السياق الفيلمي لأقصى درجة؛ حيث نرى جميع العمال من الزنوج الآخرين يتحركون من حوله محاولين عدم الالتفات إليه برتابة وطبيعية ليقوموا بأعمالهم وواجباتهم وكأنه غير موجود أمامهم بينما يحاول أن يشهق أنفاسه بصعوبة، وتأتي أهمية هذا المشهد في التدليل على الحياة القاسية والصعبة التي عانى منها الزنوج أثناء فترة الاستعباد؛ فهم لا يمكن لهم تخليصه أو الاقتراب منه لأن مالكه السيد فورد هو الوحيد الذي لديه الحق الآن في تقرير مصيره بعد اعتدائه على رجل أبيض، وهو الوحيد الذي يحق له إنقاذه من الموت، وبالتالي فلن ينقذه غيره أو يؤكد عليه حُكم الإعدام.

يصل السيد فورد ليقوم بإنقاذ سولومون وحمايته داخل قصره من تيبتس الذي يصر على قتله بكافة الطرق، وهنا يحاول سولومون إخبار السيد فورد بأنه ليس بعبد، لكنه يرفض الاستماع إليه ويخبره أنه يريد حمايته من الموت؛ لذلك فقد بادل ديونه مع السيد إبس- قام بدوره المُمثل الأيرلندي الأصل الألماني الجنسية Michael Fassbender مايكل فاسبندر- ومن ثم فقد بات سولومون الآن في ملكية السيد إبس الذي يُلقب باسم مُحطم الزنوج، ويعتذر له لأنه لم يجد أي مالك آخر يرغب في ملكيته بعدما فعله وباتت له سُمعة سيئة بين الملاك!


يبدو لنا السيد إبس وكأنه رجل غير مُتزن نفسيا؛ لذلك يتعامل بقسوة مُبالغ فيها مع عبيده ويستمتع كثيرا بجلدهم وتعذيبهم وإهانتهم طوال الوقت، بل هو لا يترك لهم أي فرصة للراحة بعد إنجاز أعمالهم في مزارع القطن التي يمتلكها، ووصل به الأمر إلى أنه يجلد يوميا من يجمع أقل كمية من القطن مُقارنا إياهم جميعا بباتسي- قامت بدورها المُمثلة الكينية الأصل المكسيكية الجنسية lupita nyong'o لوبيتا نيونجو- التي تقوم بجمع 500 رطلا من القطن يوميا.

نلاحظ أن إبس يميل عاطفيا إلى عبدته السوداء باتسي؛ وهو الأمر الذي يجعله أحيانا شديد القسوة عليها لدرجة جلدها وتقطيع ظهرها بالسوط! إن المشاعر المُضطربة التي يشعر بها إبس تجاه باتسي وعشقه الشديد لها، وميله الجسدي، ورغبته العارمة فيها يشعرونه بالكثير من الضعف أمامها، إلا أن هذا الضعف الذي يدركه جيدا السيد الأبيض أمام عبدته السوداء يخلق داخله ثورة عارمة، ومعركة قاسية بين ما يؤمن به كرجل أبيض لا بد له من التميز بالقوة والحزم والقسوة مع السود الذين هم مُجرد أشياء يمتلكها ويحتقرها في ذات الوقت، وبين الضعف الشديد أمام رغبته فيها وميله إليها؛ الأمر الذي يجعله شديد القسوة معها في جلدها حتى تكاد أن تقارب الموت، كما أن زوجة إبس لا تترك باتسي في حالها؛ لمعرفتها بعلاقة زوجها الجسدية بها وميله العاطفي إليها؛ لذلك تقوم طوال الوقت باضطهادها والاعتداء الجسدي القاسي عليها، وحرمانها من النظافة والطعام أيضا.


هذه القسوة المُتبادلة- سواء من ناحية إبس المُضطرب، أو من الزوجة الشاعرة بالكثير من الغيرة والحقد- يدفع باتسي إلى محاولة التخلص من حياتها لتنجو من هذا الجحيم الذي تعيش فيه؛ ومن ثم تتجه إلى سولومون لتقول له: أطلب منك أن تنهي حياتي، وتأخذ جسدي إلى ضفاف المُستنقع وتمسكني من عنقي، وتقترب بي لتغرقني في الماء حتى تزهق روحي، وتدفنني في مكان بمُفردي حيث أموت.

لعل هذا الطلب الذي تتوسل فيه باتسي إلى سولومون من أجل أن يخلصها من حياتها خير دليل على الجحيم الحقيقي الذي تحياه ولا يمكن لها الخلاص منه إلا بالموت، لكن سولومون يرفض طلبها، ويؤكد لها على أنها لا بد لها من الخروج من هذه الكآبة التي تشعر بها.


ثمة مُلاحظة مُهمة هنا في هذا المشهد الذي تطلب فيه باتسي من سولومون أن يقوم بقتلها؛ فإذا ما كان المُخرج الإنجليزي ستيف ماكوين قد حرص في فيلمه على أن يكون هذا الطلب من باتسي نفسها؛ فلقد فعل ذلك لأنه يمتلك من الرؤية السينمائية التي تجعله يلجأ إلى هذه الفكرة، وهي الرؤية التي تؤكد جحيمية حياة الاستعباد لدى هؤلاء الزنوج، لكن المُذاكرات الحقيقية التي كتبها سولومون تؤكد على أن زوجة إبس هي من ذهبت إليه طالبة منه أن يقوم بقتل باتسي ليخلصها منها ومن مُشاركتها لها في زوجها، أي أن المُخرج قد غير في المُذكرات التي اعتمد عليها من أجل المزيد من الإمعان في تصوير الحياة الصعبة التي يحياها الزنوج، وللمزيد من تعاطف المُشاهد مع ما يراه أمامه على الشاشة، ونحن لا يمكننا هنا لوم المُخرج على رؤيته السينمائية فيما فعله؛ فالسينما وسيط مُختلف تماما عن الوسيط الكتابي، ولها آلياتها ورؤيتها التي تخصها والتي قد تختلف أو تتفق مع الأصل الكتابي المأخوذ منه، كما أن المُخرج هنا غير مُطالب بالالتزام بالأصل المكتوب، بل له كامل الحرية في التغيير والحذف والإضافة حسبما يرى هو.


تُصاب مزرعة إبس بدودوة القطن؛ وهو ما يدفعه إلى تأجير عبيده إلى القاضي المُجاور له كي يعملون لديه في مزارع القصب، لكن المُخرج هنا يعمل على الإمعان في تأكيد اضطراب إبس الفكري والعقائدي والسيكولوجي في المونولوج الذي دار بينه وبين نفسه بينما يتأمل العبيد الذين يعملون في مزارعه وقد أصابتها دودة القطن: إنه الطاعون، إنها دودة القطن، والطاعون لعنة الكتاب المُقدس، موسمان يرسل فيهما الرب هذا الطاعون ليعاقبني، ما الذي فعلته حتى يبغضني الرب هكذا؟! إنه ذلك الكم من الإلحاد، لقد جرّوا عليّ ذلك، إني أحمل كلمة الرب، لكنهم مُلحدين وقد جلبوا عليّ غضب الرب!

ربما كان هذا المونولوج الداخلي الذي دار بين إبس ونفسه من المشاهد المُهمة ذات الدلالة في الفيلم والتي برع المُخرج في تقديمها؛ فالرجل يصل به اختلاله النفسي وعدم وعيه ودرايته بما يفعله في حياته مع الجميع إلى درجة أنه يظن نفسه من المُؤمنين الصالحين بينما يرى عبيده مجموعة من المُلحدين؛ لذلك فقد بعث الله له وباء دودة القطن بسبب إلحادهم رغم إيمانه وتقواه!

هذا الاختلال نراه أيضا حينما يقوم بجلد باتسي حتى تكاد أن تفارق حياتها؛ فيصرخ فيه سولومون: أنت الشيطان، عاجلا أو آجلا في مكان ما في مسلك العدالة الأبدية ستحاسب على هذا الإثم، لكن إبس يرد عليه بجنون: إثم؟! ليس هناك إثم، رجل يفعل ما يشاء في مُمتلكاته!


يصل إلى مزرعة إبس أحد الرجال البيض للعمل فيها مع العبيد من الزنوج، ورغم أنه رجل أبيض إلا أن إدمانه الشديد للخمر وتعلقه بها قد جعلاه يفقد كل ما يمتلكه؛ الأمر الذي دفعه للعمل لدى إبس كعامل، وليس كعبد بطبيعة الأمر، يتقرب آرمسبي- قام بدوره المُمثل الأمريكي Garret Dillahunt جاريت ديلاهونت- من سولومون/ بلات الذي يطمئن إليه ويطلب منه أن يرسل خطابا إلى نيويورك ويعطيه كل ما يدخره من المال، لكن آرمسبي يوشي بسولومون إلى إبس في نفس الليلة حتى أن إبس كاد أن يقتله لولا أن سولومون أكد له أن آرمسبي كاذب؛ فكيف له أن يكتب خطابا وهو ليس لديه قلم ولا أوراق، كما أنه لا يعرف القراءة أو الكتابة، وأكد له أن آرمسبي يفعل ذلك من أجل التقرب إليه وتعيينه كمُلاحظ على الزنوج بعد إيهامه أن جميع العبيد راغبين في الهروب؛ ومن ثم يقوم إبس بتعيينه كمُلاحظ عليهم من أجل منع هروبهم.

يحتاج إبس إلى أحد الرجال من أجل أحد البناءات داخل مزرعته، ويستأجر باس- قام بدوره المُمثل الأمريكي Brad Pitt براد بيت- الرجل الأبيض الكندي من أجل إنهاء ما يريده، وأثناء عمل باس تحت أشعة الشمس اللاهبة مع غيره من الزنوج يعرض عليه إبس أن يستريح ويتناول معه الشراب، لكن باس يضحك ساخرا، وحينما يسأله إبس عن سبب ضحكه يقول له: ما يضحكني هو قلقك عليّ في هذا الطقس الحار، في حين أنه بلا ريب أحوال عمالك قاسية، إنها أحوال يكتنفها الإجحاف برمتها سيد إبس، لكن إبس يرد عليه: إنهم ليسوا مُستأجرين للمُساعدة، بل هم من مُمتلكاتي، فيقول باس: تقول ذلك بفخر، ليقول إبس: بل أقوله كحقيقة واقعة، هنا يقول باس: هذه المُحادثة معنية بما هو واقع، وما هو ليس بواقع إذا كان لا بد أن يُقال، إنه لا توجد عدالة أو مُبرر أخلاقي في هذه العبودية، لكنك تفتح سؤالا مُثيرا للاهتمام، أي حق لديك أيضا في زنوجك؟ فيقول إبس: لقد اشترتيهم، دفعت نظير ثمنهم، ليرد باس: بالطبع دفعت ثمنهم، والقانون يقول: إن لديك الحق في امتلاك زنجي، لكن استجداء عفو القوانين مُجرد أكاذيب، افترض أنهم قد عدلوا القانون؛ سيسلبونك حريتك في عتقهم جاعلين منك عبدا، افترض، لكن إبس يقول: تلك ليست مسألة افتراض؛ فيرد باس: القوانين تتبدل إبس، الحقائق المُطلقة متواصلة، إنها حقيقة، حقيقة محضة وبسيطة أن الحق والصواب هو حق وصواب للجميع، البيض والسود سواسية، فيرد إبس غاضبا: هل تقارنني بزنجي باس؟! ليرد عليه: أنا أسأل فحسب، في أعين الرب ما الفارق؟

هذا الحديث بين باس وإبس الذي دار عن حقوق الزنوج في أن يُعاملوا كبشر مثلهم مثل البيض، والرافض لقوانين العبودية يجعل سولومون يطمئن كثيرا لباس؛ لذلك يخبره بقصته كلها، ويطلب منه أن يتواصل مع أهله في نيويورك من أجل إيجاد الوثيقة التي تُثبت حريته، وبالفعل يعده باس بالسعي في ذلك رغم خوفه.


ينجو سولومون من العبودية حينما تصل بالفعل شهادة حريته، ويعود إلى نيويورك مرة أخرى من أجل لقاء أسرته، لكنه يُفاجأ بأن طفليه قد كبرا وأنجبت ابنته، كما أن زوجته قد تزوجت من رجل آخر غيره.

ينهي المُخرج البريطاني ستيف ماكوين فيلمه على هذا المشهد ليكتب على الشاشة: سولومون نورثوب كان أحد ضحايا الاختطاف القلائل الذين استردوا حريتهم من العبودية، وقد قدم سولومون الرجال المسؤولين عن اختطافه للمثول أمام المحكمة، وعجز عن الشهادة ضد البيض في العاصمة، وقد خسر القضية ضد مالك حظيرة العبيد جيمس بورش، وبعد دعاوى قضائية مطولة في نيويورك أفلتا خاطفاه هاميلتون وبراون من المُلاحقة القضائية، وفي عام 1853م نشر سولومون كتابه اثنا عشر عاما من العبودية وأصبح ناشطا في حركة "مُؤيدون لإبطال الاسترقاق"، وبدأ يحاضر عن العبودية في أرجاء الولايات المُتحدة الشمالية والشرقية، وآزر العبيد الهاربين في السكة الحديد سرا، لكن التاريخ والمكان وظروف موت سولومون كانت مجهولة!


يكاد يكون الفيلم الأمريكي اثنا عشر عاما من العبودية للمُخرج البريطاني ستيف ماكوين من أهم الأفلام السينمائية- التي تم تقديمها حتى الآن- متناولة تاريخ العبودية في أمريكا، بل هو من الأفلام التي تُدين أمريكا بشكل صارخ على هذا التاريخ المُخزي والمُهين من الإذلال والقتل وتملك البشر بمثل هذا الشكل القاسي، ولعلنا نلاحظ أن المُخرج كان حريصا على تصوير حياة سولومون أثناء فترة استرقاقه بتمهل شديد وكأنه يستمتع بما يصوره أمامه على الشاشة، وإن كان في الحقيقة يرغب في الإمعان في تأمل هذه القسوة العارمة التي يتعامل بها الرجل الأمريكي الأبيض مع الرجل الأسود لمُجرد اختلافه عنه في اللون، والتعامل معه باعتباره مُجرد حيوان أو ملكية خاصة لا قيمة لها إذا ما أراد السيد الأبيض ذلك وقتما يشاء؛ وهو الأمر الذي جعل الفيلم يفوز بثلاث جوائز في مُسابقة الأوسكار كأفضل فيلم، وأفضل سيناريو مُقتبس، وأفضل مُمثلة مُساعدة للمُمثلة الكينية الأصل المكسيكية الجنسية lupita nyong'o.

 


محمود الغيطاني

 مجلة "نقد 21".

عدد إبريل 2026م.

 

 

 

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق