![]() |
أفيش الفيلم |
وهم الإيمان، أو الأسطورة
التي تخص كل شخص على حدة هو ما يرغب صناع الفيلم في قوله في نهاية الأمر؛ فليس كل
ما يؤمن به المرء باعتباره حقيقة إيمانية عظمى هو الحقيقة المطلقة؛ لأن هناك
العديد من طرق الإيمان التي يعتنقها الأشخاص، وكل منهم يرى أنه المؤمن الحقيقي
بينما قد يكون هذا الإيمان محض أسطورة يفني من أجلها الشخص حياته من دون طائل.
لعل هذا ما ركز عليه الفيلم لاسيما
حينما قال الزعيم الديني أو "الأب" The Father لآرا Ara الذي قام بدوره الممثل Cauã Reymond "أنا صنعت إلهي من أوهامي" I created my own God from my delusions "فهو كان مجرد امتداد لنفسي" He was just an extension of myself لينهي بهذا القول الأسطورة التي عاش فيها
آرا طيلة حياته حينما تبناه هذا "الأب" بعد موت والديه وظل يقوي داخله
الأسطورة الدينية التي لابد أن يعيش ويُفني حياته بالكامل من أجلها؛ ثم يكشف له في
النهاية أنه قد أوهمه بوهمه الذي ظنه، وحبسه هو ورفاقه جميعا داخل أسطورته الخاصة.
يبدأ المخرج فيلمه بفتاتين
تسافران ليلا في سيارتيهما لتفاجآ بمجموعة كبيرة من الدراجات البخارية المقابلة
بسرعة كبيرة بينما تطاردهم سيارات الشرطة؛ الأمر الذي يؤدي إلى الاصطدام وانفجار
السيارات؛ ليقطع المخرج على المئات من المؤمنين في قلب الصحراء الراغبين في رؤية
تمثال العذراء الموجود في إحدى الخيام ومن ثم يقدمون مقابل رؤيتهم للعذراء الكثير
من النقود أو الحيوانات والدجاج لمجرد إلقاء نظرة عليها من قبل مجموعة من الرجال
المدججين بالسلاح لنعرف فيما بعد أن هناك مجموعة مسلحة يتزعمها تينوريو Tenorio الذي أدى دوره ببراعة الممثل Humberto Martins، وهذا الزعيم قد استولى على تمثال السيدة العذراء التي يؤمن بها
الكثيرون نتيجة أسطورة ما تقول: "إنه حينما تعود القديسة الذهبية إلى مذبحها
الشرعي سيسقط المطر على الأرض القاحلة، ولكن الساحر في الغابة الشوكية هو الوحيد
الذي يعرف التمثال الحقيقي للقديسة العذراء؛ لذلك تولى مجموعة من الرجال المؤمنين
الأمر، وذهبوا إلى الساحر للعثور على الجواب وتحقيق المعجزة، إلا أنه أخبرهم بأن
لكل شيء ثمن".

نتيجة لأن "تينوريو" يمتلك تمثال
العذراء الذي يظنه "الأب" والمجموعة المؤمنة معه بأنه التمثال الصحيح
والحقيقي للعذراء الذي لابد لهم من الحصول عليه ووضعه في مكانه الصحيح لتتحقق
الأسطورة وتُمطر السماء، ولأن تينوريو يستغل الفقراء من المؤمنين في سلبهم أموالهم
وحيواناتهم لمجرد النظر والتبارك بالعذراء؛ تقوم المجموعة المؤمنة ومعها
"الأب" بالهجوم على المجموعة المسلحة التي تتاجر بالعذراء ليقوموا
بقتلهم والحصول على العذراء، ولكن "الأب" يُصاب بطلق ناري ليموت، وأثناء
دفنه تهاجم الشرطة المجموعة المؤمنة لتطاردهم وينتهي الأمر بالاصطدام الذي تنفجر
فيه سيارات الشرطة مع سيارة الفتاتين المسافرتين وتنجو لاورا Laura التي قامت بأداء دورها الممثلة Luisa Arraes بينما تموت صديقتها "ريناتا"، وهنا يعود بنا المخرج مرة
أخرى إلى البداية التي افتتح بها فيلمه على مشهد المطاردة والانفجار بعدما يُفسر
لنا سبب هذا الحادث.
يُفسر لنا الفيلم وجود هذه
المجموعة من المؤمنين بهذه الأسطورة حينما يعود مرة أخرى عن طريق الفلاش باك Flash back ليوضح لنا أنهم مجموعة من الأطفال الصغار الذين فقدوا آبائهم
فتولى رعايتهم أحد الأشخاص الذي أطلقوا عليه اسم "الأب" Father وجعلهم يؤمنون بهذه الأسطورة التي اخترعها؛ كي يكرسوا حياتهم بالكامل
من أجل تحقيقها؛ الأمر الذي جعلهم يعيشون في عزلة كاملة عن المجتمع في الغابات
الشوكية القاحلة والواسعة من أجل تحقيق الأسطورة ورؤية السماء تمطر على الغابات
الشوكية.

هنا يتذكر "آرا"
زيارته السابقة مع "الأب" للساحر "جاليجو لورد" Galego Lorde الذي أدى دوره الممثل Júlio Andrade وكيف أن الساحر قد أخبره في هذه الزيارة أن لكل شيء ثمن، وهنا فقط
انتبه إلى أن الثمن الذي أخبره به الساحر كان هو "اللحم" وليس المال أو
الذهب والأمور الثمينة التي لا تعني له شيئا، أي أن الساحر يريد أن يكون ثمن
الحقيقة التي سيخبرهم بها هو امرأة كهدية له، وهنا يتفق مع "الأم" على
تقديم "لاورا" – الفتاة الغريبة التي نجت من الحادث- كثمن للساحر من أجل
إخبارهم بالحقيقة، وعن سبب عدم سقوط المطر رغم الحصول على تمثال العذراء ووضعها في
المكان الصحيح.


تنقذ المجموعة المؤمنة آرا من
قبضة الساحر وتتخلص منه ومن رجاله، وحينما يعودون يكتشفوا أن تينوريو قد حرق
"الأم" واستولى على تمثال العذراء مرة أخرى؛ فيصمم آرا على الانتقام
للأم التي اعتنت بهم جميعا منذ كانوا صغارا، وحينما يتواجه مع تينوريو أثناء
الاحتفال بعودة التمثال ينظر آرا إلى تمثال العذراء؛ ليقول له تينوريو: أنت لا
تستطيع أن تفعل شيئا حيال تمثال العذراء فيكون رد آرا هو تصويب المسدس لتمثال
العذراء ليدمره ويدمر معها أسطورته الدينية التي عاش فيها حياته بالكامل، ثم يقتل
أحدهم تينوريو.
لعل ذكاء صناع الفيلم في
إيصال ما يقصدونه بأن الإيمان ليس إلا مجرد أسطورة كان من خلال مشهد تدمير آرا
لتمثال العذراء حينما انتقلت الكاميرا من مشهد Slow motion لتدمير تمثال العذراء إلى لقطة على السماء التي بدأت تتلبد بالسحب
ويبرق فيها البرق؛ في تأكيد بصري على أن كل ما كان في حياة آرا ومجموعته كان مجرد
وهم عظيم. فرغم أنهم استولوا على تمثال العذراء ووضعوها في مكانها، ومات منهم
الكثيرون، وقتلوا في سبيل ذلك الأكثر إلا أن السماء لم تمطر ولم تتحقق الأسطورة،
لكنها بدأت تمطر حينما تم تدمير تمثال العذراء الذي كان خلف كل هذه الأسطورة.

لكن الدور الذي قام به الممثل
Humberto Martins كان من أهم الأدوار؛ حيث كانت ملامحه أمام
الكاميرا تتحدث من دون أي جهد في أداء تمثيلي بارع حاول أن يجاريه فيه Cauã Reymond في مباراة تمثيلية ممتعة.
محمود الغيطاني
مجلة الثقافة الجديدة
عدد أكتوبر 2017م
هذه قراءة ورؤيى بصرية متأنية تفكك فكرة الفيلم واسلوب تركيبه من مخرجه وممثليه الكبار .. النقاش الفيلمي يعتمد هنا على المنطق بعيدا عن الرؤية الاحادية بل على الجدل ؛جدل الطبيعة وجدل الحياة التي تفرز لنا خبزنا اليومي وتواصلنا مع الماضي المستقبل
ردحذف