الخميس، 26 فبراير 2026

بث إذاعي: المفهوم الاستهلاكي للبشر!

ثمة أهمية تاريخية- لا يمكن لنا التغاضي عنها- للفيلم الروائي القصير Broadcast بث إذاعي للمُخرج والسيناريست اليوناني Theodoros Angelopoulos ثيودوروس أنجيلوبولوس، تأتي هذه الأهمية من الفترة التاريخية والسياسية الصاخبة- في التاريخ اليوناني- التي بدأ فيها أنجيلوبولوس تصوير فيلمه في عام 1966م لينتهي منه عقب الانقلاب العسكري اليوناني المعروف بانقلاب "العقداء"[1] في 1967م[2]، وهو الانقلاب الذي أسس للديكتاتورية العسكرية في اليونان، التي حكمت حتى عام 1974م؛ فأنجيلوبولوس- الدارس للقانون كمُحامٍ في بداية حياته- يحاول هنا التأمل في وضع المُجتمع اليوناني وما آل إليه بسبب الاضطرابات السياسية الضخمة التي عايشها في تلك الفترة، ورغم أن الفيلم لا يتعرض للوضع السياسي المُضطرب من حوله بأي حال من الأحوال، ولا يحاول الإشارة المُباشرة إليه، إلا أنه كان حريصا على الغوص بعيدا وسبر أغوار هذا المُجتمع المُنساق باتجاه الثقافة الغربية، المُستغرق فيها، مُتناسيا ثقافته المحلية، وبالتالي رغب في تقديم أثر هذا الانسياق الهادر باتجاه ثقافة أخرى جديدة ودخيلة أدت- وهي ثقافة استهلاكية في مُجملها- إلى انقلاب في معايير هذا المُجتمع بالكامل، بل وتفريغه، ودفعه باتجاه الشكلانية الصارمة، والعزلة النفسية البالغة كأثر من آثار الانقلاب العسكري وتأثيره على كل شيء.

إن فيلم أنجيلوبولوس المُتهكم هنا، والساخر مما يدور في المُجتمع اليوناني- لا سيما السُخرية من وسائل الإعلام المُسيطر عليها من قبل المجلس العسكري- يحاول إخفاء تهكمه قدر الإمكان بالإشارة من بعيد إلى الوضع العبثي الذي آل إليه المُجتمع اليوناني وأفكاره بالكامل، بالتركيز البيّن على الإحساس العميق بالعزلة والفراغ اللذين انتابا الأشخاص البسطاء في هذا المُجتمع الاستهلاكي الشكلاني المُتبني للثقافة الأمريكية الفارغة، ومن ثم يبدو لنا الفيلم في مُجمل الأمر كبيان اجتماعي ثائر ورافض لما يدور في اليونان في هذه الفترة التاريخية، لكنه بيان ثائر ببطء وتأملية واضحين، غير راغب في الانفجار الثوري، أو الخطابية العالية التي من شأنها إفساد المفهوم الأسلوبي والجمالي للفيلم.

لكن، ثمة أهمية أخرى أكثر جوهرية تتأتى لفيلم أنجيلوبولوس القصير الأول[3]، هذه الأهمية في مُجملها تبدو لنا واضحة بينة في أسلوبية المُخرج الفنية التي نُلاحظ بذورها الأولى في هذا الفيلم، والتي تؤكد لنا على أسلوبيته المُتأملة البطيئة التي سينتهجها فيما بعد على طول مشواره السينمائي في كل ما قدمه من أفلام حتى نهاية حياته، وإذا ما كنا نؤمن بأن الأفلام الأولى تحمل- في الغالب- بذور الأسلوبية التي سيستمر عليها المُخرج في المُستقبل؛ فمن هنا تأتي ضرورة تحليل الأفلام المُبكرة للمُخرجين لضرورتها الفنية ومقدرتها على تقديم الدلائل الضرورية على ما سيكون عليه عالمه الفني فيما بعد.

إن أنجيلوبولوس الدارس- بعد القانون- للأدب والسينما والأنثروبولوجيا في جامعة Sorbonne السوربون[4] في Paris باريس تحت تأثير عالم الأنثروبولوجيا Claude Lévi Strauss كلود ليفي شتراوس[5]، كان من الطبيعي له- ومن الضروري- الميل بعالمه السينمائي إلى تأمل الفرد داخل مُجتمعه، والتركيز على تحولاته الثقافية والاجتماعية وما كانت عليه لينتهي إلى ما آلت إليه في نهاية الأمر، وهو من خلال هذا التأمل قادر على أن يسوق الأسباب التي أدت إلى مثل هذه التحولات القادرة على تشويه الأفراد داخل المُجتمعات، لذا فلقد اتخذ من الكاميرا وحركتها البطيئة المُراقبة، المُتأملة، المُتفحصة، المُتتبعة وسيلة جوهرية باعتبارها أسلوبية فنية تخصه في تحليل المُجتمعات، وسبر أغوارها للوصول إلى النتيجة الراغب فيها. وهذا ليس بالأمر الغريب على أنجيلوبولوس الذي سبق له أن أكد بقوله: "يحتاج العالم إلى السينما الآن أكثر من أي وقت مضى، قد تكون السينما آخر أشكال المقاومة المُهمة للعالم المتدهور الذي نعيش فيه"، مما يعني أنه ليس مُجرد مُخرج سينمائي راغب في تقديم المزيد من الأفلام المُزجية للوقت، بل هو ناقد، ومُحلل اجتماعي، ومُثقف موضوعي يتخذ من السينما وسيلته الأساس لتأمل المُجتمع، والتحذير مما يتجه إليه على المستويين الثقافي والسياسي.


إذن، فأهمية الفيلم الروائي القصير الأول لأنجيلوبولوس هنا تأتي من جانبين أساسيين: أولهما الجانب التاريخي، أو الظروف التاريخية التي تم تصوير وإنتاج الفيلم فيها- لعلاقتها الموضوعية بالعالم الفيلمي- وثانيهما: الجانب الفني الذي يوضح لنا بشكل مُبكر الشكل الفني والأسلوبي الذي سينتهجه المُخرج، ويستمر عليه في عالمه السينمائي فيما بعد.

محاولة المُخرج هنا لتأمل المُجتمع وما يتجه إليه تجعله يحاول التماهي معه وما يدور فيه للوهلة الأولى؛ لذا يبدأ فيلمه بمُوسيقى البوب المُتمثلة في أغنية Black is Black للفرقة المُوسيقية الشهيرة في ذلك الوقت Los Bravos[6]، وهي الأغنية التي نرى أبناء المُجتمع اليوناني يرقصون عليها لاهين عما يدور من حولهم من تحولات ثقافية وسياسية عديدة أدت إلى تفريغ المُجتمع بالكامل من ثقافته الخاصة للاندماج في الثقافة التي بدأت تسود.

لكن، لعلنا نُلاحظ هنا أن بداية الفيلم قد مالت إلى حد كبير إلى المفهوم الوثائقي للسينما- رغم روائيته- لكنه سُرعان ما تحول- بشكل انسيابي وتلقائي- إلى الشكل الروائي البطيء، الهادئ، المُتأمل لكل ما يدور من حوله فيما بعد، ولعل هذا الشكل الوثائقي الأول كان مُناسبا إلى حد بعيد مع الموضوع الفيلمي الذي لجأ إليه المُخرج.

يحاول المُخرج هنا تأمل الطبيعة التلاعبية لإعلام الدولة، ومدى مقدرتها على تشويه وعي المُجتمعات بالكامل، بل ودفعها باتجاه العزلة، والفراغ، والتقزم البالغ على المستوى النفسي، لذا يتناول فريقا إذاعيا يتعاون على تقديم أحد البرامج الشهيرة في الإذاعة بنزول هذا الفريق إلى شوارع أثينا لسؤال المارات من النساء سؤالا جوهريا واحدا عن مفهومهن عن الرجل المثالي، وبناء على إجابات النساء سيتم اختيار الرجل الذي تنطبق عليه هذه الشروط من أجل قضاء أمسية رائعة مع النجمة السينمائية Mirka Kalatzopoulou ميركا كالاتزوبولوس[7].

ربما نُلاحظ هنا أن الموضوع الذي لجأ إليه المُخرج ليكون هو صلب العالم الفيلمي- تلاعب الإعلام وأثره الاجتماعي- قد دفع المُخرج بالضرورة إلى بدايته الوثائقية التي يحاول من خلالها مُتابعة فريق العمل المُنتشر في شوارع أثينا من أجل سؤال النساء عن فكرتهن عن الرجل المثالي؛ لذا فنحن نستمع للوهلة الأولى إلى صوت المُذيع يقول: في الإعلانات التجارية، اعتدنا على القول: اشتري كريم X وستبدو بشرتك ناعمة وشابة، لكنهم يقولون اليوم: اشتري كريم X وستكون سعيدا.

ألا نُلاحظ هنا أن هذه البداية من المُخرج كانت من الأهمية بمكان ما يجعلنا نتوقف أمامها لتأملها قليلا؟

إنه يحاول هنا التوقف هنيهة، ولفت أنظارنا- بمُجرد دخوله لعالمه الفيلمي والانخراط فيه- إلى الآلية الاستهلاكية الجديدة التي يتخذها الإعلام كوسيلة لتسويق العديد من المُنتجات- التي قد تكون غير ذات قيمة- لإضفاء القيمة عليها؛ لذا فاختلاف هذه الآلية من "اشتري كريم X وستبدو بشرتك ناعمة وشابة"- التي تبدو لنا إلى حد بعيد منطقية ومُقنعة- إلى "اشتري كريم X وستكون سعيدا"- المُثيرة بالتأكيد لتساؤل العقل الناقد- تؤكد لنا إلى حد بعيد على طبيعة تلاعبية واضحة في شكل إعلاني؛ فما هو السبب الذي قد يجلب لنا السعادة لمُجرد شرائنا لكريم X؟ إن محاولة ربط المفهوم المادي هنا- كريم X- بالمفهوم المعنوي- السعادة- تكاد تكون مُنبتة الصلة تماما، وثمة بون شاسع بينهما، فلا رابط موضوعي من المُمكن له أن يربط المادي بالمعنوي، ولكن بما أن المُستهلك هنا لا يتأمل في الأشياء، ولا يحاول إعمال عقله، ويأخذ الأمور على عواهنها من خلال الإعلانات المُقدمة إليه، ولثقته بالمُعلن- المُمثل لنا هنا في الإذاعة، أي إعلام الدولة- فهو بالضرورة سيقتنع بأن شراءه لكريم X بالتأكيد سيكون سببا في سعادته!


من هنا، ومن خلال هذا المشهد السريع والعابر في مُقدمة الفيلم يكون أنجيلوبولوس قد نجح إلى حد بعيد في الإمساك بعالمه الفيلمي واقتحامه ليبدأ في النسج على هذا المشهد- الذي قد لا ينتبه إليه المُشاهد غير المُدقق.

إن المُذيع الذي سمعنا منه هذه الجملة السابقة، سُرعان ما نراه في شوارع أثينا يقول بحماسة متوجها للمُستمعين: مراسلو برنامج "وجوه وإيقاعات" لعام 1967م، ميدان Sintagma سينتاجما، الساعة 30: 11، الخميس، أجواء احتفالية، تُقدم لكم برامج الشرق ديسكوتيك من كل أسبوع في نفس هذا التوقيت بإجراء مُقابلات عشوائية، لقد رسمنا صورة الرجل المثالي وفقا للمرأة العصرية، ديسكوتيك وصوت المرأة.

نُلاحظ هنا أن المُخرج حريص- بشكل أقرب إلى الوثائقية إلى حد بعيد- على مُتابعة كاميرته لفريق البرنامج المُنتشر في شوارع أثينا لسؤال الفتيات عن رأيهن، وتفضيلاتهن في الرجل المثالي؛ لذا تسأل إحدى فتيات البرنامج فتاة أخرى بقولها: ما هي فكرتك عن الرجل المثالي؟ لترد الفتاة: الرجل المثالي مفهوم مُطلق، لكن بقدر ما يمكن تحديده، رجل مثالي، أعتقد أنه سيكون الرجل الذي... وسُرعان ما يقطع المُخرج على فتاة أخرى من الفريق تتحدث في الهاتف لأحد أفراد الطاقم في الاستوديو. ثم يلجأ إلى قطع مُونتاجي آخر نرى فيه المُذيع يقول: سيحاول طاقمنا العثور على الرجل الأقرب إلى المثالية من الصورة المكونة من الإجابات، سيكون هو الشخص المحظوظ، الجائزة هي قضاء بعض الوقت مع نجم سينمائي.

لِمَ لجأ أنجيلوبولوس هنا إلى هذه القطعات المُونتاجية المُتتالية من دون محاولة إكمال أي مشهد فيهم؟

إنه حتى لم يحاول التوقف أمام الفتاة التي تتحدث عن وجهة نظرها عن الرجل المثالي، ومن ثم لم نعرف ما أفضت به إلى فريق البرنامج. إن السبب الرئيس في هذه القطعات الحادة الحريصة على حذف المضمون، أي تفريغ المشهد من مضمونه الراغبين في الوصول والاستماع إليه يعود- مما يجعل اللقطات هنا مبتورة مُبتسرة- إلى رغبة المُخرج في انتهاج الأسلوبية الوثائقية التي بدأ بها فيلمه، فهو من خلال كاميرته يحاول مُتابعة الفريق الإذاعي- سواء داخل الاستوديو أو خارجه- مما يعني أنه يقدم لنا هنا مجموعة من اللقطات البانورامية لهذا الفريق، وطريقة عمله بشكل كلي قبل محاولة لجوئه إلى التفاصيل، والكاميرا المُتمهلة، المُتأملة، المُفكرة فيما يدور من حولها. وهو ما يتضح لنا من قطعه على الاستوديو لنرى أحدهم يقول من خلف الميكروفون: قبل قراءة المُقابلة الثالثة أود تذكير مُستمعينا بالبقاء على اتصال ببرنامجنا، لأن الجائزة هي أمسية مع ميركا كالاتزوبولو.

إذن، فالعالم الفيلمي هنا- وللوهلة الأولى- مُستغرق تماما في المفهوم الاستهلاكي المُميز للإعلانات، فضلا عن محاولته التوقف أمام العديد من المفاهيم الخادعة، الجوفاء التي يحاول الإعلام زرعها، وتكريسها في المُجتمع، لتضحى فيما بعد حقيقة واقعة لا يمكن إنكارها رغم كذبها، وتلفيقيتها- إنها المفاهيم التي يحاول فريق البرنامج جاهدا التأكيد عليها بدعوى فكرة الفتيات عن الرجل المثالي رغم انتفاء هذه الفكرة في حد ذاتها، وهشاشتها على المستويين الموضوعي والفكري.

هنا تعود كاميرا المُخرج إلى ميدان سينتاجما مرة أخرى لمُتابعة الفريق الإذاعي، ونستمع إلى إحدى المُذيعات تسأل فتاة أمريكية بالإنجليزية: كيف تجدين الرجل المثالي؟ يجب عليك الإجابة، أتفهمين؟ لترد الفتاة بقولها: الرجل المثالي؟ حسنا، بالطبع يجب أن يكون جذابا، ثريا، يمتلك سيارة فاخرة وقاربا جميلا، ملابس رائعة، حسنا، رجل يوناني في ساحة سينتاجما. لتقطع الكاميرا على فتاة إيطالية تقول: المثالي؟ المظهر والطول، المظهر لا يهم، لكن هذا الرجل، هذا هو Costaud كوستود كما يقولون في فرنسا. وسُرعان ما يقطع على ثالثة فرنسية تقول: أحب الرجل الوسيم بالطبع، لكن الرجل الوسيم ليس كل شيء، أعتقد أن قلبه هو الأهم، يجب أن يكون حساسا ومُتفهما، وأن يمتلك حسا فكاهيا، ويستمتع بنفس الأشياء التي أستمتع بها، هذا هو الرجل المثالي بالنسبة لي.

إن مُتابعة المشاهد المُتلاحقة السابقة- مع استمرار المُخرج على الحفاظ على الشكل الوثائقي في فيلمه- يحمل في جوهره جانبا نقديا بالغا- قد يكون مُؤدلجا، لكنه يتماهى مع الواقع ويصدق عليه- للثقافة الأمريكية الاستهلاكية التي جعلت الفتاة الأمريكية لا ترى في الرجل المثالي سوى الثراء، والمادة، والسيارة الفارهة، والقارب الجميل، أي تحقيق أحلامها المادية فقط- أي مُجرد وسيلة، أو بنك- في مُقابل الفتاة الإيطالية أو الفرنسية اللتين رأت كل منهما في الرجل المثالي المشاعر، والأحاسيس، والتفهم، والمُشاركة، أي أن أنجيلوبولوس هنا رغم انطلاقه من مُنطلق ومفهوم أيديولوجي بحت، مُضاد للثقافة الأمريكية الرأسمالية الاستهلاكية الحريصة على فرض نموذجها على العالم باعتباره النموذج الأمثل، إلا أنه رغم هذه النظرة المُؤدلجة لم يخالف الواقع الذي نعرفه عن هذه الثقافة بأي حال من الأحوال؛ لذا لم تؤثر هذه الأيديولوجية المُسبقة على الجانب الفني من الفيلم، ولم تترك بأي أثر سلبي عليه، كما لم تبد لنا صارخة، أو مُباشرة لتماهيها مع الواقع.


هنا يبدأ أنجيلوبولوس في الانزلاق باتجاه الجانب، أو الشكل الروائي من فيلمه، وهو في انزلاقه إلى هذا الشكل يقدمه بتلقائية سلسة لا تجعل المُشاهد ينتبه إلى تخليه عن جانبه الوثائقي لصالح الجانب الروائي منه حينما نرى المُراسل الوسيم- قام بدوره المُمثل Nico Mastorakis نيكو ماستوراكيس- يجلس إلى زملائه على أحد المقاهي المُطلة على الشارع قائلا بإحباط: الإجابات غير مُرضية، ليس ما توقعناه. ليرد عليه زميله: يمكن أن يكون الرجل المثالي أي شخص- في إشارة من المُخرج إلى أن المفهوم الذي يحاولون التكريس له ليس إلا مفهوما أجوفا لا معنى له، أي أنهم يحاولون صناعة الوهم من خلال الإعلام، وتصديره للآخرين ليؤمنوا به!

تبدأ الكاميرا في التجول بحرية، مُنطلقة من وجه المُراسل الوسيم المُتلفت حوله، لتدور من حوله في الشارع، وسُرعان ما تتوقف على وجه أحد العابرين الواقف أمام إشارة المرور مُنتظرا لها، حاملا في إحدى يديه حقيبة ما، وفي اليد الأخرى مجموعة من الأوراق- قام بدوره المُمثل اليوناني Theodoros Katsadramis ثيودوروس كاتسادراميس.

إن تجول الكاميرا لحين وصولها إلى الرجل المُنتظر لفتح إشارة المرور والعبور، كان من الأهمية بمكان ما جعل الفيلم ينطلق باتجاه الروائية التي يرغبها المُخرج، فسُرعان ما تتجمد الصورة على الرجل الواقف لنستمع في الخلفية لصوت أحد المُراسلين في شكل تقريري يقول: سنة الميلاد: 1927م، موظف مدني، أعزب، خصائص أخرى: لا يوجد.

ألا نُلاحظ، هنا، في هذه الطريقة التقريرية شكلا من أشكال التسليع، أي تحويل الإنسان إلى مُجرد سلعة- تماما كالطريقة الإعلانية التي بدأ بها أنجيلوبولوس فيلمه في الإعلان عن الكريم؟- فلقد تحول المواطن الواقف هنا في إشارة المرور- بالنسبة إلى المُراسل- إلى مُجرد شيء/ سلعة سينجح من خلال استخدامها في تمرير برنامجه، والفكرة الكاذبة، الراغبين في تصديرها للجمهور- أي الرجل المثالي!

لذا يسرع باتجاهه المُراسلون ليتفقوا معه على اللقاء بعد انتهائه من عمله، حيث يعود المُراسل الوسيم إلى زميلته الجالسة على المقهى ليقول لها: اسمعي لينا، أسرعي، يعمل في مكتب، وهو في استراحة.

إذن، فلقد وجد الفريق الإذاعي ضالتهم التي سيحاولون باستخدامها إقناع المُستمعين بفكرة الرجل المثالي، بل وتقديم المُكافأة المُنتظرة له- قضاء أمسية هادئة مع المُمثلة الشهيرة ميركا كالاتزوبولو.

هنا تتابع الكاميرا "الرجل المثالي" الذي يعود إلى عمله كموظف، لنراه مُنهمكا فيه حتى تحين ساعة انصرافه، ليقطع المُخرج عليه سائرا في شوارع أثينا بعد انتهاء عمله، حاملا لحقيبته في يده، وسُرعان ما نراه في القطع التالي ما زال سائرا في الشوارع حاملا لحقيبته في يد، بينما اليد الأخرى مشغولة ببطيخة كان قد اشتراها، لنراه مُتجها إلى المقهى الجالس عليه فريق الإذاعيين مُنتظرين إياه ليصطحبونه في سيارتهم.


 بعد إقناع فريق العمل للموظف بفكرتهم، وبأنهم قد وقع اختيارهم عليه باعتباره "الرجل المثالي" الذي يستحق الأمسية مع المُمثلة الشهيرة، نراه يهبط من السيارة مُتجها إلى بيته للاستعداد لأمسيته الموعودة، ولعلنا نُلاحظ هنا مُتابعة الكاميرا له بصبر وأناة أثناء سيره باتجاه منزله، وقد هبط من سيارة المُراسلين ليتأمل بين الفينة والأخرى غلاف إحدى المجلات التي أخذها منهم، والتي نرى على غلافها تلك المُمثلة الشهيرة التي سيلتقيها، وقد لاحت على وجهه ابتسامة سعادة، مما يعني سحب فريق المُراسلين- المروجين للعالم الاستهلاكي في شكله المُجرد- للموظف البسيط من عالمه الأكثر بساطة، إلى وهم الاستهلاكية المُزيف الذي سيدمر استقراره النفسي تماما، ويتركه مُجرد قزم أمام نفسه!

إن سمات السينما البطيئة بتأمليتها المعروفة عنها، ومقدرتها على الصبر الطويل أمام مجموعة من الأفعال التي قد تبدو للوهلة الأولى لا قيمة لها، ولا معنى، تتبدى لنا هنا جلية حينما تتابع الكاميرا باهتمام للموظف بعد عودته إلى بيته المتواضع المُزدحم بالكثير من البشر الذين قد يكونوا أسرته، وقد يكونوا شركاء له في المسكن الذي بدا لنا كنُزل متواضع؛ فلقد حرص أنجيلوبولوس على تجهيل يقيننا بصلة هؤلاء البشر ببعضهم البعض- ليفتح الباب على كافة الاحتمالات المُمكنة- وإن كان قد حرص في المُقابل على تصوير البيئة التي يعيش فيها وقد بدت لنا فقيرة إلى حد بعيد، تكاد أن تكون مُنعزلة عن العالم وما يدور فيه- أي بيئة حاملة لهمومها الخاصة، والمُنغلقة على ذاتها- لذا فالكاميرا تظل شاخصة فيه، مُتأملة، حريصة على نقل أقل حركة من المُمكن لها أن تبدر منه، فنراه يتناول طعامه صامتا، مُفكرا فيما هو مُقدم عليه، ويبدأ في تجهيز أفضل بدلة لديه، ليقوم بحلاقة ذقنه، وارتداء ملابسه، وكرافتته، ويحرص على تلميع حذائه ليسرع هابطا، بينما الكاميرا تتابعه في شوارع أثينا التي يظل سائرا فيها لفترة طويلة، فنرى الشوارع المُتكسرة المُتربة، كما نلحظ إعراضه عن ركوب الحافلة- ربما لضيق ذات اليد الراغب المُخرج هنا في التعبير عنه- حتى يصل إلى فيلا المُمثلة الفخمة الكائنة أمام البحر.

إن سمات السينما البطيئة التي اختار ثيودوروس أنجيلوبولوس أن يكون من أهم مُخرجيها فيما بعد تتمثل لنا في هذا المشهد المُهم الذي رأينا فيه الكاميرا تتتبع "الرجل المثالي" مُتلصصة عليه بصبر وأناة، مُتأملة لشكل شوارع أثينا المُتسكع فيها لحين وصوله إلى فيلا المُمثلة الشهيرة، وهو المشهد الطويل المُستمر لمُدة ثلاث دقائق كاملة من الزمن الفيلمي البالغ 22 دقيقة هو زمن الفيلم بالكامل، أي أن السمات الفنية التي سيُعرف بها المُخرج فيما بعد كانت واضحة بينة بشكل مُبكر مع فيلمه الروائي القصير الأول، مما يؤكد لنا على الفكرة التي تفيد بأن سمات كل فنان تبدو واضحة جلية على عالمه الفني للوهلة الأولى، صحيح أنها قد تبدو بدائية متواضعة في البداية، لكنه مع الوقت يعمل على تجويدها، وصقلها حتى يصل بها إلى شكلها الفني الكامل، والأكثر نضجا.

بمُجرد ما يدق "الرجل المثالي" جرس الفيلا؛ تفتح له مُديرة المنزل التي تصطحبه بصمت داخل المكان الفاخر موجهة إياه. لتبدأ كاميرا أنجيلوبولوس في اكتساب ميزاتها التأملية مرة أخرى- فالكاميرا في السينما البطيئة غالبا ما تبدو لنا ككائن حي، قادر على التأمل، والتفكير، والشعور بما يشعر به الآخرون، بل وتكوين وجهة النظر الخاصة بها أيضا- لذا نرى الكاميرا بمُجرد دخوله للفيلا مُتأملة لكل ما حولها، تلتفت في كافة الاتجاهات للتعرف على المكان الفاخر الذي دخلته مُصاحبة له لتصعد معه إلى الطابق العلوي خلف مُديرة المنزل التي طلبت منه الجلوس في غرفة الضيافة والانتظار.


ربما لاحظنا هنا أن "الرجل المثالي" حينما وصل إلى الفيلا الفاخرة التي تمتلكها المُمثلة الشهيرة، كان قد وصل والشمس ما زالت مُشرقة، والسماء لم تزل ساطعة، لكن مع قطع المُخرج على المشهد التالي سنُلاحظ أنه يقطع على الشارع الخارجي لنرى السيارات تسير تحت ضوء أعمدة الإنارة التي أضاءت، بينما السماء قد أظلمت، أي أن "الرجل المثالي" هنا قد ظل مُنتظرا للمُمثلة الشهيرة ما يُقارب من مُنتصف النهار، ولم يسأل عنه أحد، حتى أن مُديرة المنزل لم تحاول إلقاء نظرة عليه، أو حتى إضاءة الغرفة حينما أظلمت السماء، وهو ما ندركه في القطع التالي حينما يعود المُخرج إليه مرة أخرى لنراه مُنتظرا للمُمثلة، ما زال جالسا في مكانه وقد أظلمت الغرفة تماما من حوله!

إن إهمال "الرجل المثالي" هنا، وتركه وحيدا في ظلمة الغرفة يُعد بمثابة تجريده الأوليّ من إنسانيته، ونزع كرامته، والعمل على تضخيم شعور الضآلة فيه، ورغم أن هذا السلوك قد يبدو لنا للوهلة الأولى، ومن الناحية الشكلانية غير مقصود لا من مُدبرة المنزل، ولا من المُمثلة التي كانت في الخارج مع أصدقائها، إلا أنه في مفهومه الضمني والجوهري يبدو لنا مُمنهجا تماما؛ "فالرجل المثالي" وأمسيته الموعودة مع المُمثلة الشهيرة لا يعنيانها في جوهر الأمر، وربما لا تتذكرهما، فالأمر بالكامل لا يتعدى مُجرد دعاية واتفاق مع الإذاعة يستفيد منه الطرفان- المُمثلة بالمزيد من الدعاية لها، والإذاعة باكتساب المزيد من المُستمعين، والتكريس للفكرة الوهمية التي تحاول التكريس لها- بينما الطرف الثالث/ الرجل المثالي هو من تُسلب منه إنسانيته، وكرامته، ويزداد شعوره العارم بالوحدة والفراغ رغم وجوده بين مجموعة كبيرة من البشر، أي تفريغ البشر من إنسانيتهم ليصبحوا محض خواء- وهي الفكرة الجوهرية للرأسمالية التي تتبناها الآلة الإعلامية، فضلا عن المجلس العسكري اليوناني المُتحكم في كافة مُقدرات الأمر في اليونان، لا سيما الإعلام.


تصل النجمة السينمائية الشهيرة ميركا كالاتزوبولو إلى فيلتها في صحبة الفريق الإذاعي الخاص بالبرنامج ليضيئوا الأنوار، ويبدأون في الثرثرة مع بعضهم البعض، ونستمع إلى أحدهم يقول: رقصت مع فيكي. فيسأله أحدهم: على أي أغنية؟ ليرد: أغنية أمريكية.

لاحظ هنا تركيز أنجيلوبولوس على الثقافة الأمريكية الاستهلاكية التي بدأت بفرض نفسها على العالم في تلك الفترة الزمنية، ومقدرتها على سلب إنسانية الكثيرين لتتركهم خواء، فارغين من أحلامهم، وطموحاتهم، وخيالهم باتجاه حياة أفضل.

إنها ثقافة أنجيلوبولوس الشيوعية التي لم ينكرها، أو يحاول التنصل منها يوما في مُقابل ثقافة رأسمالية استهلاكية نجحت في تحويل الإنسان إلى مُجرد ترس في آلة عملاقة، وسلبه لإنسانيته التي كان يتمتع بها ليخضع لآليات البروباجاندا الرأسمالية الفارغة التي أكدت لنا في بداية الفيلم على أن شراء كريم X من شأنه أن يُكسب الإنسان السعادة، أي الوهم الذي لا معنى له!

بمُجرد دخول المُمثلة الشهيرة وفريق العمل الإذاعي إلى الغرفة المُنتظر فيها "الرجل المثالي" نراه ينهض واقفا، لكنه لا ينتبه إليه أي ممن دخلوا الغرفة، كأنه محض سراب لا وجود له بينهم، لذا نراهم يتحدثون مع بعضهم البعض، ليقترح كل منهم كيفية ترتيب الغرفة وأثاثها، ورغم أنهم يتحركون في الغرفة كخلية نحل نشطة في تبديل أماكن الأرائك إلا أنهم لم ينتبهوا لوجوده بينهم، بينما ظل هو في وسط الغرفة مُتلفتا حوله، مُتابعا لهم، شاعرا بالكثير من الحيرة، والمزيد من التقزم الذي يسيطر عليه لحظة بعد الأخرى.

إن أنجيلوبولوس هنا يحاول التعبير ببراعة عن كيفية سلب الإنسان لإنسانيته، سحقه، تقزيمه تماما على المستوى النفسي، أي أن الفريق الإذاعي المحاول الترويج والتكريس لفكرة وهمية قد نجح في سحق هذا الرجل البسيط بسحبه من عالمه البالغ التواضع إلى عالم استهلاكي زائف براق من الخارج؛ وبالتالي تحول إلى "الرجل الدمية" بدلا من أن يكون "الرجل المثالي"، أي أنه مُجرد أداة يتم استخدامها والتخلص منها فيما بعد!

لذا نرى أحد أفراد الفريق يستدعي مُدبرة المنزل، طالبا منها زجاجة ماء، وأكواب فستق، وبينما تتحدث المُمثلة الشهيرة في الهاتف، مُنشغلة عما يدور من حولها، غير مُهتمة به، نرى أحد أفراد الفريق يوجه "الرجل المثالي" بتعليماته الفاترة بقوله: اجلس. ثم يقول غير راضٍ: المزيد باتجاه اليسار. لتتدخل إحدى عضوات الفريق بقولها: جيد، أقرب إليّ، قف، اجلس في مُنتصف الأريكة، الجسم في هذا الاتجاه، انظر هناك، لا، اليد هناك، وهذه هنا، اخفض رأسك قليلا.

هذا المشهد الجوهري في السياق الفيلمي بالكامل يُدلل ببراعة سلسة عن كيفية تحويل المرء إلى دمية في يد الآلة الإعلامية الاستهلاكية؛ فالأمسية الموعود بها الرجل المثالي هنا لم تكن أمسية بالفعل، بل كانت كذبة جديدة من كذبات وسائل الإعلام التي يوهمون فيها الجمهور بأن الرجل قد قضى أمسية رائعة مع النجمة السينمائية الشهيرة، في حين أن النجمة غير مُهتمة بأي شيء، بل تكاد تكون غير موجودة، بينما فريق البرنامج الإذاعي يحاولون توجيه الرجل بإرشاداتهم- باعتباره مُجرد أدة- ليقوموا بتصويره والادعاء بأنه كان مع المُمثلة الشهيرة سعيدا في أمسيتهما!

المُخرج اليوناني ثيودوروس أنجيلوبولوس

بعد توجيه الفريق للرجل إلى كيفية الجلوس، والوضعية التي يريدونه عليها- حيث نراه جالسا في مُنتصف الأريكة، وقد خلع سترته، بينما مد إحدى يديه للأمام لتضع إحدى فتيات الفريق كأسا به مشروب في يده المُمتدة، وفي اليد الأخرى سيجارا مُشتعلا- يبدأ الفريق الإذاعي بالكامل بالتقاط العديد من الصور له باعتبارها صور أمسيته الرائعة مع المُمثلة الشهيرة؛ لذا نستمع لأحد أفراد الفريق يقول ضاحكا: هذا هو كوستود، كما يقولون في فرنسا- كتعليق ساخر على تصريح الفتاة الإيطالية السابقة، ورأيها في الرجل المثالي.

هنا يقطع أنجيلوبولوس على الفريق الإذاعي مع "الرجل المثالي" في الاستوديو، لنراه واقفا أمام الميكروفون مُمكسا باسكريبت في يده ليقرأ منه قائلا: بفضل البرنامج أخيرا... لكن صوتا ما غاضبا يتعالى فجأة مُقاطعا إياه بقوله: Cut.

يتوقف "الرجل المثالي" عن القراءة مُرتبكا، غير مُدرك للخطأ الذي وقع فيه وأدى إلى هذا الصوت الغاضب؛ ليتجه إليه أحدهم مُرشدا بقوله: عليك قولها بثقة أكبر، المزيد من السيطرة. ليقول "الرجل المثالي" راضخا: أود أن أشكر البرنامج على منحي لهذه الفرصة لقضاء بعض الوقت الرائع مع ميركا كالاتزوبولو، أعتقد أنني كنت محظوظا جدا.

لكن، هل كان "الرجل المثالي" هنا محظوظا بالفعل كما قال؟

مما يبدو لنا، ومن خلال ما رأيناه؛ فالرجل المثالي هنا قد تم سلبه لإنسانيته بالكامل، تم سحقه، ودهس كرامته لصالح الآلة الإعلامية الكاذبة، البالغة الادعاء، تم القضاء على سلامه النفسي الذي كان يعيش فيه- حتى لو كان فقيرا- فهو بسحبه من عالمه البسيط- الذي لم يكن يعرف فيه سوى ما يدور في يومه- إلى العالمين الإعلامي والسينمائي الزائفين بشكلانيتهما المُبهرة، وفراغهما الذي لا معنى له لن يستطيع العودة مرة أخرى إلى السلام النفسي السابق، فضلا عن شعوره العارم بالتقزم أمام ما حدث له، وأمام ما رآه. وهو ما يرغب أنجيلوبولوس في التأكيد عليه حينما يستمر في فيلمه؛ فبمُجرد ما قال "الرجل المثالي" الجملة المكتوبة في الاسكريبت أمام الميكروفون الإذاعي؛ يبدأ الفريق في التصفيق، ليتناول أحد المُذيعين طرف الحديث في الميكروفون بقوله: شكرا لكم على الاستماع لبرنامجنا بكلمات الشخص المحظوظ لهذا الأسبوع، سننهي البرنامج مُتمنين أن تكونوا قد استمتعتم، وسنلتقي مُجددا يوم الجمعة القادم.

إن قضية الادعاء الإعلامي وزيفه الاستهلاكي- التي يرغب المُخرج هنا في التعبير عنها- ومقدرتها على القضاء على حيوات الآخرين بسحقها، وربما مسحها تماما تتبدى لنا بشكل أعمق، بالغ الأسلوبية هنا حيث تبدأ الكاميرا- بحركتها البطيئة المُتمهلة المُتأملة، المُراقبة لكل ما يدور من حولها- في الدوران داخل الاستوديو، مُتابعة لجميع من فيه؛ فنرى بعضهم يستعدون للانصراف مُبتهجين بما حققوه من نجاح للبرنامج، بينما نرى الآخرين مُنشغلين مع بعضهم البعض في أحاديث جانبية تسودها البهجة، لتنتقل عين الكاميرا المُتابعة إلى مُسجل الصوت ضخم الجثة ببطنه المُنتفخة، ليدخل إلى غرفة الصوت أحد الصبية مُقدما له ساندويتشا، وكوبا من الماء، ليبدأ في التهامه مُنشغلا، بينما "الرجل المثالي" ما زال واقفا أمام الميكروفون، مُتلفتا حوله في حيرة، غير قادر على اتخاذ أي قرار، أو معرفة ما يجب عليه فعله؛ فلم يرشده أحد عما يجب عليه أن يقوم به بعد إلقاء كلماته البسيطة.

لكن، بمُجرد فراغ الاستوديو بالكامل من الجميع إلا "الرجل المثالي" الذي ما زال واقفا وحيدا أمام الميكروفون حائرا، تبدأ الكاميرا في التحديق فيه ساكنة، بينما تتعالى مرة أخرى أغنية Black is Black، ولعلنا لاحظنا هنا أن الكاميرا تتعمد الوقوف على مسافة كافية من "الرجل"، وفي زاوية جانبية تبدو لنا تلصصية بالكامل، وكأنها تراقبه خفية، مما يجعله يبدو لنا في عمق الكادر بشكل مُتقزم تماما، أي تضخيم الفراغ من حوله لتبدو كتلته الجسدية بالنسبة إليه تافهة لا قيمة لها- تناسب الشكل مع المضمون- لذا نراه وحيدا، قد تم تناسي وجوده، ملتفتا حوله في حيرة، مُتأملا للفراغ- الذي امتلأت به روحه- لتبدأ الكاميرا في الاقتراب المُتمهل منه رويدا.

الممثل اليوناني ثيودوروس كاتسادراميس

هنا يقطع أنجيلوبولوس على نفس فريق البرنامج الإذاعي مرة أخرى في شوارع أثينا، ليعيد لنا الكرة مرة أخرى، وينطلق سؤال المُراسل لإحدى السيدات: ما هي فكرتك عن الرجل المثالي؟ لترد الفتاة حائرة: لا، أعني، أعني، ربما لا يمكن الإجابة عليه، صحيح، لا أعرف. ويقوم المُخرج بإغلاق فيلمه.

إن الفيلم اليوناني الروائي القصير Broadcast بث إذاعي للمُخرج Theodoros Angelopoulos ثيودوروس أنجيلوبولوس يأتي باعتباره من أهم أفلام المُخرج في مسيرته السينمائية، ليس لأنه أنضجها فنيا، بل لأنه كان بمثابة الجينات الوراثية الحقيقية المُميزة لمُخرج من أهم رواد تيار Slow Cinema السينما البطيئة من حول العالم، فمن خلال هذا الفيلم استطعنا التعرف على السمات الفنية والأسلوبية الأولى التي عكف أنجيلوبولوس فيما بعد على تجويدها، والوصول بها إلى درجة الكمال الفني الذي سنشاهده في أفلامه التالية، كما أنه يبرهن لنا على أن أنجيلوبولوس من المُخرجين أصحاب القضايا الكبرى الذين يتخذون من السينما وسيلة لعرض أفكارهم، وقضاياهم، ومُعتقداتهم، فهي- من وجهة نظره- وسيلة ضرورية، لا غنى عنها من أجل تقويم المُجتمعات، وإرشادها، ومحاولة إصلاحها، مثله في ذلك مثل العديد من رواد هذا الشكل من السينما- لا سيما أن أنجيلوبولوس من المُخرجين المُشبعين بالأيديولوجية الشيوعية، المُنخرط بكليته في التغيرات الاجتماعية والسياسية الحادثة في المُجتمع اليوناني، مما جعله- فيما بعد- كثيرا ما يلجأ للثقافة اليونانية القديمة وتراثها للمُقارنة في أفلامه بين الماضي والحاضر الشائه، أي أن السينما هنا بالنسبة إليه هي وسيلة موضوعية ضرورية من أجل التعبير عن المُجتمعات ومحاولة تغييرها، وهو ما لم يفته في هذا الفيلم حينما عبر عن زيف الآلة الإعلامية التي تسيطر عليها الدولة، ومقدرتها على إفساد الجميع، بل والإيغال في إشعار الفرد داخل المُجتمع بالمزيد من العزلة، والفراغ الكامل المُحيط به.

 


محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".

عدد فبراير 2026م.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] The Greek Junta المجلس العسكري اليوناني، أو Regime of the Colonels نظام العقداء، كان مجلسا عسكريا يمينيا حكم اليونان من عام 1967م حتى عام 1974م. ففي 21 إبريل 1967م أطاحت مجموعة من العقداء بحكومة تصريف الأعمال قبل شهر واحد من الانتخابات المُقررة التي كان من المُرجح أن يفوز بها Centre Union اتحاد الوسط بزعامة Georgios Papandreou جورجيوس باباندريو، وقد اتسمت ديكتاتورية هذا النظام بسياسات المُعاداة للشيوعية، وتقييد الحريات المدنية، وسجن وتعذيب ونفي المُعارضين السياسيين. حكم Georgios Papadopoulos جورجيوس بابادوبولوس من عام 1967م حتى عام 1973م، إلا أن محاولة بابادوبولوس لتجديد الدعم الشعبي في استفتاء 1973م على النظام الملكي والتحول الديمقراطي التدريجي أُجهضت بانقلاب آخر، قاده المُتشدد Dimitrios Loannidis ديميتريوس يوانيديس. وقد استمر حُكم يوانيديس حتى سقوط النظام في 24 يوليو 1974م تحت ضغط الغزو التركي لقبرص، مما أدى إلى ما يُعرف بـMetapolitefsi ميتابوليتيفسي، أي تغيير النظام نحو الديمقراطية وتأسيس الجمهورية اليونانية الثالثة.

[2] تم عرض الفيلم جماهيريا عام 1968م.

[3] اشترك المُخرج اليوناني Theodoros Angelopoulos ثيودوروس أنجيلوبولوس مع المُخرج اليوناني Kostas Lyhnaras كوستاس لينار عام 1965م في إخراج الفيلم الروائي الطويل Peripeteies me tous Forminx مُغامرات مع الفورمينكس، ورغم ذلك فهذا الفيلم المُشترك الأول يُسقط دائما من قائمة أعمال أنجيلوبولوس، ويُعد فيلمه الروائي القصير Broadcast بث إذاعي 1968م هو الفيلم الأول بشكل رسمي في كافة الفيلموجرافيات المذكورة عنه.

[4] Sorbonne University هي جامعة بحثية عامة تقع في Paris, France باربس، فرنسا. يعود تاريخها إلى العصور الوسطى، وتحديدا عام 1257م عندما أسس Robert de Sorbon روبرت دي سوربون كلية السوربون ككلية تابعة لجامعة باريس، إحدى أوائل الجامعات في أوروبا، وقد تشكلت بشكلها الحالي عام 2018م باندماج جامعة Paris- Sorbonne University باريس- سوروبون (باريس 4) وجامعة Université Pierre et Marie Curie بيير وماري كوري (باريس 6)، وتُعد جامعة السوربون من أكثر الجامعات رواجا بين الطلاب والباحثين من فرنسا، وأوروبا، والدول الناطقة بالفرنسية، ومن أبرز إنجازاتها Marie Sklodowska- Curie ماري سكلودوفسكا- كوري التي قدمت من بولندا عام 1891م، وانضمت إلى كلية العلوم بجامعة باريس، وكانت أول امرأة تصبح أستاذة في السوربون. وتُعتبر ماري كوري وزوجها Pierre Curie بيير كوري مُؤسسي كلية العلوم والهندسة الحديثة في جامعة السوربون. وحتى عام 2021م حصد خريجوها وأساتذتها على 33 جائزة Nobel Prize نوبل، وست ميداليات Fields فيلدز، وجائزة Turing Award تورينج واحدة.

[5] Claude Lévi Strauss كلود ليفي شتراوس، من مواليد 28 نوفمبر 1908م، وتوفي في 30 أكتوبر 2009م. كان عالم أنثروبولوجيا وإثنولوجيا فرنسيا من أصل بلجيكي، وكان لعمله دور محوري في تطوير نظريات البنيوية والأنثروبولوجيا البنيوية، كما شغل كرسي الأنثروبولوجيا الاجتماعية في Collège de France كوليج دو فرانس بين عامي 1959م حتى عام 1982م، وانتُخب عضوا في Académie Française الأكاديمية الفرنسية عام 1973م، وكان عضوا في مدرسة الدراسات المُتقدمة في العلوم الاجتماعية في باريس، وقد نال العديد من الأوسمة من جامعات ومُؤسسات في جميع أنحاء العالم. وقد جادل ليفي شتراوس بأن العقل "الوحشي" يمتلك نفس بنية العقل "المُتحضر"، وأن الخصائص الإنسانية مُتطابقة في كل مكان، وقد نُوجت هذه المُلاحظات بكتابه الشهير Tristes Tropiques المدارات الحزينة 1955م الذي رسخ مكانته كأحد الشخصيات المحورية في المدرسة البنيوية، وإلى جانب علم الاجتماع امتدت أفكاره لتشمل العديد من مجالات العلوم الإنسانية بما في ذلك الفلسفة، وقد عُرفت البنيوية بأنها "البحث عن أنماط التفكير الكامنة في جميع أشكال النشاط البشري"، وقد فاز بجائزة International Nonino Prize نونينو الدولية عام 1986م في Italy إيطاليا.

[6] Los Bravos لوس برافوس، كانت فرقة لوس برافوس فرقة مُوسيقية إسبانية تأسست عام 1965م، ومقرها Madrid مدريد. اشتهرت بأغنيتها الأولى Black is Black التي وصلت إلى المركز الثاني في United Kingdom المملكة المُتحدة في يوليو 1966م، والمركز الرابع في الولايات المُتحدة، وباعت أكثر من مليون نسخة من حول العالم.

[7] Mirka Kalatzopoulou ميركا كالاتزبولو، من مواليد 5 سبتمبر 1945م في Athens أثينا، وهي مُمثلة يونانية كانت تُعد من الأطفال المُعجزة في العصر الذهبي للسينما اليونانية. بدأت ميركا دروس الرقص الكلاسيكي في سن مُبكرة جدا، وفي مُنتصف الخمسينيات بدأت التمثيل في مسرح الأطفال مع شقيقها Yiannis يانيس، وقد ظهرت لأول مرة في السينما عام 1955م في سن التاسعة من خلال الفيلم العاطفي The Duchess of Placentia "دوقة بلاسينتيا" للمُخرجة Maria Plyta ماريا بليتا، وكان أول دور بطولة لها في فيلم Erotic Games "الألعاب المُثيرة" عام 1960م للمُخرج Giorgos Theodosiadis جورجوس ثيودوسياديس، ومن بين أدوارها المُهمة الأخرى في الستينيات مُشاركتها في أفلام The Descent "النزول" للمُخرج Yiannis Dalianidis يانيس داليانيديس، و"العريس الأحمق" The Foolish Groom للمُخرج Kostas Karagiannis كوستاس كاراجيانيس. في عام 1967م- بعد زواجها من رجل الأعمال Carl Epser كارل إبسر- غادرت إلى الولايات المُتحدة الأمريكية، وبدأت بالظهور على التليفزيون الأمريكي، والمُشاركة في برامج متنوعة، وفي الوقت نفسه بدأت بتلقي دروس في التمثيل في Columbia School مدرسة كولومبيا، بالإضافة إلى دروس في إدارة الأعمال في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. في عام 1978م عادت كالاتزبولو إلى اليونان، وبدأت المُشاركة في العروض في المسرح الوطني، وفي عام 1980م عادت للظهور مُجددا في السينما من خلال فيلم The Man with the Carnation "الرجل ذو القرنفل" للمُخرج Nikos Tzimas نيكوس تزيماس، وفي عام 1986م شاركت في فيلم Caravan Sarai "كارافان ساراي" للمُخرج Tasos Psarras تاسوس بساراس، ونالت جائزة عن أدائها، وكان آخر ظهور لها في السينما في فيلم Gaza of Ulysses "نظرة أوديسيوس" 1995م للمُخرج Theodoros Angelopoulos ثيودوروس أنجيلوبولوس.

الأحد، 15 فبراير 2026

بيتي بين الأموات: الفكرة المُجردة وخنق العالم الإبداعي!

من أين تأتي براعة الكاتب السردية؟ وما الذي يجعل كاتبا أكثر مهارة وتميزا في صياغة النص الإبداعي وإحكامه على نظرائه من الكتاب الآخرين؟ وأين يكمن وجه الاختلاف بين سارد وآخر يتناول كل منهما فكرة واحدة، لكن أحدهما يستطيع الارتفاع بها إلى آفاق إبداعية رحبة بالغة السلاسة في مُقابل آخر يميل بها باتجاه الجفاف، والذهنية، مما يُشعر القارئ بالفتور وبالرغبة في الانصراف عن إكمال قراءة النص السردي؟ وما الذي قد يجعل نصا سرديا بالغ الرحابة والاتساع في مُقابل نص آخر شديد الضيق والاختناق حتى أنه قد يؤدي إلى شعور مُتلقيه بدوره بهذا الاختناق؟

مثل هذه الأسئلة وغيرها الكثير هي ما شكلت حالتنا النفسية أثناء قراءة نوفيلا[1] "بيتي بين الأموات" للقاص السوداني محمد سليمان الفكي الشاذلي، حتى أنها ظلت تُترى على ذهننا طوال فترة القراءة، بل واستمرت معنا بعد الانتهاء منها.

إن براعة أي سارد لنصه الإبداعي تتأتى، في جوهر الأمر، من التجربة، والتجربة هنا ليس المقصود بها التجربة الحياتية في شكلها الواقعي، أي بمُمارستها ومُعايشتها، بل تتأتى من التجربة في شكليها- سواء المُكتسب من القراءة وتحصيل المعرفة، أو مُعايشتها على أرض الواقع- فالمُهم هنا هو كيفية صهر هذه التجربة- بأي شكل من شكليها- وإعادة تشكيلها، وصياغتها في عالم سردي مُقنع، وجمالي قادر على إكسابها لفرادتها، وحيويتها، وديناميكيتها القادرة على إقناع مُتلقيها بها، بل والاستمتاع بها- وهو الهدف الأساس للعملية السردية.

لكن، أن يعتمد السارد هنا على الفكرة المُجردة فقط- مُنطلقا منها باعتبارها محور العالم السردي، محاولا النسج عليها، وإكسابها حياتها الخاصة من دون مُعايشتها بشكل يتيح له جعلها تجربة ديناميكية تمتلك روحها المُنطلقة، القادرة على سلب القارئ من حياته الخاصة، واندماجه في العالم القصصي- فهو من قبيل تجريد العالم السردي، وإكسابه من الجفاف واللامعنى- أو وجود المعنى داخل ذهن سارده فقط- ما يجعل قارئه مُنصرفا عنه، غير راغب في إكماله، أو حتى مُجرد التعاطي معه- أي موت العالم السردي وسكونه، وجفافه لصالح الفكرة المُجردة التي تتعارض مع التجرية الحياتية بحيويتها المُميزة لها.

موت العالم الذي ذهبنا إليه في هذه الحالة من شأنه دفع السارد إلى اصطناع المواقف الحدثية داخل القصة من أجل محاولة تحريك الحدث القصصي وإكسابه شيئا من الحيوية، ورغم أن الحدث هنا قد يتحرك إلى حد ما مع الموقف المُصطنع، لكنها تكون حركة من قبيل ليّ عنق النص، ومحاولة الدفع به إلى الأمام بثقل بيّن خالٍ من الفنية، أي حركة شكلانية، لا جوهر، ولا روح فيها؛ مما يؤدي إلى عدم تعاطي المُتلقي مع النص، وبالتالي الشعور بالفتور والرغبة في الانصراف عنه.

إذن، فالنص الإبداعي في جوهره ليس مُجرد فكرة جميلة قد تبزغ في ذهن السارد، وبما أنه يشعر بالإعجاب تجاهها فمن الضروري أن يلجأ إلى تحويلها إلى نص أدبي لمُجرد هذا الإعجاب؛ فالأفكار من حولنا بالملايين، وليست كل فكرة جميلة صالحة للسرد الفني لمُجرد جمالها المُجرد في ذاتها، والعملية السردية في الحقيقة أكثر تعقيدا، وتشابكا من هذه البساطة التي قد يفكر بها بعض الساردين، أي أنه في حاجة ضرورية لمُعايشة هذه الفكرة أولا، والمزيد من الخيال المُنطلق الموازي للفكرة ثانيا، ثم العمل على صهر هذه الفكرة مع الخيال من أجل صياغة عالم إبداعي جديد، ومُفارق قادر على خلق ديناميكيته من داخله، غير مُعتمد على اختلاق المواقف الحدثية، أو نحتها بصعوبة تبتعد بها عن التلقائية والسلاسة اللتين لا غنى عنهما من أجل إنشاء عالم سردي جديد.

سلب العالم القصصي من سلاسته وانسيابيته السردية هو ما نُلاحظه في قصة "بيتي بين الأموات"، فرغم أن الكاتب يبدأ عالمه الفني بسلاسة وانسيابية بالغتين مصحوبتين بلغة ثرية في دلالاتها وإحالاتها مما يحرك خيال المُتلقي ومقدرته على رؤية ما يقرأه في ذهنه وكأنه يدور أمام عينيه، إلا أننا سنُلاحظ أن القاص لم ينجح في الحفاظ على هذه الوتيرة السردية البالغة الثراء؛ مما أوقع النص السردي في الجفاف، والابتعاد به عن السرد القصصي إلى التفكير المُجرد الذي يتناسب مع حقول ثقافية ومعرفية ودلالية أخرى لا علاقة لها بفن القصة. ولنتأمل الفقرة السردية الأولى من قصته للتدليل على سلاسة السرد وثرائه؛ يبدأ الفكي الشاذلي قصته بكتابته: "موتوا قبل أن تموتوا! هكذا ارتفعت الصيحة التي يطلقها من حين إلى آخر عبد الغفار، ساكن المقابر، حيث كانت تعلو صيحته وتصبح أكثر حدة في الليالي التي لا يمكنك أن ترى فيها شيئا سوى النجوم البعيدة! محمود عبد الكريم، جارنا من ناحية الشرق، ظل يحكي على الدوام أن "بركات" عبد الغفار الذي يقول أهل الحي إنه "سكير عتيد" هي بركات لا تنتهي، وأن سره لم يعد خافيا، والدليل أن وحيدته "مريم" تمشي الآن على قدميها، بل وتهرول وتجري إن شاءت، بعد أن كانت مُقعدة! يقول محمود عبد الكريم لكل من يلقاه: بعد أن عجز الأطباء والفقراء والشيوخ عن علاج ثمرة فؤادي "مريم" التي أقعدها الكساح ؛ شرد مني الذهن، وتغيرت حالي، وأدمنت الخمر. وذات سحر، وأنا أتقيأ وأترنح من فرط السُكر في أزقة الحي الضيقة، سمعت هاتفا يهتف بي! كانت في يدي قنينة فجرعت منها جرعتين، وضحكت لما قال لي الشيطان: اذهب لعبد الغفار في راكوبته التي في وسط المقابر، واسقه لعله ظامئ لقلة المال! نادمه حتى تأتيا على القنينة، وما بقي فيها، فالدنيا عذاب لك وله. ضحكت على عبد الغفار؛ غريب الأطوار، لأن سُمعته كسكير قد بلغت كل الشياطين! سلكت الدرب صوب المقابر، وأصدقكم القول: بحق الله إني رأيت الرجل يصلي بتلاوة كأنها تأتي من الجنة، ووجهه يضيء عقب كل ركعة، وعقب كل سجدة. انتظرته، لكن صلاته طالت؛ فطفقت أشرب من قنينتي، وأتأمله حتى أتيت عليها! قبيل الفجر قال: السلام عليكم. نظر إليّ وقال: خير إن شاء الله؟ فقلت له بأني أتيت لمُنادمته، لكنه أعاد السؤال، ثم أردف قائلا: ولماذا أنت على هذه الحال؟! فحكيت له حكاية ابنتي "مريم"؛ فقال: تعال يا محمود، تعال اجلس إلى جانبي، ولنرفع أكفنا للمولى- عز وجل- شريطة النية والإخلاص، ونسأله العافية لها. ضحكت شديد الضحك، لكني على كل حال فعلت ما قال! ثم إني بغتة رأيت حشدا من "الديوك" قد استيقظت وأتت، لا أدري من أين، فوثبت على شواهد القبور، فنفضت أجنحتها وأعرافها، وأخذت تصيح في جلبة مروّعة؛ فارتعت، وهنا سألني: أتدري لِمَ تصيح الديكة سحرا؟ وتُكرر نواحها في كل فجر؟ فقلت: لا أدري. قال: إنها تبكي، تبكي حالها، لأنها سترى في مرآة الصبح خيال الليلة التي انقضت من عمرها، فخسرتها دون أن تملك من الأمر شيئا. والتفت عني وجعل يدعو الله ويتضرع إليه".

ربما لاحظنا في الاقتباس السابق- الذي بدأ به السارد قصته- أنه قد اتخذ من الجملة السردية "موتوا قبل أن تموتوا" مُنطلقا أساسيا له في السرد، بمعنى أنه كلما أراد تغيير وجهة السرد من جهة إلى أخرى ساق لنا هذه الجملة التي تُمثل عمود السرد القصصي لديه، وهو ما سنراه فيما بعد حينما يحاول تغيير وجهة السرد على لسان الراوي؛ فرغم أن السارد هنا قد بدأ القص عن عبد الغفار- ساكن المقابر- وعلاقته بمحمود عبد الكريم ليسوق لنا كراماته وبعض الحكايات المنسوجة والمتداولة عنه، إلا أنه بعدما ينتهي من بعض هذه الحكايات عن عبد الغفار يرغب في توجيه السرد باتجاه مشاعره هو وحكاياته ومُشاهداته لعبد الغفار مُنذ كان طفلا، وبالتالي يبدأ السرد مرة أخرى بجملته المحورية التي يتكئ عليها "موتوا قبل أن تموتوا"، وهي الجملة التي اعتمد عليها حينما رغب في تعريفنا بالمزيد عن عالم عبد الغفار وما يُروى عنه؛ فاتكأ عليها بسوقها مرة أخرى: "موتوا قبل أن تموتوا. تناهت الصيحة، صيحة عبد الغفار. إنها تعلو في أي وقت، أحيانا في الفجر، وأحيانا في النهار، وأحيانا أخرى في الأصائل، لكنها تكون أكثر حدة في العشيات التي تضيؤها النجوم، وأحيانا تشق حلكة الليل، أو تمزق السحر. موتوا قبل أن تموتوا. عبد الغفار كان على الدوام وحيدا، وكان يعيش في راكوبته التي نصبها من (القنا والخيش) وسط المقابر. مُنذ أن فتحنا أعيننا على الدنيا وجدناه على ذات سمته، كأن تغيرات الكون لا تمسه. البعض يقول: إنه في الستين، والبعض الآخر يقول: لا، هو في السبعين هو، لكنه كان في أعيننا هو هو ، قدماه حافيتان في الصيف وفي الشتاء! جلبابه من الدبلان الأبيض، رأسه حليقة، شاربه بني خفيف! وكذلك لحيته بنية خفيفية. عيناه كانتا واسعتين صافيتين، لكنه كان نادرا ما يرفعهما عن الأرض، كأنه كان يعرف ما فيهما من سحر هائل، وجاذبية لا تُقاوم. النسوة كن يقلن: مسكين عبد الغفار، عين وأصابته، فقد كان نابغة الحي، ودخل كلية العلوم في "جامعة النصارى" في البندر الكبير، لكن أصابته العين، والعين تُدخل الرجل القبر، والجمل القدر! وعبد الغفار دخل المقابر، لكنه بقي على ظهرها حيا".

إذن، فلقد استخدم السارد هنا جملته المحورية التي اختارها كجملة مفصلية وجوهرية للسرد لتعريفنا بتاريخ عبد الغفار، وما كان عليه، وما آل إليه فيما بعد، ورغم أنه قد بدأ بها سرده القصصي في البداية ليفضي إلينا بكراماته، ومُعجزاته، وقصته مع محمود عبد الكريم، أي الإفضاء بجانب من حياة عبد الغفار، فلقد عاد لاستخدامها والاتكاء عليها مرة أخرى لتغيير وجهة السرد وإعادة تنظيمه.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لعلنا لاحظنا أن القاص هنا يقتحم العالم القصصي من قلبه، فلا تمهيد، ولا مُقدمات قد تعطل من السرد القصصي، وهو ما جعله يعتمد على هذه الجملة السردية باعتبارها جملة جوهرية ومحورية في العالم السردي بالكامل لينطلق منها إلى عالم عبد الغفار، وتعريفنا به وبحكاياته التي لا تنتهي، والتي تلوكها ألسنة أهل القرية جميعا؛ فعبد الغفار هنا- بالنسبة لجميع شخصيات أهل القرية- بمثابة اللغز، الشخصية الغامضة التي ينظر إليها الجميع راغبين في معرفة سرها، لكنهم لا يجرؤون على الاقتراب منه أو اقتحام عالمه الخاص الذي اختاره لنفسه وحيدا بين المقابر.

إذن، فشخصية عبد الغفار كما قدمها القاص في فقرته السردية الأولى هي شخصية بالغة الثراء، من المُمكن للقاص الاعتماد عليها في بناء عالم قصصي دينامي مُتخم بالأسطورة التي تتوالد وتتضخم على ألسنة الآخرين من الغوغاء الذين يلوكون تفاصيل حياته ليل نهار باهتمام بالغ وكأنهم لا يجدون ما يشغل بالهم سواه، بل ويبدأون في اتخاذه كمثال في العديد من المواقف وضرب الأمثال به، ولنتأمل قول السارد: "حينما دنت مني أمي وفي يدها طاسة مليئة بالحليب الدافئ سألتني: لِمَ تتقلب في رقدتك؟ قلت لها: لا شيء، لا شيء على الإطلاق. قالت: من يوم ما نويت دخول "جامعة النصارى" وأنت في حال غير الحال! هل تريد أن تكون مثل عبد الغفار؟!". فإذا ما عرفنا أن عبد الغفار كان يدرس العلوم في "جامعة النصارى" سابقا قبل هجرها، واتخاذه للمقابر محلا لسكنه وحيدا؛ تبيّن لنا الرابط، ومدى ثراء هذه الشخصية القصصية في العالم الذي يخوض فيه السارد، ومقدرة هذه الشخصية القصصية على توليد الحكايات العديدة إذا ما نجح القاص في استغلالها الاستغلال الفني الأمثل.

عبد الغفار، الشخصية الغامضة، الذي ترك الحياة وكل ما فيها ليختار العزلة في المقابر جعل جل أهل القرية مُنشغلين به، راغبين في هتك ستره، وهو ما أدى إلى ابتكار العقل الجمعي للعديد من المرويات التي يتم تناقلها من شخص إلى آخر، ومع هذا الانتقال من لسان لغيره يتم التحريف في الحكايات، والتزيد، أو القص منها والنقصان مما يؤدي في نهاية الأمر إلى نشأة الأسطورة بآلياتها المعهودة عنها؛ لذا نجد أن القاص كان ماهرا إلى حد بعيد، وبالغ الدقة في اختيار المُفردات الدالة على القول، والحكاية، وتناقلها من شخص لآخر: "كانوا يقولون لنا: في راكوبة عبد الغفار لا توجد غير الفروة والأباريق، والكتب، والصندوق العجيب، والاسطوانات السوداء! البعض يهمس: "وبرمة الشراب". وكنت أسأل: ولماذا الكتب؟ فيجيبونني: لا تنس أنه كان نابغة جيله، وأنه دخل كلية العلوم في جامعة النصارى، فهو إن أراد رطن بلغة الخواجات، بل وكتب بها، وبها أيضا إن أراد قرأ".

لاحظ في هذا الاقتباس أن السارد يمعن في اختيار مُفرداته بدقة: "كانوا يقولون"، "يهمس"، "يجيبون"، وهي مُفردات دالة على تناقل الحكايات وتشويهها بالزيادة والنقصان لنشأة الأساطير، ولنتأمل: "قالوا اعترته نوبات غامضة أوان الصبا؛ فهجر الدراسة، وعاد للحي مُتخذا من مقابره مسكنا، ثم إنه أدمن الخمر، فكان لا يفيق منها ليلا ولا نهارا! قالوا: وكان يكثر الصلاة على فروته حتى وهو سكران! البعض قال: إنه توقف عن تعاطي الحرام. والبعض الآخر قال: لا، لكنه قلل والله أعلم. قالوا: كل ما عاد به من جامعة النصارى زينة البندر، التي هي من طوب أحمر، وحجر أبيض، وتطل على النيل، كتب بلغة النصارى، وأخرى بلسان العرب، وصندوق مُستدير يضع عليه اسطواناته السوداء؛ فتنبعث منها أصداء لمُوسيقى غريبة لم يألفها أهل الحي! قالوا: لما يبلغ منه السُكر مبلغه كان يصيح: هذه هي السيمفونية التاسعة التي خلق الله الكون من أجل أن تُكتب! ومرة يصيح: اسمعوا كيف تسيل الشاعرية من مُوسيقى "غوستاف مالر"، أو يصيح: هل أُسمعكم "فرانز" ليست في قصيده السيمفوني؟ أم أُسمعكم "بيلا بارتوك"؟ أم تراكم تحبون "دفايا وديفورجاك"؟! ويضحك: تالله أنتم قوم لا تعلمون، أنتم قوم لا تعلمون! أهل الحي قالوا: علم الخواجات أفسده، كان رجلا غامضا على كل حال".


إذن، فالعديد من الاقتباسات السابقة تؤكد لنا على مهارة السارد في انتقاء مُفرداته الدالة على نشأة الأسطورة وتضخيمها، ولعلنا لاحظنا في الاقتباس الأخير وفرة هذه المُفردات: "قالوا"، و"قالوا"، و"البعض قال"، و"البعض الآخر قال"، و"قالوا"، و"قالوا"، و"أهل الحي قالوا"، فإذا ما كان القاص هنا قد حرص على سوق سبع مُفردات دالة على القول ولوك الحكايات في هذا الاقتباس القصير؛ فهو من قبيل رغبته في التأكيد على أسطرة الشخصية القصصية والارتفاع بها إلى مصاف عجائبية- غير موجودة فيه في جوهر الأمر- لكنها باتت لصيقة به لفرط تداول الحكايات على الألسنة، ورغم أن مُعظم الحكايات تؤكد لنا على مُعاقرته الدائمة للخمر، وإدمانه لها، إلا أننا لم نجده على طول القصة يتناول الخمر ولا مرة واحدة، كما لم يذكر أنه كان يتناولها من قبل، حتى أن محمود عبد الكريم بعد شفاء ابنته مريم قد عاد إليه مرة أخرى ليشكره ويتبرك به، ولرغبته في معرفة حقيقة تناوله للخمور سأله: "يقولون إنك تنادم وتشرب الخمر و... فقاطعني: أي خمرة قالوا بإني أشرب؟ قال محمود عبد الكريم: فصمتُ وأخذت طريقي مُبتعدا من جهة المقابر".

ألا نُلاحظ هنا براعة القاص محمد سليمان الفكي الشاذلي في صياغة عالمه القصصي بإحكام وسلاسة واضحين، بل ومقدرته على انتقاء المُفردات الدالة على ما يرغب في توجيه السرد إليه بدقة؟

إن الشخصية القصصية التي اختارها السارد هنا كعمود أساسي لقصته تحمل من الثراء والدلالات والإسقاطات ما يوحي لنا بعالم قصصي مُستغرق في الخيال، مُتشابك في الأحداث، قادر على توليد الحكايات، لا سيما مع كثرة المرويات التي يسوقها حول الشخصية القصصية الرئيسية، لكن، يبدو أن القاص- رغم امتلاكه لآلياته السردية، ولغته الموحية، وسلاسته وانسيابيته في القص- قد وقع في أسر الفكرة المُجردة؛ مما أحال العالم السردي بالكامل إلى مُجرد تهويم حول الفكرة المُجردة التي استحوذت عليه، مما أفقدها سلاستها واتجه بها باتجاه الجفاف، والرمزية، وسيطرة السؤال والجواب على العالم القصصي في نموذج أقرب إلى التصوف الذي نرى فيه المُريد أمام شيخه، راغبا في سؤاله للعديد من الأسئلة المعرفية؛ ليبدأ الشيخ في ريّ عطش المُريد بالمزيد من أجوبته المُستغرقة في الماورائيات الميتافيزيقة ذات الدلالات الرمزية.

الاستغراق في الحديث الرمزي داخل القصة نكاد أن نلحظه من بداياتها، لكننا كلما تقدمنا في السرد سنُلاحظ أنه يزداد تعقيدا وجفافا، وفتورا بوتيرة مُتصاعدة مما يخرج العملية السردية بالكامل من عالمها الإبداعي إلى أي مجال معرفي آخر لا علاقة له بالسرد القصصي، ولنتأمل حينما شُفيت مريم ابنة محمود عبد الكريم: "عدوت صوب المقابر وأنا أصرخ: يا شيخ عبد الغفار، يا شيخ عبد الغفار، البنت صارت تمشي، البنت صارت تمشي. ولما وصلت إليه؛ أجلسني بقربه، وقال: يا محمود، ما الغريب والله قريب؟! ثم ما الإنسان إلا دعاء، والدعاء إخلاص، والإخلاص قوة لا حد لها، ثم إن ابنتك من آدم، وأنت منه، وأنا منه، وقد نفخ الله فيه من روحه، فمن منا لا يجيب ذاته؟ فقط الصدق والإخلاص".

لكن، إذا ما كانت الفقرة السابقة تكاد أن تكون مقبولة إلى حد ما، فالكاتب يبدأ- مع استرساله في السرد- في المزيد من الترميز والغموض على لسان عبد الغفار، وهو ما يسلب السرد القصصي حيويته وينحو به باتجاه سرمدية سردية تتماهى تماما مع ما يتفوه به، وهو ما يتجلى لنا حينما يحكي السارد عن نفسه حينما كان صغيرا وضاع منه القرش الذي أعطاه له أبوه؛ فيقول: "ولما لم أعثر له على أثر؛ جلست وبكيت. حينها أحسست بكف خفيفة تمسح على رأسي، وبكلمات غامضة لم أفهمها آنذاك. سألني: لِمَ تبك؟ فقلت له: ضاع قرش الأسبوع. ابتسم ونظر إليّ حتى شعرت أن شعاعا وقد جهر عينيّ. قال لي: هذا لا يدعو للبكاء. صحت به: قرشي، قد ضاع قرشي. ضاعت البسمة من شفتيه، وقال بنبرة ثقيلة: لا بد من إدراك المظهر الزائل لكل شيء، سواء كان مُفرحا أو مُؤلما. صحت فيه: أريد قرشي، أريد قرشي. فقال لي بذات النبرة الثقيلة: لِمَ التألم عند فقدان شيء لا يدوم إلا لحظة، في حين أن الأبدية تنعشنا؟!".

هذه اللغة الرمزية التي يتحدث بها عبد الغفار للجميع؛ تجعل أطفال الحي يسخرون منه، فهو يتحدث إليهم بلغة لا يفهمها أحد، ولنتأمل: "جاءنا عبد الغفار من عزلته المجيدة في المقابر القريبة. هتف فينا: أوَلا توقفون اللعب، وتصغون للغة الريح والألوان؟! ضحكنا ولعبتنا لا تقف؛ فدخل علينا الميدان الصغير، وصرخ: الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا! قلنا له: يا عبد الغفار، اخل الميدان فنحن نريد أن نلعب. فصاح فينا: لا تربوا عضلاتكم، فهي من دم ولحم، لكن ابدأوا بتربية الإرادة. ثم أخذ يغرب في كلامه، إذ قال: التطور الحقيقي لا يأتي إلا من الداخل، والوهم لا ينقشع إلا بتربية الإرادة، اسهروا الليل، وارقبوا نجمة الصباح، واعلموا أن عليكم أن تموتوا في هذه الحياة. أوقفنا كرة الشراب وسألناه: وما هي الإرادة؟ أجاب: هي الإرادة. سألناه ونحن نغرق في الضحك: وكيف نربيها، هل نعطيها ماء وبرسيما؟ قال في أناة: تربية الإرادة تتم بالإرادة يا أولاد!".

إن اللغة السردية المُستغرقة في تصوفها الشكلاني التي لجأ إليها السارد، وساقها على لسان عبد الغفار، جاعلا إياه يُحادث بها أطفال الحي لا تتناسب تماما لا مع القص، ولا مع المنطق العام؛ فالمتصوف من البدهي لن يتحدث مع أحد- لا سيما مع الأطفال- بمثل هذه اللغة، اللهم إلا إذا ما كان لديه قصور إدراكي يجعله يلجأ إليها، وبالتالي فلن يفهمه أحد، ولن يوصل لأحد أي شيء مما يرغب في إيصاله، أي فقدان اللغة لمعناها التواصلي الأساس- سواء بالنسبة للشخصيات القصصية أو بالنسبة للمُتلقي- وهو ما رأيناه في هذا الاقتباس، وفي الاقتباس السابق عليه حينما تحدث مع السارد/ الطفل بنفس اللغة حينما ضاع منه قرش الأسبوع، مما يجعلنا نذهب إلى قولنا بأن القاص هنا قد انساق من خلف الفكرة المُجردة- الشخصية التي تزهد الحياة تماما، وتبدأ في تصوفها- لكنه مع انسياقه للفكرة وتجريديتها استغرق فيها استغراقا كاملا؛ مما أحال العالم القصصي بالكامل إلى مجموعة من الترميزات التي سلبته روحه الإبداعية وحيويته!

لكن، هذا الثقل السردي المُتعمد من السارد بسبب استغراقه في الفكرة وغرقه الكامل فيها أدى إلى صعوبة لغة القص للدرجة التي قد تجعل المُتلقي راغبا في الانصراف عن العمل برمته، ولنتأمل: "بعد ذلك بأعوام، وفي بواكير المُراهقة سكننا الخوف من الموت. قلنا: نسأل عبد الغفار الذي يكثر من ذكر الموت، عندما ينزل علينا في الحي. وبعد أحد عشر يوما، هلّ علينا عبد الغفار؛ فركضنا صوبه نصرخ قائلين: نحن نخاف الموت. ابتسم بسمة قديس وقال: الموت لا يعني الفناء، ربما نندثر جسدا، لكن من المُؤكد أن روحنا لن تندثر، الموت لا يعني الفناء، المخلص يتخلص من الخوف، من الموت، في حين أنه يظل هاجسا لمن يعيش مع عقليته، ولا يريد أن يفكر في الموت لأنه يظن أنه سيندثر جسدا وروحا. يا أولاد، الموت مُنقذ، إنه مرحلة في تطور الحياة، مثلما خرجنا من محدودية الرحم، نخرج من محدودية الدنيا، الموت يعني استمرارية السير الروحي صوب الكيان، لذا يكون الموت هو الهدف المنشود، وعليكم أن تموتوا قبل أن تموتوا! سألناه: ماذا تعني بأن نموت قبل أن نموت؟! أجاب: أعني أن تُميتوا هواجس النفس ليزول هذا التفكير الذي يسجنكم بصورة نهائية من خلال موتكم! وقبل أن تموتوا تستطيعون أن تتحرروا من الخوف، تستطيعون أن تحيوا ميلادا ثانيا يفتح لكم ما هو كوني وأبدي، ويسمح لكم بالوصول إلى تلك الطاقة التي نتوفر عليها جميعا، ألا وهي القدرة على الخروج من العالم المحدود والمُغلق بعقليتنا وفكرنا، لأجل الوصول إلى الروح المُتجلية في كل شيء. بموتكم قبل أن تموتوا تغيرون القيمة والمعيار والوزن وتدركون شيئا فشيئا جوهر الحياة. ثم غمغم: إن الحاضر الأبدي هو الحي الباقي. سألناه وقد عاودتنا شقاوة الصبا الساخرة: وهل تعلمت ذلك عندما كنت في كلية العلوم، أم بعد أن شربت الخمر؟! فابتسم ولم يجب".

سنُلاحظ في الاقتباس السابق أن السارد هنا قد بدأ في تحويل السرد القصصي إلى مُجرد مجموعة من التساؤلات التي تليها مجموعة من الأجوبة الرمزية من قبل عبد الغفار، وهو ما يسلب السرد الكثير من روحه باتجاه الغموض، والتفلسف التصوفي الشكلاني الذي لا معنى فني له في القصة، وهو ما يعود إليه السارد بشكل أكثر تكثيفا واستغراقا حينما يشعر السارد- بعدما تقدم به العمر وبات شابا- بالكثير من الأرق والقلق والفوضى الفكرية التي تسود ذهنه؛ مما دفعه إلى التوجه باتجاه المقابر للقاء عبد الغفار، ليبدأ في سؤاله: "قلت له: عندما كنت طفلا، قلت لي لما ضاع مني القرش: لِمَ التألم عند فقدان شيء لا يدوم إلا لحظة، في حين أن الأبدية تنعشنا، ماذا كنت تعني بالتحديد؟ صمت ثم قال: عنيت أننا عندما نكف عن التشبث بما هو عارض، فإننا نستطيع أن نرى ذواتنا في عالم أكثر اتساعا وكونية، ولن نشعر بذاتنا كصدفة، ولن نشعر كذلك بالأشياء التي من حولنا، كواجب أو ضرورة، لن نخضع للأشياء، ولن تعود هناك أية ضغوطات تستوجب الألم لأننا ببساطة نكون قد سلكنا شعاب الأبدية المُنعشة. ثم إن كل عارض هو في جوهره مادي".

ألا نُلاحظ هنا أن لغة السرد القصصي قد تحولت إلى لغة مقالية جافة خالية من الروح تماما باتجاه التجريدية التي تتناسب مع الفكرة المُجردة في حد ذاتها؟

إن الإشكالية السردية الجوهرية في قصة "بيتي بين الأموات" للروائي السوداني محمد سليمان الفكي الشاذلي تعود إلى انسياقه من خلف الفكرة في شكلها المُجرد، ورغم أن العالم القصصي هنا يبدو لنا للوهلة الأولى بالغ الثراء، والسلاسة، والتلقائية، والمقدرة على توليد الحكايات السردية مما يكسبه المزيد من الثراء الفني، إلا أن السارد هنا لم يستغل هذه المُميزات السردية لصالح العمل الفني، بل تغافل عنها في سبيل الانسياق من خلف تجريدية الفكرة، وهو ما أدى إلى هدم العالم الفني، وسلبه لكافة مقوماته السردية لصالح التجريد؛ مما أكسبه لغة مقالية جافة صالحة للصحافة في غالب الأمر أكثر من صلاحيتها للسرد القصصي.

اللغة المقالية- القريبة إلى حد ما من الخطابية أحيانا، ومن التصوف الشكلاني في أحيان أخرى- تتجلى لنا في لقائه بالسارد داخل المقابر ليلا، وهو اللقاء الذي استمر قرابة نصف عدد صفحات القصة تقريبا، أي نصف المساحة السردية مما أفسدها بتحويل القصة إلى مُجرد أسئلة تليها إجابات غامضة جافة، ولنتأمل المقطع التالي: "دمعت عيناي وأنا أهمس له: إن ذهنك يبدو صافيا للغاية بينما أشعر أن ذهني مشوش مُضطرب! أنا أقرأ كثيرا، هل صحيح أنك قرأت كثيرا؟ حدق في طويلا، وقال بصوت عميق، وضوء النجوم يزرق كما لم يزرق أبدا: القراءة ليست هي المُشكلة، ولكنا- وحسب العادة- فإن ذهننا يكون مشوشا تماما بمخاوف متوهمة، وبمشاغل مادية، أو بإحساسات مُختلفة، كالحب، والكراهية، والفرح، والألم، والرغبة، والمُستقبل، والخوف نفسه، والشك، والغضب. وصمت حينا، ثم استأنف في بطء كأنما يعلك علكة مُرة: إن ذلك يُشكل مجموعة من العوائق التي تعيقنا في مجال تصرفنا، ما يحتم علينا احتمال العديد من الاختبارات لكي نغيّر عقليتنا، ولكي لا نسمح لها بعد بالتشبث بالأشياء بهذا المقدار من القوة والمُعاناة! وإذا استطعنا اجتثاث كل تلك المعوقات الصنمية، فإننا نستطيع شيئا فشيئا فتح دهاليز الروح المُغلقة، وبولوجنا فيها نكون قد تجاوزنا العقل والنفس، فنصبح أكثر هدوءا واتزانا، وتجلب لنا بقعة النور الجديدة مُسالمة دمثة، ومُصالحة مع الذات، وراحة لا تُحد، لذا من أجل أن نعيش ذاتنا الإنسانية؛ فإنه يتعيّن علينا أن ندرك حجم المجهودات الكبيرة التي يتعيّن علينا بذلها، علينا القيام ببعض الأشياء وهجر أخرى، أنت تعلم أن الإنسان لا يحب التكاليف، ولا المسؤوليات، بل يرغب في الحصول على كل شيء بلا تعب أو ضنى، لكن رسالة الإنسان في جوهرها ما هي إلا الكدح والضنى".

ماذا لو اقتطعنا هذا المقطع من سياقه القصصي المذكور فيه لنضعه مُنفردا في صحيفة ما؟ ألا يصلح أن يكون مقالا ذهنيا جافا لا علاقة له بالفن السردي القصصي؟


هذا ما قصدناه من انسياق السارد هنا خلف فكرته المُجردة، والاستغراق فيها مما أفسد السرد القصصي في نهاية الأمر، ولنتأمل مرة أخرى: "قال بهيمنة غامضة: ما وُجد من قبل إلا الملائكة، وهي كائنات من نور لا يمكنها الفتور عن التسبيح لله- عز وجل- ولا الوقوع في المعاصي، وكان في المُقابل الشيطان الذي تُحركه دوما روح سلبية، وهو عبد للشهوة، ويعيش في الظلام، فالملك كائن من نور، والشيطان كائن من ظلمة، وكلا الاثنين يعيش في انسجام تام في عالمه، في حين أن الإنسان توجد فيه جميع المُتضادات المُتناقضة، فيما الكائنات الأخرى التي تعيش على هذا الكوكب لا تنطوي على هذه التناقضات، ولا على هذه الثنائية، ولا تستطيع أن تعرف مثل الإنسان في آن واحد الحب والكراهية، السرور والألم، اليقين والشك، وهي لا تعبأ بالمُستقبل. المخلوقات جميعها تعيش في تناغم تام مع عالمها، وإن تغذى النبات على المعدن، وتغذى الحيوان على النبات! في النهاية التوازن تام، والاستثناء الوحيد هو الإنسان. قلت له: إنني أتخبط بين السالب والمُوجب، إنني أقاسي. قال: هوّن عليك، واعلم أن السالب والمُوجب ليسا خيرا، ولا شرا، لكنهما أمر واقع ببساطة. سألته بلهفة صادقة: ما العمل إذن؟ قال: علينا بالبحث عن الجزء الأبدي الموجود في ذواتنا، وذلك لا يكون دون التعرف على العنصر الدنيوي المعيق والمحدود، الذي يعرقل تفتح طبيعتنا الحقيقية، فالغاية هي إيجاد الطريق الوسط، ولا وجود لهذا الطريق إلا من منظور الولادة الثانية، حيث يفنى فينا الإنسان المُتخبط، ولكي تكون هذه التجربة كاملة، فيجب أن تتم هنا في هذا العالم، وبقالب جسدي بكل تناقضاته ولذاته، ومسؤولياته، وشهواته، وكل ما يميزنا ويجعل منا كائنات استثنائية. إن الأمر برمته منوط بصدق النية وسلامة القلب، وإذا توفر ذلك، فإننا سنرى ونسمع بعمق أكثر وبدون ظلمات، لا يمكن لأحد أن يعرف النور. قلت له: والقراءة، هل أوقفها؟ بماذا تنصحني؟ ضحك: لماذا تخاف القراءة؟ إنها أداة فاعلة. سألته: حتى تلك التي تقول بالعدم؟ قال: في العلوم نعرف أن المصل الواقي هو من ذات الميكروبات، وذات الجراثيم، وهو يُعطى لنا لكي يقينا من ذات المرض الذي حينما يهاجمنا ويجد بعضا منه، فإنه لا يفتك بنا، بل يضع ذيله بين رجليه، مثل كلب مسكين ويمضي".

ألا نُلاحظ هنا المزيد من التخبط ما بين السرد القصصي بفنيته التي نعرفها عنه وسلاسته وانسياله، واللغة المقالية التأملية الجافة، البعيدة البون تماما عن اللغة السردية؟

إن السارد هنا قد أحال عالمه القصصي بالكامل إلى مجموعة من التأملات التي يسوقها في شكل أسئلة مُلحة وضرورية من المُريد إلى شيخه، ومن ثم انهالت إجابات الشيخ في شكل تقريري جاف، يزيد من سلب روح النص القصصي ويحوله إلى مُجرد مقال، أو تأملات في الحياة والموت. يتبدى لنا ذلك في هذا المقطع التأملي الأخير: "قلت له: أرى عندك القليل جدا من الطعام. قال: إنه أكثر من كافٍ، ثم إننا أُعطينا هذا الجسد ليخدمنا، لكن الأغلبية منا تقضي حياتها في خدمته! نحن نعتني به ونكسوه، ونعزه؛ فينتهي بنا الأمر إلى استعبادنا، ونصبح أسارى لهذا الغطاء اللحمي! في حين أنه لم يعط لنا في الحقيقة إلا لخدمة الروح، لكننا- وللأسف- نقوم بعكس هذا الأمر! إننا نفرض على الروح العبودية الجسدية! وإذا امتلكنا العزم والصدق والمُثابرة فلن نقايض الأبدي بكسب مُؤقت. علينا بتطوير اليقظة والوعي، ويوما بعد يوم سيكبر المجهود، وسنكون أول من يجني الثمار، لأن كل شجرة محتواة في بذرتها، فعلى الإنسان إذن أن يتعهد ويسقي هذه الحديقة الباطنية".

إذن، فالقاص السوداني محمد سليمان الفكي الشاذلي هنا يمتلك من الأدوات السردية، والحيّل الفنية ما يجعله بارعا في صياغة عالم فني مُكتمل، يساعده في ذلك لغته السردية الهادرة والسلسة والمُعبرة عما يرغب في الذهاب إليه، لكنه هنا وقع في شرك تجريدية الفكرة مما أفسد لغته السردية لصالح التجريد، والجفاف، واللغة المقالية التي تتناسب مع الفكرة، لكنها تبتعد به عن انسيابية اللغة القصصية، ولعلنا لاحظنا أن السارد هنا لم يصل بنا إلى أي شيء في نهاية الأمر، بل حبسنا معه في الفراغ الذي استساغه؛ فالراوي الذي نستمع إلى صوته مُنذ بداية القصة حتى نهايتها يتحدث عن عبد الغفار مُنذ كان يراه وهو طفل، والحكايات التي تُنسج من حوله، وتداول هذه الحكايات على ألسنة أهل القرية مع ما يلحق بها من تغيرات، وسُرعان ما ينتقل إلى مرحلة شبابه، والتهامه للكتب من أجل المعرفة، وهو ما أصابه بالكثير من القلق، وبالتالي توجه إلى عبد الغفار ذات ليلة ليبدأ بينهما حوار لا ينتهي، تسوده الكثير من الرمزيات، والحديث الميتافيزيقي، ليعرف الراوي بأن عبد الغفار لديه مقبرة من الكتب التي دفنها وتخلص منها مُنذ وقت طويل، فيطلب الراوي منه هذه الكتب، وهو ما يوافق عليه عبد الغفار، لكنه مع شروق الشمس يطلب من الفتى العودة إلى بيته حتى لا تقلق عليه أسرته: "عد الآن إلى أهلك، ولكن يمكنك أن تعود إليّ عندما تلمع النجوم في آخر العشي"، وهي الجملة التي أنهى بها القاص قصته الطويلة، حتى لكأنه قد بدأ السرد القصصي بالكامل، وأنشأ هذا العالم فقط لمُجرد أن يسوق تأملاته التي أتى بها على لسان عبد الغفار المتصوف شكلانيا، أي أن الكاتب هنا كان أسيرا للفكرة، مُنساقا لها انسياقا كاملا مما خنق العالم الإبداعي بشكل كامل، رغم أن نفس هذه الفكرة إذا ما تم تناولها بشكل آخر- مع كل هذه الآليات السردية التي يمتلكها القاص- لكانت قد استحالت إلى عالم قصصي أكثر ثراء مما رأيناه في هذه القصة. ولعلنا لاحظنا هنا العنوان الذي اختاره القاص لقصته "بيتي بين الأموات" وهو العنوان الحامل لدلالة الرفض المُبطن للحياة بين البشر، وما يدور فيها، مما يؤكد لنا على زهده لهم، ولصراعاتهم التي لا تنتهي، لكنه للأسف لم يبيّن لنا سبب هذا الرفض، وما الذي دفعه لاتخاذ هذا السبيل طريقا للحياة، في حين أنه كان من المُمكن له الاعتماد سرديا على سبب هذا الرفض للمزيد من إثراء العمل القصصي، لكنه فضل في النهاية تجريدية الفكرة التي سلبت العمل القصصي روحه بالكامل؛ فخنقته، وحولته إلى محاولة قصدية للتفلسف في شكل قصصي يحمل بذور انهياره بداخله.

إنه التفلسف الذي نلمحه على سبيل المثال في: قلت له: لكنك في ذلك اليوم كنت تعمل في بيت "أمينة" القوادة، ولا بد أنك أخذت منها نقودا نظير عملك و... فقاطعني قائلا: لقد ردمت لها حوشها، حتى لا يدخل السيل، ويهدم حجراتها التي تعبت وشقيت في بنائها. قلت له: ولكن تلك الحجرات تكتظ بالعاهرات! قال: علينا أن نكون على صورة البحر الذي تصب فيه الجداول والأنهار والوديان عند المستوى الأكثر انخفاضا، تأتيه جميع المخلوقات، لأنه موجود بها، ويرى نفسه في كل واحدة منها، إنه ملاذ الجميع، سواء كانوا صالحين أم طالحين، فالأمر هو اختلاف مقدار، وليس اختلافا في الطبيعة، ثم إن الطبيعة هيأت بعض الكائنات لتتلقى أكثر من الآخرين. الطريق مرسوم من قبل، ونحن لا نعمل إلا على اتباعه. سألته: وحرية الاختيار، أليست هي موجودة؟ أجاب: نعم موجودة، لكنها تتحقق عندما تتبع. قلت له: لا أفهم. قال: بعد أن تنتهي من اختيار ما يضرك؛ سينشأ لك انفتاح على عالم جديد هو عالم الاتباع، الذي يوجد جذره ها هنا، وأشار إلى قلبه وتأوه: النفس تختار دوما ما يضرها، لأنها تؤثر العمل بمعزل عن الروح، وكلما قلّ خضوع النفس للروح؛ ازداد ألمها إلى أن تستسلم فتجد الطمأنينة، وهذا الأمر شبيه بالمطرقة التي تسوي المعادن، فإذا كانت الخيارات شديدة الصلابة فإنها تسلك في نار الروح حتى تصبح أكثر مرونة. الجسد يسود بدءا، ثم تتأمر فيه النفس، وأخيرا يأتي سلطان الروح. وفي هذه المرتبة الأخيرة يكون الأمر عجبا! فحفيف الروح يكون كلاما وتفهمه، وزقزقة الطير تكون كلاما وتفهمه، وعوي الريح يكون كلاما وتفهمه، والظلام يكون كلاما وتفهمه، وصراخ الصمت يكون كلاما وتفهمه، والنور يصير لغة تتحدثها". أي أن القاص هنا لديه من الإصرار ما أدى به إلى خنق عالمه القصصي بالكامل، وإحالته إلى مجموعة من الرمزيات الميتافيزيقية التصوفية بهيئتها الشكلانية القشرية البعيدة عن التصوف بشكله الجوهري الأعمق؛ فخسر السرد القصصي، وخسر التفلسف معا!

 

 محمود الغيطاني

مجلة "نقد 21".

عدد فبراير 2026م.


 

 

 



[1] Novella الرواية القصيرة، هي عمل أدبي نثري سردي، أقصر من مُعظم الروايات، لكنها أطول من مُعظم القصص القصيرة جدا. كلمة Novella الإنجليزية مُشتقة من الكلمة الإيطالية Novella التي تعني قصة قصيرة مُرتبطة بوقائع حقيقية، أو تبدو كذلك.