الخميس، 16 يوليو 2026

الماموث: شكلانية الفن وحقيقته

ثمة تساؤل جوهري يطرحه الفيلم الروائي القصير "الماموث" للمُخرج والسيناريست المصري حسام محمد رستم، وهو تساؤل من الأهمية والضرورة بمكان لطول ما تردد على أذهان من يتناولون مفهوم الفن- سواء على المستوى الفلسفي، أو الجمالي، أو حتى على أرض الواقع: من هو الفنان؟ ومتى يكون الشخص فنانا حقيقيا؟

هل من المُمكن لنا إطلاق مفهوم، وتوصيف الفنان على الإنسان لمُجرد ادعائه الفن، وتشبهه بالفنانين من الناحية الشكلانية، كما قال نادر- قام بدوره المُمثل أحمد أبو النصر- لياسر، صاحب ورشة النجارة- قام بدوره المُمثل ياسر عبد القوي: تعرف، إنت لو لميت شعرك، وحلقت دقنك، مُمكن شكلك يدي على فنان، وساعتها مُمكن تعرف اشمعنى- يقصد السبب في اختيار نادر للماموث كنموذج فني.

هل من المُمكن ذلك؟ ما زال السؤال هنا مطروحا، يستحق المُتابعة وانتظار الإجابة عليه، أو توليد المزيد من الأسئلة منه: هل شكلانية الفنان تعطيه أحقية أن يكون فنانا حتى لو كان جاهلا سطحيا؟

فالدكتور نادر معه شهادة الدكتوراه في الفن، وقد يكون مُدرسا للطلاب في كلية الفنون الجميلة- أي أنه من المُفترض به تربية أجيال فنية، ومنحهم المعرفة- لكننا على أرض الواقع نراه بالغ السطحية والجهل والتفاهة. صحيح أننا نراه مُطلقا لشعره، وقد ربطه من الخلف، وارتدى ملابس أنيقة، ويُطعم حديثه بالعديد من المُفردات الإنجليزية، وربما غيرها من اللغات- كإحساس داخلي منه بالضآلة والجهل، يحاول تعويضه بهذه الأسلوبية في الحديث- لكنه في الحقيقة ليس بفنان، ولا يمكن له أن يكون بأي حال من الأحوال.

هل الفنان هو من يكون ضيفا دائما على المُؤتمرات، والفعاليات الفنية، الموجود في كافة المُناسبات، المُتحدث الدائم عن نفسه، وعظمة إنجازاته، ونُدرتها؟


بالتأكيد هذا ليس بفنان، بقدر ما هو مُدعٍ- شاعر بضآلته وبحجمة الحقيقي المُخجل؛ لذا يثرثر كثيرا- فالفنان الحقيقي ليس في حاجة إلى الحديث الدائم عن إنجازاته، وما يقوم به من أعمال جليلة، ومُعاناته التي لا يعرفها الآخرون، وحرمان نفسه من حقوقه كإنسان من أجل الفن، وربما احتراقه لإضاءة الطريق للآخرين، ورهبنته بعيدا عن البشر من أجل فنه. فالفن الحقيقي له لسان يتحدث به، وأجنحة يحلق بها من مكان لآخر، وضجيج واضح يُحدث صخبا لا يمكن تجاهله أينما حلّ، ومن ثم تصبح الثرثرة الفارغة التي يحرص عليها الكثيرون للحديث عن إنجازاتهم العظيمة- تحت دعوى الفن- هي من قبيل الفراغ الحقيقي، والإحساس العارم بالضآلة والسطحية، فهذا ليس بفن.

إنه المفهوم الذي يحمل في جوهره معنى الحرية. الحرية في الفن، والإرادة، والاختيار، ومُمارسة الفن بحرية مُطلقة- بعيدا عن الإملاءات، والشروط، أو حتى وضع المُتلقي لهذا الفن في ذهنية خالق الفن، فيحرص على مُراعاة طريقة تلقيه لفنه، أو مفهومه، أي فرض القيود على نفسه- وهو ما تجلى لنا بشكل بيّن في حديث ياسر الرافض مع الدكتور نادر حينما رغب ياسر في مُرافقة الدكتور نادر إلى المُؤتمر الذي سيعلن فيه عن منحوتته الفنية الجديدة/ الماموث، وهي المنحوتة التي صنعها ياسر، فاعترض نادر مُبررا له هذا الرفض بقوله: كمان لو عايز اعتراف مني إن إنت فنان؛ فأنت فنان يا عم. لكن ياسر يرد عليه بإباء: والنبي يا أخويا متقولش الكلمة دي الله يبارك لك. فيسأله نادر مُندهشا: هي فنان بقت شتيمة اليومين دول؟! ليرد ياسر بيقين: الفنان بيعمل اللي هو عايزه. فيسأله نادر: وإنت؟ يقول: أنا راجل صنايعي، يعمل اللي الناس عايزاه. ليسأله نادر: وإنت إيه اللي يمنعك تعمل اللي إنت عايزه؟!


ربما نُلاحظ هنا أن الدكتور نادر قد بلغ من السطحية ما جعله غير قادر على فهم ما يدور من حوله، فهو- نتيجة لادعائه الذي اعتاده قد بلغ درجة من الغباء الذي يجعله غير قادر على تفسير الأمور، أو فهمها- لذا لم يفهم أن ياسر حينما شرع في تشكيل الماموث، أو حينما يشرع في تشكيل أي منحوتة أو مُجسم فني آخر؛ فهو يفعل ذلك بناء على طلب مُدعي الفن من أمثال نادر- العاجزين عن الفعل، غير القادرين على مُمارسة الفعل الفني- وبما أنه في حاجة إلى العمل، والمال الذي سيتكسبه بناء على الفعل فهو هنا لا يمتلك حريته الفنية، هو في الحقيقة لا يمتلك حرية الفعل في أي شيء، بل هو أسير، وخاضع تماما لرغبات وأموال وإملاءات الآخرين نتيجة حاجتة المادية، وعدم امتلاك رفاهية حرية الفعل، وهو ما قد يجعله مُستعدا لفعل أشياء غير مُقتنع بها من الناحية الفنية لمُجرد أن "الزبون"/ الفنان راغب في ذلك، أو يرى أن ما يرغبه هو الصحيح!

لكن، كيف حاول المُخرج حسام محمد رستم التعبير عن هذه الفكرة الجوهرية في شكلها الفني لتكون فيلما سينمائيا؟


يفتتح المُخرج فيلمه للوهلة الأولى على مكان تم تجهيله تماما، وإن كان أشبه بالأدغال، بينما نُلاحظ أن الضباب يحيط بكل شيء- كإيغال في تجريد المكان والزمان وتجهيلهما- يبدو الأمر- أمامنا على الشاشة- وكأننا قد عدنا إلى بداية التاريخ والإنسان البدائي؛ لذا نلمح ياسر- بملامح طيبة، متوترة، شاعرة بالكثير من القلق الذي يجعله يلتفت خلفه غير مرة، أي استشعار الخطر- سائرا بصعوبة، وبخطوات بطيئة بسبب قدمه العرجاء، مُرتديا أسمالا تشبه إلى حد بعيد الإنسان البدائي بينما نستمع إلى صوته في الخلفية مُرددا لقصيدة ما.

يقطع المُخرج على نادر الذي يتعقبه مُمسكا بسهمه- في أسمال تُدلل على بدائيته بدوره- وقد بدا على ملامحه، ولغة جسده إصراره على الإيقاع به، أو إيذائه بشكل ما، وهو ما يتضح لنا من الوتر والسهم اللذين يحملهما في يديه.

إذن فياسر هنا بمثابة الصيد الذي لا بد من الإيقاع به كفريسة، أو هابيل الذي يصر قابيل على القضاء عليه- ربما كي لا يترك أثرا من خلفه يُدلل على زيفه، أو لغيرته مما يمتلكه ياسر/ هابيل "الموهبة"- وبمُجرد ما يشد نادر وتره، ويستعد لإطلاق الرمح يقطع المُخرج مُونتاجيا مُباشرة على شاشة سوداء، لنقرأ عليها العنوان "الماموث".


لِمَ فكر المُخرج في هذه البداية التي كانت بمثابة المُقدمة الفيلمية، أو الجملة المُختصرة لمفهوم الفيلم بالكامل؟

يبدو لنا أن المُخرج هنا قد أمعن التفكير في فكرته ومفهومها إلى أقصى حد، وهو ما جعله يحاول شرحه، والتأكيد على هذا الشرح المفهومي للمُشاهد مُنذ البداية- باعتبار أن المعنى قد لا يصل مُباشرة للمُشاهد- لذا كانت القصيدة التي يرددها ياسر في هذه المُقدمة بمثابة المشهد الشارح لما سيأتي فيما بعد، فنستمع إليه يقول: على الجميع، بأي كلمة، أو نص كلمة، بأي حرف، أو حتى نقطة، أو نص همزة، وبدون كلام. فين المقص؟ هنقص حتة، مش أي حتة، خليك معايا، بقولك إيه، هاتها بحالها، خد المقص، هات اللي عندك، كل اللي عندك، ملمة واحدة، هات المقص، مش عايز أعيش، أعيش، أعيش، آكل، وآكل، وأطلع، وأنزل، ومختشيش، أروح، وأرجع، وتروح وترجع، ونروح ونرجع، على مفيش.

إنها الكلمات التي ظل يرددها أثناء سيره وحيدا- فيما يشبه الغابة الضبابية- شاعرا بالقلق، مُلتفتا خلفه، مُتطيرا بين الفينة والأخرى، إلى أن جذب نادر وتره، وشد رمحه للخلف، ليقطع المُخرج مُباشرة على التيترات.


إذن، فلقد كان هذا المشهد الشارح بمثابة المُقدمة المُباشرة للفيلم، صحيح أننا نستطيع اعتبارها بمثابة المشهد التأسيسي الأول- أو مشهد ما قبل التيترات Avant Titre- لكنه في جوهر الأمر لم يكن في صالح السياق الفيلمي؛ فالفيلم- كفن- ليس في حاجة إلى مشاهد شارحة قد تؤدي به إلى المُباشرة والسطحية، بل هو في حاجة إلى التفاعل معه من قبل الجمهور، ومحاولة تفسيره خارجيا- وليس داخليا من قبل صانع العمل نفسه الذي حاول التدخل، والإشارة بافتراضه عجز الجمهور عن الاستيعاب للمفهوم الذي يسعى من خلفه.

بعد انتهاء تيترات المُقدمة مُباشرة- التي لم تكن سوى عنوان الفيلم- يقطع المُخرج على نادر- قابيل في المشهد التأسيسي- واقفا أمام إحدى ورش النجارة مُتحدثا في هاتفه، لنفهم بأنه يتحدث إلى زوجته بقوله: هفاجئك، بالإنستليشن Installation آرت- يقصد العمل الفني التركيبي- أنا؟ أنا في الأتلييه يا حبيبتي، آه، هحط بس الفينيش وأخلص، وهاجي لك على طول، أوكي، باي.

ألا نُلاحظ هنا- في هذا المشهد الافتتاحي التالي للمُقدمة- أن الدكتور نادر/ الفنان- أو بالأحرى مُدعي الفن- ليس إلا مُجرد نصاب مُدعي، وأنه يمارس هذا الادعاء على الجميع من حوله حتى أقرب الناس إليه/ زوجته؟


هو هنا راغب في إثارة إعجابها، رؤية انبهارها به في عينيها، ارغامها على الاعتراف بموهبته التي لا مثيل لها- رغم انتفائها- حينما ترى النموذج الفني الجديد له: هفاجئك، بالإنستليشن Installation آرت. لذا- وبما أنه مُجرد مُدعٍ- فهو يوغل في ادعائه بأنه في الأتلييه الخاص به لوضع اللمسات النهائية على مُجسمه الفني، رغم أنه في ورشة النجارة الخاصة بياسر لاستلام المُجسم الذي صنعه ياسر بنفسه، ووضع فيه روحه الفنية.

روح الفنان، تلك هي المُعضلة الأساسية لمُمارسي الفن، وهي المُعضلة التي لا يُدركها مُدعو الفن، إنها الروح التي يضعها الفنان فيما يصنعه ليستحيل في النهاية جزءا لا يتجزأ منه، وبالتالي فحينما تبتعد هذه القطعة الفنية الخاصة بالفنان عنه، يشعر وكأنما ثمة من سلبه روحه الحقيقية، قضى عليه، أصابه في مقتل، هدد وجوده بمفهومه الوجودي الأعمق، وهو ما دفع ياسر لشرح مدى تعلقه بما يصنعه لنادر حينما قال له، مُشيرا إلى لوحة فنية على حائط الورشة: بص الحتة دي كدا، تفتكر مين اللي عملها؟ لينظر إليها نادر ببرود قائلا: قصدك اللوحة، مش فارق معايا.


إنه هنا لم يحاول حتى تأمل اللوحة على الأقل، بل ألقى مُجرد نظرة عابرة، بالغة البرودة عليها ليرد برده الجاف المُعبر عن شخصيته، ومدى جهله، لكن ياسر يستمر في حديثه مُتجاهلا أسلوبية الرد: ولا أنا أعرف مين اللي عاملها- رغم إمكانية أن يكون هو من صنعها- بس حسيت فيها حاجة حقيقية. فيسأله نادر: ازاي يعني؟ يقول ياسر: حاجة مقدرش أشرحها، بس كأن فيه حد حط فيها روحه. ليقول نادر ساخرا: روحه؟ التاريخ مبيفتكرش بقى المشاعر والحقيقة والعبط دا، التاريخ بيفتكر بس اللي مكتوب، وأنا بعمل حاجة تدوم.

ربما لا يمكن لنا هنا إنكار وجاهة ما تفوه به نادر رغم سخافته؛ فالواقع ما فتئ يؤكد لنا على أن التاريخ غالبا ما يكتبه المنتصرون، أي الأقوى، أي من هم في مكانة نادر الزائفة، ومن ثم فهو تاريخ زائف بدوره في العديد من الوقائع المُسجلة، بينما الوقائع الحقيقية غالبا ما تندثر وكأنها لم تحدث لأن أصحابها دائما ما يكونون في موقع الضعف، أو قلة الحيلة- تماما كياسر الفنان صاحب ورشة النجارة الذي لا يمتلك قول الحقيقة، والمُجاهرة بامتلاكه الفعلي لهذه القطعة الفنية "الماموث" بما أنه هو من قام بنحتها، والسهر عليها، والتفكير فيها طوال الوقت.


إن مُعاناة الفنان فيما يقوم به، وارتباطه الوجداني، والفكري بأعماله الفنية التي تخرج من بين يديه هو ما عبر عنه ياسر بشكل فني، بالغ الصدق حينما اتجه إلى أحد أركان ورشته ليرتدي قميصا جديدا فوق ملابس عمله المُتسخة قائلا: إيه رأيك يا دكتور نادر؟ مُرددا لنفسه بإعجاب: فِخم، ألاجة. ليقول نادر بلامُبالاة: حلو، كان نفسي أقولك هيبقى حلو عليك أوي في فرح بنتك. يقول ياسر مُتجاهلا تلميحات نادر- حتى لكأنما اختياره عدم الزواج قد بات نقيصة وُصم بها: دا أنا جايبه أروح بيه المُؤتمر. هنا يتساءل نادر مُدهشا: مُؤتمر إيه؟ يسأل ياسر: يعني مش هروح معاك المُؤتمر؟! يقول نادر مُتهكما: مسموش مُؤتمر. ليسأل ياسر: أومال اسمه إيه؟ فيرد نادر ضائقا: اسكت، اسكت. فيسأل ياسر مُلحا: يعني مش هاجي معاك؟! ليتساءل نادر مرة أخرى: تيجي فين؟! هنا يقول ياسر مُفضيا بمشاعره العميقة، مُشيرا إلى مُجسم رأس الماموث: أنا بقالي شهور معاه، مش من حقي حتى آجي مُؤتمر أشوفهم وهما بيصقفوا له؟! أنا ليا فيه زيي زيك. لكن نادر يقول ببجاحة: دا فكرتي، تصوري، أنا اللي عملته، أنت مُجرد نفذت.

هذا الحوار السابق بين كل من ياسر- الفنان الحقيقي- والدكتور نادر- مُدعِ الفن- هو الإسقاط المُباشر، والتعبير بالصورة على ما سبق لنا أن رأيناه في مشهد ما قبل التيترات الذي كان بمثابة تلخيص للفيلم وعالمه؛ فنادر/ قابيل يحاول هنا قتل ياسر/ هابيل، وسلبه لكل حقوقه في موهبته، بل وأحقيته في الفرح والفخر بهذا المُجسم الذي خرج من بين يديه. وهذا أمر طبيعي، فهو أولا مُجرد مدعٍ سيعرض الماموث على الجميع مُعلنا عن تحفته الفنية الجديدة، ليرى الإعجاب والتقدير في عيون الجميع، وهو ثانيا لا يستطيع اصطحاب ياسر النجار البسيط، الفقير، وربما غير المُتعلم معه إلى حفل الإعلان عن هذا المُجسم الفني الجديد، فليس ثمة رابط عقلاني أو منطقي أو اجتماعي أو طبقي من المُمكن له أن يربط بين الدكتور الجامعي الفنان المُتعلم، وبين النجار البسيط غير المُتعلم، أي أن وجود ياسر في مثل هذه المُناسبة سيكون بمثابة الفضيحة لنادر، وربما يتسبب ذلك في كارثة كشف زيفه أمام الجميع.


لذا، وخشية من محاولة ياسر كشف زيفه أمام الجميع، وكمحاولة منه للحفاظ على صرحه الفني الزائف الذي اجتهد في بنائه بالكذب والادعاء على الجميع، نراه يخرج تنازلا عن حقوق الملكية ليناوله لياسر، طالبا منه التوقيع عليه، لكن ياسر يقول له بهدوء، بالغ الانكسار: ملهاش لازمة الورقة دي يا دكتور. فيقول نادر بإصرار: لا، هتمضي، وهحتاج منك كمان التصميمات.

هنا لا بد لنا من التوقف  لطرح السؤال الأكثر أهمية وبلاغة: هل مُجرد توقيع ياسر على التنازل عن حقوق ملكيته لمُجسم الماموث من شأنه أن يحيل هذه الملكية الفنية إلى الدكتور نادر؟ يبرئ ساحته أمام الجميع إذا ما اكتشفوا الأمر؟ هل الفن مُجرد أوراق يتم تجهيزها بالكيفية التي يرغب صاحبها- حتى لو كانت خادعة؟

بالتأكيد لا يمكن لأي كان هنا إنكار أن مُجسم الماموث هو ملك أصيل، وحقيقي لياسر الذي قام بصناعته ونحته، فليس مُجرد كونه فكرة، أو تصورا لنادر- كما سبق له أن أخبر ياسر- يعطيه الحق في امتلاكه الفني له؛ فهو لم يفعل أي شيء سوى التصور والاقتراح، أي أنه- في جوهر الأمر- قد يمتلك الفكرة، لكنه خالٍ تماما من أي موهبة تُتيح له تنفيذ هذه الفكرة، وتجسيدها على أرض الواقع بشكل مادي، وبالتالي فامتلاكه للفكرة لا يمكن لها أن تصنع منه فنانا، ومن هنا يكون الفنان الحقيقي هو ياسر الذي يمتلك الموهبة التي تساعده على تحويل الأفكار إلى مُجسم فني ملموس على أرض الواقع- تماما مثل شخص مُدعٍ لكتابة فن الرواية، فهو قد يمتلك الكثير من الأفكار التي يرويها للآخرين بشكل شفوي، لكنه يفتقد تماما للموهبة، واللغة، والأسلوبية، طريقة البناء التي تتيح له، وتساعده على تحويل هذه الأفكار إلى بناء روائي من المُمكن للآخرين قراءته.


لكن، بما أن نادر لا يفهم الأمر على هذا النحو، وبما أنه بالغ السطحية والمُباشرة في أفكاره، وثقافته، فهو غير قادر على استيعاب سبب الحزن العميق الذي يشعر به ياسر لمُفارقته للماموث- الذي ترك فيه جزءا من روحه- فضلا عن حزنه وانزعاجه البالغين بسبب إصرار نادر على توقيعه التنازل؛ ومن ثم يقول لياسر: يا عم ياسر والنبي متعملش فيها متأثر أوي كدا، إنت قابض تمنه- وكأنما تلقيه للأموال مُقابل تنفيذه للماموث ينزع منه أحقيته في امتلاكه له، أو ارتباطه العاطفي البالغ به- فيسأله ياسر: اشمعنى المرا دي؟ ليرد نادر: المرة اللي فاتت كان تصور فني ومكملش. فيقول ياسر بثقة وواقعية: لو مضيت الورقة دي، تشهد إنك كنت هنا، وإن المُجسم دا له حد عمله، خده، وخد التصميمات، واللي هتقول لهم عليه هيبقى الحقيقة.

ألا نُلاحظ هنا أنه ليس ثمة صراع حقيقي ناشئ بين كل من الاثنين على امتلاك الماموث كعمل فني- على الأقل من ناحية ياسر/ الفنان الحقيقي للعمل؟

إن ياسر/ هابيل ليست لديه النية في إفشاء السر، ولم يفكر لوهلة واحدة في الادعاء بامتلاكه للمُجسم الفني، كل ما هنالك أنه مُرتبط به ارتباطا عاطفيا قويا- وهو أمر طبيعي يشعر به الفنان تجاه عمله الفني- وكانت لديه الرغبة في الفرحة بالعمل لحظة الإعلان عنه في المُؤتمر الذي ظنه، أي الفرح به في لحظة ميلاده وإعلان تواجده في العالم.


إذن، فالصراع الحقيقي هنا ناشئ- في المقام الأول- من قبل نادر الذي يظن برغبة ياسر في إفشاء سره، أو فضحه، أو التقليل من مكانته المُزيفة التي وصل إليها بموهبة ياسر- تماما كقابيل الذي افتعل الصراع مع أخيه هابيل، ومن ثم قضى عليه لمُجرد رغبته فيما بين يديه.

من الطبيعي أن يظن نادر السوء بياسر، ويتطير منه، ويتربص به؛ فمن خصاله الكذب، والنفاق، والادعاء- لاحظ كذبه مُنذ المشهد الأول حينما تحدث مع زوجته وادعى لها بأنه في الأتلييه الخاص به لوضع اللمسات النهائية للمُجسم- وبالتالي تكون رغبته في الإضرار بياسر أمرا طبيعيا، فضلا عن إحساسه العارم بأن ياسر أفضل منه، ليس لامتلاكه الموهبة الفنية فقط- رغم افتقاده للتعليم والمكانة الاجتماعية- بل لأنه أكثر صدقا منه، وتمسكا بالقيم التي يفتقدها نادر، أي أنه يكشفه أمام نفسه، يعريه، يشعره بالخجل والنقص والعار، وهو ما أكد عليه المُخرج في المشهد الذي سأله فيه ياسر: هو فيه حد يعرف إنك إنت عندي هنا لمؤاخذة؟- وهو مُمسك بمنشاره وكأنه يُهدده بإمكانية القضاء عليه داخل الورشة بما أنه يخفي عن الجميع مكان تواجده بادعائه بأنه في الأتلييه- فيسأله نادر، وقد لمح شيئا من التهديد الضمني: اشمعنى؟ ليقول ياسر: أصل أنا لمؤاخذة سمعتك، من غير قصد يعني، وإنت بتكلم الجماعة في التليفون، وبتقول لها إنك في الأتلييه، يعني مخبي إنك إنت عندي هنا. ليرد نادر: آه. إنت ليه متجوزتش؟ فيرد ياسر ردا بالغ السُخرية والإيغال في التعرية: مبعرفش أكدب. فيسأله نادر بتهديد مُبطن بدوره: إنت بقى حد يعرف إنك هنا؟- في إشارة منه إلى وحدة ياسر وعدم زواجه الذي يجعل وجوده كعدمه بالنسبة للآخرين، بما أنه لا يوجد من يهتم به.


إن عدم امتلاك نادر للموهبة، أو حتى المعرفة يجعله غير قادر على تبرير السبب في خياراته، فما يقوم بالتفكير فيه، أو اقتراحه، مُجرد فكرة قد ترد على ذهنه في لحظة ما، وربما تكون فكرة سمعها من الآخرين، أو قرأ عنها، أو رآها في مكان ما، وبالتالي فهو لا يمتلك المقدرة على تبرير خياراته الفنية التي يطرحها، وشرحها. من هنا فهو لا يمتلك الإجابة المُقنعة حينما يسأله ياسر: اشمعنى الماموث؟ ليرد عليه: بحب شكله. ليسأل ياسر مُندهشا: بس؟!

ربما كان الدكتور نادر لا يعرف شيئا عن الماموث من قبل على الإطلاق، وربما لم ير شكله أيضا ليجيب مثل هذه الإجابة، وهي احتمالية يعضدها جهله، وادعائه، وكذبه، فضلا عن إجابته التي لا معنى لها. إلا أننا سنتيقن بأن نادر ربما لم يقرأ عن الماموث من قبل حينما يقول له ياسر مُعلقا على وقوف نادر أمام المُجسم للوهلة الأولى من دون أن يدور من حوله ليراه من كافة الزوايا: لمؤاخذة إنت لو مشفتنيش من الناحيتين، هتعرف ازاي إن أنا ليا ايدين اتنين؟ فيسأل نادر مُندهشا: So?. يقول ياسر: بص عليه كدا يا أستاذ، يمكن فيه ناب ناقص ولا حاجة. ليقول نادر مُدعيا المعرفة: قصدك Metaphor استعارة يعني؟ يقول ياسر بلامُبالاة: ناب واحد أحلى. يسأل نادر مُندهشا: تفتكر؟! يقول ياسر: أكيد، آخر ماموث على وش الأرض، لما البشر حاصروه بالسهم، عمل حاجة غريبة أوي، هرب منهم في ممر ضيق، وعند آخره قعد يحفر في الأرض، يحفر في الأرض، لحد ما ناب من نيابه اتكسر، آخر مرة شافوه كان ماشي بناب واحد، واختفى في الضباب. يسأله نادر مُنجذبا: و...؟ يقول ياسر ببساطة: وبس. ليقول نادر ساخرا: ودي بقى حدوتة جدتك كانت بتحكيها لك، ولا ألف ليلة وليلة؟ يقول ياسر: مش مصدقني؟ دي الحقيقة.


لِمَ لا نتوقف هنا أمام هذا المشهد هنيهة؟

إن المُخرج في هذا المشهد يحاول استباق النهاية بأسلوبية فنية بالغة الرهافة، مُفضيا إلينا بأن ياسر هنا هو الماموث  الأخير على وجه الأرض، وهو ما يتبيّن لنا في قوله: آخر مرة شافوه كان ماشي بناب واحد، واختفى في الضباب. وهو ما سنراه بالفعل في المشهد الختامي للفيلم حينما نرى ياسر سائرا فيما يشبه الغابة التي يحيط بها الضباب من كل جهاتها، بينما يحمل في يساره ناب الماموث الذي خلعه من المُجسم، ليختفي فجأة في الضباب.

هذه الرمزية البلاغية لا يمكن لنا إنكارها، فالفيلم نجح في تقديمها بصريا في نهايته، كما أن المفهوم الفيلمي هنا مفتوح على كافة التأويلات الصالحة لتفسيره، لا سيما أنه مال إلى حد بعيد باتجاه الرمزية في أحداثه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فسواء كانت قصة ياسر التي رواها عن آخر ماموث صحيحة وواقعية من عدمها أم لا- لا سيما أن كافة الأبحاث العلمية ترجح بأن السبب الأساس في انقراض الماموث لم يكن الإنسان الذي ساهم بجزء من انقراضه، بل كان السبب الرئيس هو التغير المناخي الهائل الذي غيّر بيئته الطبيعية، وقضى على موارده الطبيعية للتغذية، باعتباره حيوانا عاشبا، ورفع من درجة حرارة الأرض من حوله مما أدى إلى انقراضه- فياسر كفنان قد ساق هذه القصة في محاولة منه لإقناع نادر بأن مُجسم الماموث إذا ما كان بنابٍ واحد سيكون أفضل- كرؤية فنية مُختلفة لها فرادتها ووجاهتها- لكن، بما أن نادر هنا مُجرد جاهل مُدعٍ يسير على قدمين؛ فهو لم يفهم الحكاية التي رواها ياسر، والمغزى منها- سواء على المستوى الواقعي، او حتى على المستوى الرمزي، بل وسخر منه في نهاية حديثه.


ربما كانت هذه السُخرية من قبل نادر، هي ما جعلت ياسر يرد له السُخرية صاعين حينما يخبره نادر بأنه من المُمكن أن يكون فنانا إذا ما أطلق شعره، وحلق لحيته، فيرد ياسر ساخرا: تعرف احنا لو قصينا جناحات النسر، وطولنا رجليه، وطلعنا له عرف، وعلمناه ينقر، احتمال يدي على فرخة.

إذن، فثمة عدائية طبيعية ومنطقية هنا ما بين الجهل والمعرفة، الادعاء والموهبة، الشر والخير، قابيل وهابيل. إنها الثنائية التي تم تأسيس الفيلم بالكامل عليها بشكل بالغ الرمزية، وإن لم يفتقد فيها الشكل الفني، والأسلوبية البارعة.

إنها الرمزية التي نتبينها مرة أخرى حينما يقوم ياسر بمُساعدة سائق التروسيكل- قام بدوره المُمثل عمرو رمضان- في حمل الماموث لوضعه على ظهر التروسيكل ونقله للخارج، فنرى نادر واقفا مُتأملا للوحة المُعلقة على جدار الورشة، والتي سبق لياسر أن لفت انتباهه إليها، وأخبره بأن ثمة روحا غريبة فيها. فوقوف نادر أمام اللوحة في نفس اللحظة التي يقوم فيها ياسر بنقل المُجسم إلى الخارج والانفصال النهائي عنه، هو بمثابة الإسقاط المُباشر على أن نادر- بخروج المُجسم للخارج، واستيلائه عليه- يأخذ في الحقيقة روح ياسر كفنان معه، وليس المُجسم، أي أنه هنا يسلبه روحه، وفنه، ونفسه أيضا، وربما مفهوم البقاء على وجه الأرض.


لكن، يبدو أن ياسر كفنان غير قادر على التخلي عن منظوره الفني مهما كانت العواقب، صحيح أنه يمارس الفن بناء على الطلب، أي مُقابل من يدفع له المال، وصحيح أن هذا الفن في النهاية لا يُنسب إليه بقدر نسبته إلى المُدعين من أمثال الدكتور نادر، لكنه لا يستطيع- تحت مُسمى المال الذي يتقاضاه- التخلي عن وجهة نظره الفنية- فليس معنى القصة التي رواها أنه لا بد أن يكون الماموث مُطابقا لها بناب واحد، لكن رؤيته الفنية ترى أن الماموث بناب واحد هو الأجدى، والأكثر إيحاء وإسقاطا ورمزية، وتفسيرا للعديد من الأمور، أي توليد المعنى الفني، وهو ما لم يقتنع به نادر، لكن ياسر أصر على رؤيته الفنية، وقام بقطع الناب الثاني من دون علم نادر الذي فوجئ بالناب المقطوع بعد انصراف ياسر، لذا يبتسم، محاولا تكييف الوضع الجديد الذي وجد نفسه فيه مع المُجسم، ومن ثم يتبنى الحكاية التي حكاها له ياسر- بنسبتها إلى نفسه بالتأكيد- ليقول مُتمتما: حلوة، ميتافور حلو، أنا عرفت أحكي لهم إيه.

لاحظ هنا أنه لم يفعل أي شيء في سبيل هذا المُجسم الفني اللهم إلا اقتراح الفكرة على ياسر الذي قام بتصنيعه، بل لم يكن في ذهنه أي تفسير من المُمكن له طرحه على الآخرين حينما يعلن لهم عن مُجسمه الفني الجديد، وهو ما رأيناه سابقا حينما سأله ياسر عن السبب في اختيار الماموث، ورد نادر بأنه مُعجب بشكله- وهو رد لا معنى له- وهو ما تأكد لنا أيضا في هذا المشهد الأخير حينما قال جملته الأخيرة التي أكدت لنا بأنه لم يكن يعرف ما الذي عليه قوله مع إعلانه عن المُجسم، أي ما هو مفهومه الفني لهذا المُجسم، ولِمَ اختاره، ولِمَ بات بناب واحد؟


هنا يقطع المُخرج على ياسر يسير وحيدا بخطوات مُتثاقلة بسبب ساقه العرجاء- وربما ثقل وزنه أيضا، أو حزنه البالغ بعد فقدانه لجزء من روحه، وسلبه إياها- فيما يشبه الغابة المُحاطة بالضباب من كافة الجهات، بينما نُلاحظ في يده اليسرى ناب الماموث الذي قطعه من المُجسم، وسُرعان ما يبتلعه الضباب داخل الغابة، وهو ما يردنا مرة أخرى- بشكل مُباشر-إلى القصة التي رواها ياسر عن آخر ماموث رآه البشر سائرا بناب واحد، وابتلعه الضباب. أي انقراضه، وهو ما حدث لياسر تماما؛ فلقد تغير الطقس من حوله- الظروف الاجتماعية بالكامل- وتم سلب روحه الفنية مع قطعه الفنية التي يقوم بصناعتها للغير من مُدعي الفن، الذين يتباهون بما يقوم هو به، وبالتالي كان من الطبيعي انقراضه بدوره، فهو في زمان ومكان غير مُتناسبين معه، مما يجعل توازي عالمه مع حكاية آخر ماموث مُنقرض مُتطابقة تماما، وأكثر تناغما، وتناسبا.

ربما كان فيلم "الماموث" للمُخرج المصري حسام محمد رستم من الأفلام الروائية القصيرة البالغة الأهمية من حيث أسلوبيتها، فالفيلم في جوهره مُستغرق في رمزيته مُنذ اللحظة الأولى، وهذه الرمزية تُدلل على تجريدية الفكرة التي رغب المُخرج في تقديمها، أو الحديث الفني عنها- فكرة مفهوم الفن وجوهريته- مما يجعل تحويل الأفكار المُجردة إلى صورة سينمائية أكثر صعوبة- لو لم يمتلك صانع العمل موهبته الفنية بدوره- لكن، لعل تجريدية الفكرة، وربما غموضها إلى حد ما، وتفكير المُخرج البالغ فيها قد أوقعه في خطأ المُقدمة التي حاول فيها تفسير الفيلم إلى حد ما، أو تقريبه من المُشاهد بتسطيح الفكرة، وجعلها أكثر مُباشرة، فالفيلم في الحقيقة لم يكن في حاجة إلى هذه المُقدمة التي لم تهدمه- وإن كانت قد أخذت من رصيده الفني بالسلب- لا سيما أن مشهد النهاية البالغ الرمزية- الذي اختفى فيه ياسر داخل الضباب كآخر ماموث فني بدروه على وجه الأرض- كان أكثر تأثيرا، ونافيا لضرورة وجود المُقدمة التي رأيناها في البداية، حيث أشعرنا مشهد النهاية بثقل هذه المُقدمة والتأكيد على عدم ضرورتها الفنية.


لكن، ربما لا تفوتنا المُوسيقى التصويرية البالغة التأثير، والتي لعبت دورا لا يقل أهمية عن باقي العناصر الفيلمية للمُوسيقية: ياسمين الصباغ، وهي المُوسيقى التي عبرت عما يرغب المُخرج في طرحه، لا سيما في مشهدي البداية، والنهاية حيث أشعرتنا ببدائية الرغبات، والتفكير ووحشيتهما، فضلا عن الأداء التمثيلي البارع للمُمثلين الثلاثة على طول الفيلم.

 

 

 محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".
عدد يونيو 2026م.