الثلاثاء، 16 يونيو 2026

التبادل الثقافي بين العربية والإسبانية[1]

ربما كان في التاريخ الطويل من التبادل بين كل من الثقافتين العربية والإسبانية ما يُدلل على ضرورة النظر، والتأمل المُتأني في مفهوم التواشج بين الثقافات، وأثره البالغ في إثراء الثقافتين المأخوذ منها، والمُضاف إليها- فالتبادل الثقافي في جوهره لا يتوقف على الأخذ من جهة واحدة، بل هو يسير غالبا في اتجاهين- كما لا يفوتنا أن الثقافات- في جوهرها- لا يمكن لها التطور، أو اكتساب المزيد من الثراء والعمق إلا من خلال تواصلها مع غيرها من الثقافات الأخرى- أي رؤية الآخر، وإلا ظلت مُنكفئة على ذاتها، لا ترى سوى نفسها في مراياها المُتقابلة- وهو ما يؤكد لنا على ضرورة التواصل بين الثقافات المُختلفة، ومحاولة عبور العديد من الجسور الثقافية سعيا من خلف هذا الثراء المعرفي.

لعل أهمية هذا التبادل هو ما انتبه إليه المُستعرب الإسباني Pedro Martinez Montavez بيدرو مارتنيث مونتابيث في سياق حديثه عن اللغتين- العربية والإسبانية- وخصائصهما؛ حيث يرى أن: "اللغة العربية جوهرها في غناها الحسي، والمعنوي، والبنيوي، وأنها أغنى من اللغة الإسبانية، وأكد على إيجاد إثباتات في اللغة لمدى قوة الجذور العربية في اللغة الإسبانية مُقدما عدة أسماء مُشتقة من أصل عربي، وحضورها في اللغة الإسبانية يفوق ألفي كلمة، كما أشار إلى تأثير اللغة العربية في سياق بناء الجملة الإسبانية نفسها، منها مثلا: الأفعال الانعكاسية التي تُشابه المبني للمجهول الذي يستعمله العرب كثيرا في طريقة كلامهم، بل صياغة الفكرة نفسها"[2].

لكن، هل اقتصر الأمر  بين اللغتين على هذا التشابه الذي قد يبدو لنا شكلانيا للوهلة الأولى؟

في الحقيقة لم يقتصر التبادل المعرفي بين اللغتين على هذا التشابه السطحي، بل تعداه إلى التشابه في النطق بين اللغتين، أي الأصوات في كلا اللغتين، وهو ما يعني أن اللغة العربية قد تركت بتأثيرات واضحة وواسعة الأثر في اللغة الإسبانية، لا سيما: "استخدام صوتي الخاء والثاء في الكتابة والنطق؛ فالإسبانية هي اللغة اللاتينية الوحيدة بين اللغات اللاتينية التي نجد فيها هذين الحرفين، وهما يردان بكلماتها بكثرة في بعض مناطق جنوب إسبانيا التي ما زالت تُعرف بأندلسيا، كما أن هناك أصوات عربية في اللهجات الإسبانية عامة، وفي الجنوبية خاصة، وهي الهاء والشين والجيم، هذه اللهجات معروفة سماعيا عند جميع الإسبان. كذلك هناك قرابة بين العربية والإسبانية في جميع الحركات، وورودها في تشكيل المُفردات، فالحركات العربية الثلاث- الفتحة، والكسرة، والضمة- موجودة في الإسبانية"[3]، وربما كان ما ذهب إليه اللغوي والمُؤرخ الإسباني Rafael Lapesa رافائيل لابيسا في كتابه المُهم "تاريخ اللغة الإسبانية" ما يُدلل على هذا الأثر العميق الذي تركته اللغة العربية في نظيرتها الإسبانية حينما قال: "إن التأثير العربي في اللغة الإسبانية يأتي مُباشرة بعد العامل اللاتيني، ونحن نرى فيها اليوم عددا كبيرا من المُفردات التي تبدأ بأل التعريف، وهذا ما يرشدنا في كثير من الأحيان إلى أصلها العربي"، ويضيف قائلا: "توجد في اللغة الإسبانية أكثر من أربعة آلاف كلمة عربية، بعضها ظل على حاله، وأكثرها أصابها التحريف كتابة ولفظا، وهذا يعني أن رُبع اللغة الإسبانية الواسعة الانتشار في العالم من أصل عربي، وكان لانتقال اللغة العربية إلى اللغة الإسبانية عدة طرق منها: الإدارة، والجيش، والزراعة، والتجارة، والصناعة، والعلوم، والثقافة، والأدب"[4].


هل معنى هذا التأثير والتأثر الحادثين بين الثقافتين، واللغتين العربية والإسبانية أن لإحداهما الفضل على الأخرى، أو أن إحداهما أكثر أهمية من الأخرى؟

في الحقيقة لا يمكن لأي كان الذهاب إلى مثل هذا المذهب، فالثقافات في العالم أجمع لا يمكن لها التقدم، أو المزيد من النضج والتطور إذا ما كانت مُنغلقة على ذاتها، وهذا يعني أن جميع الثقافات بلا استثناء تأخذ من بعضها البعض بقدر، وتنتقي ما يناسبها ومن المُمكن له الاتساق معها؛ لذا فالثقافة المصرية على سبيل المثال فيها من الكلمات التركية عددا هائلا، وهذا لا يعني أن ثمة ثقافة من الثقافتين أقل من الأخرى، أو أن إحداهما لها الفضل على الأخرى، وهو ما سنجده في كافة الثقافات من حول العالم.

إذن، فهذا المعيار التفاضلي لا يمكن لنا بأي حال من الأحوال اعتماده بين الثقافات في مجال الدراسات المُقارنة، لا سيما أن التأثير بين الثقافات يرسخ في جوهره لمفهوم التشارك الإنساني القائمة عليه الثقافة الإنسانية بوجه عام.

ربما بسبب هذا التأثير والتأثر، أي التبادل بين الثقافات المُختلفة تتبدى لنا أهمية التواصل بين أبناء هذه الثقافات- المُنتج الأول للثقافة- لأنه من خلال التواصل تنمو المعارف، ويزول الالتباس بين ثقافة وأخرى، ويزداد فهمنا لسبب تناول بعض الثقافات للآخرين بشكل قد يُناقض الواقع، أو يختلف معه.


Miguel de Cervantes Saavedra ميجيل دي ثيربانتس سابيدرا على سبيل المثال بدا لنا ككاتب مُعادٍ للعرب والمُسلمين في رواية "دون كيخوتة"، ومُتحاملا عليهم طوال الوقت، لكن هذا التحامل من المُمكن لنا فهم أسبابه من خلال التواصل المعرفي، أو التواصل المُباشر، وإدراك أن السبب في ذلك يعود إلى أن: "سنوات سجن ثيربانتس في الجزائر قد تركت بأثرها في روايته، لا من حيث تأثره ببعض العادات والتقاليد العربية، أو حفظه لبعض المُفردات العربية فحسب، بل من حيث ازدياد عدائه للعرب والمُسلمين الذين قدم لهم صورا سلبية تتنافى مع طيبة وسماحة بطله "دون كيخوتة" الذي تسامى فوق كل حقد أو بُغض؛ ما يدل على موقف عدائي سببته النزاعات السياسية السائدة في زمنه بين العرب والإسبان. لذا تتداخل صورة العرب في ذهن ثيربانتس غالبا في صورة المُسلمين، وهما صورتان سلبيتان لا ترتبطان بالخلاف الديني الذي كان قائما بين المسيحية والإسلام في عصر ثيربانتس بقدر ما ترتبطان برغبة الأسير في الاقتصاص من أعدائه، وتعزز هذه النتيجة الصورة السلبية التي قدمها المُؤلف الإسباني للموريسكيين الذين تركوا الإسلام وتنصروا، لكنهم ظلوا منبوذين ومُطاردين من قبل محاكم التفتيش"[5].


للمزيد من الفهم للسبب في هذه الأوصاف التي نالت من العرب والمُسلمين في هذه الفترة؛ لا بد لنا من العودة إلى ما كتبه الباحث أحمد العمراوي الذي يذكر فيه: "Mathew Car ماثيو كار في كتابه المُهم "الدم والدين" الذي يقول فيه في خضم حديثه عن أدب العصر الذهبي الإسباني: "كان المُوريسكيون يصورون غالبا في أدب العصر الذهبي الإسباني عموما كمصدر للاستهزاء والسُخرية والاحتقار، وبعض أكبر كتاب إسبانيا من الشاعر القرطبي Luis de Gongora لويس دي جونجورا إلى الكاتب المسرحي Lope de Vega لوبي دي فيجا- خصم ثيربانتس- كانوا يسخرون من نطقهم الإسبانية، وبغضهم للحم الخنزير، وغيره من الأطعمة، ويستخدمون كثيرا شخصية بائع الفطائر المُوريسكي الأحمق، واستهزاء Francisco de Quevedo فرانثيسكو دي كوبيدو بالألقاب النصرانية التي انتحلتها العاهرات والمُوريسكيون، مُتجاهلا أن هذه الأسماء فُرضت عليهم فرضا. وثيربانتس لم يكن له أن يخرج عن هذه الأصوات التي كانت ترتفع قربه، وهو لم يتردد في تكرار الأوصاف القدحية التي وُصف بها المُوريسكيين على غرار: اللغة الملعونة، والعرق الملعون، والدين الملعون. إن ثيربانتس- وغيره من الروائيين- ليس مسؤولا عما كان يقوله الآخرون، ولكنه كان يخلد هذه الأفكار في كتاباته"[6].

لكن، هل انطلق ثيربانتس هنا بالفعل- في وصفه للعرب والمُسلمين- من إطار ثقافي اجتماعي فرض عليه بالفعل نقل ما كان يدور في المُجتمع حينها، أم من إطار أيديولوجي، وموقف فكري ذاتي يتخذه ضد العرب بسبب ذراعه المبتور في الحرب معهم، فضلا عن سجنه في الجزائر لمُدة خمسة أعوام؟


إذا ما تأملنا السياق الاجتماعي والثقافي في هذه الفترة التاريخية لتبيّن لنا أنه قد تم احتقار كل ما له علاقة بالعرب والمُسلمين في إسبانيا في ذلك الحين: "حتى المأكل شكّل عقدة للكاهن Pedro Aznar Cardona بيدرو أثنار كاردونا الذي قال: "أما ما يأكلوه فهو أشياء حقيرة، كالخضروات والحبوب والفاكهة والعسل والحليب، ولا يشربون النبيذ، ولا يأكلون اللحم إلا إذا ذبحوه بأنفسهم"، وربما كان هذا من بين الأسباب التي دفعت كاتب "دون كيخوتة" إلى الاستهزاء من ذلك العربي الذي ترجم له مخطوط الرواية: "مُقابل بعض أوقيات من الزبيب، وبعض صاعات من القمح. يقبل أن يترجم المخطوط بأمانة، وبأسرع ما يمكن"[7].

لكننا لا نستطيع الانسياق من خلف هذا العداء الثقافي الاجتماعي السائد في تلك الفترة لتبرير العداء المُطلق، والسُخرية الدائمة التي نُطالعها في كتابة ثيربانتس عنهما، أي أنه في هذا العداء لم يكن مُتماهيا مع السياق الجمعي بقدر ما كان مُتبنيا موقفا أيديولوجيا باتجاههم، صحيح أننا لا نستطيع إنكار السياق الجمعي في سعيه لذلك، لكن ثيربانتس كان يحمل ثأرا شخصيا وخاصا؛ حيث اتسمت حياته الشخصية بما يعزز عداءه للعرب بعد أن وقع أسيرا في الجزائر بعد معارك بحرية كان أحد مُقاتليها.

إذن، "فالصور التي تقدمها الآداب القومية عن الشعوب الأخرى تُشكل مصدرا أساسيا من مصادر سوء التفاهم بين الأمم والدول والثقافات. سواء أكان هذا إيجابيا أم سلبيا"[8]، وهو ما يستدعي بالضرورة التواصل المُباشر والمعرفي مع الآخر، لأنه من خلال هذا التواصل تزول هذه الصورة الذهنية التي قد نكونها عن بعضنا البعض، ونستطيع التعارف على ثقافاتنا بشكل واقعي خالٍ من الادعاء.

ربما لذلك، ولأهمية معرفة الآخر بشكل واقعي: "اهتم الإسبان بالثقافة العربية الإسلامية، فأنشأوا كراسي اللغات الشرقية في جامعاتهم، ومكتباتهم تضم المخطوطات العربية، ومطابع خاصة لطباعة الكتب العربية، والمخطوطات المُحققة، مثل جامعة سلمنكا، وإشبيلية، وبرشلونة، ومدريد، وغرناطة"[9]، لا سيما أن الثقافة الإسبانية قد تأثرت تأثرا عميقا بالثقافة العربية في العديد من المجالات المعرفية، حتى وصل هذا التأثير المُتبادل إلى الأمثال الشعبية التي تُستخدم في الحياة اليومية، وهو ما أكد عليه شيخ المُستعربين الإسبان Emilio Garcia Gomez إميليو جارثيا جوميث الذي "قدم دراسات ألهمت عدة لغويين إسبانا وعربا لمواصلة البحث والتنقيب في هذ االحقل المعرفي، إذ انطلق في بحوثه من عدة مُؤلفات أندلسية تشير إلى التأثير والتأثر بين الثقافتين العربية والإسبانية، كما بيّن التقاطع بين الأمثال العربية في كتاب "حدائق الأزاهر"، وبين الأمثال الإسبانية لدى الماركيز de Santillana دي سانتيانا"[10].


هذه الأمثال المُتبادلة، والدالة على عمق التأثير والتأثر بين الثقافتين تتجلى في العديد من الأمثلة، والتي نذكر منها على سبيل المثال المثل الإسباني "ربما تحير من تخير": "وهو من الأمثال التي خصها جارثيا جوميث بدراسة لغوية دقيقة، ورد هذا المثل في زجل ابن قزمان، وعند ابن عاصم، وأصل المثل عربي قديم جاء بصيغ مُختلفة من بينها "خيرني وحيرني"، ويرى جوميث أن هذا المثل دُون كتابيا أول مرة في القرن السادس عشر"[11].

إذن، فثمة تلاقح، وتبادل معرفي طويل بين الثقافة العربية ونظيرتها الإسبانية، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه إلى ضرورة تبادل هذه الثقافات، والتواصل الواقعي، والمُباشر بين أبماء الثقافتين للمزيد من الفهم والتواصل المعرفي، فضلا عن إزالة الكثير من الالتباس الذي قد ينشأ نتيجة عزلة الثقافات عن بعضها البعض، ولعل أهم ما في لقائنا الحالي هو التواصل، وكسر العزلتين الثقافية، والمعرفية.



محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21". 
عدد يونيو 2026م.


[1] الورقة البحثية التي ألقاها الكاتب في مدينة Vitoria الإسبانية، في إقليم الباسك، ضمن فعاليات مهرجان شعراء مايو Poetas en Mayo/ Poetak.

[2] للمزيد انظر البحث الذي كتبته الدكتورة سعاد معاوي عمر الشيباني بعنوان: "التأثيرات المُتبادلة بين الثقافتين العربية والإسبانية: دراسة وصفية تحليلية"/ كلية اللغات/ جامعة الجفارة/ المنشور في مجلة القرطاس/ العدد 27/ المجلد الأول/ شهر سبتمبر/ 2025م/ المجلة ص 476.

[3] المرجع السابق/ المجلة ص 477.

[4] السابق/ المجلة ص 478.

[5] للمزيد انظر البحث الذي كتبته وفاء سامي الاستانبولي بعنوان: "صورة العرب والمُسلمين في رواية دون كيخوتة"/ جامعة خمص/ سوريا/ المنشور في مجلة حوليات التراث/ العدد 11/ 2011م/ المجلة ص 102.

[6] للمزيد انظر البحث الذي كتبه أحمد العمراوي بعنوان: "مُقاربة نقدية ثقافية حول هوية كاتب دون كيخوتة"/ مُختبر الثقافة والعلوم والآداب العربية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، عين الشق/ جامعة الحسن الثاني/ المنشور في مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية/ العام التاسع/ العدد 78/ أكتوبر 2022م/ المجلة ص 118.

[7] للمزيد انظر البحث الذي كتبه أحمد العمراوي بعنوان: "مُقاربة نقدية ثقافية حول هوية كاتب دون كيخوتة"/ مُختبر الثقافة والعلوم والآداب العربية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، عين الشق/ جامعة الحسن الثاني/ المنشور في مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية/ العام التاسع/ العدد 78/ أكتوبر 2022م/ المجلة ص 119.

[8] للمزيد انظر البحث الذي كتبته وفاء سامي الاستانبولي بعنوان: "صورة العرب والمُسلمين في رواية دون كيخوتة"/ جامعة خمص/ سوريا/ المنشور في مجلة حوليات التراث/ العدد 11/ 2011م/ المجلة ص 91.

[9] للمزيد انظر البحث الذي كتبته الدكتورة سعاد معاوي عمر الشيباني بعنوان: "التأثيرات المُتبادلة بين الثقافتين العربية والإسبانية: دراسة وصفية تحليلية"/ كلية اللغات/ جامعة الجفارة/ المنشور في مجلة القرطاس/ العدد 27/ المجلد الأول/ شهر سبتمبر/ 2025م/ المجلة ص 472.

[10] المرجع السابق/ المجلة ص 491.

[11] المرجع السابق/ المجلة ص 492.