إن الحديث عن إنجمار برجمان مع التعرض للفيلم السويدي Torment مُعاناة، أو Hets تبعا
للعنوان الأصلي للفيلم في اللغة السويدية للمُخرج السويدي Alf
Sjöberg آلف كيلين يأتي من كون برجمان هو كاتب السيناريو، كما كان مُساعد
المُخرج في صناعة الفيلم، أي أنه لعب دورا لا يُستهان به في وجود هذا الفيلم المُهم
في تاريخ السينما السويدية، والذي ما زال صالحا للعرض حتى اليوم وكأنه لم يزل
طازجا رغم مرور الكثير جدا من السنوات على صناعته- الفيلم من إنتاج 1944م.
يتناول الفيلم فكرة التربية
والتنشئة وأثرها على أبنائنا تبعا للطريقة التي يمارس فيها المُدرسون والآباء
تنشئة الأبناء، وهو هنا يتعرض للطريقة البالغة القسوة والصلف، والحازمة الخالية من
المشاعر في التربية من دون الاحتكام إلى الرحمة أو المشاعر مع الأبناء؛ الأمر الذي
يجعلهم في حالة دائمة من الرعب والخوف، بل والعذاب أيضا بسبب الضغط النفسي الهائل
الذي يتعرض له الأبناء غير قادرين على التمرد أو الرفض. والفيلم في تعرضه لهذه المُشكلة
التربوية والاجتماعية المُهمة يعمل على انتقاد المُؤسسة التربوية مُمثلة في
المدرسة التي يتلقى فيها الأبناء تعليمهم، وهم الطلاب الذين لم يتبق على تخرجهم من
المرحلة الثانوية سوى شهرين فقط.
إن الأجواء التصويرية التي حرص المُخرج عليها أثناء تصوير فيلمه لا يمكن لها أن توحي للمُشاهد إلا بأنه يشاهد أحد أفلام الرعب؛ حيث الإضاءة القاتمة الأقرب إلى الإظلام أحيانا، أو الإضاءة الحادة مع وجود العديد من الظلال المُنعكسة على الحوائط وكأنما هناك العديد من الأرواح أو الشياطين وغيرهما من الكائنات الميتافيزيقية المُرعبة التي تحيط بالجميع وتعمل على خنقهم والسيطرة عليهم، وبث المزيد من الخوف والرعب في نفوسهم.
يبدأ الفيلم بالمدرسة التي
يتلقى فيها الطلاب دروسهم وقد كُتب على الشاشة "مدرسة القواعد" في إيحاء
مُباشر بالصرامة والقسوة التي تتميز بها هذه المدرسة وقواعدها التربوية، ثم لا
تلبث الكاميرا أن تنتقل إلى داخل المدرسة التي تُقام فيها صلوات الصباح بينما
يتسلل أحد الطلاب الأطفال إلى الداخل، لكن أحد المُدرسين يعنفه مما يجعله يبكي،
وحينما يسأله مُعلم آخر عن الجرم الذي ارتكبه الطفل البائس يخبره المُدرس بأنه قد
تأخر على صلوات الصباح؛ فيضحك المُدرس مُتساهلا، مُخبرا زميله بأنه بدوره قد تأخر عليها،
ويحاول التسرية عن الطفل.
نُلاحظ أن طلاب الثانوي أثناء أدائهم للصلوات الصباحية يتهامسون عن دروس اللغة اللاتينية بخوف، وأنهم لم يتقنونها بشكل جيد، وهو ما سنفهمه في المشهد التالي حينما نراهم في الفصل الدراسي يرتعدون جميعا خوفا أمام أستاذ اللغة اللاتينية الذي يطلقون عليه لقب كاليجولا- قام بدوره ببراعة المُمثل السويدي Stig Järrel ستيج ياريل- الذي لا تفارق العصا يده، والذي يتعامل معهم بشكل من القسوة والسادية والسُخرية غير المُبررة أو المعقولة، وكأنما يوجد بينه وبينهم الكثير من العداء الذي لا ينتهي، لا سيما بينه وبين الطالب جان إيريك- قام بدوره المُمثل السويدي Alf Kjellin آلف كيلين- وهو الطالب المُجتهد في دروسه، والمُنتبه لها دائما، ورغم ذلك نرى كاليجولا كثيرا ما يقوم باضطهاده من دون مُبرر، بل ويوجه له تهمة الغش رغم أنه لم يفعل ذلك.
إن
تعامل كاليجولا مع الطلاب وكأنما ثمة ثأر ما بينه وبينهم؛ يشعرهم بالكثير من الرعب
الذي يجعلهم يرتبكون في وجوده، بل وينسون تماما قواعد اللغة اللاتينية التي قاموا
باستذكارها؛ حتى أنه بمُجرد ما يغادر الفصل الدراسي يصرخون غاضبين: لا بد من إطلاق
النار عليه، ابن الحرام السادي، ويقول آخر: لا أستطيع الانتظار للتخلص من هذا
البؤس!
هذه
النظام التربوي الشديد الصرامة الذي يتبعه المُعلمون لا سيما كاليجولا نراه في في
الجانب الآخر من الآباء تجاه أبنائهم حتى أننا نرى والد جان إيريك مُقطب الجبين
طوال الوقت بصرامة، ولا يتحدث إلا نادرا، بل ويتعامل مع جان بشدة غير مُبررة ولا
داعي لها؛ الأمر الذي يجعله يمسك جرسا على مائدة الطعام يستطيع من خلاله إنهاء
إعلان الطعام ومُغادرة المائدة لجميع أفراد الأسرة.
لا يفوت المُخرج هنا التعرض لآمال وطموحات هؤلاء الأولاد المكبوتين، الشاعرين بالكثير من الرهبة والخوف الدائمين حينما يخرج جان إيريك مع صديقه الأقرب ساندمان ويتحادثان عن أحلامهما المُستقبلية؛ فيقول ساندمان: لكم أتمنى الآن فراشا وخمرا مع امرأة، حينها لن أقوم من الفراش لأكثر من أسبوعين؛ فيرد عليه جان إيريك: كم أنت مادي، إني أرى الأمور بشكل مُختلف، سأكتب وأعزف على الكمان طوال الوقت بمُجرد خروجي من هذا الجحيم، أما بالنسبة للمرأة وباقي الأشياء فسأكتفي بواحدة فقط وأحبها، هنا يقول له ساندمان: أنت مجنون، أعتقد أنك تريد واحدة نقية وبريئة، هذا النوع غير موجود، جميع النساء مُتشردات، ولو لم يكنّ هكذا فهنّ يتُقن لذلك، نيتشه وسترندبرج يقولان ذلك. إن هذا المشهد المُهم في تطور أحداث الفيلم يستعرض لنا آمال الطالبين ومفهومهما عن الحياة، فبينما يرى ساندمان الحياة بمثل هذا الشكل العبثي الفاسد، نرى جان إيريك حالما مُحبا للحياة يتميز بخصال فنية مُهمة تنحصر في الكتابة والعزف على الكمان، أي أنه يمتلك رغبات فنية من المُمكن أن يكون لها أكبر الأثر في تحوله إلى الفن مُستقبلا بعد التخرج مما يدل على مشاعره المُرهفة، ومحاولة اجتهاده الدائم في دروسه رغم اضطهاد كاليجولا له فضلا عن والده الصارم دليل على التزامه؛ لذلك سنرى ساندمان يقول له في مشهد تالٍ: أنت مُراهق، سترى كم هو كل شيء فاسد، لا يمكنك أن تكون مثاليا مُؤمنا بالنساء البريئات!
في
نهاية الليلة وأثناء توجه جان إيريك إلى منزله يلاحظ سيدة تكاد أن تقع أرضا من فرط
السُكر؛ فيقترب منها محاولا مُساعدتها ليعرف أنها برتا- قامت بدروها المُمثلة
السويدية Mai Zetterling ماي زيتيرلينج- التي تعمل
كبائعة في محل بيع الدخان. يحاول جان إيريك مُساعدتها ويوصلها إلى منزلها، لكنها
تخبره بأنها تشعر بالكثير من الخوف والهلع من أحد الأشخاص الذي تخاف أن تذكر اسمه
له؛ لذلك تطلب منه ألا يتركها وحدها ويبقى معها الليلة؛ لحمايتها من هذا الشخص
المجهول، وبالفعل يضطر جان إيريك للبقاء معها بعدما تحاول إغرائه وتتواصل معه
جسديا.
يظل
جان إيريك على تواصل مع برتا، المرأة المُتهمة في شرفها، والفقيرة والوحيدة التي
لا تجد من يرعاها أو يعولها أو يهتم بها؛ ومن ثم يكاد أن يكون معها أكبر وقت مُمكن
في منزلها يمارسان حبهما وعشقهما، كما أنها تحدثه دائما عن هذا الشخص المجهول الذي
يسبب لها الكثير من الذعر، والذي تخاف أن تذكر اسمه، بل تخبر جان أنه يراقبها
ويتجسس عليها دائما، ويهاتفها تليفونيا أيضا، أي أنه يحاصرها حصارا كاملا حتى أنها
تشعر بأنه سيسوقها يوما إلى الموت؛ وهو ما يجعلها دائمة السُكر واللجوء إلى الخمر
لتنسى خوفها وذعرها الدائم منه.
يتنقل المُخرج بين حياة جان إيريك الجديدة مع برتا في منزلها، وبين حياته في الفصل الدراسي حيث يعاني جميع الطلاب من الذعر الدائم الذي يخيم بظلاله على حياتهم؛ فنرى الطالب بيترسون الكثير التغيب عن المدرسة بسبب خوفه من كاليجولا مُدرس اللغة اللاتينية، وهو ما يجعل أحد المُدرسين يستفسر منه عن السبب في تغيبه الدائم؛ فيخبره عن رعبه هو وزملائه من كاليجولا الذي يتعامل معهم بعنف وقسوة وقهر قائلا: إن وجود كاليجولا في الفصل يجعل العقل فارغا، ويتحول الواحد منا إلى مذهول، إن الآخرين يكرهونه، جميعنا مرعوبون منه، نحن نحترم جميع المدرسين، لكنه يستمتع بتخويفنا، إنه سادي.
هذا
الحديث بين بيترسون والمُدرس العجوز يجعل المُدرس يتجه غاضبا إلى غرفة المُدرسين
للحديث مع كاليجولا، مُخبرا إياه بأنه عليه أن يغير من طريقة تعامله مع الأولاد؛
لأنه يسبب لهم الكثير من الرعب، ويؤكد له أن هذه الطريقة لا يمكن أن تكون طريقة
تعليمية صحيحة؛ لأن الطلاب لا يمكن لهم أن يستوعبوا منه أي شكل من أشكال الدروس
وهم يخافونه مهما كان قد حصل على شهادات أكاديمية؛ فيرد عليه كاليجولا بعد الكثير
من رفض ما يحادثه فيه- في لحظة ضعف كاشفة ونادرة تؤكد لنا أن كاليجولا يعاني من
اضطراب ثنائي القطب، ولا يستطيع السيطرة على نفسه عندما يشعر بالتهديد أو عدم
الاحترام أو التمرد- قائلا: لقد كنت مريضا جدا وما زلت، أعصابي لا تزال غير
مُستردة تماما، المناهج صعبة وشاقة. لكن، رغم لحظة الكشف والضعف هذه التي نراها من
كاليجولا أمام المُدرس العجوز نراه يتحول فجأة، في شكل مرضي، من الضعف والاعتراف
إلى الصلف والقسوة مرة أخرى ويخبره أنه عليه ألا يتدخل في طريقته التربوية بينه
وبين الطلاب.
يذهب جان إيريك إلى منزل برتا التي أعطته مفاتيح شقتها كي يدخل إليها وقتما شاء فيجدها في حالة سُكر كاملة ويلحظ وجود كوبين من الشراب لديها مما يؤكد له على أن ثمة شخصا آخر كان معها في الشقة، وهو الأمر الذي يشعره بالكثير من الغضب، ويخرج محاولا إنهاء علاقته بها حينما ترفض إخباره بالشخص الذي كان معها، أو يشعرها بالكثير من الذعر، لكنه أثناء حصة المُدرس العجوز يشعر بالكثير من الإرهاق والتعب، ويطلب منه الذهاب إلى المنزل فيوافق له قلقا، إلا أن جان إيريك يقع مُغشيا عليه بمُجرد خروجه من باب الفصل الدراسي.
هنا
ينتقل بنا المُخرج إلى منزل جان إيريك الذي رآه طبيب العائلة ويبدأ في حوار طويل
نسبيا مع والديه، يبدي من خلاله سبب مرض وإرهاق ابنهما الشديد، مُبديا رأيه في
النظام التعليمي وأثره على الطلاب محاولا انتقاد هذا النظام التعليمي والتربوي
فيقول: يمكنك رؤية الجانب غير السار من الحياة المدرسية، الأولاد نحيفون مشوهون،
الولد من هؤلاء غير متوزان ومُشوه، ويعاني من سوء التغذية، ومُرهق، إنهم يبدون
غارقي الصدور، مُتعبي العيون من القراءة، يعانون من فقر الدم، هم يجلسون هناك على
مُؤخراتهم من الثامنة صباحا حتى الرابعة بعد الظهر، وبعد ذلك يُكلفون بالواجبات
المنزلية، هل هذا منطقي؟ المنهج يصبح أكثر تطلبا، والمُعلمون يبيتون مُتخصصين وذوي
عقلية ضيقة، الطلاب ليسوا أغبياء؛ فهم يبذلون قصارى جهدهم مع القليل من الخداع.
هنا يرد عليه والد جان إيريك: إذن فأنت ترى أن الغش والتغيب عن المدرسة له ما
يبرره، فيرد الطبيب: بالتأكيد لا، لكن من العار أن يتم دفع الأولاد إليه ليتجنبوا
الإرهاق، فيقول الأب: عليهم أن يتعلموا التصرف، ليقول الطبيب: بالتأكيد، لكني أشك
أن أساليب اليوم ستسمح لهم بذلك.
علّنا
نلاحظ أن هذا الحوار النقدي للمُؤسسة التربوية والتعليمية الذي جاء على لسان
الطبيب هو في حقيقته الآراء النقدية التي تخص سيناريست الفيلم نفسه إنجمار برجمان
تجاه المُؤسسة التعليمية، أي أنه يطرح وجهات نظره في هذه المُؤسسة بشكل مُباشر على
لسان الطبيب، وهو الحوار الذي كان ثقيلا ويكاد أن يكون نقطة ضعف في جسد الفيلم المُتماسك
والقوي؛ لأن هذا الحديث النقدي يمكن استيعابه وفهمه من خلال الأحداث من دون السعي
واللجوء إلى قوله بهذا الشكل المُباشر البعيد عن الأسلوب الفني.
نشاهد جان إيريك الذي يعاني من الحُمى في فراشه بينما تتكاتف عليه الهلاوس والكوابيس والأحلام التي يرى فيها كاليجولا مُمسكا بعصاه، ويحادثه بصرامة وقسوة محاولا اختباره في اللغة اللاتينية، كذلك تدخل إليه برتا التي تطلب منه، مُستجدية إياه، العناية بها، وعدم التخلي عنها، وتركها وحيدة بسبب خوفها الشديد من دونه.
بعدما
يتعافى جان إيريك يرى برتا في طريقه إلى المدرسة وتحاول الحديث معه، لكنه يرفض،
فيراهما كاليجولا الذي سنعرف أنه الشخص الذي يخيف برتا طوال الوقت ويفرض سيطرته
عليها، ويدفعها للسُكر بإفراط، بل يكاد أن يدفعها إلى الموت، ويسأل كاليجولا جان
إيريك عن علاقته بهذه الفتاة، وهل هي فتاة جيدة أم لا، لكن جان لا يعطيه أي
معلومات عنها.
يذهب
كاليجولا إلى شقة برتا ويبدأ في السُكر مُرغما إياها على مُشاركته، باثا في نفسها
المزيد من الخوف والذعر، ويبدأ في الحديث إليها عن مجموعة من القصص المُخيفة التي
مرت في حياته، وحينما يشعر جان إيريك بالقلق عليها يسرع إلى شقتها ليفتح الباب
بمفتاحه لكنه يجدها قد فارقت الحياة في فراشها. يشعر جان بالكثير من الخوف ويحاول
الهروب، لكنه يسمع صوتا في خزانة الملابس ويكتشف وجود كاليجولا مُختبئا فيها.
يعرف كاليجولا أن جان إيريك سيتهمه بقتل برتا، ويسارع بنفسه بالاتصال بالشرطة وهو في حالة هيستريا كاملة باكيا ومُؤكدا على أنه لم يقتلها، وأنه لا يستطيع قتل حشرة صغيرة، فكيف له أن يقتل إنسانا، لكن المُحقق يحتجزه لحين تأكد الطبيب الشرعي من سبب وفاة الفتاة، ويتبين للطبيب أن الفتاة لم يتم قتلها فيقول: إنه إهمال الذات الرهيب، لا أعرف كيف يمكن للمرء أن يشرب حتى الموت، لكن هذا ما فعلته الفتاة، إلى جانب ضعف قلبها، وسوء التغذية.
تتأكد
الشرطة أن كاليجولا لم يقتل برتا بالفعل ظاهريا، رغم أنه كان السبب في دفعها إلى
الموت بسبب ضغطه النفسي الدائم عليها وتخويفها المُبالغ فيه، ودفعها للمزيد من
السُكر، ويفرجون عنه، وهنا نرى الحالة النفسية المريضة لكاليجولا الذي كان في حالة
يرثى لها من الخوف والضعف حينما تم اتهامه، لكن حينما يخبره المُحقق أنه سوف يُخلى
سبيله ويحاول الاعتذار له ومُصافحته يتعامل معه كاليجولا بالكثير من الصلف
والتعالي حتى أنه يرفض المُصافحة.
يدعي
كاليجولا أمام مُدير المدرسة بأن جان إيريك يمارس الغش، ويعرف فتاة مشبوهة سيئة
السُمعة، وحينما لاحظ كاليجولا هذا الأمر حاول إنقاذ الشاب من هذه العلاقة، وسار
خلف الفتاة حتى شقتها من أجل محاولة إقناعها بأن تترك الطالب الشاب وشأنه، لكنها
ماتت فجأة، وقبل أن يفيق كاليجولا من دهشته دخل جان إيريك إلى شقتها مُستخدما مفتاحه
الخاص، وحينما رأى كاليجولا حاول اتهامه بقتلها، وهو ما يجعل كاليجولا راغبا في
طرد جان إيريك من المدرسة والقضاء على مُستقبله.
ينكر جان إيريك ما يدعيه كاليجولا ويطلب وجوده أثناء التحقيق، ويؤكد أمام مُدير المدرسة بأن كاليجولا هو القاتل الحقيقي، وهو من دفعها للموت بسبب إرعابه الدائم لها، ودفعها للشرب من أجل التخلص من خوفها، وحينما ينكر كاليجولا ذلك يقوم جان بلكمه بقوة ويخرج. يحاول المُدير إثناء كاليجولا عن قرار طرد جان من المدرسة، مُحادثا فيه ضميره الذي لا يمكن أن يقبل إنهاء مُستقبل شاب في بداية حياته، لكن المُدرس يُصرّ على طرد الشاب من المدرسة.
يذهب
جان إيريك إلى منزله مُخبرا أبويه؛ فيقوم أبوه بلومه بقسوة؛ الأمر الذي يدفع جان
إلى الثورة على والديه وترك المنزل ومُغادرته نهائيا. نرى جان مُنتحيا أحد الأركان
بجوار المدرسة في يوم تخرج زملائه منها، ويذهب هو وصديقه ساندمان إلى جنازة برتا،
لكن جان يقرر عدم العودة إلى بيته مرة أخرى، بل يتجه إلى شقة برتا الخالية للإقامة
فيها. يحاول ساندمان إثنائه عن ذلك، لكن جان يود أن يكون وحيدا في شقة برتا.
يذهب
مُدير المدرسة إلى جان في شقة برتا بعدما يعلم مكانه من ساندمان، ويحاول مواساته،
والتأكيد له بأنه سيساعده من أجل مُستقبله، ومحاولة الاندماج في المُجتمع مرة
أخرى، وينصحه بالذهاب إلى منزله، كما يترك له مبلغا ماليا لاستئجار غرفة في فندق
ليقضي فيها ليلته. حينما يغادر المُدير يخرج جان إيريك من الشقة لكنه يلمح
كاليجولا على الدرج محاولا أن يطلب منه السماح، ويخبره بأنه شخص مريض ووحيد ولا
يوجد أحد معه، بل لا يرغبه أحد، لكن جان يتركه مُتجاهلا إياه ويواصل هبوطه ليستقبل
الحياة بشكل جديد في قدر كبير من الأمل.
ربما نلاحظ أن النهاية التي لجأ إليها كل من المُخرج والسيناريست لا يمكن لها أن تتناسب والجو النفسي المُرعب والمأسوي والقاسي للفيلم، أي أن الفيلم كان لا بد له أن ينتهي على مشهد جان إيريك مُنتحيا أحد الأركان يائسا بجوار المدرسة يوم تخرج زملائه، ولعل هذه النهاية كانت هي النهاية الفعلية للفيلم حينما تمت صناعته، لكن استياء الجمهور حينها وانتقاده للفيلم وصناعه جعل إنجمار برجمان، والمُخرج آلف سيوبيرج يلجآن إلى وضع هذه النهاية التي يشوبها بعض الأمل غير المُتناسب مُطلقا مع الفيلم، أي أن النهاية الأولى كانت هي الأفضل واللائقة بالفيلم الذي قدماه معا.
إن
الفيلم السويدي "مُعاناة" للمُخرج آلف سيوبيرج من الأفلام المُهمة في
تاريخ السينما السويدية، لا سيما أنه يناقش مُشكلة طالما عانى منها الطلاب في المُؤسسات
التعليمية والتربوية وأثر هذه المُشكلة القاسية على سيكولوجية أبنائنا، بل
وتحطيمهم أحيانا وإنهاء مُستقبلهم بسبب القسوة المُفرطة وتعذيبهم بالخوف، كما أن
نموذج كاليجولا هو من النماذج التي كثيرا ما نقابلها في هذه المُؤسسات، وهو الدور
الذي أداه المُمثل السويدي ستيج ياريل بإتقان غير هيّن، جعل من هذا الدور من أهم
الأدوار التي لا يمكن نسيانها أو زوالها من الذاكرة، كما لا يفوتنا أن الفيلم رغم
أنه من إنتاج 1944م إلا أنه ما زال من أهم الأفلام على المستوى الفني والفكري، بل
يكاد أن يبدو طازجا وكأنه قد تمت صناعته في الوقت الحالي الذي نعيش فيه؛ الأمر
الذي يُدلل على أن الفن الجيد هو الفن الذي يعيش في جميع العصور، ويمكن للجمهور
تلقيه دائما باعتباره فنا آنيا قد تم تقديمه في نفس اللحظة التي نراه فيها.









.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق