شارك في هذه التجربة الفنية خمسة من المُخرجين الروس، هم: Pyotr
Buslov بيوتر بوسلوف بفيلم Sunrise/
Sunset شروق/ غروب، وAleksandr Veledinskiy ألكسندر فيليدنسكي بفيلم Portrait بورتريه، وIgor Voloshin إيجور
فولوشين بفيلم Atlantika أتلانتيكا،
وAndrey Zvyagintsev أندري
زفياجينتسيف بفيلم Mystery سر، وAlexei
Popogrebsky أليكسي بوبوجريبسكي بفيلم Bloodrop قطرة الدم.
بالتأكيد تحمل التجربة هنا- بمثل هذا الشكل المبنية عليه- شكلا غير هيّن من
أشكال التحدي الإبداعي؛ فجميع الأفلام التي ستتم صناعتها مبنية على تلك المُقدمة
الغامضة، ومن ثم فالأفلام لا بد لها أن تتحدث عن هذه الصورة الغامضة التي تم وضعها
في المظروف، مما يعني أن المظروف سيكون هو المُحرك الأساس للسرد السينمائي.
بما أننا هنا أمام "أندري زفياجينتسيف"- المُخرج صاحب العالم الخاص، والأسلوبية الفنية التي لا يختلف عليها الكثيرون- فنحن لم نُفاجأ كثيرا من بناء العالم الفيلمي الخاص به- رغم غموض المُقدمة- مُعبرا عن العلاقات، ومكونات الأسرة الروسية، وهو ما نعهده في جميع الأفلام التي قام بصناعتها طوال مسيرته السينمائية، أي أن زفياجينتسيف هنا لم يستطع التخلي عن عالمه الخاص الذي نعرفه عنه- انهيار وتفكك الأسرة الروسية في روسيا المُعاصرة، والأسباب التي يمكن لها أن تؤدي إلى ذلك، وأثر ذلك على المُجتمع الروسي بشكله العام- بل انغمس فيه بشكل أكبر، وهو ما يجعله غير قادر على التفاعل مع أي شيء في العالم من حوله اللهم إلا ما يخص الشأن الأسري الذي يتحدث عنه، وبذلك يكون زفياجينتسيف قد نجح ببراعة في ابتلاع الشكل الغامض، والبوليسي، وربما الجرائمي للمُقدمة- التي لا تتغير للأفلام الخمسة- وجعلها ذات علاقة وثيقة بموضوعه الأسرى الأثير الذي لا يكف عن الحديث فيه، وهو ما يؤكد لنا على أن زفياجينتسيف مُخرج ذو عالم فني خاص، مُنغمس فيه، قادر على التعبير عنه ببراعة، وهو ما رأيناه في كل ما قدمه من أفلام.
بعد المُقدمة الغامضة مُباشرة يقطع المُخرج على رجل في مطعم فخم- قام بدوره
المُمثل الروسي Igor Evseev إيجور
إيفسيف- يبدو وكأنه في انتظار شخص ما بينما يتناول كأسه مُتأملا للمظروف الغامض
الموجود أمامه على المائدة، لكن يده تمتد إلى المظروف ليخرج منه صورة البولارويد
مُتأملا لها، ومع قطع المُخرج بالكاميرا على الصورة التي في يده لتشاركه الكاميرا
التحديق فيها- كعادة زفياجينتسيف الذي يتعامل مع الكاميرا دائما باعتبارها كائنا
حيا لها من المشاعر، والرغبات والإرادة والتفكير ما يتساوى مع جميع شخصياته
الفيلمية- نُلاحظ أن الكادر الذي سبق لنا فيه رؤية الرجل يتأمل الصورة بينما يجلس
على المائدة مُنتظرا، هو ما نراه تماما في الصورة التي في يده، حتى لكأنما قد تم
التقاط صورة فوتوغرافية له أثناء تأمله للصورة، لكنه سُرعان ما يسقط في غفوة من
النوم- ربما لإفراطه في تناول الكحول- لا سيما أنه لن يفيق من إغفاءته إلا بوصول
امرأة شابة جميلة- قامت بدورها المُمثلة الأوكرانية Irina Barinova إيرينا بارينوفا.
مع وصول المرأة الجميلة التي يبدو عليها الثراء، وإفاقة الرجل من غفوته؛
نُلاحظ أن المائدة لا يوجد عليها سوى كأسه الفارغ الذي يطلب من النادل أن يجدده
له، ثم يمد يده إلى الحقيبة المجاورة له ليلتقط منها الظرف الكحلي، واضعا إياه على
المائدة ليدفعه أمامها بهدوء قائلا: إنه هنا بكل خطواته، بكل دقيقة تقريبا، صور،
مقاطع الفيديو، تقرير كامل، كل شيء كما اتفقنا.
إذن، فالرجل هنا مُحقق خاص، ويبدو أن تلك المرأة كانت قد كلفته بمُراقبة رجلها- الذي تحبه- لشكها في أمر ما، وهي المُهمة التي أداها الرجل بشكل جيد؛ مما يجعلها تمد يدها في حقيبتها لتلتقط بدورها ظرفا آخر لتناوله للرجل الذي يفتحه ويعد المال الذي يحتويه، ثم يضعه في جيبه راضيا.
دعنا نتأمل المشهد مرة أخرى بروّية، فبما أن المشروع الفني للأفلام الخمسة
بالكامل قائم على مظروف ما، بداخله صورة ما غامضة، لا نعرف عنها شيئا؛ فهذا يعني
أن جميع الأفلام ستنبني على هذا المظروف الذي سيكون مُحركا للسرد، وهو ما من شأنه
أن ينقلنا إلى العديد من العوالم الغامضة، أو عوالم الإثارة، أو الجريمة أو غير
ذلك، لكن زفياجينتسيف- الذي لا علاقة لعالمه السينمائي بالغموض والإثارة، أو أفلام
الحركة- فضل جر المُقدمة بالكامل إلى عالمه السينمائي الخاص الذي لا يعنيه سوى
الأسرة الروسية والعلاقات التي تربط بين أفرادها- الأسرة هنا مُمثلة في امرأة
لديها شكوك ما لا نعلمها في رجلها الذي تحبه، وربما كان زوجها- مما يعني أن
زفياجينتسيف قد ابتلع المُقدمة بالكامل ليهضمها داخل عالمه السينمائي، ومن ثم
أكسبها معنى جديدا تماما له علاقة وثيقة بالعالم السينمائي للمُخرج.
تقول المرأة مُترددة: أخبرني، هذا أمر سخيف، لكني خائفة من فتح هذا الظرف
اللعين. يقول بهدوء: أنت شخصية شجاعة إذ تجرأت على الاعتراف بذلك. تستطرد: أشعر
بالرغبة في ارتكاب بعض الأفعال الدنيئة ضده، ولنفسي أيضا، لقد ارتكبت ذلك تقريبا،
لذا، بشكل شخصي، فقط لتخفيف الصدمة، أخبرني، هل هناك شيء؟ يقول الرجل بشكل واقعي
أقرب إلى الحكمة: هناك دائما شيء ما، الرجل غامض، وقد يكون للغموض أسراره الخاصة،
جميعنا نخفي شيئا عن بعضنا البعض، إذا ما كنت تحبين شخصا بالفعل؛ فدعيه يخفي ما
يخفيه.
إن فتح المرأة هنا للمظروف الذي استلمته من الرجل من شأنه إما أن يؤدي إلى استمرار العلاقة بينها وبين الرجل المُرتبطة به-الذي تراقبه- أو انهيار هذه العلاقة مُباشرة وبشكل قاطع يشوبه الكثير من الغضب، والألم، والخذلان- وهو الحدث المتوقع- هذا التوقع هو ما يجعلها تشعر بالكثير من الخشية من فتح المظروف والاطلاع على محتواه؛ فخشيتها هنا تؤكد لنا على عشقها للرجل الذي هو على شفا الفضيحة إذا ما اطلعت على المظروف، وبما أنها تشعر بالحب تجاهه؛ فهي ينتابها الكثير من التردد في معرفة الحقيقة الكاملة التي تشعر بالشك تجاهها.
لكن، لِمَ لا نتأمل رد الرجل/ المُحقق الخاص عليها؟
إن رد المُحقق هنا يحمل قدرا هائلا من الحكمة، وتأمل للحياة بهدوء وروية.
هو رد يؤكد لنا على أن صاحبه لديه من الخبرة الحياتية ما لم يتأتى للكثيرين، وبناء
عليه فهو يبدو لنا على هذا الهدوء والاطمئنان اللذين نراهما على وجهه، وطريقة
تعامله الهادئة الواثقة؛ فجميعنا تقريبا على ظهر هذا الكوكب نُخفي أشياء لا نحب أن
يعرفها عنا الآخرون، وهذه الأشياء لا تضر غيرنا، وليست ممنوعة، لكنها لها خصوصيتها
التي تجعلنا راغبين في الاحتفاظ بها لذواتنا فقط من دون اطلاع الآخرين عليها حتى
لو كانوا أبناءنا، أو آباءنا، أو من نرتبط بهم، ولعل تلك المرأة التي تحاول البحث
والتجسس على الرجل المُرتبطة به- والتي دفعت من أجل ذلك الكثير من المال- لديها
بدورها الكثير من الأمور التي تخفيها عن الرجل المُرتبطة به، ولا ترغب في أن يعرف
عنها أي شيء.
إنها الخصوصية التي تميز البشر أجمعين، بعض الأمور والأسرار الخاصة التي لا
تضر الغير بقدر ما نرغب في الاحتفاظ بها لأنفسنا لسبب أو لآخر، ومن ثم يكون النبش
من خلف أسرارنا الخاصة هنا بمثابة الاعتداء الشخصي والمُباشر علينا وعلى حقنا في
الخصوصية، هو تعد سافر علينا، فضلا عن أنه سيكون بمثابة النبش عن سبب لانهيار
العلاقات الجميلة، والأُسر المُستقرة.
إذن، فالمرأة هنا أمام خيارين لا ثالث لهما، إما ان تفتح المظروف وتعرف ما
تجهله، وهو ما قد يؤدي لانهيار العلاقة التي تربطها بالرجل الذي تبحث من خلفه، أو
تغلبها مشاعرها تجاه هذا الرجل- الذي لا ترغب في خسارته أو الابتعاد عنه- ومن ثم
تأخذ بنصيحة المُحقق الذي أكد لها على أن لكل منا أسراره التي يخفيها، وبالتالي
فالحكمة التي صاغها في جملته هي الأكثر ارتباطا بالواقع: إذا ما كنت تحبين شخصا
بالفعل؛ فدعيه يخفي ما يخفيه.
المخرج الروسي أندري زفياجينتسيف
بعد انصراف المُحقق تنهض المرأة إلى الحمام الخاص بالمطعم الفاخر؛ لنراها
تخرج CD من الظرف وتقوم بتحطيمه والتخلص منه، وتثني
ذلك بحرقها للمظروف وما يحتويه من صور من دون إخراجها أو الاطلاع عليها، أي أنها
قد أخذت بنصيحة المُحقق، وقتلت في داخلها شعور حب الاستطلاع الذي دفعها للتجسس على
الرجل المُرتبطة به، مما يعني أن مشاعر الحب هنا قد تغلبت على الرغبة في المعرفة
التي قد تؤدي إلى خسارتها كل شيء في هذه العلاقة، فضلا عن الشعور بالألم، أو الجرح-
وربما الحياة معه في حالة شك جحيمي دائم.
سُرعان ما تخرج المرأة لتعود إلى
نفس المنضدة التي كانت تجلس عليها مع المُحقق، لكنها تلمح رجلا في المائدة
المُقابلة لها- قام بدوره المُمثل الروسي Konstantin
Demidov كونستانتين ديميدوف- يقوم بتقبيل امرأة
ترافقه بشغف- قامت بدورها الممثلة الروسية Olga Efremova أولجا إفريموفا- وقد انفصلا عن العالم المُحيط بهما تماما،
وانهمكا داخل عالمهما ومشاعرهما الغالبة عليهما.
تتأمل الرجل والمرأة أمامها، وقد ارتسم على وجهها شعور راضٍ بالسعادة،
وكأنها تشاركهما مشاعرهما- التي كانت على وشك فقدانها بمُجرد فتح المظروف- لتتناول
هاتفها وتحادث المُحقق قائلة بثبات: أخبرني، احتفظت بالتأكيد بنسخة من كل هذه
الأشياء. ليرد: نعم، كقاعدة عامة، أقوم بتخزين نسخة لمُدة أسبوع على القرص الصلب
قبل حذفها، لكن يمكنني الاحتفاظ بها إلى الأبد بسعر خاص. ترد بثقة: من فضلك، قم
بحذفها بالكامل من دون أي فرصة لاستعادتها. يسأل: هل أنت واثقة؟ تقول: بالتأكيد.
يسألها: الآن، أم بعد أسبوع؟ لترد وقد حزمت أمرها: الآن.
الممثل الروسي إيجور إيفسيف
إذن، فلقد اتخذت المرأة هنا قرارها، ورأت أن مشاعرها تجاه الرجل المُرتبطة
به- سواء كان حبيبا أم زوجا- أهم من معرفتها لما يقوم بإخفائه عنها، أو ما تشك
فيه؛ ومن ثم تكون حياتها معه لأطول فترة مُمكنة أفضل بالنسبة لها من كشفه، وكشف ما
يحاول الاحتفاظ به لنفسه، مما يعني هنا أن مشاعر الحب لدى المرأة كانت أهم من
شكوكها، وهو ما سبق أن أكد عليه المُحقق حينما قال لها جملته: إذا ما كنت تحبين
شخصا بالفعل؛ فدعيه يخفي ما يخفيه. وهو ما يعني أن النبش من خلف من نحبهم من أجل
كشف أسرارهم لا يعني إلا انزواء مشاعر الحب، أو خفوتها تجاه هذا الشخص، بمعنى أن
بداية النبش تعني في جوهرها البحث عن سبب مُقنع للرحيل، أو إنهاء العلاقة التي
تربط بين الشخصين.
ربما لا يفوتنا هنا أسلوبية زفياجينتسيف التي نعهدها في جميع أفلامه، حيث
الإضاءة الخافتة، واستخدام الألوان الشاحبة المائلة باتجاه الثلجية والبرودة،
والرامزة لانتهاء شيء ما، أو موته، فضلا عن أسلوبية التصوير التي تجعل من الكاميرا
كائنا حيا نشعر بوجوده بفضل تعاونه الدائم في كل أفلامه مع المصور الروسي Mikhail
Krichman ميخائيل كريشمان المُرتبط بالمُخرج
بهارمونية فنية خاصة تجعله يعبر عما يرغبه زفياجينتسيف بشكل فيه الكثير من الدقة.
إن براعة المُخرج أندري زفياجينتسيف هنا تتمثل لنا في أنه لم يخرج من عالمه
السينمائي الذي تدور فيه أحداث جميع أفلامه- الطويلة منها والقصيرة- عالم الأسرة
الروسية، وارتباطها المُستقر من عدمه، وبالتالي كان جذبه للمُقدمة الفيلمية إلى
هذا العالم، وهضمها، وإعادة إنتاجها مرة أخرى بشكل لا يمكن لنا أن نتخيله إلا
بارتباطه بالعائلة والأسرة كما رأيناها في الفيلم، من أهم الأدلة على براعة
المُخرج، وامتلاكه لعالم سينمائي، وأسلوبية خاصة يتميز من خلالها على غيره من
المُخرجين، وهو ما يجعله من أهم المُخرجين الروس المُعاصرين، ليس على المستوى
المحلي فقط، بل على المستوى العالمي أيضا باكتسابه لمكانته المُهمة في المشهد
السينمائي العالمي، وحصده للجوائز من المهرجانات العالمية على كل ما قام به من
أفلام.
لعله لا يفوتنا هنا أن زفياجينتسيف راغب تماما في التأكيد على معاني الثقة
وضرورة سيادتها في العلاقات؛ فمن دون هذه الثقة لا بد للعلاقات أن تنهار بالضرورة،
وهو ما رأيناه في مشهد سريع- يبدو لنا تلقائيا، وغير مقصود- حينما رأينا الرجل
الذي يقبل المرأة لأول مرة مع دخوله للكادر؛ فهذا الرجل كان خارجا من حمام المطعم
في الوقت الذي كانت فيه المرأة المُتشككة في زوجها داخلة إلى الحمام من أجل التخلص
من المظروف ومحتوياته، أي أنه كان قد ترك رفيقته وحدها لحين عودته إليها، وسنراه
حينما يقترب منها مُمسكة بهاتفها، مُنشغلة فيه، وقد بدا أنها مُنهمكة في الكتابة
لشخص ما، أو تصفح شيء ما مُهم، لكنها بمُجرد ما تلمح رجلها يقترب منها؛ تغلق
هاتفها لتلقيه في حقيبتها، ورغم أنه قد رأى كل ذلك إلا أنه لم يهتم بالأمر، ولم
يتساءل عما كانت تفعله، أو عمن كانت تُحادثه، بل التصق بها وبدأ في تقبيلها بشكل
فيه الكثير من الرغبة والشغف، والمشاعر.
إن الفيلم الروائي القصير "سر" للمُخرج الروسي أندري زفياجينتسيف
من الأفلام التي تمتلك خصوصيتها ومقدرتها على السيطرة على المُشاهد مُنذ الوهلة
الأولى حتى انتهائها، بسبب جمالية السرد السينمائي، وأسلوبية المُخرج في إدراة
الفيلم، لكن، هل ما سبق لنا أن رأيناه في الفيلم هو ما حدث بالفعل على المستوى
الواقعي؟ بمعنى، هل أتت المرأة بالفعل من أجل مُقابلة المُحقق الذي كلفته بمُراقبة
رجلها، وهل أخذت منه المظروف، وهل دار بينهما هذا الحوار الذي استمعنا إليه، وهل
تخلت عن الاطلاع على المظروف ومحتوياته في نهاية الأمر؟
الممثلة الأوكرانية إيرينا بارينوفا
إن المشهد الثاني من الفيلم الذي رأينا فيه المُحقق في انتظار وصول المرأة
داخل المطعم الفخم، ولقطة تأمله في الصورة التي أخرجها من المظروف، وقطع المُخرج
على الصورة التي في يده، حيث رأيناه هو نفسه في الصورة مُمسكا بها، مُتأملا لها
بينما يجلس إلى نفس المنضدة، وكأنما هناك من التقط له هذه الصورة أثناء جلوسه على
المائدة وتأمله للصورة؛ يجعلنا نتشكك في كل ما سبق لنا أن رأيناه مُنذ لحظات.
فحينما بدأ هذا المشهد كان المُحقق جالسا إلى مائدته، بينما كأسه أمامه،
والمظروف مجاور للكأس على المائدة، وهو ما جعل المُحقق يفتح المظروف لتأمل الصورة
التي في داخله- ربما لرغبته في دفع ملل الانتظار- لكنه أثناء تأمله للصورة يذهب في
إغفاءة طويلة- على الأرجح بسبب السُكر- لا يفيق منها إلا بوصول المرأة التي
أيقظته، لكننا حينما نراه في هذا المشهد- بعدما استيقظ- سنُلاحظ أن المائدة لا
يوجد عليها أمامه سوى الكأس الفارغ فقط، فضلا عن أنه حينما حاول إعطائها المظروف رأينا
يده تمتد إلى الحقيبة المجاورة له على مقعده ليلتقط المظروف الموجود داخل الحقيبة،
وهو ما يتناقض تماما مع ما رأيناه في المشهد السابق- قبل إغفاءته- فبما أنه قد وقع
في هذه الإغفاءة أثناء تأمله للصورة، بينما المظروف على المائدة، وبما أنه لم يفق
من هذه الإغفاءة إلا بوصول المرأة- أي أنها كانت السبب الرئيس في الإفاقة- فمن
الطبيعي أنه حينما يفيق سيجد أمامه الصورة التي كان يتأملها، أو على الأقل سيجد
المظروف أمامه على المائدة، وهذا ما لم نره؛ مما يحعلنا نتشكك في كل الأحداث
التالية على هذه الإغفاءة بأنها لم تحدث في الواقع، بل كانت مُجرد حلم طويل رآه
المُحقق نفسه بمُجرد سقوطه في إغفاءته الطويلة- وهو الحلم الذي شكل لنا العالم
الفني بالكامل للفيلم- إنها نفس الأسلوبية الفنية التي سبق لزفياجينتسيف استخدامها
في فيلمه الروائي الثاني The Banishment النفي
2007م، حينما توجه ألكسندر إلى بيت صديقه روبرت في المدينة بعد موت الزوجة فيرا،
ومن ثم وقع في النوم أثناء انتظاره لروبرت في السيارة أمام منزله.
لكن، سواء كان الفيلم بالكامل مُجرد حلم رآه الرجل المُحقق بعد سُكره، أو
أحداث حدثت بالفعل لامرأة فضلت عشقها لرفيقها على شكوكها فيه، ورغبتها في المعرفة،
مما سيؤدي بالضرورة إلى انهيار العلاقة بينهما؛ فالفيلم يمتلك من الأسلوبية
الفنية، والمهارة، والانتماء إلى عالم المُخرج ما يجعله من أفلامه المُهمة التي لا
يمكن تجاوزها، أو المرور عليها من دون الالتفات إليها رغم قصر الفيلم الذي لم
يتجاوز سبع دقائق فقط.
محمود الغيطاني




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق